لماذا تنجح طالبان “المنغلقة” ويفشل الإسلاميون “المنفتحون”؟

المرجعية الاجتماعية

الجزء الثالث

كرم الحفيان 

الوحدة الثقافية – مركز المجدد للبحوث والدراسات

 

ناقش المقال السابق جذور وخصائص المرجعية الدينية عند حركة طالبان وأثرها الملحوظ في: وحدة وتماسك الحركة داخلياً، وقدرتها على الحشد المستمر من مجموعات اجتماعية متعددة خارج الحركة، إضافةً إلى الدعم اللوجستي والمعنوي الذي تمتعت به الحركة من شبكات اجتماعية غير مرتبطة بها تنظيمياً، بخلاف الحركات الإسلامية “المنفتحة” التي عانت غياباً في المرجعية الدينية الموحدة الجامعة لمنتسبيها وكوادرها، فضلاً عن عدم وجود مرجعية مشتركة مع كتل شعبية مؤثرة خارج أطرها التنظيمية، وبالتالي ضعف المدد من جل شرائح المجتمع غير المنضمة لها تنظيمياً.

بيد أن المرجعية الدينية الموحدة لا يمكن أن تفسر بمفردها النجاحات الطالبانية المتكررة داخلياً وخارجياً، على مدار ربع قرن مضى، دون الأخذ بعين الاعتبار المرجعية الاجتماعية القوية الرافعة لهذه الحركة الدينية. والملاحظة الضرورية هنا، أن النجاح الطالباني لم يكن فقط انتصاراً عسكرياً تاريخياً ضد تحالف غربي محتل بقيادة أمريكا، وضد ما سبقه ورافقه من حكومات وجيوش وأطراف محلية، كما يتوهم البعض أو يحاول أن يوهم غيره، إنما كان أيضاً انتصاراً اجتماعياً وسياسياً، تمثل بعودة طالبان للحكم وتحت نفس الاسم: إمارة أفغانستان الإسلامية، وهذه المرة بامتداد شعبي أكبر واعتراف إقليمي ودولي أوسع وأرسخ وإن لم يعلن عنه رسمياً بعد.

وإن أردنا، في كلمة واحدة، أن نلخص الفارق بين الحالة الاجتماعية التي ولدت منها وفيها طالبان، وبين المحيط الاجتماعي الذي تشكلت منه وفيه جل الحركات الإسلامية العصرية “المنفتحة”، لقلنا إنه: الحرية، سواءً على الصعيد الفردي أو المجتمعي، وفي مختلف الجوانب المتعلقة بالاستقلال الثقافي والأخلاقي والاكتفاء الاقتصادي ونمط الحياة الاجتماعي الحر، والتفاصيل في قادم السطور.

ولدت قيادة طالبان وهيكلها الأساسي في عمق المناطق القبلية البشتونية في أطراف الجنوب الأفغاني، وقد كان للقبائل البشتونية دور تأسيسي هام للغاية في مسيرة الحركة، لاسيما عند نشأتها، أما الحركات الإسلامية “المنفتحة” فقد كانت ولادتها حضرية في المدن والعواصم الكبرى الخاضعة لسلطات سياسية مهيمنة على مختلف مجالات الحياة.

هذه القبائل البشتونية التي ينتسب لها غالب قادة وأفراد طالبان، موزعة بين الجانبين الأفغاني والباكستاني مع وجود طفيف في كشمير المحتلة وخراسان شرقي إيران، وهم المكون العرقي الأول في أفغانستان (من 40 إلى 50%) والمكون الإثني الثاني في باكستان (20%).

والمحدد الأول لنمط وطريقة الحياة داخل المجتمع القبلي البشتوني ليس القانون الذي وضعته سلطات ما بعد الاستعمار من أعلى، إنما هو الأعراف الاجتماعية المتوارثة من أسفل، وتسمى بشتون والي أو طريق البشتون أو اختصاراً البشتونية.

البشتونية متوافقة إلى حد كبير مع تعاليم الإسلام (وإن كان فيها بعض الرواسب الجاهلية)، وتشبه الكثير من الأعراف العربية الأصيلة، التي كانت منتشرة قُبيل البعثة النبوية الشريفة وقبل عصر الحداثة وما بعده (وما زالت موجودة في بعض الفئات المجتمعية في مجموعة من الدول العربية وإن اختلفت النسب بين الدول)، ويعد الالتزام بها شرطاً أساسياً لحفظ المرء لسمعته وكرامته أمام نفسه وأمام مجتمعه.

وأهم المبادئ التي تضمها هذه المصفوفة من العادات والتقاليد هي حسن الضيافة، وإيواء المستجير، والثأر، والغيرة على الأعراض، والشجاعة، والوفاء، والتناصر بين أبناء القبيلة، وهذه الأمور مجتمعة تحدث حالة من الترابط والاكتفاء الذاتي، إذ نادراً ما يحتاج الفرد البشتوني، ذكراً كان أو أنثى، إلى حماية أو خدمات من السلطة السياسية ومؤسساتها، أو من أي مكون آخر خارج محيطه القبلي.

وبالنسبة للفرد البشتوني فإن تطبيق البشتونية واجبٌ أخلاقي، بغض النظر عن الظروف المحيطة ومهما كانت قوة الجهات الرافضة له، وعليه يمكن فهم الكثير من تصرفات طالبان اللاحقة في ضوء الثقافة البشتونية. في الواقع، فإن التركيبة القبائلية البشتونية في أفغانستان تتسم بالمساواة الكبيرة بين أفرادها وغياب الهياكل الهرمية، والمؤسسات الدائمة. والولاءات والفعّالية العملية فيها تتدرج من أسفل لأعلى بحسب الظروف المحيطة. فالبنية المجتمعية تتكون من العائلة الذريّة ثم العائلة الممتدة ثم العشيرة، ثم القبيلة، ثم اتحاد القبائل ثم عرقية البشتون. ففي الأحوال العادية، لا سلطة على الفرد وعائلته، ولا دور عملي للعشيرة والقبيلة (فضلاً عن الدولة). وفي وقت الخلافات أو الحروب يتم تشكيل مجالس من كبراء المجتمع وتسمى مجالس الجيرغا. هذه المجالس تعمل بشكل مؤقت وتصدر أحكامها وفقاً لفهمها للشريعة الإسلامية والتقاليد المحلية.

إلا أنه هناك ملاحظة جديرة بالذكر، وهي أنه عند بعض البشتون تقاليد مخالفة للشريعة الإسلامية كعدم توريث النساء وإلزام الأرملة بالزواج من أحد أفراد عائلة زوجها أو افتداء نفسها بمال، وقد أصدرت طالبان مرسوماً بإلغاء هذه العادة في حقبة حكمها الأولى بالتسعينيات.

وفي ما يخص طبيعة العلاقة بين القبائل الأفغانية عامة، والبشتونية خاصة، وبين الدولة القومية الحديثة، فإن السمة البارزة لها هي مقاومة هيمنة الدولة، والتشبث بالحكم الذاتي لمناطقها. ساعد على ذلك ثلاثة أمور، أولاً: التضاريس الجغرافية القاسية العازلة إلى حد ما، بين مراكز المدن من ناحية، وبين الضواحي أو المناطق الجبلية أو البوادي من ناحية أخرى، وثانياً: الاكتفاء الذاتي للمجتمع البشتوني إذ نادراً ما يحتاج الفرد القبلي البشتوني خدمات من خارج الدوائر القبلية المحيطة به كما ذكرنا آنفاً، وثالثاً: نظرة القبائل البشتونية للدولة الحديثة على أنها كيان معادٍ لقيم الإسلام.

وبالرغم من أن حكام أفغانستان منذ تأسيس الدولة الأفغانية عام 1747م كانوا حصراً من عرقية البشتون (باستثناء حالتين إحداها قبل ظهور طالبان مباشرة) إلا أن ذلك لم يؤد إلى ذوبان وتفكك الحالة القبائلية البشتونية بعنفوانها واستقلاليتها في الأطراف. وكذلك لم يسفر هذا العرف السياسي عن انتزاع القبائل البشتونية للدولة من البيروقراطية الحديثة الحاكمة التابعة للقوى العظمى في القرن العشرين، والتي كان على رأسها بشتوني، وذلك لأن القبائل (رغم عناصر القوة التي ذكرناها) عادةً ما تكون مفرقة، ولا يجمعها ويقلب حالها من الدفاع عن المصالح الذاتية الخاصة بكل قبيلة إلى الهجوم القبائلي المشترك لأخذ السلطة السياسية إلا الدعوة والقيادة الدينية الحقة.

من ناحية أخرى، لم ينتج عن هذه الشرعية السياسية التاريخية للبشتون وصول أي تيار ديني محافظ أو حتى إسلاميين بشتون إلى الحكم قبل تسعينيات القرن الماضي.

وفي أثناء سعيهم إلى إقامة دولة إسلامية، عول الإسلاميون السياسيون (بشتون وغير بشتون) لعشرات السنين على بناء هياكل تنظيمية حزبية حديثة من الأوساط الأكاديمية المثقفة والمجتمعات العصرية المدنية، بينما اعتمد الطالبان على تنشيط وتنظيم الهياكل الاجتماعية التقليدية القبلية المحيطة بهم والموجودة مسبقاً في الأطراف، من خلال مرجعيتها الدينية التقليدية.

ومع أن الإسلاميين (بشتون وغير بشتون) سبقوا الطالبان في: تنظيم أنفسهم وإنشاء كيانات سياسية مسلحة ذات هيكل واضح وأهداف سياسية طموحة، وقد وصلوا إلى سدة الحكم، بعد هزيمة وانسحاب السوفييت في عام 1989، ثم سقوط الحكومة الشيوعية في عام 1992، إلا أنهم فشلوا في إزالة شبكات الدولة العميقة التي خلفها المحتل، وأخفقوا في إدارة البلاد وبناء سلطة موحدة، ثم اقتتلوا فيما بينهم، ووقع الانقسام الاجتماعي والسياسي وانفجرت الحرب الأهلية.

وفي المقابل، نجح الطالبان عبر المرجعية الدينية الديوبندية المذهبية التقليدية التي ينتسبون لها في توحيد القوى القبلية البشتونية وحشدها ضمن مشروع الطالبان السياسي بصورة لم تحدث مع سائر البشتونيين الذين حكموا أفغانستان قبل ظهور طالبان أو في أثنائه أو بعده.

فقبل طالبان، حكم الشيوعيون البشتون أفغانستان قرابة عشرين عاماً 1973-1992، بدعم سوفييتي كبير، وقبلهم حكم رجل الغرب الملك ظاهر شاه البشتوني لأربعة عقود 1933-1973، وقبيل وفي أثناء ظهور طالبان كان الحزب الإسلامي بزعامة المهندس غلب الدين حكمتيار البشتوني من ضمن القوى المتصارعة التي أزاحتها الحركة، وبعد سقوط حكم طالبان في 2001، حكم حامد كرازي البشتوني أفغانستان في ظل المحتل الأمريكي، إلا أن جميع نماذج الحكم السابقة اتسمت بالاضطرابات والقلاقل الكبيرة أو اللامركزية الشديدة في حكم أفغانستان.

وطوال الحرب الدولية على طالبان عبر العقدين الفائتين، لم تحافظ الحركة على قوتها وتماسكها الداخلي فحسب، إنما اكتسبت خبرات عسكرية واجتماعية وسياسية جديدة، بل وقادت عملية تحرير أفغانستان من الاحتلال الأمريكي وحدها، وعادت للسلطة هي هي.

وعند تحليله للمشاهد المرعبة للأفغان المتعلقين بالطائرات الأمريكية إثر انهيار الحكومة الأفغانية العميلة، ضرب المنظِّر السياسي الأمريكي المعروف فرانسيز فوكو ياما، نظريته الشهيرة بعرض الحائط، وتبنى نظرية جديدة تقول بنهاية عصر الهيمنة الأمريكية بدلاً من نهاية التاريخ. وقد حلل أسباب ذلك بالاستقطابات الداخلية الحادة أكثر من تداعيات السياسة الخارجية، مشيراً إلى الانحسار الكبير لجاذبية المجتمع والمؤسسات الديمقراطية الأمريكية لمن هم خارج أمريكا، وتراجع فاعليتها داخلها.

ختاماً، فإن البيئة الاجتماعية القبلية المحيطة بطالبان أدت دوراً هاماً للغاية في ولادة وصعود واستمرار الحركة عبر رفدها بمدد بشري ولوجستي غير منقطع منذ انطلاقتها وإلى الآن، وقد أحسنت طالبان في التعويل على هذه الهياكل الاجتماعية البكر الحرة، المتماسكة في ما بينها، والمتمسكة بأخلاق وقيم مجتمعات ما قبل الحداثة، مع السعي المستمر إلى تطعيمها بمزيد من العلم والسلوك والروح الإسلامية الأصيلة. أما الإسلاميون المنفتحون فعولوا في جل البلاد على مجتمعات مدنية مترهلة، مستها قيم الحداثة الغربية، فمزقت روابطها، وفككت بنيانها، وأفسدت أخلاقها، وأدخلتها في حالة التيه والوهن وذهاب البأس.

في المقال القادم، الأخير في هذه السلسلة، سنعرج على الخصائص المتعددة للمرجعية الثالثة لطالبان، بعد المرجعيتين الدينية والاجتماعية، وهي المرجعية المكانية لقادة ومؤسسي طالبان، الممثلة في محافظة قندهار؛ مضرب المثل في الانغلاق والعقلية المحافظة الصلبة!

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks