دراسات وبحوث

الدراسات المستقبيلية في العالم الإسلامي بين الواقع والمأمول

الدراسات المستقبيلية في العالم الإسلامي بين الواقع والمأمول

د. سليخ أسامة    د. جارش عادل

مقدمة

ظهرت منذ خمسينيات القرن الماضي دراسات وبحوث عديدة تُعنى بشؤون المستقبل في مجال الدفاع والسياسة وعدة ميادين أخرى، ولقد ازدادت وتكاثرت هذه الدراسات على النحو الذي جعل العديد من الدول تؤسس لها مراكز ومعاهد بحثية قصد تطويرها وتحديد عدة مناهج وأساليب وتقنيات علمية تهدف إلى التعرف أكثر على احتمالات المستقبل بشكل أفضل.

ورغم أن هذه الدراسات ناشئة أو فتية إذا ما تم مقارنتها بالعلوم الأخرى؛ مثل علم الاجتماع وعلم السياسة غير أن مكانتها تزداد يوماً بعد يوم، ولقد بلغ عدد المؤسسات التي تُعنى بشؤون المستقبل في الولايات المتحدة الأمريكية أزيد من ستمئة مؤسسة نهاية الستينيات، ليزيد عن ذلك بكثير الآن، بل وأصبحت الدراسات الاستشرافية مقرر أساسي يدرس في عدة كليات وجامعات، كما تم إنشاء عدة وزرات تُعنى بدراسة المستقبل والاستشراف في عدة دول بالعالم الغربي، ويرجع ذلك إلى إدراكها بأن العالم المعاصر هو عبارة عن عالم يموج بالتغيرات المتلاحقة والمفاجئة ويتميز بالتعقيد، فلهذا يجب الاهتمام بالمستقبل وأخذه في الحسبان من أجل الانتقال إلى الأفضل  والتحكم في متغيراته، وتجنب الاحتمالات السيئة التي قد تمسها.

أما عن الدول الإسلامية فلقد بدأ مؤخرا منذ نهاية السبعينيات وبداية الثمنينيات الاقتراب تدريجياً من هذا العلم، رغم أن هذا العلم كثقافة ليس غريباً عن الثقافة الإسلامية، فقد كتب ابن خلدون عنه وسماه بالتشوف، وأشار إليه العديد من العلماء المسلمين في كتاباتهم القديمة والحديثة، ولكن ليس كتأصيل علمي ومنهجي –أي عن أساليبه الكمية والكيفية ومناهجه وتقنياته-، وإنما بالحديث عن أهميته وملامحه وكيفية استرداد الماضي للتحوض من الأخطار المستقبلية التي قد تشبه الأخطار الماضية لا سيما إذا كانت الظروف والمكان نفسه، ومن هذا المنطلق فإن هذه الورقة البحثية تحاول النظر في هذا الموضوع من خلال التركيز على وضع الدراسات المستقبلية في العالم الإسلامي لا سيما في المرحلة الراهنة، أو بمعنى آخر هل هناك اهتمام ذات مستوى لابأس به بهذا النوع من الدراسات في العالم الإسلامي، فإذا كان موجود فماهي أبرز ملامحه؟،  وإذا لم يكن كذلك فما هي أبرز التحديات التي تواجهها، وهل فعلاً تجاوز العالم الإسلامي مرحلة علم المستقل كفكر ونظريات إلى ما يسمى بصناعة المستقبل Future Making، والذي يهدف إلى التحكم مسبقاً في أبرز متغيرات واقعه في عدة مجالات بناءاً على ما يرصده من ملامح ومؤشرات ومخططات استراتيجية يقوم بها.

أولاً: نشأة وتطور الدراسات المستقبلية في العالم الإسلامي

من الصعب على الباحث أن يحدد سنة أو تاريخ دقيق لانطلاق الدراسات المستقبلية في العالم الإسلامي، رغم أن هناك العديد من الأفكار التي تحدثت عن المستقبل وأهميته بشكل عام منذ القدم، ويمكن القول بأن ظهور الكتابات المتخصصة في التنبؤ ظهرت منذ الثمانينيات، لكنها لم تحرز تقدماً كبيراً إلى غاية الآن دون إنكار ظهور عدة محاولات جادة ومهمة في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، ككتابات وليد عبد الحي ومهدي المنجرة، ومحاولات الفرق البحثية استشراف أوضاع الأمة العربية في جامعة الدول العربية.

إن العناية بالبعد المستقبلي في العالم الإسلامي كعناية منهجية تأخر لفترة عند المسلمين والعرب عند مقارنتها بالغربيين، فلقد أشار وليد عبد الحي في كتابه “مناهج الدراسات المستقبلية وتطبيقاتها في العالم العربي” أنه عند تأصيل جهود الباحثين حول الدراسات المستقبلية، فيمكن التمييز بين نمطين من الجهود في هذا الجانب:

  • الجهود التوجيهية: وهي تلك المحاولات التي اشتغل فيها الباحثون بحث المسلمين والعرب بالتوجه نحو الاهتمام بالبعد المستقبلي، دون أن تولي اهتمام كبير بتقنيات ومناهج التعامل مع هذا البعد، كما أنها لم تقدم جهدا واضحاً للكيفية التي يمكن بها التنبؤ بالمستقبل من خلال استعمال تقنيات وأدوات البحث العلمي، ومن بين هذه الاجتهادات البحثية في هذا الجانب ما كتبه قسطنطين رزيق في كتابه “نحن والمستقبل” عام 1977، والذي يمكن اعتباره بأنه أول الجهود التوجيهية المهمة، وقد كتبه متأثراً بما آلت به الأوضاع لدى العرب بعد هزيمته مع الكيان الصهيوني في سنة 1967، ثم أضاف كتاب آخر معنون بـــ: “مطالب المستقبل العربي: هموم وتساؤلات”، ولقد ركز رزيق في هذان الكتابان على النمط المعياري أكثر من النمط العلمي في حديثه عن مستقبل الوحدة العربية، ويندرج أيضاً ضمن الجهود التوجيهية دراسات المهدي المنجرة في كتابه الحرب الحضارية الأولى عام 1991، ولقد استخدم فيه بعض التقنيات كالإسقاط لتصور الأوضاع المستقبلية، وتحدث فيه عن العديد من القضايا ومحددات المستقبل، ورغم ذلك فإن النمط التوجيهي والفلسفي هو الطاغي([1]).
  • الجهود التقنية: وتتمثل في محاولة نقل وتطبيق التقنيات والمناهج العلمية للدراسات المستقبلية من العالم الغربي إلى العالم الإسلامي والعربي([2])، ولقد بدأت هذه المرحلة منذ بداية الثمانينيات واتسعت فيما بعد لتشمل عدة ميادين، إذ أصبحت هذه التقنيات والمناهج الآن تدرس في عدة كليات ومعاهد إسلامية وعربية بالجزائر والكويت ومصر وماليزيا وتركيا، وأصبحت تطبق ضمن ما يسمى بالمشاريع المستقبلية في العالم الإسلامي والعربي لا سيما على المستوى القطري.

وعليه عند الحديث عن واقع نشأة الدراسات المستقبلية في العالم الإسلامي نجد أن الأوساط الإسلامية خاصة العربية منها لم تخل من بعض المحاولات الأولية لدراسة المستقبل تأثراً بالثورة والتطورات التي حصلت بهذا الشأن في بداية الستينيات في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، لكن ما ميز أغلب هذه المحاولات أنها كانت ذات توجه سياسي، حيث يقول محمد إبراهيم منصور في هذا الصدد: الدراسات المستقبلية في الوطن العربي لم يكاد يكون لها أي اهتمام قبل السبعينيات من القرن الماضي، وحتى المحاولات التي قادها الرعيل الأول من المفكرين كانت محدودة ومتقطعة وفقيرة في تقنياتها، لكنها في مرحلة الثمانينيات اكتسبت أهمية متزايدة نظراً للقضايا التي كانت مطروحة، ونتيجة للتغير الحاصل في مفاهيم التنمية والمفاهيم التقليدية التي كانت تعالج أوضاعاً أستاتيكية([3]).

وربما استراتيجية المشاريع المستقبلية التي أصبحت الدول تتبناها في الأقطار العربية كمشروع مصر لسنة 2030، إضافة إلى ظهور مشاريع خارجية تهندسها القوى العالمية كمشروع القرن الأمريكي سنة 2002 الذي دعا إلى إعادة رسم الخريطة الإقليمية للمنطقة وتغيير هويتها، وخطة عشر سنوات لجون بايدن في الشرق الأوسط، ومشروع الكيان الصهيوني 2025 كلها كفيلة بضرورة إعادة النظر في مكانة الدراسات المستقبلية، فمن دون استشراف المستقبل الإسلامي ستبقى محاولة معالجة قضاياه معلقة وعاجزة إلى حد كبير، فعلى سبيل المثال عدم إخضاع الأوضاع الحاصلة أثناء الحراك العربي إلى الدراسات المستقبلية ولتقنيات السيناريوا والأدوات البحثية الأخرى جعل العالم الإسلامي والدول المتضررة من الحراك تعجز عن رسم السياسات واتخاذ الإجراءات المناسبة لمواجهتها([4]).

ثانياً: الحاجة إلى الدراسات المستقبلية في العالم الإسلامي

إن الحاجة للدراسات المستقبلية اليوم حاجة جد ملحة أكثر من أي وقت مضى في العالم الإسلامي كونه مازال يعاني لغاية الآن من غياب شبه تام للرؤى المستقبلية الجادة في مختلف المجالات، وما العدد القليل من الدراسات المستقبلية إلا أكبر دليل على ذلك، وتتجلى الحاجة في الاهتمام بالمستقبل بأنه يساعد على جلب ما في المستقبل من خير ودفع كل شر يهدد الأمة من الداخل والخارج بعد عملية رصد الوقائع والأحداث بطريقة علمية وقابلة للقياس ليتم فيما بعد تحديد البعد الزمني (قصير المدى، متوسط المدى وطويل المدى) وبناء التصورات والاحتمالات المختلفة التي يمكن من خلالها التنبؤ بالمستقبل والتحضير له (انظر الشكل 1).

الشكل 1: مدى أهمية الدراسات المستقبلية

المصدر: من إعداد الباحثان

 ولقد اعتبر وليد عبد الحي بأن الدراسات المستقبلية تساهم في تجنيب المجتمعات أكبر قدر ممكن من الصدمات المفاجئة من خلال تتبعه لعشرات الدراسات الخاصة بقياس مدى دقة التنبؤات في مختلف المجالات، وكيف ساهمت في تجنيب الكثير من المجتمعات والدول والشركات من الصدمات، كما تبين بأن هناك تحسن ملحوظ في نتائج الدراسات المستقبلية بنسبة قد تزيد عن 80 بالمئىة، وهو ما يدل بأننا بحاجة كبيرة اليوم إلى هذا العلم في المقررات واالمناهج الدراسية، والوزارات والشركات وغير ذلك من أجل تحضير أنفسنا للمستقبل([1]).

وتساعد الدراسات المستقبلية في اختصار الكثير من الأشواط المعرفية عبر تطوير المجتمعات والارتقاء بالشعوب وتحديث طرق التفكير والتخطيط الاستراتجي، وبذلك فهي تقلل الكثير من الهدر الحاصل في الموارد للدول عبر رسم الطريق ووضع الخطط المستقبلية التي يجب على الدول والمجتمعات أن تسلكها؛ لكي توظف مستقبلها بأفضل صورة ممكنة وبأقل إمكانيات متوفرة، لذلك فمن المهم إعطاء مساحة واسعة لهذه الدراسات ودعمها خاصة من طرف صناع القرار؛ لأن أهم عامل لنهوض المجتمعات واستكمال بناء مسيرة الأمم هو معرفة واستشراف المستقبل بطرق وأسس علمية. وكذلك فإن من أهم الأمور التي تعزز دور وحاجة الأمة الاسلامية للدراسات المستقبلية هو الرغبة والبحث عن وسائل لصناعة التقدم الحضاري والتغلب على التخلف الاقتصادي والاجتماعي لها، لأن معرفة المستقبل هو وسيلة للتنبيه على السلبيات المعتمدة حالياً، وكيفية اختيار سياسات بديلة لدرء تلك السياسات في المستقبل([2]).

ثالثاً: الصعوبات التي تواجه الدراسات المستقبلية في العالم الإسلامي:

تسعى الدراسات المستقبلية في مجملها بمختلف أدواتها البحثية والمعرفية لجمع معلومات أكثر دقة حول ما يمكن أن تؤول إليه الأحداث والظواهر، لأجل المساعدة على اتخاذ القرارات والتخطيط الاستراتيجي، وتعمل الدراسات المستقبلية وفق توليفة معقدة من المبادئ والآليات انطلاقاً من فهم صحيح للماضي والحاضر وصولاً لعملية التنبؤ والاستشراف، مروراً بتهيئة البيئة المناسبة لنجاح عملية الاستشراف، كل هذه العوامل وغيرها تجعل من الدراسات المستقبلية مادة علمية تواجه العديد من الصعوبات والعقبات خاصة في العالم العربي والإسلامي، وتعود هذه الصعوبات والعوائق بالدرجة الأولى حسب مهدي المنجرة “الاعتماد نموذج خارجي للتطور مع الاعتماد المفرط على مصادر ونماذج خارجية تخنق الإبداع والابتكار([3])”.

 يضم العالم الإسلامي اليوم 57 دولة وهي مجموع الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي (OIC)*، ومن الملاحظ أن الدول التي  المنضوية ضمن منظمة التعاون الإسلامي هي في الحقيقة مجموعة كبيرة من الدول تتميز بالتنوع والاختلاف في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، حيث تشمل بعضًا من أغنى وأفقر دول العالم([4])، وليس من المستغرب أن هناك تفاوتا كبيرا من حيث العلم والإنتاج التكنولوجي والتطور داخل هذه المجموعة بشكل عام، ويعتبر الاستثمار العلمي والإنتاجية عبر منظمة التعاون الإسلامي-حسب قياس نفقات البحث والتطوير وأعداد المنشورات بما فيها الدراسات الاستشرافية وبراءات الاختراع- أقل مما قد يكون من المتوقع بالنسبة لحجم سكانها، فمنظمة التعاون الإسلامي لديها ما يقرب من ربع سكان العالم، وتساهم فقط 2.4٪ من النفقات البحثية، وحوالي 1.6٪ من مساهماتها العامة في براءات الاختراع، و6٪ من منشوراتها([5]).

 على الرغم من أن منظمة التعاون الإسلامي وجل الدول الأعضاء فيها لديها رؤية طموحة لمعالجة هذا الأمر -فجوة المعرفة بصفة عامة بما في ذلك الدراسات المستقبلية والاستشراف- إلا أنه لابد من معرفة الأسباب الكامنة وراء نقص الدراسات المستقبلية والصعوبات التي تواجهها في العالم الإسلامي، والتي يمكن أن نذكر أهمها في النقاط الآتية:

  • نقص المراكز المتخصصة في البحوث الإستراتيجية والاستشراف: من المعروف أن المراكز الإستراتيجية التي تهتم بالطابع الاستباقي التوقعي، وهي تهتم ببناء أو تصور وتبني السيناريوهات الأكثر قابلية للحدوث، لأجل ضمان اختيار البدائل الأكثر خدمة للمصالح الوطنية مستقبلاً([6])، وقد برزت أهمية هذه المراكز خاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حيث اتضح أن الحروب والتحديات المستقبلية هي تحديات وحروب للمعلومات في شتى المجلات العسكرية والاقتصادية والسياسية، وأن الذي يتحصل على المعلومة ويتقن استخدامها يتحصل على التفوق مستقبلا، ومن هنا بدأ ظهور مراكز الدراسات السياسية والإستراتيجية باعتبارها مصانع لأسلحة الفكر، وقد هذه المراكز البحثية على نجاح الدراسات الإستراتيجية في قيادة الولايات المتحدة إلى ما وصلت إليه الآن من ريادة وهيمنة على العالم، حيث بلغ عدد هذه المراكز الأمريكية التي أُطلِق عليها منذ ظهورها  مراكز التفكير *think tank) يتجاوز (1750)([7]) مركزاً منتشرة في جميع الولايات الأمريكية، وتحتضن العاصمة واشنطن وحدها ما يزيد عن مائة منها.

 وعلى هذا الأساس فإن نقص مراكز التفكير والبحوث الإستراتيجية والاستشرافية في العالم الإسلامي بصفة عامة يكون أحد أهم الصعوبات والعوائق التي تحول دون تطوير هذا الحقل المعرفي، هذا علاوة على كون المراكز الموجودة هي مراكز بحث وطنية (تهتم بدراسة الظواهر داخل الحدود الوطنية)، وتعاني في أغلب الأحيان من انعدام الاستقلالية نظراً لكونها حكومية التمويل، بالإضافة إلى الاعتماد المحدود عليها في عملية صناعة القرار الإستراتيجي.

  • البيئة الاجتماعية والتكوين النفسي: لقد تأثرت مختلف المناطق في شتى أنحاء العالم الإسلامي بانتشار تيارات دينية متشددة وغير متسامحة مع فكرة التنبؤ واستشراف المستقبل، بشكل متزايد منذ فترة زمنية تفوق الثلاثة قرون*، يقودها جماعات نصبوا أنفسهم أوصياء على الصواب الديني، والذين يضخون تفسيرهم الضيق للدين في جميع المناقشات العامة، رفضًا للعقلانية أو المناهج العلمية والاستدلالية([8])، فهم يجبرون الأصوات المعارضة بشكل متزايد على الصمت والتوافق مع ما يعتبرونه سلوكًا دينياً مقبولًا.

 هذا الأمر قد أثر بشكل مباشر على التكوين النفسي للشخصية الإسلامية والعربية بصفة خاصة حيث يعطي في كثير من الأحيان مساحة واسعة ومتقدمة للعاطفة([9])، وتلك مشكلة مزدوجة عند الرغبة في حلها، إذ نحتاج إلى تخفيض جرعة العاطفة، وإلى تحديد دقيق للمناهج العلمية للدراسات المستقبلية، والتأكيد على أهميتها في أوساط المجتمع لأجل جعل مختلف الشرائح والفئات تشارك وتتعاون بصفة صريحة ومباشرة في عمليات صبر الآراء وغيرها.

  • العراقيل القانونية والتشريعية: من الواضح أن البيئة القانونية والتشريعية المناسبة تساهم بشكل مباشر في مساعدة الباحثين في مجال الدراسات المستقبلية والاستشراف بإعداد بحوثهم، من خلال تسهيل عملية الحصول على المعلومات المناسبة وفق مرجعية وقاعدة قانونية وتشريعية مناسبة، والتي تعتبر عاملا مهما ومتحكما يؤثر على المردودية المعرفية سلباً أو إيجاباً في حال وجودها أو غيابها، ومن الملاحظ أن الدول في العالم الإسلامي لا تعاني فقط من غياب الأطر القانونية المنظمة لعملية البحث -من خلال دراسة العديد من النماذج العربية والإسلامية([10])- لكن الإشكال متعلق بمدى تطبيق القوانين الموجودة إضافة إلى العراقيل والمشاكل البيروقراطية.
  • الكوادر الأكاديمية العاملة وضعف القدرة البحثية:  تعتمد الدراسات المستقبلية والبحوث الاستشرافية على غرار المجالات العلمية الأخرى على مدى فعالية وكفاءة مواردها البشرية وكوادرها الأكاديمية، فبالرغم من العدد الهائل للجامعات ومراكز البحث في العالم الإسلامي ومع وجود أكثر من تريليون دولار نقدًا وعدد سكان يزيد عن مليار شخص([11]).

 إلاّ أنها غالبا ما تكون في ذيل الترتيب  العالمي من ناحية جودة انتاجها المعرفي ومن حيث مخرجات الأوراق البحثية، والاستشهادات، وبراءات الاختراع، ومن هذا المنطلق فإن الدراسات المستقبلية على وجه الخصوص هي بحاجة الى موارد بشرية عالية الجودة، لا على مستوى الباحثين فحسب، وإنما  على مستوى الجهاز الإداري أيضا، زيادة على التحفيزات المالية والمعنوية خاصة بالنسبة للباحثين الذين يقضون سنوات طويلة يهتم فيها فقط كيف يكمل نصابه ويقضي يومه، فتجد في المحصلة النهائية أن مخرجات هذه المؤسسات محدودة او ضعيفة وغير مؤثرة. وتزيد هذه الوضعية سوءا خاصة في عدم ربط مخرجات الدراسات والبحوث المستقبلية بالمؤسسات السياسية والاقتصادية الفاعلة بل تبقى هذه الدراسات في أغلبها حبيسة المكتبات ولا تساهم في التصدي للتحديات المستقبلية الفعلية.

  • نقص التعاون الدولي في مجال الدراسات المستقبلية: إن الأحداث الصحية العالمية الجارية بعد انتشار فيروس كورونا (COVID 19) تنبأ عن أهمية البحث في مستقبل الأزمات العالمية، وما تقدمه الدول فعليا من دعم مادي وبشري لمواجهة التدهور البيئي واحترار الكوكب وأثر ذلك على الأمن الصحي الإنساني([12])، فالأمن البيئي مقترن بشكل مباشر مع الأمن الصحي وهما مفهومان لهما علاقة وطيدة بمخرجات الدراسات المستقبلية، هذه الأحداث التي تنبأ بحدوث أزمة سياسية عالمية نابعة عن الشك وانعدام الثقة حتى في البحوث العلمية، الأمر الذي يتنافى والمثالية الأخلاقية التي طالما ترنحت بها الدول، لاسيما تلك المتعلقة بمبادئ نشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان وغيرها.

رابعاً: الحلول المقترحة:

        إن مواجهة المعيقات والصعوبات التي تواجه الدراسات المستقبلية في العالم الإسلامي أصبح يعد أكثر ضرورة من أي وقت مضى، وذلك انطلاقاً لما تحمله الدراسات المستقبلية والاستشراف من إجابة على التحديات المستقبلية التي تعترض حياة الناس، في شتى المجالات السياسية والاقتصادية وحتى الأمنية والصحية والبيئية، ونظراً إلى المعيقات والصعوبات التي تواجه الدراسات المستقبلية في العالم الإسلامي يمكن اقتراح مجموعة من الحلول والمقترحات من خلال التنويه إلى أهمية استقطاب الباحثين العاملين في مختلف مناطق العالم، كون هذه النخبة هي التي تمثل القاطرة الأساسية التي تقود عملية البحث العلمي والتطوير والتخطيط للمستقبل في الدول المتقدمة، لكن هذا الاستقطاب لا يمكن أن يتحقق فعلياً على أرض الواقع دون توفير الإمكانيات المادية والمعنوية اللازمة لهم، خاصة أولئك الباحثين الذين هاجروا من العالم الإسلامي إلى البلدان المتقدمة*، نظراً لعدم توفر البيئة المناسبة للبحث والتطوير والتخطيط الاستراتيجي في جل بلدانهم الأصلية، والمختصين في المجالات العديدة بما فيها الدراسات المستقبلية والاستشراف، ومن المعروف أن استقطاب هؤلاء الباحثين سيشكل قفزة نوعية في التطوير العلمي والبحث، والذي سينعكس بدوره على التنمية الاقتصادية والمستوى المعيشي للمجتمعات في العالم الإسلامي.

كما يعتبر إنشاء مراكز بحث متخصصة في الدراسات المستقبلية في العالم الإسلامي تتميز بالاستقلالية والشفافية، من بين الخطوات الضرورية نحو الدفع بالدراسات المستقبلية في العالم الإسلامي نحو الأمام، يمكن تحقيق الاستقلالية المالية لهذه المراكز ومخابر البحث من خلال تمويلها باشتراكات الدول المنضوية تحت لواء منظمة التعاون الإسلامي، مع ضبط معايير محايدة لاختيار الباحثين من أصحاب الكفاءات العالية في مجال الدراسات المستقبلية، مع اختيار مواضيع بحث تصب فعلاً في مجال اهتمام العالم الإسلامي، ذلك لأجل إضفاء طابع الكفاءة والموضوعية في مختلف الدراسات والأبحاث المستقبلية، ويجب التنويه إلى معالجة أحد المشاكل البنيوية في المجتمعات الإسلامية والعربية على وجه الخصوص والمتعلقة بعدم ثقة المواطنين بإمكانية البحث العلمي في حل المشاكل([13])، ويعتبر حل هذا النوع من المشاكل البنيوية من خلال وضع إستراتيجية تهدف للرفع من مدى وعي مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية في العالم الإسلامي بأهمية الدراسات المستقبلية، لأجل تسهيل عملية إشراكهم فيما بعد في عمليات البحث على غرار الاستبيان وصبر الآراء وعلى نحوه، باستخدام مختلف الوسائل والتكنولوجيات الممكنة كالمناهج التربوية والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وضرورة ترسيخ فكرة البحث العلمي والتخطيط الاستراتيجي ليس مجرد ترف أو تقليد([14]) وإنما هو الباعث الأساس لمختلف عمليات التنمية.

 كذلك يعتبر المجال القانوني والتشريعي من بين الضوابط المهمة التي من خلالها ضبط الدراسات المستقبلية في العالم الإسلامي، من خلال ضرورة ربط مخرجات المشاريع البحثية للدراسات المستقبلية في العالم الإسلامي بمختلف المؤسسات الاقتصادية والسياسية والبيئية والصحية، لمعالجة المشكلات التي الفعلية التي تعاني منها المنطقة، فعلى سبيل المثال تقديم الدعم القانوني اللازم لتلك العناصر متعلقة بالاستشراف والتخطيط كأحد العناصر البحثية الضرورية التي تحتويها رسائل وأطروحات التخرج الجامعية أو مخرجات مراكز البحث والمخابر، على غرار تلك البحوث والدراسات ذات الطابع الاجتماعي والإنساني لأجل رصد المسارات المستقبلية للظواهر والأحداث، مع تسهيل مهام الباحثين وتمكينهم من المعلومات اللازمة داخل مختلف المؤسسات والهيئات محل الدراسة.

أخيرا بما أن مجال هذا البحث ينصّب حول الدراسات المستقبلية تحديداً في العالم الإسلامي وجب التنويه لأحد المقترحات المهمة، والمتعلقة بالاعتماد فقط على الدراسات ذات الصبغة العلمية، أي تلك الدراسات توظّف أدوات وتقنيات ومناهج بحث علمية متخصصة في الدراسات المستقبلية، وذلك صداً للتأويلات والتفسيرات غير الصحيحة للنصوص الدينية*، لاسيما تلك التنبؤات المبنية على الخرافات والأساطير العالقة بالمخيال الجمعي العربي والإسلامي، وإضفاء الصبغة العلمية البحتة على مخرجات البحوث في الدراسات المستقبلية.الزج بخبراء المستقبل في مناصب المسؤولية في البلاد أو الاستشارة من أجل الاستفادة من تصوراتهم المستقبلية حول الأوضاع التي تعيشها الدول الإسلامية في مختلف القطاعات

 خاتمة

من خلال ما سبق يكمن التأكيد على أن منطقة العالم الإسلامي وخاصة في ظل ما تحتويه من مقدرات وإمكانيات بشرية تفوق المليار نسمة وجغرافية موزعة على ثلاث قارات في العالم مع الإمكانيات المادية والموارد الطبيعية والسياحية الضخمة، تؤهلها لصناعة مستقبل يتم التخطيط له على المدى المتوسط والبعيد والانتقال بالمنطقة إلى مصاف المناطق الرائدة والمهيمنة في العالم، لكن غياب أو شبه انعدام الرؤية الموحدة في عمليات التخطيط والدراسات المستقبلية يجعل من هذا الهدف بعيد المنال، من هذا المنطلق يتضح مدى إلحاح الحاجة لتطوير وتنسيق الدراسات المستقبلية في العالم الإسلامي، هذا إضافة أيضا إلى الحاجة لتكثيف وتحسين جودة هذا النوع من الدراسات في مختلف التخصصات العلمية والبحثية.

تجدر الإشارة هنا إلى أن توحيد البحوث الاستشرافية ومحاولة وضع خطط مستقبلية تهتم بالعالم الإسلامي أمر ممكن من الناحية العملية، نظراً لوجود هذا النمط من الدراسات عبر الوطنية في نماذج عديدة ناجحة ساهمت بشكل مباشر في صناعة اتحادات قوية ذات رؤية مستقبلية بعيدة المدى، على غرار الدراسات المستقبلية في الإتحاد الأوروبي أو في اتحاد جنوب شرق آسيا وغيره.

ويتطلب تعزيز الدراسات المستقبلية بطبيعة الحالة التغلب على التحديات والصعوبات التي تواجهها في دول  العالم الإسلامي حتى تحظى هذه الدراسات بقدر عال من الاحترام وتنهض بمستقبل الأمة برؤى سليمة تجعلها تتطور وتتكيف مع المستجدات والتغيرات التي يشهدها العالم في مختلف المجالات.

قائمة المراجع

([1])  وليد عبد الحي، العالم إلى أين؟ الحاجة للدراسات المستقبلية، انظر الرابط الالكتروني الآتي:

https://islamonline.net.

([2])  علي بشار أغوان، الدراسات المستقبلية : ضرورة ملحة أم ترف فكري، انظر الرابط الالكتروني الآتي:

https://ummah-futures.net.

([3]) Wan Fariza Alyati Wan Zakaria, Mahdi Elmandjra and the Future of the Muslim World, International Journal of Islamic Thought, june 2013, look at the site : https://www.researchgate.net/publication/330109988 _Mahdi_Elmandjra_and_the_Future_of_the_Muslim_World

* إن أحد التعريفات البسيطة للعالم الإسلامي هو عضوية لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وهي جمعية تخص الدول ذات الأغلبية المسلمة والتي تعرف نفسها بأنها “الصوت الجماعي للعالم الإسلامي”. ويضم أعضاء منظمة المؤتمر الإسلامي تكتلاً متنوعًا موزعًا على أربع قارات و57 بلدًا. وبرغم أن هذا التعريف لا يشمل العالم الإسلامي والأقليات المسلمة التي تعيش في بلدان أخرى- وبخاصة نحو 150 مليون مسلم ممن يعيشون في الهند – ويشمل غير المسلمين من السكان في البلدان الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، إلا أنه يوفر وسيلةً واضحةً للتعرف على صعوبات الدراسات المستقبلية في العالم الإسلامي.

([4]) WOLFENSOHN CENTER FOR DEVELOPMENT AT BROOKINGS, Look at the site :https://www. -brookings.edu/wp-content/uploads/2016/06/0601_obama_muslim_world_dhillon_ar.pdf

([5]) Luke Clarke and others: The Atlas of Islamic World Science and Innovation, Final Report, look at the :

http://www.sesric.org/files/article/492.pdf

([6])  أسامة سليخ: الإستراتيجية العسكرية في مواجهة التهديدات الأمنية اللاتماثلية دراسة حالة الجزائر 2011/2018، أطروحة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه، المدرسة الوطنية العليا للعوم السياسية، الجزائر، ص84.

* حجم الميزانيات الضخمة التي تُنفَق على هذه المراكز التي تضم خيرة الباحثين والمتخصصين في العلوم السياسية والإستراتيجية، وهي مبالغ مالية طائلة توازي ميزانيات دول مخصصة للتعليم، ميزانية هذه المؤسسات تتجاوز (5) مليار دولار، والأهم من ذلك أن هذه المراكز تعمل بحرية كاملة لا تمنعها من انتقاد بعض السياسات والممارسات الحكومية، وتطرح البدائل الصحيحة وتقدِّم الأدلة الموضوعية على خطأ هذه الممارسات وصحة البدائل الممكنة واستشراف مستقبل المصالح الأمريكية في العالم.

([7])  أحمد طومان: الدراسات الاستشرافية في العالم الإسلامي، أنظر الرابط الالكتروني الآتي:

https://albayan.co.uk/MGZarticle2.aspx?id=1272 .

* كان المسلمون هم أول من حمل شعلة العقلانية وتقدم المعرفة عبر العصور المظلمة في أوروبا في العصور الوسطى. قبل قرون من تفكير العلماء الأوروبيين بيكون وديكارت وجاليليو في المنهج العلمي ، وضع المفكر ابن الهيثم (القرن العاشر) قواعد المنهج التجريبي ، واصفًا كيف يجب أن تعمل الطريقة العلمية من خلال الملاحظة والقياس والتجربة ، والنتيجة ، والغرض من ذلك هو “البحث عن الحقيقة ، وليس دعم الآراء”. وبالمثل ، شدد ابن النفيس (القرن الثالث عشر) على أهمية قبول الآراء المتناقضة ، التي تخضع لاختبار الأدلة والتحليل العقلاني.

([8])  Ismail Serageldin, Science in Muslim Countries, look at the site : https://science.sciencemag.org-/content/321/5890/745

([9])  أحمد طومان: الدراسات الإستشرافية في العالم الإسلامي، مرجع سابق.

([10]) خالد عليوي العرداوي: مشكلة المراكز والوحدات البحثية في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية، أنظر الرابط الالكتروني الآتي:

http://www.fcdrs.com/polotics/1580

([11]) Ismail Serageldin, Science in Muslim Countries, ibid.

([12]) Ilona Kickbusch and  Thorsten Behrendt: “Global Health Diplomacy, Oxford Bibliography; public health, look at :https://franklin.library.upenn.edu/catalog/FRANKLIN_9977338343303681.

*  إن تركيز الدول المتقدمة على استقطاب الهجرة النوعية ساهم بشكل مباشر في تطوير العديد من المجالات حيث أن 90% من زيادة النمو الاقتصادي في الدول المتقدمة يرجع الفضل في تحقيقها إلى التقدم العلمي والتقني، كما أن 50% من الزيادة في حصة الفرد من الدخل القومي تعود للسبب ذاته، ولذلك فإن الدول المتقدمة تستحوذ على 95% من العلماء في العالم، وتستحوذ أيضاً على النسبة ذاتها من البحث العلمي، وعلى 97% من براءات الاختراع في العالم، في حين أن عدد سكان هذه الدول لا يتجاوز 12% من عدد سكان العالم، وتستحوذ أيضاً على 64% من الدخل العالمي، وهذا هو سر هجرة الأدمغة من العالم الإسلامي إلى البلدان المتقدمة، لذلك لا مجال لتطوير البحث العلمي بدون باحثين أكفاء، أنظر الموقع الإلكتروني:

 موسى عبد الشكور: أما آن لهجرة العقول الإسلامية إلى الغرب أن تتوقف، انظر الرابط الالكتروني الآتي:

http://www.al-waie.org/archives/article/5275.

([13])  خديجة عبد الله الشهاب، محمد أمين الضناوي: معوقات البحث العلمي واستراتيجيات تطويرة في المجتمع العربي، مجلة أوراق بحثية، أنظر الرابط الالكتروني الآتي:

https://www.awraqthaqafya.com/267

([14])  لعلي بوكميش: معوقات توظيف البحث العلمي في التنمية بالعالم العربي، الأكاديمية للدراسات الاجتماعية والانسانية، انظر الرابط الالكتروني الآتي:

https://www.univchlef.dz/ratsh/la_revue_N_12/Article_Revue_Academique_N_12_2014/Science_social/article_01.pdf .

*  يقر الدكتور وليد عبد الحي المتخصص في الدراسات المستقبلية في أحد مقالاته والمعنون اشكالية التنبؤات السياسية الدينية وعلم الدراسات المستقبلية، بضرورة الابتعاد عن النصوص الدينية للتنبؤ في الشأن اليومي السياسي أو غيره من الشؤون الدنيوية العامة لأن في ذلك توريط للنص وتشويه له.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Enable Notifications    OK No thanks