مركز المجدد للبحوث والدراسات
  • عن المركز

    • من نحن

    • الرؤية والأهداف

    • مجلس الإدارة

    • وحدات المركز

      • الوحدة السياسية

      • الوحدة الثقافية

      • وحدة المعلومات والتقنية

    • العاملون في المركز

    • تواصل معنا

  • دراسات سياسية

    • تقدير موقف

    • استطلاعات الرأي

    • مقالات رأي

    • تقارير

  • أبحاث ودراسات

    • دراسات وبحوث

    • مراجعات الكتب

    • ترجمات

  • فعاليات وندوات

    • ورش عمل

    • ندوات

  • وسائط

    • إنفوجرافيك

    • فيديوهات

    • أخبار

  • منصة المجدد للبحوث

  • المشاركة البحثية

    • أخلاقيات النشر

    • معايير النشر

  • عن المركز

    • من نحن

    • الرؤية والأهداف

    • مجلس الإدارة

    • وحدات المركز

      • الوحدة السياسية

      • الوحدة الثقافية

      • وحدة المعلومات والتقنية

    • العاملون في المركز

    • تواصل معنا

  • دراسات سياسية

    • تقدير موقف

    • استطلاعات الرأي

    • مقالات رأي

    • تقارير

  • أبحاث ودراسات

    • دراسات وبحوث

    • مراجعات الكتب

    • ترجمات

  • فعاليات وندوات

    • ورش عمل

    • ندوات

  • وسائط

    • إنفوجرافيك

    • فيديوهات

    • أخبار

  • منصة المجدد للبحوث

  • المشاركة البحثية

    • أخلاقيات النشر

    • معايير النشر

  • Twitter
  • Facebook
  • Instagram
  • Telegram Broadcast

حين تشتعل القارة والممر معاً، سنة التدافع تكتمل: من هرمز إلى الساحل، ومن تيغراي إلى سبتة

26/09/2026 | مقالات رأي

حين تشتعل القارة والممر معاً، سنة التدافع تكتمل: من هرمز إلى الساحل، ومن تيغراي إلى سبتة

سلسلة التحليلات الاستراتيجية

إيران في مواجهة أمريكا: قراءة استراتيجية متصلة

التحليل السابع عشر

حين تشتعل القارة والممر معاً

سنة التدافع تكتمل: من هرمز إلى الساحل، ومن تيغراي إلى سبتة

أمريكا • إيران • الكيان الإسرائيلي • دول الخليج • غزة • لبنان • مصر • المغرب • تونس • الجزائر • ليبيا • السودان • إثيوبيا • الصومال • الساحل الإفريقي • الناتو • أوروبا • الصين • تايوان

هل هي الحرب العالمية الثالثة؟

21 إلى 24 سبتمبر 2026

إعداد: أ.د. عصام اشويدر الحسني

 

 

تمهيد

بسم الله الرحمن الرحيم ، اَلْحَمْدُ ِللهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِيْنَ وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِيْنَ وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى أَشْرَفِ اْلأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْن ، أما بعد

في هذه الحلقة، لا يقف القلم عند حدود ممر واحد ولا أزمة واحدة، بل يتتبع خيطاً واحداً يمتد عبر ثلاث قارات في آن واحد. فمن طهران، حيث يُحاسَب وزير الخارجية على مجرد الجلوس إلى طاولة تفاوض، إلى نيويورك حيث تُوضع المهل والشروط، إلى غزة حيث يُعقد اتفاق بينما يستمر القصف تحت سمعه وبصره، إلى بيروت حيث تعود الضربات لتذكّر الجميع بأن لا هدنة تشمل كل الجبهات، تمتد خيوط هذه الحلقة لترسم مشهداً واحداً متكاملاً لا مشاهد متناثرة.

ثم تنتقل الخيوط شمالاً، إلى أوروبا التي تعترف على لسان أمينها العام للناتو بعجزها عن حماية فنائها الخلفي بنفسها، فتُعبئ شعوبها لأسوأ الاحتمالات من فرنسا إلى بولندا إلى بريطانيا، بينما تُبرم واشنطن في الظل صفقة غرينلاند، وتشتعل بصمت جبهة خامسة قرب مضيق تايوان قد تكون كلفتها الاقتصادية أعلى من كل الجبهات الأخرى مجتمعة.

ثم تهبط الخيوط جنوباً، إلى قارة تحترق بأكملها في توقيت واحد يصعب تفسيره بالصدفة: مالي وبوركينا فاسو تحت وطأة فيلق أجنبي يغرق في مستنقعه، والسودان تتقاطع فيه حرب داخلية مع خيط إثيوبي خفي، وإثيوبيا نفسها على أعتاب حرب أهلية ثانية أعلنتها سبع جماعات مسلحة في الساعات الأخيرة نفسها التي كُتبت فيها هذه السطور، والصومال يُحاصَر عاصمته زحفاً بلا ضجيج.

ثم تلتف الخيوط غرباً، إلى مغرب عربي يتفكك أمام أعيننا: جزائر تقطع علاقتها بالإمارات في اليوم الذي يرقّي فيه المغرب علاقته بالكيان الإسرائيلي إلى سفارة كاملة، وإسبانيا تتراشق مع الرباط حول سبتة، وتونس تغرق شعبها في العطش والظلام بينما يُتهم الخصوم بالتآمر، وليبيا يتصارع برلمانها بينما يعود الاهتمام الروسي بطبرق، ومصر تقف عند مفترق ثلاث دوائر أزمات في آن واحد.

كل هذه الخيوط، حين تُجمع في نسيج واحد، لا تسمح لقارئ منصف إلا أن يسأل السؤال الذي يتردد اليوم على كل لسان: هل هذا تراكم عشوائي لأزمات منفصلة، أم أننا أمام سنة تدافع كونية تكتمل فصولها أمامنا فصلاً بعد فصل؟ هذه الحلقة تحاول الإجابة عن هذا السؤال من ثلاث زوايا متكاملة: زاوية الوقائع الموثقة أولاً، ثم زاوية سوسيولوجية تستعين بابن خلدون لتفسير كيف تتحلل عصبيات متعددة في آن واحد، ثم زاوية غائية تقرأ هذا كله في ضوء سنن الله الكونية والشرعية، دون أن تنزلق إلى تنجيم أو ادعاء علم بالغيب، بل بصيرة تنظر إلى الأحداث كما ينبغي أن تُنظر إليها.

 

مقدمة منهجية: من شبكة الوكلاء إلى الأرض التي تُساق

الحلقة السادسة عشرة من هذه السلسلة انتهت إلى تشخيص محدد: أن ما كان يُوصف بأنه محور موحد القيادة تحول عملياً إلى شبكة وكلاء متعددي المصالح، كل واحد منهم يفاوض حصته الخاصة بمعزل عن الشعارات الجماعية. المعطيات التي وصلت هذه الحلقة، الممتدة من تتمة الملف الإيراني الأمريكي إلى موجة اضطرابات غير مسبوقة في القارة الإفريقية والمغرب العربي في آن واحد، تفرض توسيع هذا التشخيص إلى مستوى أعلى من التجريد. لم نعد أمام شبكة وكلاء إقليمية محدودة النطاق، بل أمام مشهد عالمي تتساقط فيه الاستقرارات المحلية في توقيت متقارب يصعب تفسيره بمنطق الصدفة البحتة وحده.

في الأيام الثلاثة التي تغطيها هذه الحلقة وحدها، أعلن تحالف مسلح سباعي في إثيوبيا هدفه إسقاط الحكومة الفيدرالية وسيطر على ثلاثة مطارات في تيغراي، وقطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، ورقّى المغرب علاقته بالكيان الإسرائيلي إلى مستوى السفارة الكاملة، واستمرت مواجهات متعددة الجبهات في السودان بين الجيش والدعم السريع، وواصلت جماعة الشباب حصارها الزاحف حول مقديشو، وتصاعدت أزمة سبتة بين الرباط ومدريد، وتجددت المناورات العسكرية الصينية قرب مضيق تايوان وسط تحذيرات يابانية من تدخل عسكري محتمل. هذا التزامن، إلى جانب ما توثقه هذه الحلقة من تصريحات مسؤولين غربيين وشرقيين يتحدثون علناً عن دخول العالم مرحلة حرب متعددة الجبهات، يستوجب قراءة لا تكتفي برصد كل حدث بمعزل عن غيره، بل تسأل عن القانون الناظم لهذا التزامن نفسه.

المنهج المتبع في هذه الحلقة يضيف طبقتين لم تحضرا بهذا الوضوح في الحلقات السابقة: طبقة سوسيولوجية تستعين بأدوات ابن خلدون في تفسير انهيار العصبيات وتحول الدول إلى كيانات هشة تأكل نفسها من الداخل قبل أن يأكلها خصومها، وطبقة غائية تقرأ هذا التزامن كله في ضوء سنن الله الكونية والشرعية في التدافع بين الأمم، دون أن تتحول القراءة إلى تنجيم أو ادعاء علم الغيب. المنهج يبقى كما أرسته الحلقات السابقة: لا تصديق أعمى، ولا تكذيب مسبق، بل تفكيك دقيق لموقع كل معطية داخل شبكة المصالح والسنن المتقاطعة.

 

أولاً، تتمة المسرح الإيراني الأمريكي

غضب الحرس الثوري من اجتماع عراقجي وويتكوف في نيويورك

على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، عقد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لقاءً مع المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، في تطور وصفته وكالة تسنيم الإيرانية، نقلاً عن مصادرها، بأنه تم دون تنسيق مسبق مع الجهات المعنية داخل النظام الإيراني. المعطيات المتداولة تشير إلى أن مستشار المرشد محسن رضائي طالب عراقجي بالرد أمام الشعب الإيراني عما وصفه بالخطأ الكبير، وهو نمط يكرر بدقة ما وثقته الحلقة الخامسة من هذه السلسلة في واقعة إغلاق الحرس الثوري لهرمز دون تنسيق مع الخارجية، والحلقة السادسة عشرة في تحليلها لاعتذار عراقجي المتكرر أمام القوات المسلحة. الفارق هذه المرة أن الاتهام موجه هذه المرة إلى فعل دبلوماسي لا عسكري، ما يعني أن الصراع بين الدائرة السياسية المدنية والحرس الثوري، الذي حذرت منه الحلقة الرابعة تحت عنوان مراكز السلطة الثلاثة، بلغ مرحلة يُحاسَب فيها وزير الخارجية على مجرد الجلوس إلى طاولة تفاوض مع الخصم المعلن.

الأخطر من واقعة الاجتماع نفسها هو ما تناقلته مصادر عن تصريحات محسن رضائي المباشرة تجاه دول الخليج العربي، محذراً من أن حظر الرحلات الجوية الإيرانية والانخراط في التعاون مع الولايات المتحدة لن يُبقي مطارات هذه الدول بمنأى عن الرد، مضيفاً أن الوقوف إلى جانب واشنطن لن يُقابَل بموقف مكتوف الأيدي. هذا التهديد المباشر لمطارات مدنية خليجية، إن صحت نسبته الكاملة، يمثل تصعيداً نوعياً عن الخطاب الإيراني الرسمي المعتاد، وينسجم مع نمط الإنذار الأخير المتكرر الذي فككته الحلقة السادسة عشرة، حيث يخدم التهديد غرض الردع النفسي الداخلي والخارجي معاً دون أن يعني بالضرورة نية تنفيذ فورية.

 

مهلة الأيام الخمسة وشروط رضائي السبعة

في تصريحات منسوبة لمحسن رضائي بصفته أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، جرى التأكيد على أن ما يحدث مع الجانب الأمريكي على هامش اجتماعات الأمم المتحدة هو توضيح لشروط طهران لا بداية تفاوض حقيقي، مع منح واشنطن مهلة خمسة أيام لتنفيذ هذه الشروط السبعة قبل أن يُفتح مضيق هرمز، مصحوباً بتأكيد أن طهران لن تعود إلى صيغة الدبلوماسية السابقة ولا إلى أجواء ما قبل جولة إسلام آباد التي وثقت الحلقة الثانية انهيارها. إن صح هذا التصريح، فإنه يضع سقفاً زمنياً قصيراً جداً أمام مسار تفاوضي وصفته الحلقة الرابعة بأنه يتحرك على وقع ثلاثة مراكز سلطة متنافسة، ما يجعل احتمال تجاوز هذه المهلة دون نتيجة عملية مرتفعاً جداً، تماماً كما تكرر مع كل المهل السابقة التي وثقتها هذه السلسلة منذ نيسان.

قراءة نقدية لهذا الخطاب لا يجب أن تغفل ما تكرر تأكيده عبر السلسلة كلها: الرسالة الموجهة بلهجة التهديد المباشر للخارج تخدم في الغالب وظيفة داخلية أولاً، طمأنة الجمهور الإيراني المنقسم بأن القيادة لم تتنازل رغم استمرار قنوات التفاوض السرية الموازية. هذا لا يلغي احتمال الجدية الجزئية في بعض هذه الشروط، لكنه يفرض قراءتها بمعيار السوابق المتكررة من نفس المصدر التي انتهت جميعها، حتى تاريخ هذه الحلقة، دون تنفيذ فعلي كامل.

 

الصين والطيران الإيراني: اختفِ مع عقوباتك

تصعيد أمريكي صيني جديد يتمحور حول شركات الطيران الإيرانية. الوقائع المؤكدة عبر السلسلة الطويلة لعقوبات الخزانة الأمريكية تُظهر نمطاً ثابتاً: واشنطن تستهدف بشكل متكرر شركة ماهان إير ووكلاءها وشركاتها الواجهة في الصين والهند وروسيا، بتهمة نقل عناصر فيلق القدس ودعم برامج المسيّرات، بينما ترد بكين في كل مرة برفض الاعتراف بهذه العقوبات ووصفها بأنها انتهاك للقانون الدولي وتفتقر إلى تفويض من مجلس الأمن. المعطيات المتداولة في هذه الحلقة، التي تتحدث عن تهديد أمريكي بمنع أي طيران إيراني من الإقلاع في العالم كله اعتباراً من 23 سبتمبر مقابل رد صيني يرفض الانصياع بلهجة حادة، تندرج ضمن هذا النمط الموثق تماماً وإن تعذر التثبت الكامل من الصياغة الحرفية المتداولة لهذا التبادل الحاد بالذات.

الدلالة الاستراتيجية الأعمق هنا هي أن معركة العقوبات على الطيران الإيراني تحولت إلى ساحة اختبار مباشرة لمدى قدرة واشنطن على فرض نظامها المالي الأحادي على بكين، في وقت تخوض فيه الإدارة الأمريكية نفسها مفاوضات تجارية حساسة مع الصين حول ملفات أوسع من إيران بكثير، وعلى رأسها ملف تايوان الذي تتناوله هذه الحلقة لاحقاً. كل عقوبة تُفرض وتُرفض علناً تُضعف قليلاً من هيبة النظام المالي الدولي القائم على الدولار، وتراكم رصيداً صينياً من التحدي المعلن يمكن استثماره لاحقاً في ملفات أخرى أكثر حساسية بالنسبة لبكين نفسها.

 

غزة: من كوشنر إلى خليل الحية، خريطة الطريق ذات الخمسة عشر بنداً

كشفت مصادر مطلعة على اجتماع عُقد في القاهرة بين مستشار الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر ووفد من حركة حماس برئاسة خليل الحية، بحضور ممثلين عن مصر وقطر وتركيا، تفاصيل دقيقة عن مسار خريطة الطريق ذات الخمسة عشر بنداً. حماس وافقت على نقل السلاح إلى لجنة إدارة غزة، على أن يجري تدميره تحت إشراف دولي، مع تأكيد أن هذه اللجنة لن تكون بديلاً عن السلطة الفلسطينية. في المقابل، أكد رئيس مجلس السلام أن نتنياهو يشدد على أولوية نزع سلاح حماس قبل أي خطوة إعادة إعمار، بينما تستمر ضربات الكيان الإسرائيلي على غزة في تأخير هذه العملية عملياً، وهو تناقض بنيوي بين مطلب نزع السلاح وبين استمرار القصف الذي يجعل أي جهة محلية عاجزة عن ضبط الداخل في ظل قصف مستمر يستهدفها هي نفسها.

التفاصيل المسربة عن الاجتماع تكشف مشهداً أكثر تعقيداً من صورة التسوية السلسة التي تروج لها البيانات الرسمية: خليل الحية أبلغ كوشنر بأن لا شيء تغير عملياً على الأرض ما دام الكيان الإسرائيلي يواصل القتل والتوسع، ونفى وجود أي نفق قيد الحفر قرب الخط الأصفر، مؤكداً أن ما تم حفره بئر مياه لخدمة السكان، في مسعى واضح لنزع فتيل ذريعة محتملة للكيان الإسرائيلي لاستئناف العمليات. الأهم من ذلك أن كوشنر نفسه نقل لنتنياهو، في اجتماع لاحق استمر أربع ساعات، طلباً أمريكياً بأن يتخذ الكيان الإسرائيلي خطوات صغيرة لاختبار جدية حماس، وسط شكوك كبيرة لدى الكيان الإسرائيلي بشأن الخطة كلها، مدفوعة جزئياً بحسابات انتخابية داخلية قبيل انتخابات الكيان الإسرائيلي المقررة في أكتوبر، والتي تجعل نتنياهو أكثر حذراً تجاه أي تنازل يمكن استثماره ضده انتخابياً.

النتيجة الفعلية حتى تاريخ هذه الحلقة: 19 فلسطينياً استشهدوا في قصف متواصل من الكيان الإسرائيلي رغم إعلان التوصل إلى اتفاق، والكيان الإسرائيلي يُبلغ واشنطن رسمياً أنها لن تنسحب من غزة قبل التأكد من نزع السلاح، مستندة إلى تقديرات استخباراتية تتحدث عن استمرار حماس في إعادة بناء قدراتها العسكرية. هذا يكرر بدقة النمط الذي وثقته هذه السلسلة مراراً تحت عنوان الاتفاق المُدار: إعلان رسمي بالتسوية، يليه تطبيق جزئي مشروط يبقي الطرف الأضعف ميدانياً رهينة لتفسير الطرف الأقوى لما يُعتبر التزاماً كافياً.

 

عودة الضربات على لبنان: هشاشة الهدنة الموازية

بالتوازي مع مسار غزة، نفذ جيش الكيان الإسرائيلي ضربة جديدة في منطقة مشاع المنصوري جنوبي لبنان، في تذكير بأن كل مسارات التهدئة التي توثقها هذه السلسلة، سواء في هرمز أو باب المندب أو غزة، تبقى مسارات جزئية ومحلية لا تشمل خفض التصعيد الشامل في المنطقة. تصريحات وزير الخارجية الأمريكي في هذا السياق، التي أكدت أن التوصل لاتفاق مع إيران سيحتاج عملاً متواصلاً لفترة زمنية طويلة، وأن لدى ترامب خيارات متعددة من بينها الخيارات العسكرية، وأن وكلاء إيران في المنطقة يهددون أمن وسيادة دولها، تؤكد أن واشنطن نفسها لا تتعامل مع أي من هذه المسارات بوصفه إغلاقاً نهائياً للملف، بل بوصفه إدارة متواصلة لصراع طويل الأمد.

 

ثانياً، هل العالم في حرب عالمية ثالثة فعلاً؟

روته والناتو: منطق الفناء الخلفي

تصريحات الأمين العام لحلف الناتو مارك روته بشأن العملية الأمريكية ضد إيران تستحق قراءة متأنية. روته أكد أن تنفيذ ما وصفها بعملية الغضب الملحمي كان مستحيلاً لولا استخدام أوروبا منصة انطلاق للقوة الأمريكية، مشيراً إلى إقلاع نحو خمسة آلاف طائرة من قواعد أوروبية دعماً للعملية منذ 28 فبراير من هذا العام. الأهم من الرقم نفسه هو التفسير الذي قدمه روته لضرورة التدخل الأمريكي المباشر في إيران واليمن معاً: الأوروبيون، بحسب تعبيره الحرفي، لم يمتلكوا بطريقة ما القدرات الكافية للقيام بذلك بأنفسهم، لأن هذا الفناء الخلفي هو فناء أوروبا الخلفي، لا فناء أمريكا الخلفي.

هذا الاعتراف العلني بعجز أوروبا العسكري عن إدارة أزمات محيطها المباشر، من مصدر لا يمكن اتهامه بمعاداة الغرب، يفسر جانباً مهماً من اللغز الذي طرحته الحلقة السادسة عشرة حول تردد ترامب في فتح جبهة مباشرة ضد الحوثي رغم كل الضغوط السعودية: واشنطن تدرك أنها الفاعل الوحيد القادر فعلياً على حسم ملفات كهذه، وهذا الوعي بالحصرية يمنحها هامش مناورة زمنية واسعاً لا تملكه أي قوة أخرى، بما فيها حلفاؤها الأوروبيون أنفسهم. تصريح روته الإضافي حول الحرب الهجينة، وتأكيده أن لدى الناتو خيارات رد لن تُكشف علناً، يضيف بعداً آخر: الحرب المعلنة على الجبهات الإقليمية تُدار بالتوازي مع حرب غير معلنة على جبهات هجينة أوسع بكثير من نطاق هذه السلسلة التقليدي.

 

خمس جبهات وتعبئة أوروبية غير مسبوقة

التعبير المتداول عن خمس جبهات مشتعلة في آن واحد لأول مرة منذ 1945، أوكرانيا واستنزاف الناتو، والشرق الأوسط في مواجهة مباشرة، وتايوان في حرب الرقائق، والاقتصاد في حرب الدولار والبريكس، والفضاء السيبراني في حرب بلا رصاص، مع إضافة حرب المضائق كجبهة سادسة ضمنية، يلتقط شعورياً حالة رصدتها تصريحات رسمية متعددة خلال الأيام الأخيرة. الرئيس الفرنسي دعا إلى البقاء متحدين في مواجهة الأزمات. سويسرا، وهي دولة لا تصدر بيانات تعبوية إلا عند وجود خطر حقيقي بتقدير خبرائها، أعلنت ثلاثة أهداف معلنة: تعزيز الصمود، وتحسين الحماية، ورفع القدرات الدفاعية. رئيس وزراء بولندا تحدث عن أسابيع وأشهر عصيبة أمامنا. ألمانيا تدرس جاهزية مستشفياتها لسيناريوهات حرب. ليتوانيا تخطط لإجلاء مواطنيها نحو بولندا في حال وقوع حرب. فرنسا تضع خططاً لحماية بنيتها التحتية وصناعاتها الدفاعية من المسيّرات والهجمات السيبرانية. والمملكة المتحدة تستعد لإطلاق حملة توعية وطنية تحث الأسر على تخزين إمدادات مياه ومعلبات لمدة 72 ساعة تحسباً للطوارئ.

بالتوازي، كشفت الاستخبارات الأمريكية لعدة حكومات أوروبية، بحسب صحيفة إل موندو الإسبانية، عن تحذير من احتمال هجوم روسي بمسيّرات جيربيرا تُطلق من سفن تجارية في المتوسط ضد إسبانيا أو فرنسا أو إيطاليا، بمدى طيران يصل إلى 600 كيلومتر، وهو ما يُفسر جزئياً السرعة التي اتهمت بها إسبانيا روسيا والكيان الإسرائيلي بالوقوف خلف أحداث سبتة الأخيرة، وهي واقعة تفصّلها هذه الحلقة لاحقاً. اجتماع مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف في موسكو نهاية أغسطس، الذي حذر خلاله روسيا من استفزازات تستهدف الناتو، يوحي بأن واشنطن تتعامل مع هذا الاحتمال بجدية كافية لتبرير تحذير مباشر لموسكو، لا مجرد تسريب إعلامي عابر.

قراءة نقدية ضرورية هنا: حجم التعبئة الإعلامية والشعبية في أوروبا يفوق، حتى تاريخ هذه الحلقة، حجم أي مواجهة عسكرية مباشرة فعلية بين الناتو وروسيا. هذا لا يعني بالضرورة أن التهديد مبالغ فيه بالكامل، لكنه يستدعي تطبيق المعيار الذي أرسته الحلقة السادسة عشرة بدقة: من الجمهور المقصود؟ وما الكلفة الفعلية على قائل التصريح إن لم يتحقق؟ حكومات تستعد شعوبها نفسياً لسيناريو أسوأ تكسب هامش مناورة سياسية داخلية واسعاً، سواء تحقق السيناريو أم لم يتحقق، عبر تبرير أي إجراءات تقشفية أو أمنية استثنائية لاحقة بذريعة الجاهزية للطوارئ.

 

صفقة غرينلاند: إعادة رسم خرائط النفوذ في زمن الانشغال

في خضم كل هذا الانشغال العالمي بجبهات الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، أعلن ترامب التوصل إلى اتفاق مع الدنمارك يمنح الولايات المتحدة سيطرة دائمة على أمن جزيرة غرينلاند، ويمنع أي خصم من إقامة قاعدة أو استثمار فيها دون موافقة أمريكية. هذا التوقيت ليس عرضياً، إذ يتكرر نمط رصدته الحلقة الثالثة من هذه السلسلة تحت عنوان اللعبة الكبرى: بينما تنشغل الأضواء العالمية بجبهات الاشتعال المباشر، تُنجز واشنطن مكاسب جيوستراتيجية طويلة الأمد في ساحات أقل ضجيجاً إعلامياً، غرينلاند هنا تحديداً بوابة القطب الشمالي الذي يزداد أهمية مع ذوبان الجليد وانفتاح ممرات ملاحية وموارد جديدة تتنافس عليها روسيا والصين والغرب معاً. من يملك مفاتيح هرمز وباب المندب وقناة بنما، وفق منطق الحلقة الثانية نفسه، يسعى الآن لإضافة القطب الشمالي إلى محفظة الممرات التي يتحكم فيها.

بالتوازي، تدرس واشنطن انسحاب 25 ألف جندي أمريكي من أوروبا، في خطوة قرأها بعض المراقبين بأنها محاولة لتجنب مواجهة مباشرة بين الجيشين الأمريكي والروسي على الأراضي الأوروبية نفسها. هذا التزامن بين تعزيز السيطرة الأمريكية المباشرة على غرينلاند وتقليص الوجود العسكري الأمريكي التقليدي في أوروبا القارية يكشف عن إعادة ترتيب أولويات استراتيجية أعمق من مجرد رد فعل آني على أزمة إيران أو أوكرانيا: واشنطن تعيد توزيع أصولها العسكرية والجيوسياسية نحو نقاط تحكم أكثر حصرية وأقل استنزافاً من حروب برية طويلة الأمد.

 

الصين والولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي: تصريح شي جين بينغ

من بين أكثر التصريحات المتداولة إثارة للجدل في هذه الحلقة، ما نُسب للرئيس الصيني شي جين بينغ من وصف الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي بأنهما يشكلان تهديداً كبيراً للعالم أشبه بالطاعون من حيث الأوبئة، مع دعوة إلى ضرورة نزع سلاحهما النووي إنقاذاً للعالم من حرب عالمية ثالثة. صعوبة التثبت المستقل الكامل من الصياغة الحرفية لهذا التصريح لا تلغي وجوب تحليل وظيفته إن صحت نسبته: خطاب صيني بهذه الحدة تجاه الكيان الإسرائيلي تحديداً، لا الولايات المتحدة وحدها، يمثل خروجاً ملحوظاً عن الحياد الصيني التقليدي المعتاد تجاه ملف فلسطين والكيان الإسرائيلي، وقد يعكس محاولة بكين استثمار الغضب الشعبي العربي والإسلامي المتصاعد من الحرب على غزة لتحسين موقعها التنافسي أمام واشنطن في هذه المرحلة بالذات، بينما تخوض معها معركة عقوبات الطيران الإيراني الموثقة سابقاً في هذه الحلقة نفسها.

 

تايوان: الجبهة الصامتة التي تحمل أعلى كلفة اقتصادية

بينما تتركز الأضواء على الشرق الأوسط وأوروبا، تتصاعد بصمت جبهة لا تقل خطورة من حيث الأثر الاقتصادي العالمي المحتمل: مضيق تايوان. أجرت تايوان في أغسطس أكبر مناوراتها العسكرية لعام 2026 كاملاً تحسباً لغزو صيني محتمل، شملت تدريبات مدنية على التعامل مع غارات جوية وإبطاء متعمد لسرعات الإنترنت لمحاكاة ظروف الحرب. الصين من جهتها كثفت مناوراتها العسكرية حول الجزيرة، بما فيها تدريبات تحمل اسم رعد في المضيق شملت محاكاة حصار كامل للموانئ الرئيسية وإطلاق ذخيرة حية بعيدة المدى، مع تصعيد إضافي إثر تصريحات رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكاييشي التي لوّحت باحتمال تدخل عسكري ياباني إذا اتخذت الصين إجراءً عسكرياً ضد تايوان، وهو ما اعتبرته بكين استفزازاً مباشراً.

الكلفة الاقتصادية المحتملة لأي اضطراب فعلي في هذا المضيق تفوق، بحسب تقديرات متعددة، كلفة أي اضطراب في هرمز أو باب المندب مجتمعين. تايوان تنتج نحو 92 بالمئة من أشباه الموصلات الأكثر تقدماً عالمياً، وتستحوذ شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات وحدها على أكثر من 70 بالمئة من إيرادات المسابك العالمية، بقيمة مضافة عالمية تعتمد على هذه الرقائق تقدر بنحو ستة تريليونات دولار. هذا يعني أن الجبهة الخامسة من الجبهات الخمس المتداولة في هذه الحلقة ليست جبهة هامشية مقارنة بالشرق الأوسط، بل ربما الجبهة الأكثر قدرة على شل الاقتصاد العالمي بأسره في حال انفجارها الفعلي، وهو ما يفسر جزئياً لماذا تُدار كل الجبهات الأخرى، بما فيها هرمز وباب المندب، بمنطق الاحتواء المُدار الذي وثقته الحلقة السادسة عشرة، فلا أحد من اللاعبين الكبار يريد فتح جبهتين كبريين متزامنتين بينما تظل جبهة تايوان مشتعلة بصمت في الخلفية.

 

ثالثاً، القارة الإفريقية تحترق

الساحل: فيلق إفريقيا الروسي بين الغرق في المستنقع وفقدان المبادرة

منذ 25 أبريل 2026، تشن جبهة تحرير أزواد بالتنسيق مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المعروفة اختصاراً بجي نيم سلسلة هجمات منسقة متزامنة في عموم مالي، أفضت إلى سيطرة جبهة أزواد الكاملة على مدينة كيدال، بينما تدعي جي نيم سيطرة كاملة أو جزئية على موبتي وسيفاري وغاو. الخسائر الموثقة فادحة على الجانبين: أكثر من 200 قتيل من الجيش المالي بحسب إحصاءات رسمية، مقابل ما يزيد على 2500 قتيل من المهاجمين بحسب رواية فيلق إفريقيا الروسي، إضافة إلى مقتل أكثر من 300 عنصر من الفيلق نفسه جراء الضربات الجوية الروسية، وهو رقم يكشف حجم الفوضى الميدانية وسوء التنسيق حتى داخل صفوف القوة الغازية نفسها. في الثامن عشر من يوليو، سقط أكثر من خمسين جندياً مالياً وعنصراً من فيلق إفريقيا في كمين واحد في إقليم غاو، وهو أحد أعنف الكمائن التي تعرضت لها القوات الروسية في مالي منذ دخولها.

منذ سبتمبر 2025، تفرض جي نيم حصاراً انتقائياً على العاصمة باماكو نفسها، عبر إحراق شاحنات الوقود وفرض فصل جندري في وسائل النقل، ما أدى إلى أزمة وقود لم تُحل بالكامل حتى مطلع 2026 رغم مرافقة الجيش المالي وفيلق إفريقيا للقوافل. هذا يعني أن العاصمة المالية نفسها، لا الأطراف النائية فقط، باتت تحت ضغط حصار غير مباشر، في مؤشر على أن الرهان الروسي في الساحل، الذي قُدّم عند الإعلان عنه بديلاً ناجعاً عن الفشل الفرنسي السابق، يواجه اليوم صعوبات ميدانية مماثلة أو أشد من تلك التي واجهتها باريس نفسها قبل انسحابها.

 

بوركينا فاسو: الحلقة الأضعف في السلسلة الثلاثية

تقرير حقوقي موسع صدر في أبريل 2026 وثق جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبها جميع أطراف النزاع في بوركينا فاسو منذ استيلاء الكابتن إبراهيم تراوري على السلطة في سبتمبر 2022، شمل 57 واقعة تورط فيها الجيش البوركينابي وميليشيا المتطوعين لحماية الوطن من جهة، وجماعة جي نيم من جهة أخرى، مع استهداف ممنهج للمدنيين من الفولان بتهمة دعم الجماعات الإسلامية المسلحة، ومقابله استهداف من جي نيم للمجتمعات المتهمة بالتعاون مع الجيش. جي نيم تعتبر بوركينا فاسو الحلقة الأضعف في دول الساحل الثلاث، وتسيطر أو تفرض نفوذها على ما يقارب ثلثي الأراضي البوركينابية، مع حصار متواصل لمدن استراتيجية مثل جيبو، الحاضنة لنحو 300 ألف نازح داخلي.

تحول جي نيم الأخير من حرب العصابات في الريف إلى الهجوم على المراكز الحضرية نفسها، بما فيها هجمات نيسان 2026 على قاعدة عسكرية في باغموسا أسفرت عن مقتل 28 جندياً وعنصر ميليشيا، يمثل تطوراً نوعياً يهدد استمرار نظام تراوري ذاته. الأنظمة العسكرية الثلاثة في تحالف دول الساحل، مالي وبوركينا فاسو والنيجر، راهنت على الشراكة الأمنية مع موسكو بديلاً عن باريس بوصفها قوة تحرر لا استعمار جديد، لكن حصيلة عامين ونصف من هذه الشراكة تُظهر أن معدل السيطرة الحكومية على الأراضي لم يتحسن جوهرياً، بينما تضاعفت الخسائر البشرية على جميع الأطراف.

 

السودان: تصدعات الدعم السريع والخيط الإثيوبي الخفي

المشهد السوداني يشهد تطورين متزامنين متناقضين ظاهرياً. من جهة، يعلن الجيش السوداني تسجيل انشقاقات جديدة داخل صفوف قوات الدعم السريع، من بينها انضمام مجموعة مسلحة من قبيلة المسيرية بقيادة أحد الضباط المنشقين إلى صفوف الجيش، مع توسع تدريجي موثق لسيطرة الجيش في إقليم كردفان على حساب الدعم السريع، واستعادة مناطق كانت تحت سيطرة الميليشيا. من جهة أخرى، لا تزال قوات الدعم السريع تُحكم قبضتها على معظم دارفور، وتشن هجمات مستمرة في غرب كردفان تستهدف محاصرة مدينة الأبيض تمهيداً لمحاولة تقدم جديد نحو الخرطوم، بينما تستعد القوات المسلحة السودانية لعملية معلنة لاستعادة مدينة الفاشر، التي وثقت بعثة تقصي الحقائق الأممية ارتكاب الدعم السريع فيها أفعالاً تحمل سمات الإبادة الجماعية ضد قبيلتي الفور والزغاوة.

الخيط الأخطر في هذا الملف، والذي يربطه مباشرة بالقسم التالي من هذه الحلقة، هو الهجوم الذي شنته قوات الدعم السريع على منطقة الكرمك في إقليم النيل الأزرق، والذي أكدت مصادر عسكرية سودانية أنه انطلق من الأراضي الإثيوبية، في تكرار لواقعة سبق أن استدعت فيها الخرطوم سفيرها من أديس أبابا بعد اتهامها بتنفيذ ضربة مسيّرة على مطار الخرطوم الدولي في مايو 2026. هذا يعني أن الحرب السودانية لم تعد صراعاً داخلياً محضاً، بل باتت متشابكة مع الاضطراب الإثيوبي المتصاعد الذي تتناوله هذه الحلقة في القسم التالي مباشرة، في نموذج مصغر لما وثقته هذه السلسلة مراراً تحت عنوان تصدير الأزمة عبر الحدود بدل احتوائها داخلها.

تقارير حقوقية موثقة، من بينها تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش صدر في مايو 2026، كشفت تورط شركة أمنية مقرها أبوظبي في نشر مئات المقاتلين الكولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع، بعضهم كان متواجداً في الفاشر أثناء سيطرة الميليشيا عليها وارتكابها انتهاكات واسعة. هذا يضع السودان ضمن نفس المنظومة الإقليمية التي وثقتها الحلقة السادسة عشرة من هذه السلسلة حول ازدواجية التحالفات بين المغرب والإمارات والكيان الإسرائيلي من جهة، والجزائر من جهة أخرى، إذ يتقاطع الملف الإماراتي في السودان مع ملفات إقليمية أخرى متعددة تتناولها هذه الحلقة، ما يرسم صورة لقوى إقليمية تدير نفوذها عبر شبكة من الوكلاء والمرتزقة في أكثر من ساحة أفريقية في آن واحد.

 

إثيوبيا: تحالف البقاء وشبح الحرب الأهلية الثانية

في تطور وقع في الساعات نفسها التي تُكتب فيها هذه الحلقة، أعلنت سبع جماعات مسلحة وسياسية إثيوبية، في العشرين من سبتمبر 2026، تشكيل تحالف موسع يحمل اسم البقاء الإثيوبي، يضم حركة أمهرة فانو الوطنية، وجيش تحرير أورومو، وجبهة تحرير شعب تيغراي، إلى جانب أربع حركات إقليمية أخرى، بهدف معلن هو إسقاط حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد. المفارقة التاريخية اللافتة هي أن بعض هذه الجماعات، وعلى رأسها فصائل أمهرة وأورومو وتيغراي، كانت تتقاتل فيما بينها خلال الحرب الإثيوبية السابقة التي انتهت باتفاق بريتوريا عام 2022، ما يعني أن العداء المشترك لأديس أبابا بات أقوى من الانقسامات الإثنية التاريخية التي فرّقت بينها سابقاً.

بعد أيام قليلة من إعلان هذا التحالف، سيطرت قوات جبهة تحرير شعب تيغراي على مطار ألولا أبا نغا في ميكيلي، عاصمة الإقليم، ثم توسعت السيطرة لتشمل ثلاثة مطارات رئيسية في تيغراي، بحسب مصادر متعددة من بينها وكالة الأنباء الإسبانية إي إف إي. علّقت الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى ميكيلي وشاير وأكسوم، وأمرت سلطات تيغراي قواتها بالدخول في قتال دفاعي بعد ما وصفته بغزو وهجوم مفتوحين من القوات الفيدرالية، فيما اتسع نطاق الاشتباكات ليشمل إقليمي عفر وأمهرة. المؤشر الأخطر على الإطلاق هو ما تحدثت عنه تحليلات متعددة من بوادر تقارب عسكري بين جبهة تحرير تيغراي وإريتريا، التي كانت حليفاً رئيسياً لأديس أبابا في الحرب السابقة ضد تيغراي نفسها، إذ يمنح هذا التقارب المحتمل جبهة تيغراي عمقاً استراتيجياً إضافياً عبر الحدود الطويلة المشتركة مع أسمرا، ويهدد بتحويل صراع داخلي إثيوبي إلى صراع إقليمي متعدد الأطراف يشمل القرن الأفريقي بأكمله.

الرابط المباشر بهذه السلسلة هو أن إثيوبيا تجاور مصر والسودان معاً عبر ملف سد النهضة من جهة، وعبر الحدود المباشرة مع النيل الأزرق السوداني من جهة أخرى، وهو ما يعني أن أي انهيار كامل للدولة الإثيوبية لن يبقى أثره محصوراً داخل حدودها، بل سينعكس مباشرة على أمن مصر المائي الذي تتناوله هذه الحلقة لاحقاً، وعلى الجبهة السودانية المشتعلة أصلاً، في حلقة متصلة من عدم الاستقرار تمتد من القرن الأفريقي إلى حوض النيل بأكمله.

 

الصومال: الحصار الزاحف حول مقديشو

توسعت حركة الشباب الصومالية المرتبطة بتنظيم القاعدة خلال الأسابيع الأخيرة في نفوذها حول العاصمة مقديشو، مستفيدة من انسحاب قوات حكومية ومقاتلين عشائريين من عدة مواقع، وشنت أكثر من عشر هجمات ليلية خلال أسبوعين على مواقع أمنية في خمس مناطق رئيسية على الأقل. تقديرات متعددة تشير إلى أن الحركة تسيطر أو تفرض نفوذاً قوياً على نحو 30 بالمئة من الأراضي الصومالية، مع وجود متسلل داخل العاصمة نفسها، في تزامن لافت مع تصاعد الخلافات السياسية بين الرئيس حسن شيخ محمود وخصومه الداخليين، وهو نمط تكرر عبر هذه السلسلة في أكثر من ساحة: الانقسام السياسي الداخلي يفتح الباب أمام تمدد ميداني للطرف المسلح الأكثر تنظيماً.

في مقابل هذا التصعيد الميداني، تحدثت تحليلات نشرتها الإيكونوميست وصحيفة ذا إيست أفريكان عن تراجع لافت في وتيرة هجمات الحركة داخل مقديشو نفسها، من 144 هجوماً في الربع الثالث من 2022 إلى خمسة هجمات فقط في الربع الثاني من 2026، مرجحة أن هذا التراجع قد يعكس استعداداً محتملاً للحركة لمرحلة سياسية تفاوضية بدل المواجهة المسلحة الشاملة. إن صح هذا التقدير، فإنه يكرر النمط الذي وثقته الحلقة السادسة عشرة بشأن الحوثي في اليمن: جماعة مسلحة تحمل راية دينية أو أيديولوجية أمام جمهورها الداخلي، بينما تدير حسابات براغماتية دقيقة تجاه التفاوض المحتمل مع خصومها الرسميين متى تبين أن ذلك يخدم مصالحها الخاصة أكثر من استمرار المواجهة المفتوحة.

 

رابعاً، المغرب العربي يتفكك

المغرب والجزائر: من قطيعة الإمارات إلى سفارة كاملة مع الكيان الإسرائيلي

في العاشر من سبتمبر 2026، أعلنت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، متهمة أبوظبي بتصرفات استفزازية وعدائية، بعد سنوات من التوتر المتصاعد بين البلدين. الخارجية الجزائرية أكدت في بيانها أنها استنفدت كل الوسائل التي كان يمكن أن تحافظ على العلاقة الثنائية. هذا القرار غير المسبوق في حدته لا ينفصل عن السياق الإقليمي الأوسع: الإمارات باتت شريكاً أمنياً واقتصادياً متصاعد الأهمية للمغرب، في وقت تعمقت فيه علاقات المغرب بالكيان الإسرائيلي بشكل غير مسبوق بعد اتفاقات إبراهام، وترى الجزائر في هذا التقاطع بين أبوظبي والرباط وتل أبيب تهديداً مباشراً لتوازنات الأمن في شمال إفريقيا، خصوصاً مع مساهمة التكنولوجيا العسكرية للكيان الإسرائيلي في رفع مستوى تطور الجيش المغربي.

في السادس عشر من سبتمبر 2026، وبعد أيام قليلة من قطيعة الجزائر مع الإمارات، اتفقت الرباط وتل أبيب على ترقية علاقاتهما إلى مستوى السفارات الكاملة وتعيين سفراء متبادلين، في انتقال معلن من مرحلة الاتصال الدبلوماسي المحدود إلى شراكة أكثر اتساعاً واستدامة. بالتوازي، فرضت السلطات المغربية اعتباراً من نفس التاريخ تعليمات أمنية مشددة على مطاري الجزائر ووهران لمنع دخول المواطنين الجزائريين دون إقامة سارية، وهو إجراء ميداني يتناقض مع استمرار إدراج البوابة السياحية المغربية للجزائريين ضمن قائمة الإعفاء من التأشيرة القصيرة، ما يعكس ازدواجية بين الخطاب الرسمي والممارسة الأمنية الفعلية على الأرض.

قراءة تحليلية نشرها موقع متخصص في الشؤون الاستراتيجية تحت عنوان أبوظبي وتل أبيب والجزائر: المواجهة الاستراتيجية الناشئة عبر المغرب العربي والساحل والبحر الأحمر، تناولت الترابط العميق بين سياسات الإمارات وعلاقات المغرب بالكيان الإسرائيلي والتحولات الممتدة من المغرب العربي إلى الساحل والبحر الأحمر. أبوظبي اختارت توسيع شراكتها مع المغرب ودعم مواقفه الإقليمية بشكل مباشر، بينما اختارت الجزائر حماية استقلال قرارها وإغلاق المجال أمام أي نفوذ تعتبره تهديداً لسيادتها ومصالحها. هذا التقاطع الثلاثي بين أبوظبي والرباط وتل أبيب، مقابل موقف جزائري متصلب، يعيد إنتاج بصورة مصغرة نفس منطق شبكة الوكلاء المتعددة المصالح الذي أسسته الحلقة السادسة عشرة لوصف الملف الإيراني، لكن هذه المرة على الضفة المقابلة تماماً من الخريطة الجيوسياسية.

 

المغرب وإسبانيا: أزمة سبتة والتراشق الدبلوماسي

أزمة الهجرة الجماعية من المغرب نحو مدينة سبتة الإسبانية المحتلة خلال يوليو 2026، وما تلاها من تصريحات لمسؤولين مغاربة حول الوضع القانوني والجغرافي لسبتة ومليلية المحتلّتين، فجّرت أزمة دبلوماسية غير مسبوقة بين الرباط ومدريد. رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز اضطر في العاشر من سبتمبر إلى استدعاء سفيرته في الرباط احتجاجاً على هذه التصريحات، رغم أنه في الوقت نفسه استبعد رسمياً أي مسؤولية مغربية مباشرة عن أحداث الهجرة نفسها، متهماً بدلاً من ذلك روسيا والكيان الإسرائيلي واليمين المتطرف الإسباني بالوقوف وراء تدبير هذه الأحداث، مؤكداً أن المعطيات المتوفرة لدى السلطات الإسبانية لا تتضمن أي دليل ملموس على تورط الرباط، بل أشاد بتعامل السلطات المغربية مع تدفق المهاجرين.

هذا التناقض الظاهري، استدعاء السفيرة احتجاجاً من جهة، وتبرئة المغرب من التدبير المباشر من جهة أخرى، يكشف عن أزمة مركبة الطبقات: أزمة سياسية داخلية إسبانية يستغلها خصوم سانشيز، وعلى رأسهم رئيسة إقليم مدريد إيزابيل دياز أيوسو التي طالبت علناً بقطع العلاقات مع المغرب، متداخلة مع أزمة سيادية حول وضعية سبتة ومليلية المحتلّتين، متداخلة بدورها مع نظرية اتهام خارجي بالتحريض تحمل بصمات نفس الفاعلين الذين اتُّهموا بالتحريض في أزمات أخرى موثقة عبر هذه السلسلة. الخارجية المغربية ردت برفض قاطع لأن تكون الرباط كبش فداء لتصفية حسابات سياسية داخلية إسبانية، مؤكدة تمسكها بعلاقة حسن جوار وشراكة اقتصادية، مذكّرة بأن إسبانيا الشريك الاقتصادي الأول للمغرب، وأن المملكة الشريك التجاري الثاني لإسبانيا خارج الاتحاد الأوروبي.

التصعيد بلغ مستوى عملياً حين أعلن المغرب دراسة تعليق اتفاقية تسليم المطلوبين مع إسبانيا، رداً على ما اعتبرته الرباط غياباً للمعاملة بالمثل من الجانب الإسباني في تنفيذ طلبات التسليم. هذا التصعيد المتبادل بين حليفين اقتصاديين وثيقين، في توقيت يتزامن مع تحذيرات استخباراتية أمريكية من هجمات مسيّرات روسية محتملة تستهدف إسبانيا تحديداً ضمن الجبهات الخمس التي تتناولها هذه الحلقة، يضع أزمة سبتة المحتلّة في سياق أوسع بكثير من مجرد خلاف حدودي ثنائي تقليدي.

 

التغلغل الصهيوني في المغرب كبُعد أمني قائم بذاته

ترقية علاقات المغرب بالكيان الإسرائيلي إلى مستوى السفارة الكاملة، الموثقة أعلاه، ليست حدثاً منعزلاً، بل تتويج لمسار تعميق أمني واستخباراتي وعسكري متصاعد منذ توقيع اتفاقات إبراهام. المصادر التحليلية المتعددة التي رصدتها هذه الحلقة تجمع على أن هذا التعميق يتجاوز البعد الدبلوماسي الرمزي إلى تعاون عسكري وتقني مباشر ساهم في رفع القدرات التسليحية والاستخباراتية المغربية، وهو ما تنظر إليه الجزائر تحديداً بوصفه استفزازاً أيديولوجياً وعسكرياً مباشراً يمس توازن الردع الإقليمي في شمال إفريقيا بأكمله. سباق التسلح المتسارع بين الرباط والجزائر، الذي رصدته تقارير غربية متعددة، يتغذى مباشرة من هذا التقاطع: تفوق تقني مغربي مدعوم من الكيان الإسرائيلي في مواجهة تفوق عددي جزائري في الميزانية الدفاعية.

هذا التغلغل يعيد إنتاج، بصيغة مختلفة، ما حذرت منه الحلقة الثالثة من هذه السلسلة تحت عنوان تمهيد الأرضية للمشروع الصهيوني في سياق الخليج العربي: استنزاف مركب لتوازنات إقليمية تقليدية يفتح الباب أمام تمدد نفوذ الكيان الإسرائيلي عبر شراكات أمنية واستخباراتية مع أطراف عربية تبحث عن تفوق تقني سريع في مواجهة جوار إقليمي متوتر، دون أن يكون ذلك بالضرورة جزءاً من مخطط مركزي واحد، بل نتيجة تراكمية لقرارات محلية منفصلة يخدم مجموعها في النهاية اتجاهاً استراتيجياً واحداً (توسع الكيان الصهيوني).

 

ليبيا: انقسام برلماني وعودة الاهتمام الروسي بطبرق

الأزمة السياسية الليبية دخلت منعطفاً جديداً مع تصاعد الخلاف داخل مجلس النواب نفسه بعد اتهام 86 نائباً رئاسة المجلس، برئاسة عقيلة صالح، بمنعهم من عقد جلسة مخصصة لإصلاح آليات عمل المجلس في الحادي والعشرين من سبتمبر، في وقت يتسع فيه أيضاً الخلاف داخل المجلس الرئاسي نفسه بين رئيسه محمد المنفي ونائبه موسى الكوني، على خلفية مسار اتفاق أربعة زائد أربعة المتعلق بالانتخابات، والذي أقره مجلس النواب في الرابع عشر من سبتمبر ورحبت به بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بوصفه خطوة نحو الاستحقاق الانتخابي المؤجل مراراً.

بالتوازي مع هذا الانقسام السياسي المتصاعد، تشير تقارير متعددة إلى تحرك روسي جديد في مدينة طبرق الواقعة تحت سيطرة قوات خليفة حفتر، يتمثل في تطوير الميناء والقاعدتين الجوية والعسكرية، وهو ما يقرأه خبراء عسكريون ليبيون بوصفه مؤشراً على استمرار اهتمام موسكو بالحفاظ على حضورها في المنطقة الشرقية، رغم تراجع ملحوظ في الحضور الروسي المعلن مقابل تصاعد النشاط الأمريكي في ليبيا خلال الأشهر الأخيرة. هذا التنافس الروسي الأمريكي غير المعلن على موطئ قدم في طبرق يكرر، على نطاق أصغر، نفس منطق التنافس على الممرات والقواعد الاستراتيجية الذي وثقته هذه السلسلة في هرمز وباب المندب وغرينلاند معاً.

على الجبهة الاقتصادية، تواجه منظومة النفط الليبية شبح القوة القاهرة بعد خسارة 130 ألف برميل يومياً من الإنتاج جراء إغلاق أحد الصمامات الرئيسية، في تطور يضيف ضغطاً جديداً على سوق نفط عالمي متوتر أصلاً بفعل أزمة هرمز الموثقة عبر هذه السلسلة منذ التحليل الأول، ويهدد بشكل مباشر إيرادات دولة تعتمد ماليتها العامة بدرجة كبيرة على عائدات النفط، في وقت تحذر فيه المؤسسة الوطنية للنفط من ضرورة معالجة الوضع بشكل عاجل قبل أن يتحول التوقف المؤقت إلى أزمة إنتاج وتكرير أعمق.

 

تونس: من انقطاع الكهرباء والماء إلى تآكل الشرعية الغير الشرعية

أعلن المعهد الوطني التونسي للرصد الجوي أن صيف 2026 كان الأشد حرارة في البلاد منذ عام 1950، في تزامن كارثي مع اضطراب غير مسبوق في إمدادات الكهرباء والمياه بدأ في السابع عشر من يوليو واستمر حتى أواخر سبتمبر. الشركة التونسية للكهرباء والغاز عزت الانقطاعات المتكررة، التي طالت لأول مرة جميع مناطق البلاد لساعات طويلة يومياً، إلى تجاوز الطلب طاقة الإنتاج المتاحة، بينما انقطعت المياه الصالحة للشرب في مناطق عديدة ونفدت المياه المعلبة من الأسواق، ما اضطر مواطنين للاصطفاف ساعات طويلة للحصول على شربة ماء. الكلفة الإنسانية والاقتصادية لهذه الانقطاعات كانت فادحة بشهادة تقارير متعددة: وفيات لمرضى جراء انقطاع الكهرباء عن مراكز صحية، وأضرار بالغة في قطاع الدواجن، وتلف منتجات بحرية ومواد استهلاكية مبردة، واضطراب في سلاسل التصنيع والخدمات الإدارية.

الرئيس التونسي قيس سعيد متنصلا من المسؤولية وصف هذه الانقطاعات، في السادس عشر من سبتمبر، بأنها أمر غير بريء بل يرتقي إلى مرتبة الجريمة، ملمحاً إلى تورط أطراف لم يسمها في تعمد تأجيج الأوضاع، في تكرار لخطاب سبق أن استخدمه في يوليو حين اتهم معتقلين سياسيين موقوفين بتهمة التآمر على أمن الدولة بالوقوف وراء أزمة نقص المواد الغذائية وارتفاع أسعارها. هذا النمط الخطابي، الذي يحيل أزمات بنيوية متراكمة، تعود جذورها بحسب مصادر نقابية إلى عقود من تعمد إضعاف الشركات العمومية مالياً وتآكل شبكاتها وتجهيزاتها، إلى مؤامرة خارجية أو داخلية منظمة، يكرر بدقة النمط الذي وثقته هذه الحلقة في مواضع متعددة: من اتهام إسبانيا لروسيا والكيان الإسرائيلي بتدبير أزمة سبتة، إلى الخطاب الإيراني الذي يرفض تحمل مسؤولية مباشرة عن أفعال أذرعه الإقليمية. المسؤول التونسي المكلف بالملف أقر لاحقاً بتحسن ملحوظ في وضع الكهرباء وعودة إمدادات المياه إلى شبه طبيعتها، تاركاً تحديد المسؤولين عن أي أعمال تخريبية مزعومة لاختصاص القضاء، دون أن يحسم بذلك الجدل حول طبيعة الأزمة الحقيقية.

البعد الأخطر في هذا الملف هو التقاء الأزمة المعيشية بأزمة سياسية أعمق: تظاهر مئات التونسيين احتجاجاً على الانقطاعات المتكررة، لكن شعاراتهم تجاوزت المطلب الخدماتي المباشر إلى المطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين وسط أنباء عن تدهور الحالة الصحية لقيادات معارضة بارزة من بينها رئيس جبهة الخلاص الوطني، والتنديد بما وصفوه بتراجع الحريات العامة منذ إعلان الرئيس سعيد التدابير الاستثنائية في يوليو 2021. اقتران أزمة البنية التحتية الأساسية بأزمة شرعية سياسية مزمنة، في دولة عربية كانت توصف يوماً بأنها الاستثناء الوحيد في مسار الثورات العربية، يقدم نموذجاً إضافياً للقراءة الخلدونية التي تتناولها هذه الحلقة: عصبية حاكمة مركزية بالغة الانفراد بالقرار، تواجه اختباراً متزامناً لقدرتها الإدارية وقدرتها على الاحتفاظ بالرضا الشعبي، في وقت واحد يتقاطع فيه العجز التقني البحت مع أزمة الثقة السياسية العميقة.

 

مصر: حصار اقتصادي مزدوج وسط اشتعال الجبهات

تقرير موقف استخباراتي مفتوح المصدر صدر في التاسع من سبتمبر 2026 وصف الحالة المصرية الراهنة بأنها استقرار هش يتزامن مع تبني عقيدة الردع النشط عسكرياً وأمنياً. الدولة المصرية، بحسب هذا التقرير، تواجه عاصفة مثالية من أزمات إقليمية متزامنة، حرب غزة، وأزمة البحر الأحمر، وتداعيات التوترات الأمريكية الإيرانية، كلفتها خسائر فادحة تقدر بنحو 11 مليار دولار من تراجع إيرادات قناة السويس وحدها، في ظل دين خارجي يبلغ 164.8 مليار دولار واحتياجات تمويلية تصل إلى 32.7 مليار دولار مع فجوة تمويلية تقدر بـ6.6 مليار دولار وفق تقارير صندوق النقد الدولي.

هذا الضغط الخارجي يتقاطع مع تهديد استراتيجي أعمق وأطول أمداً يتمثل في ملف سد النهضة الإثيوبي، الذي يتزامن الآن مع الاضطراب الإثيوبي الداخلي غير المسبوق الموثق في هذه الحلقة. سد قائم بكامل طاقته على منبع النيل الأزرق، في دولة تشهد اليوم تهديداً حقيقياً بحرب أهلية ثانية وتحالفاً مسلحاً سباعياً يستهدف إسقاط حكومتها المركزية، يضع القاهرة أمام سيناريو مزدوج الخطورة: من جهة، احتمال أن يؤدي الانهيار الإثيوبي الداخلي إلى فقدان أي طرف مركزي قادر على التفاوض حول إدارة السد بشكل منضبط، ومن جهة أخرى استمرار المخاوف من أن يدفع مسار إعادة إعمار غزة نحو تكريس النزوح الجماعي إلى سيناء، وهو سيناريو رفضته القاهرة مراراً خلال العامين الماضيين رغم الضغوط المتصاعدة عليها بهذا الخصوص.

على الصعيد الداخلي، حذر إعلاميون مصريون بارزون ، خلال الأسبوع الأخير من سبتمبر، من ضغوط اقتصادية وشيكة مرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، وتشديد السياسة النقدية الأمريكية المتوقع أن يصل بالفائدة الأمريكية إلى 5 بالمئة في 2027، واحتمال خروج الأموال الساخنة من الأسواق الناشئة ومنها مصر، مع توقعات برفع أسعار البنزين والسولار محلياً بنسبة 10 بالمئة وتسارع معدلات التضخم. مصر بهذا المعنى تقف عند تقاطع حرج بين ثلاث دوائر أزمات متزامنة تتناولها هذه السلسلة كلها: دائرة الممرات المائية عبر قناة السويس والبحر الأحمر، ودائرة الأمن المائي عبر سد النهضة والاضطراب الإثيوبي، ودائرة الاقتصاد الكلي العالمي المتأثرة مباشرة بكل الجبهات الخمس التي تتناولها هذه الحلقة.

قراءة شرعية: الأخذ التدريجي وحق المعتقلين

والقراءة الشرعية لهذا المشهد المصري لا تكتمل بالبعدين الاقتصادي والجيوسياسي وحدهما. فالمحلل المسلم الذي يزن الأحداث بميزان سنن الله في الأخذ التدريجي لا يملك إلا أن يرى في هذا الضغط المتراكم على الاقتصاد المصري مظهراً من مظاهر الأخذ الإلهي لمن تولوا أمر هذه البلاد بالانقلاب على شرعية شعبها، ولمن أعانهم ووثق بهم من دون علم ولا بصيرة، والأخذ بجريرة ما اقتُرف في حق معتقلي الرأي الذين لا يزالون يذوقون صنوف الظلم والتعذيب خلف قضبان السجون المصرية ظلماً وزوراً، من مشايخ وعلماء ودعاة وشباب لا ذنب لهم سوى كلمة حق أو موقف صادق. وإن الأمة لتُسأل عن سكوتها قبل أن تُسأل السلطة وحدها عن ظلمها، فحق على كل من يملك منبراً أو قلماً أو صوتاً أن يرفع قضية هؤلاء المعتقلين ويدافع عنها، لا أن يتركهم نسياً منسياً خلف زحمة الأخبار العاجلة.

من هذا المنطلق، توجه هذه الحلقة نداءها الصريح إلى السلطات المصرية بالإفراج الفوري عن جميع معتقلي الرأي من المشايخ والعلماء والدعاة والمصلحين والشباب، ورفع الظلم الواقع عليهم، فذلك أقرب إلى رفع البلاء عن البلاد من كل معالجة اقتصادية أو دبلوماسية مهما بلغت دقتها.

 

خامساً، القراءة السوسيولوجية الخلدونية

يصعب قراءة هذا الكم من الانهيارات المتزامنة، من مالي إلى الصومال، ومن تيغراي إلى سبتة، دون استحضار الإطار التفسيري الذي قدمه عبد الرحمن بن خلدون قبل أكثر من ستة قرون في مقدمته لتفسير قيام الدول وسقوطها. جوهر النظرية الخلدونية يقوم على مفهوم العصبية بوصفها الرابطة الجامعة التي تمنح الجماعة قدرتها على الفعل الجماعي المنظم، سواء كانت عصبية نسب أو عصبية دين أو عصبية مصلحة مشتركة. الدولة، عند ابن خلدون، تمر بأطوار متعاقبة تبدأ بعصبية قوية تؤسس الملك، ثم تمر بطور الترف والانغماس في الملذات الذي يُضعف تدريجياً الرابطة الأصلية بين الحاكم ومن أعانه على الحكم، وتنتهي بطور الهرم الذي يصبح فيه الملك عاجزاً عن الدفاع عن نفسه فيسقط أمام عصبية جديدة أكثر تماسكاً.

المشهد الذي ترصده هذه الحلقة عبر قاراتها الثلاث يمكن قراءته بدقة عبر هذا الإطار. الدول التي تنهار اليوم، إثيوبيا وبوركينا فاسو ومالي والسودان وتونس ومصر، ودول عربية أخرى في الطريق، تتشارك سمة خلدونية جوهرية: عصبية حاكمة فقدت الرابطة العضوية التي تجمعها بمكونات مجتمعها، إما بفعل حكم عسكري انقلابي جاء بعصبية ضيقة لم تستطع توسيع قاعدتها، كما في مالي وبوركينا فاسو ومصر، أو بفعل تراكم مظالم إثنية وجهوية لم تُحل جذرياً رغم اتفاقيات سلام موقعة، كما في إثيوبيا والسودان، أو بفعل انقسام مؤسسي مزمن حال دون تبلور عصبية جامعة واحدة قادرة على احتكار الشرعية، كما في تونس ومصر وكثير من الدول العربية قد نقول بلا إستثناء . في كل هذه الحالات، لا تنهار الدولة أمام عدو خارجي محض بقدر ما تنهار من الداخل أولاً، ثم يستثمر فاعلون خارجيون، من فيلق إفريقيا الروسي إلى شبكات التمويل الإماراتية الموثقة في السودان، هذا الفراغ الداخلي لصالح مشاريعهم الخاصة.

البعد الخلدوني الثاني الذي يستحق التوقف عنده هو مفهوم الترف بوصفه عاملاً مُنهكاً للعصبية الحاكمة، وينطبق هذا بصورة لافتة على المشهد الخليجي الذي وثقته الحلقات السابقة من هذه السلسلة: اقتصادات ريعية اعتادت الاستقرار طويل الأمد تجد نفسها اليوم مضطرة لتحمل كلفة حروب لم تخترها، من الحصار البحري إلى القصف المباشر على الرياض، دون أن تملك عصبية عسكرية ذاتية كافية لحسم أي من هذه الجبهات بمفردها، وهو بالضبط ما وثقته الحلقة السادسة عشرة في تحليل تذبذب اتفاق مكة بين التصعيد اللفظي والتراجع العملي. أما في الطرف الأمريكي نفسه، فإن خطاب هيغسيث الذي وثقته الحلقة السادسة عشرة، وردود الفعل الرافضة له من داخل الجيش الأمريكي نفسه، يكشف إنهاكاً من نوع آخر: عصبية إمبراطورية متمددة جغرافياً على نطاق يفوق طاقتها الداخلية على تحمل الكلفة البشرية والسياسية لحروب لا نهاية محددة لها، وهو ما أكده روته نفسه حين اعترف بأن أوروبا عاجزة عن حماية فنائها الخلفي بنفسها، فتضطر لاستدعاء عصبية عسكرية أمريكية متعبة أصلاً من انخراطها المتعدد الجبهات.

الخلاصة الخلدونية الجامعة لهذه الحلقة هي أن ما نشهده ليس مجموعة أزمات منفصلة تتزامن صدفة، بل مرحلة تاريخية تتحلل فيها عصبيات متعددة في آن واحد، بعضها عصبيات دول ما بعد الاستعمار التي لم تكتمل عملية بنائها الوطني الداخلي قط، منذ الاستقلال إلى اليوم، وبعضها عصبيات إمبراطورية متأخرة تصل إلى حدود طاقتها التوسعية. وحين تتحلل عصبيات متعددة في آن واحد، لا يعود ممكناً لأي عصبية جديدة أن تحل محلها بسلاسة، فتدخل المنطقة بأسرها في فترة انتقالية طويلة من الفوضى المنظمة، يستثمرها كل فاعل قادر على الفعل، من الحرس الثوري الإيراني إلى فيلق إفريقيا الروسي إلى شبكات المرتزقة الإماراتية، لصالح مكاسب جزئية محلية، دون أن يملك أي منهم مشروعاً حضارياً جامعاً قادراً على إعادة بناء عصبية مستقرة طويلة الأمد.

 

سادساً، القراءة الجيوسياسية الجامعة

الربط بين مسارح هذه الحلقة الثلاثة، الشرق الأوسط وأوروبا وشرقها، والقارة الإفريقية، والمغرب العربي، يكشف عن قانون ناظم واحد يتكرر بصور مختلفة: كل قوة كبرى تدير أزماتها المتعددة عبر توزيع الكلفة على أطراف أضعف، مع الاحتفاظ لنفسها بهامش المناورة الزمنية والجغرافية الأوسع. الولايات المتحدة توزع كلفة مواجهتها مع إيران على دول الخليج التي تُقصف مباشرة، بينما تحتفظ لنفسها بقرار التصعيد أو التهدئة في هرمز وباب المندب معاً، وتستثمر في موازاة ذلك في غرينلاند بعيداً عن الأضواء. أوروبا تعترف علناً، على لسان أمينها العام للناتو نفسه، بعجزها عن حماية فنائها الخلفي بمفردها، فتستدعي القوة الأمريكية بينما تُعبّئ شعوبها داخلياً لتحمل كلفة مواجهة مؤجلة مع روسيا. الإمارات تدير شبكة نفوذ متعددة الساحات، من دعم قوات الدعم السريع في السودان وصناعة حفتر في ليبيا إلى تعميق الشراكة مع المغرب  ، دون أن يمنعها ذلك من دخول قطيعة كاملة مع الجزائر حين تتقاطع مصالحها مع حسابات أبوظبي الإقليمية الأوسع.

في المقابل، الأطراف التي تدفع الثمن الأكبر دون امتلاك مقعد حقيقي على طاولة القرار تتكرر بنفس البنية عبر كل الساحات: دول الخليج في مواجهة هرمز وباب المندب، ومصر المحاصرة بين قناة السويس وسد النهضة، والمغرب المضغوط عليه ،  والجزائر التي تجد نفسها معزولة إقليمياً بفعل تحالفات لم تشارك في صياغتها، والشعوب الإفريقية في الساحل والقرن الأفريقي التي تتقاذفها عصبيات محلية متناحرة وقوى خارجية متنافسة في آن واحد. هذا التكرار البنيوي عبر ساحات مختلفة تماماً في جغرافيتها وتاريخها يؤكد أن ما نشهده ليس تراكماً عشوائياً لأزمات منفصلة، بل نمطاً عالمياً واحداً لإعادة توزيع القوة في مرحلة انتقالية يتراجع فيها نظام أحادي القطبية دون أن يتبلور بعد نظام بديل واضح المعالم.

غياب فلسطين المتكرر عن كل تسوية جزئية توثقه هذه السلسلة منذ حلقتها الأولى يتكرر هنا بصيغة أوسع: غياب أي صوت عربي أو إفريقي مستقل حقيقي عن طاولات القرار الكبرى التي تُدار فيها كل هذه الملفات، من هرمز إلى تيغراي إلى سبتة. الأمة التي لا تملك مشروعها المستقل، كما ختمت الحلقة السادسة عشرة، تبقى ساحة يتقاسم فيها الآخرون النفوذ والقرار، لا طرفاً فاعلاً في تقرير مصيرها. وهذه الحلقة تضيف إلى هذا الاستنتاج بعداً جغرافياً أوسع: الساحة لم تعد الشرق الأوسط وحده، بل امتدت لتشمل القارة الإفريقية بأكملها تقريباً، في مؤشر على أن دائرة الاستهداف والاستنزاف لم تعد إقليمية محدودة، بل باتت قارية الاتساع.

 

خلاصة الحلقة وثوابت السلسلة

هذه الحلقة لا تُلغي أياً من الثوابت التحليلية التي أرستها الحلقات الست عشرة السابقة، بل توسع نطاقها الجغرافي من الشرق الأوسط إلى العالم بأسره. الثوابت المتكررة: غياب فلسطين عن كل تسوية جزئية، والأطراف الضعيفة التي تدفع الثمن دون مقعد على طاولة القرار، والتهويل الإعلامي بوصفه مؤشر إدارة داخلية أكثر منه قوة فعلية مؤكدة، وشبكة الوكلاء المتعددة المصالح التي تحل محل المحور الموحد. الإضافة الجوهرية لهذه الحلقة هي أن هذا النمط ذاته يتكرر بحذافيره في قارة كاملة تمتد من الساحل الإفريقي إلى القرن الأفريقي إلى المغرب العربي، بما يؤكد أن ما نعيشه ليس صراعاً إقليمياً محدوداً، بل إعادة تشكيل عالمية للنظام الدولي بأسره تمر عبر انهيار متزامن لعصبيات متعددة، محلية وإمبراطورية على حد سواء.

القراءة السوسيولوجية الخلدونية التي قدمتها هذه الحلقة لا تُغني عن القراءة الغائية، بل تكملها. فابن خلدون نفسه لم يفصل يوماً بين سنن الاجتماع البشري وبين الإرادة الإلهية النافذة في خلقها، بل جعل تعاقب الدول وانهيارها مظهراً من مظاهر سنة كونية ثابتة لا تحابي أمة على أخرى، ولا تستثني قوة عظمى من قانون الأخذ التدريجي بعد مدة من الاستكبار. حين تتزامن كل هذه الانهيارات في توقيت واحد تقريباً، الشرق الأوسط وأوروبا وإفريقيا بأسرها، فإن العاقل المتأمل لا يملك إلا أن يستحضر أن الأرض التي وسعها الله وأمر عباده بالسير فيها لا تُترك عبثاً دون حكمة، وأن هذا التدافع الشامل، مهما تعددت أسبابه الظاهرة من صراع نفوذ وموارد وممرات، يبقى في جوهره مظهراً من مظاهر سنة التداول بين الأمم التي لا يثبت أمامها إلا من تمسك بحبل الله المتين، ونظر إلى الأحداث بعين البصيرة لا بعين الانبهار بضجيج الأخبار المتلاحقة.

والأمة التي تراقب هذا التدافع الكوني من الخارج، دون أن تملك مشروعها المستقل وقراءتها المستقلة وإرادتها المستقلة، ستبقى حطباً يُشعَل ولا يستدفئ به أحد، كما ختمت الحلقة الأولى من هذه السلسلة منذ أبريل. لكن الثابت الأعمق الذي تضيفه هذه الحلقة هو أن سنة الله في الأخذ التدريجي لا تستثني أحداً من أطراف هذا الصراع، القوي منه والضعيف، الغالب والمغلوب، وأن العبرة ليست في من يملك اليوم زمام المبادرة الظاهرة، بل في من يستقيم على أمر الله في خضم هذا التدافع كله، فلا يستعجل الفرح بنصر عابر، ولا ييأس من ابتلاء طال أمده.

والمتأمل في وقائع هذه الحلقة وحدها يرى مصداق ذلك رأي العين، لا خبراً يُروى عن غيب مُغيَّب. فهؤلاء الذين رفعوا راية المقاومة وهم يعقدون تفاهماتهم السرية مع من يزعمون عداوته، وهؤلاء الذين ادّعوا وحدة الصف وهم يتقاتلون على النفوذ من الساحل إلى القرن الأفريقي، وهؤلاء الذين طغوا وتجبّروا وأراقوا دماء المسلمين دون حسيب ولا رقيب ، وهؤلاء الذين إعتقلوا وسجنوا أهل الحق ظلما وعدوانا بدعوى محاربة الإرهاب ، وهؤلاء الذي قال الله تعالى فيهم في سورة المائدة الآية : 52  {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ} ، وهؤلاء الذين استكبروا في الأرض بالحصار والتجويع والاستبداد فإذا بشعوبهم تنتفض عليهم من الداخل قبل أن يُقارعهم عدو من الخارج، كل أولئك ما هم إلا مصداق حي لسنة قرآنية ثابتة سبق أن جرت على من كانوا أشد منهم بأساً وأعتى قوة: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾. فمكر الله بأعدائه لا يحتاج جيشاً يُحشد، ولا مضيقاً يُغلق، بل يكفي أن يُترك القوم لعنادهم واستكبارهم، فإذا هم يهدمون صرحهم بأيديهم وهم يظنون أنهم يُحسنون صنعاً.

وإن الأرض التي جمعت كل هذه الأحداث في توقيت واحد، حتى ليظن الناظر أنها صدفة عابرة، لتُنبئ عن شيء أعمق من الصدفة: أرضٌ تُمهَّد، وصفوفٌ تتمحّص، وأقوامٌ تُختبر لتُعرف حقيقة معدنها. وما ذلك التمهيد كله إلا مقدمة نرجو أن تُفضي، بعد طول ابتلاء وصبر واحتساب، إلى نصر قريب يمنحه الله لعباده الصالحين الذين لم يستعجلوا الفرح، ولم يقعدوا عن الأخذ بالأسباب، ولم يتزحزحوا عن الثبات على طريق الحق مهما طال الليل واشتد الظلام، فإن مع العسر يسراً، وإن نصر الله قريب.

 

﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾

 

 

21 إلى 24 سبتمبر 2026، سلسلة التحليلات الاستراتيجية المتكاملة

Love0 Share Tweet Share

مركز المجدد

عن المركز

مركز المجدد ‎للبحوث والدراسات مركز بحثي يُعنى بقضايا الفكر والواقع، ويرفد الساحة الثقافية العربيّة بمعالجات بحثيّة رصينة لتجديد النظر التاريخي والسياسي والاجتماعي والديني، بما يخدم قضيّة «التجديد» المنشود.

بيانات الاتصال بنا


info@center.com


+90°°°°°°°°°°°°°


اسطنبول/ تركيا

تابعنا

  • Twitter
  • Facebook
  • Instagram
  • Telegram Broadcast
  • Twitter
  • Facebook
  • Instagram
  • Telegram Broadcast
© 2026 مركز المجدد للبحوث والدراسات
  • تويتر
  • فيسبوك
  • بنترست