مركز المجدد للبحوث والدراسات
  • عن المركز

    • من نحن

    • الرؤية والأهداف

    • مجلس الإدارة

    • وحدات المركز

      • الوحدة السياسية

      • الوحدة الثقافية

      • وحدة المعلومات والتقنية

    • العاملون في المركز

    • تواصل معنا

  • دراسات سياسية

    • تقدير موقف

    • استطلاعات الرأي

    • مقالات رأي

    • تقارير

  • أبحاث ودراسات

    • دراسات وبحوث

    • مراجعات الكتب

    • ترجمات

  • فعاليات وندوات

    • ورش عمل

    • ندوات

  • وسائط

    • إنفوجرافيك

    • فيديوهات

    • أخبار

  • منصة المجدد للبحوث

  • المشاركة البحثية

    • أخلاقيات النشر

    • معايير النشر

  • عن المركز

    • من نحن

    • الرؤية والأهداف

    • مجلس الإدارة

    • وحدات المركز

      • الوحدة السياسية

      • الوحدة الثقافية

      • وحدة المعلومات والتقنية

    • العاملون في المركز

    • تواصل معنا

  • دراسات سياسية

    • تقدير موقف

    • استطلاعات الرأي

    • مقالات رأي

    • تقارير

  • أبحاث ودراسات

    • دراسات وبحوث

    • مراجعات الكتب

    • ترجمات

  • فعاليات وندوات

    • ورش عمل

    • ندوات

  • وسائط

    • إنفوجرافيك

    • فيديوهات

    • أخبار

  • منصة المجدد للبحوث

  • المشاركة البحثية

    • أخلاقيات النشر

    • معايير النشر

  • Twitter
  • Facebook
  • Instagram
  • Telegram Broadcast

تدشين المسرح الثاني: من حصار هرمز إلى توطين باب المندب

22/09/2026 | مقالات رأي

تدشين المسرح الثاني: من حصار هرمز إلى توطين باب المندب

 

التحليل السادس عشر

تدشين المسرح الثاني: من حصار هرمز إلى توطين باب المندب

القفزة النوعية الثانية: شبكة الوكلاء والحرب الدعائية الموازية

9 إلى 21 سبتمبر 2026

إعداد: أ.د. عصام شويدر الحسني

رئيس مركز المجدد للبحوث والدراسات

مركز المجدد للبحوث والدراسات

 

 

فهرس الحلقة

مقدمة منهجية: القفزة النوعية الثانية

أولاً، باب المندب: من منع العبور إلى توطين النفوذ

ثانياً، الرياض تحت النار: الاختبار الأول الحقيقي لاتفاق مكة

ثالثاً، جبل الفأس: السيف المعلق فوق طاولة التفاوض

رابعاً، العراق: سقوط الرهان الإيراني الثاني

خامساً، هيغسيث وأسلمة الخطاب: الشرخ الأمريكي الداخلي

سادساً، الخطاب الإيراني المزدوج: منطق المقاومة الانتقائية

سابعا: فتنة الانخداع بخطاب الممانعة، حين يُستبدل فقه الواقع بالعاطفة

ثامناً، الحرب الدعائية والخدعة: من يصنع الضجيج ولماذا

تاسعاً، القراءة الجيوسياسية الجامعة: شبكة الوكلاء لا محور موحد

عاشراً، قراءة مستقبلية: السيناريوهات المحتملة

خلاصة الحلقة وثوابت السلسلة

 

مقدمة منهجية: القفزة النوعية الثانية

كل حلقة من هذه السلسلة، منذ التحليل الأول في أبريل، تتبّعت صراعاً يدور حول ممرّ واحد هو مضيق هرمز. ما تكشفه وقائع الأسابيع الثلاثة الممتدة من 9 إلى 21 سبتمبر 2026 هو أن الصراع خرج من إطار الممر الواحد إلى إطار الشبكة. لم يعد السؤال المركزي: من يتحكم في هرمز؟ بل أصبح: كم عدد الممرات التي يمكن تحويلها إلى أداة ضغط ثنائية، ومن هي الأطراف الفعلية التي تمسك بمفاتيحها؟

الفارق الجوهري بين هرمز وباب المندب هو فارق في هوية الفاعل. في هرمز، الحرس الثوري الإيراني هو من يغلق ويفتح بإرادته المباشرة، ضمن حسابات الدولة الإيرانية ذاتها مهما بلغت درجة استقلاليته عن الدبلوماسية الرسمية. أما في باب المندب، فإن الطرف الممسك بالمفتاح هو جماعة الحوثي، وهي طرف يتفاوض سراً مع واشنطن نفسها بينما يواصل قصف حليفتها الخليجية علناً. هذا التمايز بين الفاعلين، لا التشابه بينهما، هو ما يستحق أن يكون محور القراءة هذه المرة، لأنه يكشف أن ما كان يُوصف بأنه محور موحّد القيادة أقرب إلى شبكة وكلاء متعددي المصالح، يجمعهم شعار مشترك أكثر مما يجمعهم قرار مشترك.

هذه الحلقة تضيف بعداً لم تُفرده الحلقات السابقة بوضوح كافٍ: بُعد الحرب الدعائية بوصفها ساحة قتال مستقلة لها قواعدها ووظائفها الخاصة، وبُعد القراءة الاستشرافية التي تحاول رسم ملامح الأسابيع القادمة بدل الاكتفاء برصد ما مضى. المنهج المتّبع يبقى كما أرسته الحلقات السابقة: لا تصديق أعمى لأي تصريح، ولا تكذيب مسبق له، بل تفكيك لموقعه داخل شبكة المصالح المتقاطعة.

أولاً، باب المندب: من منع العبور إلى توطين النفوذ

وقائع السيطرة الميدانية

[مؤكد]

بين التاسع والرابع عشر من سبتمبر، استكملت جماعة الحوثي سيطرتها الكاملة على مدينة وميناء المخا، ومديرية ذُباب المطلة مباشرة على المضيق، وجزيرة ميون (بريم) الواقعة في قلبه، إضافة إلى أرخبيل حنيش شمالاً. المصادر المتعددة والمتقاطعة، من رويترز إلى فرانس برس إلى الجزيرة، تجمع على أن هذا التمدد السريع لم يتحقق عبر معارك طاحنة، بل عبر انسحاب غامض ومفاجئ لأكثر من ثلاثين ألف مقاتل من القوات المشتركة المدعومة سعودياً، في ظل غياب تام للتنسيق والقرار السياسي والعسكري الموحد بين الفصائل المتواجدة على الساحل.

هذا النمط من الانهيار المفاجئ ليس جديداً على هذه السلسلة. فقد وثّقت الحلقة الثانية انسحاب القوات المشتركة اليمنية في سياق مشابه من الغموض، ووثّقت الحلقة الخامسة إغلاق الحرس الثوري لهرمز دون تنسيق مع وزارة الخارجية الإيرانية. النمط المتكرر يطرح سؤالاً مشروعاً: هل هذه الانهيارات فعلاً نتاج خلل عسكري بحت، أم أنها تسليم منظم بقرار سياسي لم يُعلن؟ الإجابة القاطعة غير متاحة، لكن تكرار النمط ذاته في أكثر من ساحة يضعف احتمال أن يكون الأمر مجرد صدفة ميدانية متكررة.

الصفقة السرية مع واشنطن

[مؤكد]

الأخطر من السيطرة الميدانية نفسها هو الإعلان الذي أصدره المتحدث العسكري للحوثي يحيى سريع بأن الملاحة عبر المضيق آمنة للجميع باستثناء السفن السعودية التي وصفها بأنها خاضعة بالفعل للحصار. هذا ليس إغلاقاً جماعياً للممر، بل إعادة توظيف دقيقة له كسلاح موجّه حصراً ضد الرياض، بينما تبقى الملاحة الدولية، بما فيها الأمريكية والغربية، حرة تماماً ودون أي تعطيل.

أكد عضو المكتب السياسي للحوثي محمد البخيتي بشكل مباشر أن واشنطن تواصلت مع الجماعة بعد تقدمها السريع نحو المضيق، وأن الحوثي أكد لها أنه لا يستهدف الولايات المتحدة ولا أي دولة أخرى في المضيق باستثناء العدو السعودي وحده، وأن هذا الموقف ما زال قائماً. وبالتوازي، أفادت تقارير أمريكية موثوقة، من بينها نيويورك تايمز، بأن ترامب ألغى في اللحظة الأخيرة ضربة كانت جاهزة بالكامل بعد اتصال مباشر مع ولي العهد السعودي، في وقت كانت فيه قوائم الأهداف قد حُددت والقاذفات تُعاد تحميلها فعلياً.

قراءة نقدية: الوكيل الذي يفاوض عن نفسه

هذا المشهد يمثل الكاشف الأكبر في هذه الحلقة كلها. جماعة تحمل شعار محور المقاومة وتقدّم نفسها امتداداً لمشروع إيران الإقليمي، توصلت إلى تفاهم مباشر مع من تسميه الشيطان الأكبر يضمن سلامة سفنه وسفن حلفائه بالكامل، بينما تبقي حصارها الخانق موجهاً حصراً ضد دولة عربية  مجاورة. هذا التطابق التام مع ما وثّقته الحلقة الأولى بشأن هدنة هرمز، حيث لم تُدرج كلمة واحدة عن فلسطين أو غزة في وثيقة التهدئة، يثبت أن مصطلح المقاومة هنا يُستخدم بوصفه غطاء تكتيكياً متحركاً يُدار بحسابات مصلحية دقيقة لكل فاعل على حدة، لا موقفاً عقدياً جامعاً يوحّد الأطراف كلها تحت راية واحدة.

الأهم من ذلك هو ما يكشفه هذا السلوك عن بنية الشبكة نفسها. الحوثي، مثله في ذلك مثل الحرس الثوري في ملف هرمز الذي وثّقته الحلقة الخامسة، يتصرف بوصفه فاعلاً شبه مستقل يفاوض حصته الخاصة مع الخصم المعلن دون انتظار غطاء مركزي موحّد. هذا لا يعني انفصالاً كاملاً عن طهران، لكنه يعني أن الولاء التنظيمي لم يعد يترجَم بالضرورة إلى تنسيق عملياتي حقيقي وقت الحسم، وأن كل فرع من فروع هذه الشبكة يملك هامش مناورة واسعاً يستخدمه لحماية مصالحه المحلية أولاً.

ثانياً، الرياض تحت النار: الاختبار الأول الحقيقي لاتفاق مكة

وقائع الاستهداف

[مؤكد]

بين السادس عشر والعشرين من سبتمبر، وصل صاروخ باليستي حوثي إلى محيط العاصمة الرياض واعتُرض قرب مطار الملك خالد الدولي، مع محاولات استهداف موازية شملت الطائف وبيشة وجزر فرسان ومدينة ينبع، حيث اندلع حريق في منشأة لتخزين الوقود. في اليوم نفسه تقريباً، أعلن التحالف بقيادة السعودية اعتراض طائرة مسيرة كانت متجهة نحو مكة المكرمة ذاتها . هذا التصعيد المباشر نحو الحرمين ومحيطهما يمثل نقلة نوعية عن الاستهداف السابق الذي كان يقتصر غالباً على مناطق حدودية أو منشآت طاقة نائية.

بالتوازي مع هذا التصعيد، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية وسفاراتها في لبنان، والكيان الإسرائيلي، والأردن، والعراق، والإمارات، والسعودية، والبحرين، وقطر، والكويت، وعُمان، تحذيرات أمنية جماعية غير مسبوقة من احتمال حدوث تصعيد غير متوقع، فيما غادر الرئيس الأمريكي كامب ديفيد عائداً إلى البيت الأبيض على عجل. هذا التزامن بين استهداف الحرمين وتحرك الرئيس الأمريكي شخصياً يشير إلى أن واشنطن تتعامل مع هذه اللحظة بوصفها نقطة تحول حقيقية لا مجرد تصعيد اعتيادي ضمن نمط متكرر.

تذبذب الموقف الباكستاني: من الالتزام إلى التريث إلى التهديد

تتبّع تصريحات وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف خلال هذه الأسابيع الثلاثة وحده كافٍ لتلخيص أزمة المصداقية التي يواجهها اتفاق مكة للدفاع المشترك، الموقّع بين السعودية وباكستان وتركيا في السابع من أغسطس. في التاسع من سبتمبر أكد الوزير أن إسلام آباد ستلتزم بتعهداتها الدفاعية إذا امتدت المواجهات إلى الأراضي السعودية. وفي الحادي عشر من الشهر نفسه، نفى المتحدث باسم الخارجية الباكستانية أن يكون أي رد عسكري مطروحاً حالياً على الإطلاق، مؤكداً أن التفعيل سيبقى مرهوناً بتطور الظروف الميدانية. ثم في السابع عشر من سبتمبر، وبعد وصول الهجمات إلى الرياض مباشرة، عاد آصف ليعلن أن الوقت قد حان لتنفيذ اتفاق مكة، دون أن يوضح طبيعة أي خطوات عسكرية فعلية قد تتخذها بلاده.

ثلاثة مواقف متباينة في أقل من عشرة أيام ليست مجرد تذبذب دبلوماسي عابر، بل هي بالضبط ما حذّرت منه الحلقة الخامسة من هذه السلسلة تحت عنوان اقرأ التصريحات كما تقرأ دخاناً: تدلّك على وجود نار ما، لكنها لا تخبرك بحجمها ولا باتجاهها ولا بمن أشعلها ولماذا. حلف مكة يُستخدم حتى هذه اللحظة أداة ردع لفظي متدرج الحدة، لا آلية تدخل عسكري فعلي محسوم مسبقاً، وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً حول ما إذا كان هذا الحلف، الذي قُدّم عند توقيعه بوصفه بديلاً عربياً إسلامياً مستقلاً عن الحماية الأمريكية، قادراً فعلاً على التحرك دون غطاء أو ضوء أخضر أمريكي، أم أنه يبقى كما رجّحت الحلقة الثالثة أداة مؤجلة يُستدعى تفعيلها فقط حين توافق واشنطن على ذلك ضمن حساباتها الخاصة.

لماذا ترفض واشنطن حماية حليفتها مباشرة

الدليل الأقوى على هامشية اتفاق مكة الفعلية حتى الآن هو أن الإدارة الأمريكية رفضت، وفق ما أوردته أكسيوس، طلباً سعودياً مباشراً بضرب مواقع الحوثي، مكتفية بتقديم دعم استخباراتي محدود، بينما تتعرض حليفتها الاستراتيجية الأولى في الخليج لصواريخ تصل عاصمتها وحرمها المكي. الخط الأحمر الذي رسمه ترامب لنفسه، بحسب تقارير سي إن إن نقلاً عن مسؤولين أمريكيين، ليس حماية السعودية بشكل مباشر، بل تجنّب فتح جبهة هجومية أمريكية جديدة قد تُربك مساره التفاوضي الأوسع مع إيران حول هرمز والملف النووي.

هذا يعني أن الرياض تُترك عملياً لتدافع عن نفسها بمواردها الذاتية ودعم استخباراتي محدود، بينما تُدار المفاوضات الكبرى بين واشنطن وطهران فوق رأسها تماماً وفق المعادلة المقلوبة التي وثّقتها الحلقة الثالثة: دول الخليج تدفع ضريبة حرب لم تختَرها ولم تُشعلها، وتتحمل تبعاتها المباشرة دون أن يكون لها مقعد حقيقي على طاولة القرار الذي يحدد مصيرها.

ثالثاً، جبل الفأس: السيف المعلق فوق طاولة التفاوض

[مؤكد]

من بين كل معطيات هذه الحلقة، منشأة جبل الفأس، المعروفة محلياً باسم كوه كولانغ غاز لا، والواقعة على عمق كبير جنوب مدينة نطنز، تحمل أعلى احتمالات الانفجار الشامل غير المحسوب. صور الأقمار الاصطناعية التي حلّلها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية تُظهر تسارعاً غير مسبوق في أعمال البناء خلال عام 2026، شمل تحصين مداخل الأنفاق، وتعبيد شبكة الطرق الداخلية، وتعزيز المناطق المحيطة بالمداخل. رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي أكد أن الوكالة لم تُفتّش بعد مجمع الأنفاق بالكامل، وأن الصور عن بُعد تشير إلى تحركات جديدة مستمرة في الموقع.

ترامب هدد مباشرة، في مؤتمر الحزب الجمهوري بمدينة دالاس، بأن الولايات المتحدة ستُضطر لضرب الموقع بقوة شديدة، ناصحاً إيران بأن تكون مستعدة. في المقابل، حذّرت طهران رسمياً من أن أي ضربة أمريكية على منشآتها النووية ستُعتبر توسيعاً كاملاً لنطاق الحرب في المنطقة بأسرها لا مجرد ضربة محدودة قابلة للاحتواء.

المفارقة الاستراتيجية العميقة هنا هي أن هذا الموقع، بحسب تقدير الخبراء الغربيين أنفسهم الذين تابعوا أعماله الإنشائية، قد لا يكون جاهزاً بعد فعلياً لعمليات التخصيب، وقد يكون الغرض منه تجميع أجهزة الطرد المركزي أو نقل عمليات من منشآت أخرى دُمرت سابقاً. هذا يفتح احتمالاً جدياً بأن يكون جبل الفأس، شأنه في ذلك شأن مطالب إسلام آباد المسربة ثم المحذوفة التي وثّقتها الحلقة الثانية، ورقة ضغط تفاوضية أكثر منها هدفاً عسكرياً وشيكاً بالفعل. غير أن الفارق الجوهري عن أدوات الضغط السابقة هو أن هذه الورقة بالذات قابلة للانفجار الفعلي بلا سابق إنذار حقيقي كافٍ، لأن عمق الموقع يجعله بمنأى عن معظم الترسانة الأمريكية المعلنة، ما يعني أن أي قرار فعلي بضربه سيكون قراراً بتصعيد نوعي لا رجعة فيه، لا مجرد رسالة ردع عابرة قابلة للتراجع عنها لاحقاً.

رابعاً، العراق: سقوط الرهان الإيراني الثاني

من المالكي إلى البدري إلى الزيدي: ثلاث هزائم متتالية

[مؤكد]

التحليل السادس من هذه السلسلة، الصادر في الحادي والعشرين من أبريل، حذّر بوضوح من ترشيح باسم البدري لرئاسة الحكومة العراقية، واصفاً تمكينه بأنه تحويل للعراق إلى امتداد استراتيجي مباشر للحرس الثوري على حدود الكويت البرية، وفتح لجبهة المنطقة الشرقية السعودية. الوقائع المؤكدة الآن، بعد أشهر من الصراع داخل الإطار التنسيقي، تكشف أن هذا السيناريو لم يتحقق بصورته المتوقعة على الإطلاق.

المسار الفعلي شهد ثلاث محطات متتالية جميعها انتهت بإخفاق المرشح المدعوم من الجناح الأقرب لطهران. البداية كانت بترشيح نوري المالكي، الذي قوبل باعتراض أمريكي مباشر وعلني، إذ هدد ترامب في أواخر يناير بوقف الدعم الأمريكي عن بغداد إن عاد المالكي لرئاسة الحكومة. تلا ذلك ترشيح باسم البدري، الذي بقي حاضراً بقوة خلال أسابيع طويلة، وحشد سبعة تواقيع داخل الإطار التنسيقي من أصل العتبة المطلوبة، لكنه اصطدم في النهاية برفض الطرف الآخر داخل الإطار نفسه. المحطة الثالثة والأخيرة انتهت بترشيح علي الزيدي، رجل أعمال ومالك مصرف لا يملك خلفية سياسية أو تنفيذية سابقة على الإطلاق، بوصفه شخصية توافقية لا تُغضب أحداً كثيراً.

إعادة قراءة تحذير الحلقة السادسة في ضوء الوقائع

هذا التحول يستحق قراءة أعمق من مجرد تسجيل خبر عابر، لأنه يصحح مساراً توقّعته الحلقة السادسة من هذه السلسلة بصيغة أكثر تشاؤماً مما جرى فعلياً. فشل ترشيح البدري، بعد فشل ترشيح المالكي قبله بفيتو أمريكي معلن، يعني أن الحرس الثوري خسر جولتين متتاليتين في أهم ساحة نفوذ متبقية له في العالم العربي، تماماً كما خسر معارك الردع والسيطرة في هرمز وباب المندب لصالح فاعلين محليين أكثر استقلالية عنه. اختيار شخصية توافقية لا تحمل مشروعاً سياسياً واضح الهوية، وهو ما توقّعته الحلقة السادسة نفسها في جدول الاتفاقية المحتملة تحت الطاولة حين تحدثت عن رئيس وزراء توافقي لا يُغضب أحداً كثيراً، يعني أن بغداد سارت فعلياً في المسار الذي رسمته واشنطن بفيتوها المتكرر لا في المسار الذي كانت طهران تسعى لفرضه بنفوذها التاريخي.

الخلاصة الاستراتيجية المباشرة لهذه المحطة هي أن طهران لم تعد قادرة على فرض مرشحها الأقرب حتى في العراق، وهو معقلها التاريخي الأهم بلا منازع منذ عام 2003. هذا مؤشر انهيار نفوذ حقيقي وموثّق بالنتائج الفعلية على الأرض، لا مجرد تهويل إعلامي عابر كما وصفته الحلقة الخامسة في سياقات أخرى من هذه السلسلة، وهو ما يعزز فرضية الشبكة المفككة المستقلة الأطراف التي تتناولها هذه الحلقة بشكل مركزي.

خامساً، هيغسيث وأسلمة الخطاب: الشرخ الأمريكي الداخلي

[مؤكد]

في تكساس، خلال جولة عسكرية أسماها أرسلني، استحضر وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث نص سفر إشعياء أمام الجنود قائلاً: أرسلني لأحارب أصحاب السترات الحمراء، في إشارة إلى القوات البريطانية إبان حرب الاستقلال، ثم أرسلني لأحارب الشيوعيين، وأرسلني لأحارب الإسلاميين، قبل أن يدعو الجنود الحاضرين لرفع أيديهم اليمنى وقول أرسلني استعداداً لخدمة ما وصفه بأنه أكبر من الذات، وضرورياً لاستمرار الجمهورية.

الخطاب أثار جدلاً واسعاً داخل الولايات المتحدة نفسها، إذ كتب ناشطون على منصات التواصل أنهم لن يموتوا من أجل الكيان الإسرائيلي ولن يحاربوا من أجله، ووصف بعضهم الكيان بأنه عدو للولايات المتحدة لا حليف لها، فيما ساءل آخرون سبب عدم إرسال أصحاب المليارات إلى الخطوط الأمامية بدلاً من جنود عاديين، ووصف ناشطون آخرون توظيف النصوص الدينية في سياق التعبئة العسكرية بأنه استحضار خطير لفكرة الحرب المقدسة ونهاية العالم.

هذا المشهد يفتح نافذة نادرة على الداخل الأمريكي ذاته، ويُقدّم تصحيحاً ضرورياً لقراءة أحادية كانت سائدة في بعض حلقات هذه السلسلة: الانقسام الحقيقي لا يدور فقط بين أمريكا وإيران، بل بات يشق الجبهة الأمريكية الداخلية نفسها حول جدوى الانخراط المتواصل في حروب المنطقة لصالح الكيان الإسرائيلي. حين يرفض جنود أمريكيون أنفسهم فكرة الموت من أجل إسرائيل، فهذا مؤشر لا يمكن تجاهله على أن مشروع التمدد الذي حذّرت منه الحلقة الثالثة تحت عنوان تمهيد الأرضية للمشروع الصهيوني يصطدم بجدار من الإنهاك الداخلي داخل الدولة الراعية نفسها، لا فقط في الساحة الإقليمية المستهدفة. هذا يقدّم أيضاً تفسيراً إضافياً مهماً لتردد ترامب في فتح جبهة هجومية مباشرة ضد الحوثي رغم كل الضغوط السعودية: القاعدة الشعبية التي أوصلته للحكم منهكة من الحروب اللامتناهية، وأي انخراط عسكري مباشر جديد يحمل كلفة سياسية داخلية باتت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى في هذه السلسلة.

ولا يكتمل تفسير هذا الإنهاك الداخلي دون الإشارة إلى فشل آلة الدعاية نفسها في احتواء الصورة. فقد أنفقت مؤسسات العلاقات العامة الداعمة للكيان الإسرائيلي ولحليفه الأمريكي مليارات الدولارات على مدى عقود لصناعة رواية مصقولة عن الذات، لكن مشاهد القصف المباشر لأطفال غزة، المنقولة حية عبر الهواتف لا عبر عدسات مؤسسات إعلامية يمكن ضبط زاويتها، كانت أبلغ بياناً من كل تلك الحملات مجتمعة، وأسقطت في وعي قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي نفسه الجدار الذي حاولت هذه الحملات تشييده بين الرواية الرسمية والواقع المصوّر لحظة بلحظة. أضف إلى ذلك أن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، بما رافقها من وعود متكررة بالنصر السريع وبناء الديمقراطية، انتهت بانسحابات مهينة وحصيلة بشرية ومادية باهظة دون تحقيق أي من الأهداف المعلنة، فتآكلت تدريجياً ثقة المواطن الأمريكي العادي بروايات حكومته الرسمية عن كل حرب جديدة. النتيجة أن الرأي العام الأمريكي لم يعد، كما كان في عقود سابقة، كتلة واحدة تصدّق تلقائياً خطاب التعبئة الرسمي، بل بات جمهوراً متشككاً منقسماً، يقرأ خطاب هيغسيث الديني بعين الريبة لا بعين التسليم، وهذا بالذات ما يمنح خطابات رفض الموت من أجل إسرائيل ثقلاً سياسياً حقيقياً بدل أن تبقى أصواتاً هامشية معزولة.

سادساً، الخطاب الإيراني المزدوج: منطق المقاومة الانتقائية

من بين المعطيات المتداولة التي وصلت هذه الحلقة، تصريحات منسوبة لأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي تستحق التحليل الكامل رغم تعذر إيجاد تصريحاته كاملة، إذ تحمل مضموناً متماسكاً تماماً مع الخط الرسمي الإيراني المعروف والمُعلن مراراً في مناسبات مشابهة. المضمون المنسوب إليه يقارن التعاون السعودي مع أطراف يمنية معينة بالتعاون الإيراني مع جماعة الحوثي، متسائلاً عن سبب اعتبار الأول تدخلاً مشروعاً والثاني تدخلاً مداناً في الخطاب الدولي.

هذه المقارنة، تكشف عن مغالطة منهجية أساسية يجب تفكيكها بوضوح تام. علاقة السعودية بالحكومة اليمنية هي علاقة دولة بدولة معترف بها دولياً وبحكومة شرعية اعترف بها مجلس الأمن الدولي نفسه، بينما علاقة إيران بالحوثي هي دعم مسلح مباشر لجماعة انقلبت بالقوة على السلطة وعلى الشعب السني وأسقطت العاصمة صنعاء عسكرياً منذ عام 2014. المقارنة بين الحالتين محاولة لتذويب الفارق القانوني والأخلاقي الجوهري بين الشرعية المعترف بها والوكالة المسلحة غير الشرعية، وهي بالضبط الحجة ذاتها التي استخدمتها إيران لتبرير تدخلاتها المتكررة في لبنان والعراق وسوريا على مدى عقدين كاملين من الزمن.

التصريح المنسوب الآخر، الذي يتحدث عن اتهام إيران بالتحريض في باب المندب اليوم، على غرار اتهامات مماثلة متوقعة مستقبلاً بشأن جبل طارق، يكرر نمط التنصل الذي وثّقته الحلقة الخامسة بدقة في واقعة إغلاق الحرس الثوري لهرمز دون تنسيق مسبق مع وزارة الخارجية الإيرانية نفسها: إيران تُشغّل أذرعها الإقليمية المتعددة، ثم تتنصل من المسؤولية المباشرة عنها كلما سُئلت عن ذلك دولياً، وهذا النمط بالذات هو ما يُبقي هذا التصريح، متسقاً تماماً مع السلوك الإيراني الموثّق عبر كامل السلسلة.

سابعا: فتنة الانخداع بخطاب الممانعة، حين يُستبدل فقه الواقع بالعاطفة

من المؤسف أن يُسجَّل، إلى جانب الانقسام الأمريكي الداخلي وتذبذب المواقف الرسمية العربية، انخداع بعض الدعاة والعلماء والمفكرين المعتبرين(ولا نقصد هنا الرسميين الذين يدورون مع سياسة دولهم حيث دارت)، بخطاب الممانعة والمقاومة الذي تسوّقه الدعاية الإيرانية والحوثية، دون تحكيم فقه الواقع الذي أرست هذه السلسلة من التحليلات تصوراً واضحاً ومتكرراً له عبر حلقاتها الست عشرة. فمن الأدلة التي وثّقتها هذه السلسلة بذاتها: غياب القضية الفلسطينية غياباً تاماً عن وثيقة هدنة هرمز التي وثّقتها الحلقة الأولى، وعن تعهدات الحوثي المباشرة لواشنطن التي وثّقتها هذه الحلقة السادسة عشرة نفسها، رغم أن كلا الطرفين يرفعان شعار نصرة فلسطين عالياً أمام جمهورهما الداخلي. ومنها كذلك ما هو موثّق وثابت عبر تقارير حقوقية متعددة ومستقلة من استهداف الحوثي لمئات المساجد في مناطق سيطرته، وملاحقة عشرات الأئمة والخطباء واختطافهم، وتهجير أهل السنة من مناطقهم، كما جرى في واقعة دماج الشهيرة بمحافظة صعدة، إلى جانب آلاف الانتهاكات الموثقة بحق المدنيين من قتل وتعذيب واختفاء قسري. فكيف يُصوَّر طرف بهذا السجل الحقوقي والطائفي الثقيل حامل راية لمقاومة تجمع الأمة، بينما هو في الحقيقة، كما فصّلت هذه الحلقة، يتفاوض سراً مع من يزعم محاربته، ويوجّه سلاحه حصراً نحو الشعوب المسلمة ؟

الأخطر من مجرد الانخداع العاطفي هو صدور دعوات صريحة من بعض هؤلاء إلى الاصطفاف الفعلي مع إيران والحوثي في هذه المعركة بعينها، بدعوى أنها معركة مع أمريكا والكيان الإسرائيلي. وهذه الدعوة، مهما حسنت نية أصحابها، تصطدم بحقيقتين لا يجوز تجاوزهما: الأولى أن الاصطفاف مع طرف لا يُعرف عنه إلا نصرة مذهبه وتوسيع نفوذه الإقليمي على حساب أهل السنة تحديداً، تحت غطاء شعارات عامة لا مصداقية عملية لها كما تبيّن مراراً، ليس نصرة لقضية الأمة بل تلبيس على أبنائها. والثانية أن فقه النوازل والواقع يقتضي النظر في مآلات الفعل لا في شعاراته فحسب، وقد أثبتت هذه السلسلة بالوقائع لا بالظنون أن هذه المآلات تصبّ في مصلحة أطراف إقليمية ودولية محددة، لا في مصلحة الأمة ولا في مصلحة فلسطين التي بقيت غائبة عن كل طاولة تفاوض وثّقتها هذه الحلقات.

ملاحظة منهجية ختامية لهذا القسم:

ونودّ أن نُشير هنا بوضوح إلى أن هذا التحليل، كما سائر حلقات هذه السلسلة، تحليل موضوعي حيادي، لا ينطلق من ولاء لأي طرف من أطراف هذا الصراع القائم بين الخليج وأمريكا وإيران والحوثي، بل ينطلق من تصور سُنني جامع بين السنن الكونية والسنن الشرعية، لا نُعير فيه عقولنا لغيرنا ليفكر عنا ولا نُسلّم فيه التسليم لشعار دون تمحيص. نحن هنا نحلل ونفصّل، لا لننتصر لطرف على طرف، بل ليستبين للقارئ سبيل المجرمين الظالمين من كل جهة، أولئك الذين لا تعنيهم إلا مصالحهم الخاصة، ويريدون بهذه الأمة سوءاً عبر مخططات مدروسة ووسائل يُلبَّس فيها الحق بالباطل، حتى يتبين الرشد من الغي لمن أراد أن يتبين.

ثامناً، الحرب الدعائية والخدعة: من يصنع الضجيج ولماذا

آلية التسريب ثم الحذف: من نابويان وجليلي إلى مشهد اليوم

الحلقة الثانية من هذه السلسلة وثّقت واقعة دالة: النائب الإيراني محمود نابويان نشر منشوراً كشف فيه تفاصيل المطالب الأمريكية في مفاوضات إسلام آباد، ثم حذفه بسرعة. الحلقة الخامسة وثّقت واقعة مشابهة تماماً في البنية: تغريدة سعيد جليلي التي طالبت المرشد بتسجيل مقطع صوتي مباشر يُبلّغ فيه أوامره، والتي حُذفت هي الأخرى بعد نشرها. هذا النمط، التسريب المتعمد يليه الحذف السريع، ليس خللاً في إدارة وسائل التواصل، بل أداة حرب نفسية قائمة بذاتها: الرسالة تُطلق لتصل إلى جمهور محدد وتُقاس ردة فعله، ثم تُسحب رسمياً حين تتضح كلفتها السياسية، مع بقاء أثرها النفسي كاملاً في الأذهان دون أي مسؤولية رسمية مترتبة عليها.

المعطيات المتداولة في هذه الحلقة، خصوصاً ما نُسب إلى النائب الإيراني حسن قشقاوي بشأن عرض رشوة اقتصادية بخمسمائة مليار دولار على ترامب مقابل كسب وده، تنتمي لنفس هذه العائلة من الأدوات. سواء صحّت التفاصيل الدقيقة لهذا المبلغ أم لا، فإن وظيفة تسريب هذا النوع من المعلومات واضحة: إحراج القيادة الإيرانية أمام جمهورها الداخلي بإظهار استعدادها للتنازل الاقتصادي الكبير مقابل مجرد ود شخصي، وهي رسالة موجّهة بالأساس إلى الداخل الإيراني المنقسم بين تيار براغماتي مدني وتيار متشدد داخل الحرس الثوري، لا إلى الخارج بالضرورة.

الإنذار الأخير المتكرر: أداة ابتزاز نفسي لا خطة عسكرية محسومة

جبل الفأس وباب المندب يتشاركان بنية دعائية واحدة تستحق أن تُسمى بدقة إنذار قريباً جداً المتكرر. ترامب هدد بضرب جبل الفأس قريباً جداً في يوليو، ثم كرر التهديد في سبتمبر دون أن يقع الضرب الفعلي حتى تاريخ هذه الحلقة. وبالمثل، هدد بضرب الحوثي مراراً، وأعدت القيادة المركزية خيارات فعلية لضربات في اليمن، ثم قرر التريث في كل مرة، وفي إحدى المرات ألغى الضربة في آخر لحظة ممكنة بعد أن كانت قوائم الأهداف جاهزة فعلياً والقاذفات تُعاد تحميلها.

تكرار الإنذار دون تنفيذه ليس بالضرورة ضعفاً أو تردداً حقيقياً في القرار، بل هو في كثير من الأحيان أداة ضغط نفسي متعمدة تخدم غرضين متزامنين: الأول هو إبقاء الخصم في حالة ترقب واستنزاف مستمر دون تحمل الكلفة السياسية والعسكرية الفعلية لضربة حقيقية قد تُشعل تصعيداً لا يمكن التحكم في مساره لاحقاً. والثاني هو طمأنة القاعدة الشعبية الداخلية في الولايات المتحدة، المنهكة من الحروب كما أظهر الجدل حول خطاب هيغسيث، بأن القيادة حازمة وجاهزة للتحرك دون أن تدفعها فعلياً نحو حرب مفتوحة جديدة غير مرغوبة شعبياً. المتلقي الحقيقي لهذا النوع من التصريحات ليس بالضرورة إيران أو الحوثي، بل الجمهور الداخلي الأمريكي نفسه في المقام الأول.

الرسائل المتناقضة بوصفها استراتيجية لا خطأ

المعطيات المتداولة في هذه الحلقة تضمنت ملاحظة دقيقة: تصريحات بعض المسؤولين تبدو متناقضة داخل المقابلة الواحدة، كما في حديث المتحدث باسم الخارجية القطرية الذي جمع بين تأكيد رغبة واشنطن في التوصل لاتفاق والتحذير في الوقت نفسه من خطورة إخضاع الممرات المائية لسيادة دولة بعينها. هذا النوع من التناقض الظاهري لا يجب قراءته بالضرورة بوصفه ارتباكاً أو ضعفاً في الصياغة، بل هو غالباً رسالة مزدوجة مقصودة موجّهة لجمهورين مختلفين في آن واحد: طمأنة الداخل بأن التسوية قادمة وقريبة، وفي الوقت نفسه تحذير الخصم الإقليمي من أن أي محاولة لفرض أمر واقع عبر السيطرة على ممر مائي لن تُقبل بصمت دون رد فعل مستقبلي.

النمط ذاته يتكرر في تصريحات الحرس الثوري الإيراني بشأن استهداف مراكز الاستخبارات الأمريكية في المنطقة في حال استئناف الحرب، والتي صدرت في وقت كانت فيه المفاوضات الرسمية بين طهران وواشنطن مستمرة دون انقطاع فعلي. التصريح التهديدي هنا ليس بالضرورة إعلاناً عن نية عسكرية فورية، بل هو رسالة ردع موجّهة للداخل الإيراني بالدرجة الأولى، تُظهر للجمهور المحلي أن القيادة لم تتنازل عن خيار المواجهة رغم استمرار طاولة التفاوض، بينما يستمر التفاوض الفعلي بعيداً عن الأضواء.

منهج القراءة في زمن الحرب: لا تصديق ولا تكذيب، بل تفكيك

الخلاصة المنهجية لهذا القسم تُعيد التأكيد على المبدأ الذي أرسته الحلقة الخامسة وتوسّعه: في زمن الحرب، الكلام أرخص سلعة وأكثرها تداولاً، ويجب أن يُقرأ كما يُقرأ الدخان، فهو يدلّ على وجود نار ما دون أن يكشف حجمها أو اتجاهها أو من أشعلها ولماذا بالضبط. القاعدة العملية التي تفرضها هذه الحلقة بوضوح أكبر هي أن أي تصريح يجب أن يُقاس بثلاثة معايير متزامنة قبل تصديقه أو رفضه: من هو الجمهور المقصود الحقيقي به، داخلي أم خارجي؟ وما الكلفة الفعلية المترتبة على قائله إن نُفّذ التهديد حرفياً؟ وهل توجد سوابق متكررة من نفس النوع من نفس المصدر انتهت جميعها دون تنفيذ فعلي؟

من يمسك بهذه الأدوات الثلاث يستطيع أن يميّز بسهولة أكبر بين الرسالة الموجهة لإدارة مسار تفاوضي طويل، والرسالة التي تسبق فعلاً تحركاً عسكرياً حقيقياً وشيكاً. جبل الفأس، حتى تاريخ هذه الحلقة، يقع في الفئة الأولى، لكن طبيعته الفنية الخاصة تجعله الأقرب بين كل أدوات الضغط الحالية إلى الانزلاق نحو الفئة الثانية دون سابق إنذار كافٍ، وهو ما يستوجب متابعته بعناية أكبر من غيره في الأسابيع القادمة.

تاسعاً، القراءة الجيوسياسية الجامعة: شبكة الوكلاء لا محور موحد

المشهد الذي ترسمه هذه المعطيات مجتمعة يفرض تصحيحاً منهجياً ضرورياً على الإطار التحليلي الذي بنته الحلقات السابقة تدريجياً. لم نعد أمام محور مقاومة بقيادة مركزية واحدة تُدير معارك متزامنة بتنسيق استراتيجي موحّد، بل أمام شبكة فاعلين شبه مستقلين، يشترك كل واحد منهم في أربع سمات متكررة يمكن رصدها بوضوح عبر كامل هذه الحلقة: أولها أنه يحمل راية المقاومة أمام جمهوره الداخلي المباشر للاستهلاك المحلي. وثانيها أنه يُدير في الوقت نفسه قناة تفاوض سرية موازية مع واشنطن لحماية مصالحه الخاصة تحديداً. وثالثها أنه يستهدف عملياً خصماً إقليمياً محدداً، السعودية بالنسبة للحوثي، ودول الخليج عموماً في ملف هرمز، لا الكيان الإسرائيلي نفسه ولا المشروع الأمريكي بحد ذاته في أغلب الأحيان. ورابعها أنه يتخلى عن الجبهة الجماعية المفترضة، غزة وفلسطين تحديداً، بمجرد أن تتقاطع مصالحه المباشرة مع تفاهم ثنائي مربح له وحده.

هذا النمط يفسّر تكرار غياب ذكر فلسطين حرفياً في أكثر من محطة موثّقة عبر السلسلة كلها: في اتفاق هرمز الذي وثّقته الحلقة الأولى، وفي تعهدات الحوثي المباشرة لواشنطن التي توثّقها هذه الحلقة. الوكلاء، بحسب هذه القراءة، لا يتفاوضون فعلياً نيابة عن قضية جماعية موحّدة، بل يتفاوضون بدقة على حصصهم الخاصة المحلية، ويُبقون الشعارات الجماعية الكبرى للاستهلاك الداخلي والدعائي فقط دون أن تنعكس فعلياً على طاولة المفاوضات الحقيقية وللأسف البعض من الدعاة والمفكرين تنطلي عليهم هذه الدّعاية .

أما دول الخليج، فتبقى الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر دون أن يملك موقع القرار الفعلي. الرياض تُقصف مباشرة بينما حليفها الاستراتيجي الأول يرفض التدخل المباشر لحمايتها، وحلف مكة يتذبذب بين التصعيد اللفظي المتكرر والتراجع العملي الفعلي، وقطر، وفق المعطيات المتداولة في هذه الحلقة، تُصرّح علناً بأنها بحاجة لحل إقليمي يحقق الاستقرار وتفاهم دولي يحمي الممرات المائية، وهو خطاب توفيقي يبدو متناقضاً مع واقع أنها من بين الدول التي تدفع بالفعل ثمن الحصار البحري ذاته من خلال إعلانها القوة القاهرة على صادراتها من الغاز، تماماً كما وثّقت الحلقة الثالثة في تحليلها للوضع الخليجي.

أما بقية دول مجلس التعاون، فتوزّعت مواقفها بين ثلاثة مسارات متمايزة تكشف حدود التضامن الخليجي الفعلي في لحظة الاختبار. الكويت انتهجت خط الإدانة السياسية الحازمة دون التزام عسكري مباشر، إذ كررت وزارة خارجيتها استنكار استهداف الحوثي لأعيان مدنية واقتصادية سعودية، ورحّبت ببيان مجلس الأمن المُدين لهذه الهجمات، مؤكدة أن أمن السعودية جزء لا يتجزأ من أمن الكويت ودول مجلس التعاون مجتمعة، وهو خطاب تضامني قوي في صياغته، لكنه يبقى في حدود الإدانة الدبلوماسية دون أي مؤشر على انخراط ميداني فعلي. البحرين  سلكت المسار نفسه، فرحّبت هي الأخرى ببيان مجلس الأمن المُدين لهجمات الحوثي، وهو موقف يحمل حساسية إضافية كونها المقر الرئيسي للأسطول الأمريكي الخامس، ما يجعلها مكشوفة جغرافياً وعسكرياً بحكم استضافتها القوة الأمريكية ذاتها التي تتردد في حماية الرياض مباشرة.

أما سلطنة عُمان ، فحافظت على موقعها التاريخي المعتاد كوسيط محايد لا كطرف مدين، إذ اكتفت بدعوة جميع الأطراف إلى ضبط النفس وتجنّب التصعيد دون تسمية الحوثي صراحة بوصفه المعتدي في أغلب بياناتها الرسمية. والمفارقة الدالة هنا أن القناة العمانية نفسها، بحكم حيادها التاريخي المعروف والموثّق منذ حرب العراق وإيران، هي القناة الخلفية الأقرب لاستضافة نوع التواصل غير المعلن بين واشنطن والحوثي الذي وثّقته هذه الحلقة، ما يجعل حياد مسقط المعلن، من حيث لا تقصد بالضرورة، غطاءً دبلوماسياً مريحاً لترتيب يخدم طرفاً بعينه على حساب طرف خليجي آخر. هذا التفاوت الثلاثي في المواقف، بين إدانة قوية بلا فعل، وتضامن معلن مقيد بحسابات الاستضافة العسكرية، وحياد وظيفي يسهّل التفاهمات الثنائية دون أن يقصد ذلك، يؤكد مجدداً غياب موقف خليجي موحّد وقت الأزمة، ويعمّق أطروحة المعادلة المقلوبة التي أرستها الحلقة الثالثة.

 

عاشراً، قراءة مستقبلية: السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول (الأرجح): الاحتواء المُدار مع توسع الرقعة

المسار الأكثر ترجيحاً خلال الأسابيع القادمة هو استمرار نمط التصعيد المُدار الذي وثّقته الحلقة الخامسة تحت عنوان المسرحية الكبرى، لكن بتوسع رقعته لتشمل ممرين بدل ممر واحد. في هذا السيناريو تستمر الاشتباكات المحدودة بين الحوثي والسعودية دون تدخل أمريكي مباشر واسع، بينما تبقى المفاوضات الأمريكية الإيرانية حول هرمز والملف النووي مستمرة بصورة متقطعة، مع دورات متكررة من التصعيد اللفظي حول جبل الفأس دون ضربة فعلية. هذا السيناريو يخدم مصالح الأطراف الكبرى جميعها: واشنطن تتجنب حرباً مفتوحة جديدة غير مرغوبة شعبياً، وإيران تكسب وقتاً إضافياً لإعادة ترتيب أوراقها الداخلية المنقسمة، والحوثي يعزز مكاسبه الميدانية المحققة فعلياً دون مواجهة أمريكية مباشرة تهدد وجوده.

السيناريو الثاني: الانفجار غير المحسوب عند جبل الفأس

المسار الأخطر، وإن كان أقل ترجيحاً من الأول في المدى القريب، يتمثل في أن يتحول التهديد المتكرر بضرب جبل الفأس من أداة ضغط دعائي إلى قرار فعلي، سواء بفعل تسريب معلومات استخباراتية تُظهر اقتراب الموقع من مرحلة تشغيلية خطيرة، أو بفعل ضغط سياسي داخلي أمريكي يستدعي إثبات الحزم بعد سلسلة من التهديدات غير المنفذة التي بدأت تفقد مصداقيتها تدريجياً. في هذا السيناريو، الإعلان الإيراني المسبق بأن أي ضربة ستُعتبر توسيعاً كاملاً لنطاق الحرب يجب أن يُؤخذ بجدية، إذ إن هذا الموقع بالذات، بخلاف المنشآت السطحية التي استُهدفت سابقاً، يحمل رمزية سيادية أعلى بكثير لدى الداخل الإيراني، ما يجعل رد الفعل المحتمل عليه أقل قابلية للاحتواء المُدار من أي تصعيد سابق وثّقته هذه السلسلة.

السيناريو الثالث: تفكك تدريجي متزايد داخل شبكة الوكلاء

المسار الثالث، وهو الأكثر اتساقاً مع الاتجاه العام الذي رصدته هذه الحلقة عبر ملفي العراق وباب المندب معاً، يتمثل في استمرار تراجع قدرة طهران على فرض تنسيق مركزي حقيقي على أذرعها الإقليمية. في هذا السيناريو، يستمر كل فرع من فروع الشبكة، الحوثي، الحرس الثوري، الفصائل العراقية، في تعظيم مصالحه المحلية المباشرة على حساب أي تنسيق جماعي موحّد، وهو ما قد يُفضي تدريجياً إلى تفاوض منفصل متعدد المسارات بين واشنطن وكل طرف على حدة، بدل مفاوضة شاملة واحدة مع طهران باعتبارها المرجعية المركزية الوحيدة. هذا المسار، إن تحقق، يعني عملياً تفكيكاً بطيئاً لبنية المحور بوصفه كتلة موحدة، مع بقاء الشعارات الأيديولوجية الجامعة قائمة شكلياً دون مضمون تنسيقي فعلي يسندها على أرض الواقع.

مؤشرات يجب مراقبتها في الأسابيع القادمة

  • أي تحرك فعلي، لا لفظي فقط، من طائرات استطلاع أو تعزيزات عسكرية أمريكية باتجاه محيط جبل الفأس تحديداً، بوصفه أدق مؤشر على جدية التهديد المتكرر.
  • مدى التزام حلف مكة بأي رد فعلي ملموس إن تكرر استهداف الرياض أو إستهداف مناطق حساسة مباشرة ، بعد سلسلة التذبذب الموثقة في هذه الحلقة.
  • هل يتوسع نطاق تعهدات الحوثي لواشنطن ليشمل ضمانات إضافية تخص دولاً خليجية أخرى غير السعودية، وهو ما سيؤكد فرضية الوكيل المستقل المفاوض عن نفسه بدرجة أعلى.
  • طبيعة موقف رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي من الفصائل المسلحة ومصادر تمويلها، بوصفه المؤشر الأوضح على مدى استمرار تراجع النفوذ الإيراني المباشر في بغداد.
  • أي مؤشرات على انقسامات داخلية جديدة، مشابهة لواقعة جليلي المحذوفة التي وثّقتها الحلقة الخامسة، تكشف مدى تماسك القرار داخل مراكز السلطة الإيرانية الثلاثة المتنافسة.

خلاصة الحلقة وثوابت السلسلة

هذه الحلقة لا تُلغي الثوابت التحليلية التي أرستها الحلقات الخمس عشرة السابقة، بل تُضيف إليها بعداً جديداً ضرورياً لفهم المرحلة القادمة. الثوابت التي تأكدت مجدداً: غياب فلسطين المتكرر عن كل تسوية أو تفاهم ثنائي يُعقد بين الوكلاء والخصم المعلن، ودول الخليج التي تدفع الثمن دون مقعد حقيقي على طاولة القرار، والتهويل الإعلامي بوصفه مؤشر إدارة داخلية أكثر منه قوة فعلية مؤكدة.

أما الإضافة الجوهرية التي تفرضها هذه الحلقة بوضوح فهي أن المحور لم يعد يعمل ككتلة واحدة متماسكة، بل كشبكة وكلاء متعددة المصالح، وأن الحرب الدعائية باتت ساحة قتال مستقلة موازية للساحة الميدانية، لها جمهورها الداخلي الخاص وقواعدها الخاصة التي تحتاج إلى فك رموزها بمنهج نقدي ثابت لا بتصديق عابر ولا بتكذيب متسرع.

 

الخاتمة عبر سنن الله الكونية والشرعية

إن مشهد وكلاء يتفاوضون سراً مع من يُعلنون الحرب عليه علناً، ودولاً تُقصف حلفاءها المعلنين بينما تُبقي على حماية تجارة خصمها المعلن، ليس استثناءً في سُنن التدافع بين الأمم، بل هو تجسيد دقيق لها. فكل قوة تبني مشروعها على المصلحة الآنية المجردة دون ميزان الحق والعدل، تنكشف تناقضاتها الداخلية عاجلاً لا آجلاً مهما طال أمد التمويه الإعلامي المحيط بها. وسُنة الله في مكر الماكرين أنه يرتد عليهم في أشد لحظات ثقتهم بإحكامه، لا لأن القوة المادية تضعف فجأة، بل لأن بنيان القوة القائم على المصلحة المجردة لا يثبت على اختبار الزمن الطويل.

والأمة التي تراقب هذا التدافع كله من الخارج دون أن تملك مشروعها المستقل وقراءتها المستقلة وإرادتها المستقلة ستبقى، كما ختمت الحلقة الخامسة من هذه السلسلة، ساحة يتقاسم فيها الآخرون النفوذ والقرار، لا طرفاً فاعلاً في تقرير مصيرها بنفسها.

وحسبنا أن نختم بما هو أبلغ من كل تحليل بشري، بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يكشف حقيقة هذا التداعي الذي تشهده الأمة اليوم من كل جهة، خليجاً وأمريكا وإيران ووكلائها، كل يتكالب بحسابه الخاص على هذا الجسد الواحد. عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها” فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: “بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن” فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: “حب الدنيا وكراهية الموت” رواه أبو داود.

هذا الحديث النبوي يضع كل ما فصّلته هذه الحلقة في إطاره الصحيح. فالتداعي الحاصل اليوم، من قصف الرياض إلى توطين الحوثي في باب المندب، إلى تفاوض الوكلاء سراً كل عن نفسه، وما يقع في فلسطين إلى انخداع بعض الدعاة بشعارات لا تسندها الوقائع، ليس عن قلة عدد في هذه الأمة ولا عن نقص في مواردها أو رجالها، بل عن غثائية تصيب الكثرة حين تفقد بوصلتها الجامعة، وعن وهن يتمكن من القلوب حين يُقدَّم حب الدنيا والتشبث بمصالحها الآنية الضيقة على ما تقتضيه العزة والكرامة والمواجهة الحقة. ونزع المهابة من قلوب الأعداء، الذي نراه اليوم في جرأة الاستهداف المتكرر لعاصمة الحرمين ولمحيط مكة المكرمة ذاتها، وقبل إغلاق المسجد الأقصى ، وقتل المسلمين بدم بارد ، ليس إلا الأثر الطبيعي لهذا الوهن حين يستشري، تماماً كما وعد به الحديث الصادق. والعلاج، كما دل عليه الحديث نفسه، ليس في مراكمة القوة المادية وحدها، بل في استئصال الوهن من القلوب أولاً، بتخفيف الغُثائية وإحياء معنى العزة التي لا تُشترى بثمن دنيوي رخيص.

﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾

 

 

9 إلى 21 سبتمبر 2026 ، سلسلة التحليلات الاستراتيجية المتكاملة

Love0 Share Tweet Share

مركز المجدد

عن المركز

مركز المجدد ‎للبحوث والدراسات مركز بحثي يُعنى بقضايا الفكر والواقع، ويرفد الساحة الثقافية العربيّة بمعالجات بحثيّة رصينة لتجديد النظر التاريخي والسياسي والاجتماعي والديني، بما يخدم قضيّة «التجديد» المنشود.

بيانات الاتصال بنا


info@center.com


+90°°°°°°°°°°°°°


اسطنبول/ تركيا

تابعنا

  • Twitter
  • Facebook
  • Instagram
  • Telegram Broadcast
  • Twitter
  • Facebook
  • Instagram
  • Telegram Broadcast
© 2026 مركز المجدد للبحوث والدراسات
  • تويتر
  • فيسبوك
  • بنترست