انتصار الاستراتيجية اللادنية في مراحلها الأولى
الشيخ بن لادن
الاستنزاف واللاقطبية: ربع قرن من الاعتراف الأمريكي المتدرج
دراسة تحليلية بقلم الأستاذ الدكتور عصام اشويدر الحسني
تمهيد
في تاريخ الصراعات الكبرى، نادرا ما يعترف المنتصر الظاهري بأنه المهزوم الحقيقي. وأندر من ذلك أن يأتي هذا الاعتراف من داخل المؤسسة العسكرية ذاتها التي خاضت الحرب، ومن رجل حمل السلاح وقاتل بيديه وكره عدوه بصدق. هذا بالضبط ما حدث حين نشرت صحيفة ذا هيل الأمريكية مقالا للمحارب السابق في مشاة البحرية جوسلين جوزيف، حمل عنوانا صادما مفاده أن توقعات أسامة بن لادن التي أطلقها عام 2004 تحولت إلى حقائق مدعومة بالأرقام عام 2026.
هذه الدراسة لا تتعامل مع مقال جوزيف باعتباره حادثا صحفيا معزولا، بل تضعه في سياقه التاريخي الكامل: سياق ربع قرن من الدراسات والكتب والتحذيرات والتوثيقات الأمريكية الرصينة التي تراكمت واحدة فوق الأخرى لتشكل ما يمكن تسميته مسار الاعتراف الأمريكي المتدرج بنجاح المراحل الأولى من الاستراتيجية التي وضعها بن لادن، وهي مرحلة الاستنزاف أولا، ثم مرحلة تفكيك الأحادية القطبية وما نسميه اللاقطبية ثانيا.
والفرضية المركزية التي تدافع عنها هذه الدراسة هي التالية: إن الاستراتيجية اللادنية* لم تكن يوما استراتيجية إسقاط مباشر للولايات المتحدة، كما صورها الخطاب الرسمي الأمريكي لتسهيل شيطنتها، بل كانت استراتيجية مراحل تآكلية طويلة النفس، مستمدة بوعي كامل من تجربة إنهاك الاتحاد السوفييتي في أفغانستان خلال ثمانينيات القرن العشرين. وبمقياس هذه الاستراتيجية ذاتها، وليس بمقياس الدعاية المضادة لها، نجد أن مرحلتيها الأولى والثانية قد تحققتا بالفعل: الاستنزاف تحقق رقميا بشهادة وزارة الخزانة الأمريكية ذاتها، واللاقطبية تحققت واقعيا بشهادة الجغرافيا السياسية العالمية في عام 2026. أما المرحلة الثالثة، وهي الانهيار الكامل على النموذج السوفييتي، فلم تتحقق لأسباب بنيوية نحللها بتجرد علمي، لأن الانتصار المرحلي لا يعني بالضرورة الانتصار النهائي، ولأن الأمانة التحليلية تقتضي التمييز بين ما تحقق وما لم يتحقق.
كما تتناول الدراسة ظاهرة مستجدة تستحق الوقوف عندها طويلا، وهي أن ما نشهده اليوم في السياسة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب ليس استراتيجية إنقاذ متماسكة، بل تخبطات عشوائية أقرب ما تكون إلى رقصة الموت التي تؤديها القوى العظمى في مراحل أفولها، إذ زادت هذه القيادة الاستنزاف استنزافا عبر الحرب مع إيران، وتزامن ذلك مع تسريبات موثقة عن نية البنتاغون تقليص الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج العربي ذاتها التي كانت يوما خط الدفاع الأول عن الهيمنة الأمريكية، وهو ما يمثل بحد ذاته تحققا متأخرا لواحد من الأهداف المركزية المعلنة في أدبيات القاعدة منذ التسعينيات: إخراج القوات الأمريكية من محيط الجزيرة العربية.
(*) مصطلح «الاستراتيجية اللادنية» من وضع الباحث وصكّه الاصطلاحي في هذه الدراسة، وهو نسبة عربية إلى «لادن» أي أسامة بن لادن، على وزن النسبة الاصطلاحية المعروفة في الأدبيات الفكرية (كالماركسية نسبة إلى ماركس، والماكيافيلية نسبة إلى ماكيافيلي، والقطبية نسبة إلى سيد قطب). ونقصد به تحديدًا: النسق الفكري والاستراتيجي المتكامل، متعدد المراحل، المنسوب إلى شخص الشيخ بن لادن كما عبّر عنه هو بنفسه في خطاباته وبياناته، وعلى وجه الخصوص خطابه المصور المؤرخ في أواخر أكتوبر 2004 الذي فصّل فيه سياسة «الاستنزاف حتى الإفلاس»، لا كما صوّره خصومه أو أتباعه. وقد آثرنا هذا الاصطلاح على البدائل المتداولة لأسباب منهجية: فوصف «استراتيجية القاعدة» يحيل إلى تنظيم بينما مرادنا فكر الرجل الذي سبق التنظيم ووضع أسسه النظرية؛ ووصف «الجهادية العالمية» أوسع من مدلولنا ويشمل تيارات متعارضة؛ ووصف «استراتيجية الاستنزاف» يحصر النسق في تكتيكه الأول دون مراحله اللاحقة (اللاقطبية ثم الانهيار النهائي). ومن هنا فإن استعمال هذا المصطلح في هذه الدراسة استعمال وصفي تحليلي محض، لا يحمل أي دلالة تقريرية أو تقويمية لذاته، وإنما تُضبط دلالته وتقويمه بما ورد في متن الدراسة من تحليل وتوثيق.
المقدمة: الإطار المفاهيمي وسؤال البحث
أولا: مفهوم الاستراتيجية اللادنية
نقصد بالاستراتيجية اللادنية ذلك النسق المتكامل من الأهداف والوسائل والمراحل الذي عبر عنه الشيخ أسامة بن لادن في خطاباته وبياناته، وعلى وجه الخصوص في شريطه المصور الذي بثته قناة الجزيرة في أواخر أكتوبر من عام 2004، قبيل الانتخابات الرئاسية الأمريكية بأيام. وقد نشرت الجزيرة الترجمة الكاملة للنص في الأول من نوفمبر 2004، وأكد مسؤولو الاستخبارات الأمريكية يومها أن النص المنشور هو النص الكامل للشريط.
جوهر هذه الاستراتيجية، كما ورد حرفيا في نص الخطاب، يقوم على قاعدة واضحة سماها صاحبها سياسة الاستنزاف حتى الإفلاس حيث قال -رحمه الله- :
«فنحن مستمرون في سياسة استنزاف أمريكا حتى الإفلاس بإذن الله»
ثم فصل المنطلق النظري لهذه السياسة بعبارة لا تخلو من وعي استراتيجي عميق، إذ قال إنه إلى جانب المجاهدين أنزف روسيا عشر سنوات حتى أفلست واضطرت إلى الانسحاب مهزومة، باستخدام حرب العصابات وحرب الاستنزاف ضد القوى العظمى المتغطرسة. ثم قدم المعادلة الاقتصادية الصادمة التي ستبقى محل نقاش لعقدين قادمين: القاعدة أنفقت على العملية الكبرى خمسمائة ألف دولار، بينما خسرت أمريكا في الحدث وتداعياته، بأدنى التقديرات، أكثر من خمسمائة مليار دولار، وخلص إلى قوله:
«أي أن كل دولار من القاعدة هزم مليون دولار بإذن الله، هذا بالإضافة إلى فقدان أمريكا لعدد هائل من الوظائف»
ولم يكتف بالمعادلة الرقمية، بل كشف آلية العمل النفسية والسياسية للاستراتيجية بجملة ربما تكون أخطر ما ورد في الخطاب كله:
«فكل ما علينا فعله هو أن نرسل مجاهدين اثنين إلى أقصى نقطة في الشرق ليرفعا قطعة قماش مكتوب عليها القاعدة، حتى يتسابق الجنرالات إلى هناك، فتتكبد أمريكا خسائر بشرية واقتصادية وسياسية دون أن تحقق شيئا يذكر، سوى بعض المنافع لشركاتها الخاصة»
ثانيا: مفهوم الاستنزاف
الاستنزاف في الأدبيات العسكرية الكلاسيكية هو استراتيجية الضعيف المتماسك في مواجهة القوي المتضخم. وهو يقوم على فكرة بسيطة: تجنب المعركة الحاسمة التي يتفوق فيها الخصم، وإطالة أمد الصراع إلى أقصى حد ممكن، بحيث تتراكم كلفته على الخصم حتى تتجاوز قدرته على الاحتمال الاقتصادي والسياسي والمعنوي. والاستنزاف اللادني إضافة نوعية لهذا المفهوم، لأنه لم يستهدف الجيش الأمريكي في ميدان قتال واحد، بل استهدف النموذج الاقتصادي الأمريكي ذاته عبر جره إلى حروب متعددة متزامنة لا تنتهي، مع الاعتماد على عدم التماثل الهائل في الكلفة بين طرفي الصراع.
ثالثا: مفهوم اللاقطبية
اللاقطبية مصطلح نشأ في هذا السياق للدلالة على المرحلة الوسيطة بين الأحادية القطبية والتعددية القطبية. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، دخل العالم حقبة القطب الواحد، حيث أصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة القادرة على تشكيل النظام الدولي بمفردها. واللاقطبية هي المرحلة التي يفقد فيها هذا القطب قدرته على الحسم المنفرد، دون أن يكون نظام تعددي مستقر قد تشكل بعد. إنها مرحلة الفراغ القيادي العالمي، مرحلة العالم الذي لا قائد له، وهي بالضبط المرحلة التي تنتج عندما تنزف القوة العظمى شرعيتها ومواردها وقدرتها على الإنفاذ في مستنقعات لا تنتهي.
رابعا: سؤال البحث ومنهجه
انطلاقا من هذا الضبط المفاهيمي، تصوغ هذه الدراسة سؤالها المركزي على النحو التالي: هل تحققت المراحل الأولى من الاستراتيجية اللادنية، وهي الاستنزاف ثم اللاقطبية، بالمعايير القابلة للقياس وبشهادة المصادر الأمريكية ذاتها؟ وما الدلالة النفسية والسياسية للمسار الذي سلكه الاعتراف الأمريكي بهذا التحقق خلال ربع قرن؟ والمنهج المتبع للإجابة هو منهج تحليلي توثيقي، يقوم على تتبع الأدبيات الأمريكية زمنيا، ومطابقة التوقعات الواردة في خطاب 2004 مع البيانات الرسمية الأمريكية في عام 2026، ثم تفسير النتائج بأدوات علم النفس السياسي ونظرية العلاقات الدولية.
القسم الأول: التحليل التفسيري
المحور الأول: شهادة المحارب، مقال جوسلين جوزيف في ذا هيل
نبدأ من النقطة الأحدث في مسار الاعتراف، لأنها الأكثر دلالة، ثم نعود إلى الوراء لنكشف الجذور. في مقاله الذي نشرته ذا هيل، يقدم جوسلين جوزيف نفسه لا كمحلل ولا كأكاديمي، بل كشاهد عيان وكطرف في الحدث. يروي أنه في العاشر من سبتمبر 2001 دخل في جدال مع صديقه حول موعد زيارتهما المقررة لبرجي التجارة العالمية في صبيحة اليوم التالي. أصر صديقه على عدم الاستيقاظ مبكرا، وكان هذا الإصرار هو ما أنقذ حياتهما، فبدلا من أن يكونا في قلب مانهاتن، وقفا على جبل غاريت في كلفتون بولاية نيوجيرسي يشاهدان البرجين ينهاران بأعينهما.
هذه التفصيلة الشخصية ليست زخرفا سرديا، بل هي مفتاح فهم وزن المقال كله. فالكاتب يؤسس بهذه الرواية لمصداقية خاصة: إنه ليس ناقدا يساريا تقليديا للحرب، بل رجل أصابه الحدث في الصميم، والتحق بعده بالجيش مدفوعا بما يصفه هو نفسه بشعور الواجب وبكراهية هائلة في قلبه، يقول بنصه إنه كان يكره أسامة بن لادن والإرهابيين ومن يختلقون الأعذار لما حدث، ثم ذهب إلى العراق جنديا في المارينز. ومن هذه المنصة، منصة المقاتل الذي دفع الثمن بجسده وسنوات عمره، يعلن جوزيف استنتاجه بعد خمسة وعشرين عاما:
«لم نهزم الإرهاب. العالم أصبح مكانا أقل أمنا رغم أفعالنا، وقد حقق بن لادن أحد أهدافه الرئيسية: أن ينزف أمريكا حتى الجفاف وأن يجبر اقتصادها على الانحناء»
ثم يضيف الجملة التي تستحق أن تدرس في كليات العلوم السياسية: يقول إن شريط بن لادن الصادر عام 2004 بدا حينها كهذيان مجنون يصرخ في زاوية الشارع، لكن الحقيقة أنه أصاب كبد الحقيقة يومها، وهم فقط لم يكونوا يريدون الاعتراف بذلك بسبب الكبرياء، أما في عام 2026 فإن كلام الرجل أصبح مدعوما بالحقائق والأرقام.
ويسوق جوزيف الأرقام التي يقصدها بجلاء: كان الدين الوطني الأمريكي عام 2004 سبعة تريليونات دولار، ومنذ عام 2001 أضاف الإنفاق العسكري ثمانية تريليونات إلى هذا الدين الذي بلغ الآن أربعين تريليون دولار، وبلغ الإنفاق العسكري المتراكم منذ أحداث سبتمبر ثمانية عشر تريليون دولار، وهذا لا يشمل الإنفاق الأمني الداخلي، وكلفت وزارة الأمن الداخلي وحدها 1.2 تريليون دولار، أما الفوائد على الاقتراض فبلغت 1.1 تريليون دولار، وهو مبلغ يزيد عن ضعف كل ما أنفق على الرعاية الصحية وتعويضات العجز للمحاربين القدامى، وهي النفقات التي تضاعفت ثلاث مرات بسبب هذه الحروب ذاتها.
ثم يصل المقال إلى ذروته النقدية المعاصرة، فيربط جوزيف بين منطق بن لادن في 2004 والواقع الميداني في 2026: قيل لنا الآن إننا بحاجة إلى إنفاق 1.5 تريليون دولار سنويا لنبقى آمنين، ومخزوناتنا من الصواريخ منخفضة بشكل خطير بسبب الحرب مع إيران، ونحن ننفق مليارات الدولارات على مقاولين عسكريين لا يسلموننا الأسلحة التي تبقينا آمنين. ثم يستدعي المقارنة الأكثر إيلاما:
«عند بداية الصراع مع إيران، كنا ننفق ملايين الدولارات لمواجهة طائرات مسيرة إيرانية تكلف آلاف الدولارات. وهذا بالضبط ما كان بن لادن يتباهى به في عام 2004»
وينهي جوزيف مقاله بجملة ستبقى في أرشيف الاعترافات الأمريكية:
«بصفتي محاربا قديما في العراق شاهد البرجين التوأمين يسقطان بعينيه، أعتقد أن الوقت قد فات منذ زمن لنعود إلى لوحة الرسم في حربنا على الإرهاب. لأنه عند هذه النقطة، يبدو أن بن لادن قد انتصر»
المحور الثاني: جذور الاعتراف المبكر، مايكل شوير رجل المخابرات
قبل مقال جوزيف بأكثر من عقدين، كان هناك صوت من داخل أعمق مؤسسة معنية بتعقب بن لادن يقول الشيء نفسه تقريبا، ولم يكن أحد يريد أن يسمع. مايكل شوير كان ضابط المخابرات المركزية الأمريكية الذي أسس وترأس وحدة أليك ستيشن، وهي الوحدة المخصصة حصريا لتعقب أسامة بن لادن، منذ عام 1996. – مايكل شوير (Michael Scheuer) رئيس وحدة بن لادن السابق في CIA –
وهو بذلك الرجل الذي عرف عدوه أكثر من أي أمريكي آخر في ذلك الزمن، لأن معرفته به لم تكن معرفة إعلامية بل معرفة مهنية احترافية قامت على دراسة كل كلمة وكل شريط وكل وثيقة.
في كتابه من خلال أعين أعدائنا الصادر عام 2002، حذر شوير من أن بن لادن ليس عدوا اندفاعيا يمكن استفزازه واستدراجه، بل استراتيجي صبور يطبق بوعي كامل دروس التجربة الأفغانية ضد السوفييت، وأن الرد الأمريكي الشامل الموسع سيقع في الفخ المعد بعناية. ثم في كتابه الأشهر مركزية الإمبراطورية الصادر عام 2004، والذي اضطر لنشره مجهولا لأنه كان ما يزال في الخدمة الفعلية، ذهب شوير إلى ما هو أبعد، إذ أعلن أن الولايات المتحدة تخسر الحرب التي تخوضها، وأنها تخسرها لسبب محدد: لأنها تقاتل بالطريقة التي يريدها بن لادن لها بالضبط، أي بالتوسع في حروب برية مكلفة في العالم الإسلامي تستنزف مواردها وتؤجج التجنيد ضدها.
واللقطة التي تضع حدا لأي جدال حول أهمية قراءة شوير هي تلك التي كشفتها الوثائق التي صودرت من مجمع أبوت أباد الباكستاني بعد عملية مايو 2011. فبين الكتب التي كانت موضوعة على رف مكتبة الشيخ أسامة الشخصية، كانت كتب مايكل شوير نفسه. بمعنى آخر، كان الاستراتيجي يقرأ تحليلات مطارده ويعرف أن مطارده يفهمه، ومع ذلك كانت الاستراتيجية تتقدم، لأن فهم الضابط الواحد لا يغير عقيدة الإمبراطورية.
المحور الثالث: التأصيل الأكاديمي، تشالمرز جونسون وثلاثية الأفول
إذا كان شوير هو صوت المخابرات، فإن تشالمرز جونسون كان صوت الأكاديميا العريقة. جونسون، أستاذ العلوم السياسية ومستشار وكالة المخابرات المركزية سابقا، نشر عام 2000، أي قبل أحداث سبتمبر بعام كامل، كتابه الارتداد، مستعيرا المصطلح من قاموس المخابرات ذاتها، والذي يعني العواقب غير المقصودة للعمليات السرية التي تعود لتضرب صاحبها. توقع الكتاب بأن إمبراطورية القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة عبر العالم ستولد حتما ردود فعل عنيفة، وقد تحقق التوقع بعد عام واحد بشكل كارثي.
ثم جاء كتابه الخصومة الصادر عام 2006، والذي حمل عنوانا فرعيا بالغ الدلالة: الأيام الأخيرة للجمهورية الأمريكية. في هذا الكتاب قدم جونسون الحجة التي سيعيد إنتاجها جوزيف بعد عشرين عاما كاملة، وهي أن المسار العسكري التوسعي الذي انتهجته أمريكا بعد سبتمبر يقود حتما إلى واحد من أمرين أو كليهما معا: الإفلاس المالي، أو انهيار النظام الجمهوري الدستوري تحت وطأة الدولة الأمنية. وقد ربط جونسون صراحة بين هذا المسار وبين استراتيجية الشيخ أسامة المعلنة، معتبرا أن الاستنزاف المالي هو سلاح الضعيف الأمثل ضد الإمبراطورية المتضخمة.
المحور الرابع: التوثيق الصحفي، بيتر بيرغن شاهد عصر القاعدة
بيتر بيرغن يحتل موقعا فريدا في هذه الخريطة، لأنه الصحفي الذي أدار أول مقابلة تلفزيونية مع الشيخ أسامة بن لادن عام 1997، وظل طوال ربع قرن المرجع الصحفي الأول في ملف القاعدة. في كتابه صعود وسقوط أسامة بن لادن الصادر عام 2021، وثق بيرغن كيف كان هدف الشيخ أسامة المركزي من عمليات سبتمبر هو جر الولايات المتحدة إلى مستنقعات برية في العالم الإسلامي تدمرها اقتصاديا على النسق السوفييتي، وكيف أن إدارة بوش منحته بالضبط ما كان يتمناه حين وسعت الحرب إلى العراق، وهو القرار الذي وصفه الشيخ نفسه في خطابه بأنه نعمة لم تكن في الحسبان، إذ قال إن الغزو الأمريكي للعراق يدل على نجاح خطة الاستنزاف.
ثم جاء كتاب بيرغن الأشمل عن ربع قرن من حروب الرؤساء الأمريكيين في الحرب على الإرهاب ليكمل الصورة، متتبعا كيف ورث كل رئيس أمريكي الحرب عن سلفه وسلمها لخلفه موسعة لا منتهية، وهي بالضبط النقطة التي أكدها جوزيف في مقاله حين قال إن المسؤولية لا تقع على حزب واحد، فالديمقراطيون الذين انتقدوا بوش بضراوة هم أنفسهم من برروا لأوباما توسيع حرب الطائرات المسيرة وإبقاء القوات في أفغانستان حتى عام 2011.
المحور الخامس: بول بيلار وتحليل سوء الفهم الاستراتيجي
بول بيلار، الذي شغل منصب المسؤول الأول عن تحليلات الشرق الأوسط وجنوب آسيا في مجتمع الاستخبارات الأمريكي، قدم في كتابه لماذا تسيء أمريكا فهم العالم تحليلا من زاوية مختلفة: زاوية الإدراك. حجته المركزية أن استراتيجية الشيخ أسامة في ضرب ما سماه التيار الجهادي العدو البعيد، أي الولايات المتحدة، كانت وسيلة لإضعاف العدو القريب، أي الأنظمة الحليفة لواشنطن في المنطقة، وأن أمريكا بردها الشامل أساءت فهم طبيعة اللعبة فلعبت الدور المرسوم لها في سيناريو خصمها. والخلاصة المرة التي يصل إليها بيلار هي أن الشيخ أسامة فهم أمريكا ونفسيتها السياسية أفضل مما فهمت أمريكا نفسها.
المحور السادس: التسلسل الزمني للاعتراف، خريطة ربع القرن
حين نرتب هذه الأدبيات وما حولها زمنيا، تتكشف أمامنا خريطة كاملة لمسار الاعتراف الأمريكي، وهي خريطة تستحق العرض المفصل لأنها وثيقة تاريخية بحد ذاتها.
البداية كانت في عام 2004 ذاته، حين التقطت مؤسسات بحثية كبرى مبكرا فكرة أن أولوية القاعدة باتت استنزاف أمريكا في أفغانستان والعراق، وأن الضربات على الأرض الأمريكية لم تعد الأولوية التكتيكية، لأن الهدف الاستراتيجي تحول إلى إبقاء أمريكا غارقة في المستنقع.
في عام 2007 ظهرت دراسة بالغة الأهمية في دورية الشؤون الأمنية الدولية بعنوان استراتيجية الاستنزاف الاحتوائية للقاعدة، وقد استعارت الدراسة مصطلحا من عالم الملاكمة هو تكتيك الحبال الذي اشتهر به محمد علي كلاي في نزاله التاريخي ضد جورج فورمان، حيث يستند الملاكم الأضعف جسديا إلى الحبال ويتيح لخصمه الأقوى أن يكيل له اللكمات حتى ينهك نفسه، ثم ينقض عليه في اللحظة المناسبة. الدراسة خلصت إلى أن القاعدة تطبق هذا التكتيك حرفيا على الاقتصاد الأمريكي.
في عام 2008، وفي الأيام الأخيرة لرئاسة بوش، أصدرت جامعة لويولا ماريمونت دراسة حملت العنوان الصريح الذي لم يكن أحد يجرؤ عليه قبلها: كيف كسب أسامة بن لادن الحرب على الإرهاب. كان هذا أول إعلان أكاديمي صريح بالهزيمة الاستراتيجية، وجاء في وقت كانت فيه الأزمة المالية العالمية تنفجر وتلتهم الاقتصاد الأمريكي، وهي الأزمة التي ما كان لها أن تصل هذا العمق لولا ثماني سنوات من الحروب الممولة بالديون.
في عام 2010، كتب الصحفي المخضرم جيمس فالوز في مجلة ذي أتلانتيك مقاله الشهير عن انتصار القاعدة، وكانت المناسبة بالغة الدلالة: تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية كان قد نشر للتو تفاخرا بأن عملية طرود الطابعات الملغومة كلفته أربعة آلاف ومائتي دولار فقط، وأن هدفها المعلن لم يكن التفجير بقدر ما كان دفع أمريكا إلى إنفاق مليارات الدولارات على إجراءات أمنية جديدة. التعليق الذي ختم به فالوز يلخص كل شيء: هكذا تكسب حربا استنزافية.
في عام 2021 جاء التوثيق الأكاديمي الأضخم والأكثر رصانة: مشروع تكاليف الحرب التابع لمعهد واتسون بجامعة براون، والذي قدر الكلفة الإجمالية لحروب ما بعد سبتمبر بثمانية تريليونات دولار، وقدر الخسائر البشرية بنحو تسعمائة ألف قتيل في المسارح المباشرة للحروب، ناهيك عن ملايين المهجرين والنازحين. وكان التوقيت رمزيا بامتياز، إذ صدرت التقديرات النهائية للمشروع متزامنة مع الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في أغسطس 2021، بمشهد مهيب من الفوضى على مدرج مطار كابل لخص عشرين عاما في صورة واحدة.
وفي العام ذاته، أصدر الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية تقييمه بعنوان: في الحرب على الإرهاب، انتصر الإرهاب. وكانت إضافة الاتحاد الحقوقية أنه ركز على البعد الداخلي للاستنزاف: تآكل الحريات المدنية الأمريكية، وقانون باتريوت آكت، وبناء أجهزة المراقبة الشاملة، وتشريع التعذيب. فالاستنزاف اللادني لم يكن اقتصاديا فحسب، بل كان استنزافا للقيم التي كانت أمريكا تدعي أنها تخوض الحرب دفاعا عنها.
في عام 2024، نشر موقع فير أوبزرفر مقاله الجامع بعنوان: اتضح الآن، أسامة بن لادن كسب الحرب على الإرهاب، وخلاصته أن أمريكا بعد ثلاثة وعشرين عاما من سبتمبر تقف أضعف ومنقسمة سياسيا ومنهكة أخلاقيا. وفي عام 2026، ظهرت في مجلة ذي أتلانتيك دراسة موسعة بعنوان ماذا حدث للقاعدة، وثقت حقيقة بالغة الأهمية لأطروحتنا: أن أيمن الظواهري، بعد تولّيه قيادة التنظيم، حول الاستنزاف من تكتيك إلى عقيدة رسمية معلنة للتنظيم، نصها أن تستنزف أمريكا وتنزف حتى الموت لتلقى مصير الاتحاد السوفييتي. ثم جاء مقال جوسلين جوزيف في ذا هيل ليغلق الحلقة، بشهادة من داخل المؤسسة المحاربة ذاتها.
المحور السابع: مطابقة التوقعات بالوقائع، التحقق الرقمي في أغسطس 2026
الآن نصل إلى الاختبار الحاسم لأي فرضية: المطابقة بين التوقع والواقع. ونلتزم هنا بالأرقام الرسمية الأمريكية حصرا.
التوقع الأول في خطاب 2004 كان أن الدين الوطني الأمريكي البالغ سبعة تريليونات دولار سيواصل التضخم حتى يصبح عبئا خانقا. الواقع في أغسطس 2026، بشهادة قاعدة بيانات وزارة الخزانة الأمريكية، أن الدين العام الإجمالي تجاوز أربعين تريليون دولار، وقد سجلت الشبكات الإخبارية الأمريكية الكبرى يوم التاسع عشر من أغسطس 2026 يوما تاريخيا أسود حين اخترق الدين الاتحادي حاجز الأربعين تريليونا لأول مرة في التاريخ. أي أن الرقم تضاعف 5.7 مرة خلال اثنين وعشرين عاما.
التوقع الثاني كان أن العجز السنوي سيبلغ أرقاما فلكية. كان العجز عام 2004 أربعمائة وثلاثة عشر مليار دولار واعتبر يومها فضيحة مالية. الواقع في 2026، بشهادة متتبع العجز في مركز السياسات من الحزبين، أن العجز الاتحادي المتراكم بلغ 1.8 تريليون دولار في الأشهر العشرة الأولى فقط من السنة المالية. أي أن عجز عشرة أشهر اليوم يساوي أربعة أضعاف ونصف عجز عام كامل في زمن بن لادن.
التوقع الثالث كان استمرار الحروب المفتوحة وتوسعها. الواقع أن الإنفاق العسكري التراكمي منذ سبتمبر 2001 بلغ ثمانية عشر تريليون دولار، وأن ميزانية الدفاع للسنة المالية 2026 تجاوزت التريليون دولار سنويا بزيادة قدرها سبعة عشر بالمائة عن العام السابق، وأن الرئيس يقترح رفعها إلى تريليون ونصف التريليون دولار.
التوقع الرابع، وهو الأكثر إدهاشا في دقته، كان مصيدة الاستفزاز: أن مجرد رفع راية في أقصى الشرق يكفي لجر الجنرالات الأمريكيين إلى استنزاف جديد. الواقع في 2026 يقدم النسخة الأكمل من هذا التوقع عبر الحرب مع إيران. فبحسب تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، كلفت الأيام الستة الأولى وحدها من تلك الحرب 11.3 مليار دولار، وبلغت الكلفة 16.5 مليار دولار بحلول اليوم الثاني عشر. وبحسب صحيفة نيويورك تايمز، فإن الحرب استنزفت مخزونات أمريكا العالمية من الذخائر الحرجة، واضطر البنتاغون إلى التعجيل بنقل القنابل والصواريخ من مسارح أخرى، وقدرت تقارير متخصصة أن المقاولين العسكريين يحتاجون إلى ثلاث سنوات على الأقل لتجديد مخزونات ثلاثة أنظمة سلاح رئيسية استهلكت في تلك الحرب. وأما عدم التماثل في الكلفة، فقد تجسد في أبهى صوره: صواريخ اعتراض بملايين الدولارات تطلق لإسقاط طائرات مسيرة تكلف آلاف الدولارات، وهي المعادلة ذاتها التي تباهى بها خطاب 2004 حرفيا.
التوقع الخامس كان أن المستفيد الحقيقي الوحيد من هذا كله سيكون الشركات الكبرى المرتبطة بالإدارة، على غرار هاليبرتون، وأن الخاسر الحقيقي هو الشعب الأمريكي واقتصاده. الواقع أن فوائد الديون وحدها في 2026 بلغت 1.1 تريليون دولار، أي أكثر من ضعف كل الإنفاق على صحة المحاربين القدامى الذين خاضوا هذه الحروب. فالجندي الذي قاتل يعالج اليوم بميزانية أقل من ميزانية الفوائد التي تدفع للدائنين. ولا توجد صورة أبلغ من هذه لتلخيص من ربح ومن خسر.
القسم الثاني: التحليل النفسي
المحور الأول: سيكولوجية الاعتراف المتدرج، لماذا استغرقت أمريكا ربع قرن؟
من أغرب ظواهر هذه القصة كلها أن الاعتراف بفشل الحرب على الإرهاب لم يأت دفعة واحدة، بل جاء متدرجا عبر مراحل يمكن رصدها بدقة: تحذيرات شوير المبكرة بين 2002 و2004، ثم إعلان الهزيمة الأكاديمي في 2008، ثم التوثيق الرقمي الشامل في 2021، ثم الاعتراف العسكري من داخل المؤسسة المحاربة في 2026.
هذا التدرج ليس مصادفة تاريخية، بل هو تعبير دقيق عن نمط نفسي جماعي معروف في أدبيات علم النفس السياسي وعلم الاجتماع المؤسسي: المؤسسات الكبرى، وعلى رأسها المؤسسات العسكرية للدول العظمى، تعالج صدمة الهزيمة عبر مراحل إنكار متدرجة تشبه في بنيتها مراحل الحداد التي وصفتها إليزابيث كوبلر روس: الإنكار، ثم الغضب، ثم المساومة، ثم الاكتئاب، ثم القبول.
في المرحلة الأولى، مرحلة الإنكار، كان من المستحيل سماع كلمة هزيمة. وحين قالها شوير من داخل المخابرات في 2004، اضطر للاختباء خلف اسم مستعار ثم غادر الخدمة. المؤسسة في هذه المرحلة لا تعاقب الخطأ بل تعاقب من يسمي الخطأ باسمه. وفي المرحلة الثانية، صار ممكنا للأكاديميا أن تقولها، لأن الأكاديمي يقف خارج آلة الحرب ولا يدفع ثمنا وجوديا من الاعتراف، لكن قولها ظل محصورا في الدوائر النخبوية. وفي المرحلة الثالثة، جاءت الأرقام من براون لتنقل النقاش من الرأي إلى الوثيقة، لكن الأرقام الباردة ظلت قابلة للتجاهل العاطفي. ثم جاءت المرحلة الأخيرة والأصعب: أن يقولها المحارب نفسه.
وهنا يكمن السر العميق في وزن مقال جوزيف. ففي علم النفس، أصعب اعتراف على الإنسان هو الاعتراف الذي يهدم المعنى الذي بنى عليه تضحياته. المحارب الذي فقد رفاقه وسنوات شبابه في العراق يحتاج نفسيا إلى أن تكون تلك التضحية ذات معنى، وهذا ما يسميه علماء النفس بتخفيض التنافر المعرفي: عقله سيقاوم بشراسة أي فكرة تقول إن التضحية كانت في سبيل وهم. لذلك حين يصل محارب بنفسه إلى هذه النتيجة ويعلنها علنا، فنحن أمام حدث نفسي استثنائي، لأنه يعني أن الوقائع المتراكمة بلغت من الكثافة حدا لم يعد معه التنافر قابلا للاحتمال، وصار الألم الناتج عن إنكار الحقيقة أكبر من الألم الناتج عن الاعتراف بها.
المحور الثاني: شهادة الإثبات وشهادة الأداء، الفارق النوعي في شهادة جوزيف
في فلسفة الشهادة القانونية والمعرفية، هناك فرق نوعي بين شاهد الإثبات وشاهد التحليل. شوير كان محللا استخباراتيا يقرأ الخصم من الوثائق، وبيرغن صحفي يقرأه من المصادر، وجونسون أكاديمي يقرأه من نظرية الإمبراطورية. كل هؤلاء شهود أداء: أدوا شهادات مبنية على معرفة مهنية رفيعة، لكنها تبقى معرفة طرف ثالث. أما جوزيف فشاهد إثبات: رأى بعينه، وشارك بيده، وكره بقلبه، ثم اعترف. والشهادة الأقوى في كل أنظمة الإثبات هي شهادة الخصم على نفسه، أو شهادة الطرف على ما يضره. فحين يعترف رجل كرس شبابه لقتال تنظيم القاعدة بأن قائد القاعدة الراحل انتصر في النهاية، فإن هذه الشهادة تحمل وزنا لا تحمله ألف دراسة محايدة، لأنها صادرة ممن له كل المصلحة النفسية والوجدانية في قول العكس.
ولم يكن هذا مغيبا عن وعي المعلقين الأمريكيين أنفسهم، فقد وصفت مجلة سبيكتيتور هذا النمط من الآراء بأنه من أكثر الآراء غير الشعبية وغير الوطنية، لكنها لاحظت في الوقت نفسه أنها باتت مطروحة علنا بلا مواربة. وهذه هي العلامة الفاصلة في علم نفس الجماهير: حين تنتقل الفكرة من خانة المحرم إلى خانة المطروح، فإن الحاجز النفسي الجمعي قد انكسر، وما تبقى مجرد مسألة وقت.
المحور الثالث: أسامة بن لادن كقارئ للنفسية الأمريكية
الجانب الآخر من التحليل النفسي يتعلق بالشيخ أسامة نفسه كاستراتيجي قرأ النفسية السياسية الأمريكية قراءة صحيحة. فالركيزة التي بنى عليها مصيدته لم تكن عسكرية بل نفسية: لقد راهن على أن السياسيين الأمريكيين، في نظام ديمقراطي إعلامي تنافسي، لا يستطيعون تحمل الكلفة الانتخابية للظهور بمظهر الضعيف أمام الإرهاب. وقد أصاب الهدف بدقة مدهشة، لأن كل إدارة متعاقبة، جمهورية كانت أم ديمقراطية، وجدت نفسها أسيرة هذا المنطق: التوسع في الحرب أقل كلفة انتخابيا من الانسحاب منها، حتى لو كان الانسحاب هو القرار الاستراتيجي الصحيح.
وهنا يتجلى البعد الأذكى في الاستراتيجية اللادنية: لقد حولت آليات الديمقراطية الأمريكية ذاتها، وهي الرأي العام والانتخابات والإعلام، إلى محرك يدفع أمريكا نحو استنزاف نفسها. فما دام الظهور بمظهر القوي يتطلب إرسال الجنرالات خلف كل راية ترفع في أقاصي الأرض، وما دام رفع الراية يكلف القاعدة خمسمائة دولار بينما يكلف ملاحقتها أمريكا خمسمائة مليار، فإن الديمقراطية الأمريكية ذاتها أصبحت آلة الاستنزاف الأكفأ في الترسانة اللادنية. وهذه ملاحظة ينبغي تسجيلها بتجرد علمي كامل: الاستراتيجية لم تهزم آلة الحرب الأمريكية، بل وجهتها ضد نفسها.
المحور الرابع: رقصة الموت، سيكولوجية الإمبراطورية المتراجعة في عهد ترامب
نأتي الآن إلى الظاهرة المعاصرة التي تشكل التاج النفسي لهذا المسار كله: السلوك الأمريكي الحالي بقيادة ترامب. في علم النفس المقارن للإمبراطوريات، هناك ظاهرة لاحظها المؤرخون من روما إلى بريطانيا: القوة العظمى في مرحلة التراجع لا تتصرف بعقلانية الاحتفاظ بالموارد، بل بعكسها تماما. فالإدراك اللاواعي بالأفول يولد سلوكا تعويضيا يتمثل في إفراط في استعراض القوة، وتعدد في الجبهات المفتوحة، وعشوائية في الحركة تشبه ما يسميه المؤرخون رقصة الموت: حركة محمومة يائسة تستهدف إثبات الحيوية فتستنزف ما تبقى منها.
والسلوك الأمريكي الحالي ينطبق عليه هذا الوصف بشكل تعليمي: حرب مع إيران كلفت 11.3 مليار دولار في ستة أيام، واستنزفت مخزونات الصواريخ الاستراتيجية التي تحتاج سنوات لتجديدها، في الوقت الذي يتجاوز فيه الدين الوطني أربعين تريليون دولار ويقترب العجز السنوي من تريليوني دولار، ويطلب الرئيس رفع ميزانية الدفاع إلى تريليون ونصف التريليون دولار سنويا. هذه ليست حسابات دولة تدير مواردها بعقلية المؤسسة الرشيدة، بل حسابات ملاكم منهك يكيل اللكمات في كل اتجاه ليثبت أنه ما يزال واقفا.
والدليل النفسي الأبلغ هو ذلك التناقض الصارخ الذي يجري على مرأى من العالم: ففي الوقت الذي تستعرض فيه الإدارة قوتها بحرب جديدة، تتسرب من البنتاغون ذاته وثائق تفيد بأنه يدرس تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الخليج العربي بعد انتهاء الحرب مع إيران، بعدما كشفت الصواريخ والمسيرات الإيرانية هشاشة القواعد الأمريكية وحولتها من رموز للهيمنة إلى أهداف مكشوفة. وبحسب تقارير صحيفة واشنطن بوست وموقع ذي إندبندنت ووكالة الأناضول في أغسطس 2026، فإن البنتاغون يدرس إعادة هيكلة قاعدته في البحرين، وتقليص وجوده في الكويت والسعودية، ونقل بعض القواعد أو إخلاءها، بعد أن سبق له سحب مئات الجنود من قطر والبحرين تحت ضغط التصعيد.
وتأمل دلالة هذا التطور على ميزان الاستراتيجية اللادنية: إن الهدف الأول في أدبيات القاعدة منذ بيانات التسعينيات كان إخراج القوات الأمريكية من أرض الجزيرة العربية والخليج. فشل هذا الهدف بالقوة المباشرة ثلاثين عاما، ثم بدأ يتحقق الآن لا لأن القاعدة انتصرت ميدانيا، بل لأن كلفة البقاء تجاوزت جدواه، ولكي تصبح القواعد عبئا يدرس البنتاغون التخلص منه بنفسه. وهذا هو جوهر الاستنزاف الناجح: لا تطرد الخصم من أرضه، بل تجعل بقاءه فيها أغلى من رحيله.
القسم الثالث: التركيب الفكري
المحور الأول: الاستنزاف واللاقطبية، آلية الانتقال من المرحلة إلى المرحلة
السؤال الفكري المركزي الآن هو: كيف أدى الاستنزاف الاقتصادي إلى اللاقطبية الجيوسياسية؟ فالعلاقة بين المرحلتين ليست ترابطية بل سببية، وفهم آلية الانتقال هو مفتاح إثبات أن ما حدث لم يكن مصادفة تاريخية بل مخرجا لاستراتيجية مصممة. وآلية الانتقال تعمل عبر ثلاث قنوات متزامنة.
القناة الأولى هي قناة الفرصة الضائعة. القوة العظمى لا تمتلك موارد لا نهائية، بل موارد يجب توزيعها على أولويات متنافسة. وحين تنفق الولايات المتحدة ثمانية تريليونات دولار وعشرين عاما من انتباهها الاستراتيجي على أفغانستان والعراق وما تفرع عنهما، فإن هذه الموارد لا يمكن إنفاقها في المكان الذي كان ينبغي أن تكون فيه: مواجهة الصعود الصيني في لحظته الحرجة. والشواهد على ذلك موثقة: فقد أعلنت إدارة أوباما استراتيجية المحور نحو آسيا عام 2011، لكن التنفيذ الفعلي تأجل سنوات كاملة لأن الجيش والمال والانتباه كانوا غارقين في الشرق الأوسط. بعبارة أخرى، منحت الحرب على الإرهاب الصين هدية لا تقدر بثمن: عقدين من الهدوء الاستراتيجي في اللحظة التي كانت فيها أمريكا القطب الأوحد تستطيع نظريا احتواءها، بينما لم تعد تستطيع ذلك الآن بعد أن صارت الصين ندا اقتصاديا كاملا ومنافسا تكنولوجيا وعسكريا في المحيط الهادئ.
القناة الثانية هي قناة الشرعية. القوة العظمى لا تحكم العالم بالقوة الصلبة وحدها، بل بالشرعية التي تجعل قوتها مقبولة ومرغوبة لدى حلفائها ومحايدة لدى خصومها. وحروب ما بعد سبتمبر استنزفت هذه الشرعية استنزافا لا يقل عن استنزاف المال: غزو العراق بلا غطاء أممي، وفضيحة أبو غريب، وغوانتانامو، وبرامج التعذيب، وحروب الطائرات المسيرة التي قتلت مدنيين في دول لم تعلن أمريكا الحرب عليها أصلا، ثم الانسحاب الفوضوي من كابل. كل حلقة من هذه الحلقات خصمت من رصيد القيادة الأخلاقية الأمريكية، حتى صارت شعوب كثير من دول العالم تنظر إلى البدائل، أي بدائل، بعين الرجاء. واللاقطبية تولد في هذه اللحظة بالذات: ليس حين يظهر منافس قوي فحسب، بل حين يفقد القطب القديم احتكار الشرعية فيصير وجود البديل ممكنا في وعي العالم قبل أن يكون ممكنا في ميزان القوى.
القناة الثالثة هي قناة الإنهاك الذاتي للقدرة على الإنفاذ. القوة العظمى تفرض نظامها عبر قدرتها على معاقبة الخارجين عليه. وحين تتكشف حدود هذه القدرة عمليا، ينهار الردع. وهذا ما أنتجته الحرب مع إيران بشكل صاف: أربعون يوما من الحرب، وستة عشر مليار دولار ونصف في اثني عشر يوما، ومخزونات صواريخ مستنزفة، وقواعد خليجية تحولت إلى أهداف، ثم وقف إطلاق نار هش، ثم تسريبات عن تقليص الوجود. العالم كله كان يراقب ويدون: روسيا التي تحدت النظام الأمريكي في أوكرانيا ولم تنهار، والصين التي تراقب حدود القدرة الأمريكية بدقة حساب، ودول الخليج التي رأت بأم عينها أن القاعدة الأمريكية على أرضها قد تكون مصدر خطر لا مصدر حماية، ودول مجموعة بريكس التي تسارع في بناء مسارات مالية بديلة للدولار. النتيجة هي العالم الذي نعيشه اليوم: عالم لا قطب أوحد فيه قادرا على الحسم، ولا نظام تعددي مستقر قد تشكل بعد. عالم اللاقطبية بالضبط.
المحور الثاني: التوافق النخبوي، علامة التحول البنيوي في الوعي الأمريكي
من أهم المؤشرات الفكرية التي تؤكد أننا أمام حقيقة بنيوية لا أمام رأي هامشي، ظاهرة التوافق النخبوي العابر للأطياف. تأمل الخريطة التالية بعناية: محلل المخابرات المركزية الذي ترأس وحدة تعقب الشيخ أسامة يقول إن الاستراتيجية نجحت، والمحارب في المارينز الذي قاتل في العراق يقول إنها نجحت، وأعرق مشروع أكاديمي لتوثيق كلفة الحروب في جامعة براون يوثق نجاحها بالأرقام، وكبرى منظمات الحريات المدنية الأمريكية تقول إنها نجحت في استنزاف القيم الداخلية، والصحافة على اختلاف مواقعها الأيديولوجية تتبنى الاستنتاج ذاته: فصحيفة ذا هيل محسوبة على الوسط اليميني، ومجلة ذي أتلانتيك محسوبة على اليسار الليبرالي، ومجلة سبيكتيتور محافظة، وموقع فير أوبزرفر تحليلي مستقل.
في علم الاجتماع المعرفي، حين تتلاقى مؤسسات متنافسة المصالح ومتباعدة الأيديولوجيات على استنتاج واحد، فإن هذا الاستنتاج ينتقل من خانة الرأي إلى خانة المسلمة النخبوية. وهذا بالضبط ما حدث لفكرة نجاح المرحلة الأولى من الاستراتيجية اللادنية: لم تعد رأيا يحتاج إلى دفاع، بل أصبحت قاعدة انطلاق تحتاج الأفكار الجديدة إلى أن تبنى عليها. والدليل النهائي على ذلك هو أن مقال جوزيف لم يثر عاصفة إنكار، بل مر كاستنتاج مستحق، وهو الذي كان سيعد خيانة وطنية لو قيل قبل عشرين عاما.
المحور الثالث: حدود الانتصار، الأمانة التحليلية في مواجهة الحماس الفكري
“الاستراتيجية اللادنية نجحت في مرحلتيها الأولى والثانية: الاستنزاف تحقق رقميًا، واللا قطبية تحققت واقعيًا ، أمريكا 2026 ليست أمريكا 2001. المرحلة الثالثة (الانهيار الكامل على النموذج السوفييتي) لم تتحقق، لأن أمريكا تمتلك أدوات امتصاص الصدمة (الدولار، الاقتصاد المرن)”
لهذا نقول :
غير أن أي أطروحة علمية رصينة تقتضي، منهجياً، ضبط حدودها ووعي مفارقاتها؛ فالنصر المرحلي لا يرقى إلى حكم نهائي، وهناك حد جوهري ينبغي تسجيله بموضوعية، مفاده أن أمريكا وإن كانت منهكة، إلا أنها لم تصل بعد إلى مرحلة الإفلاس السيادي. ويعود ذلك إلى اعتبارات بنيوية، في مقدمتها تدفقات رأس المال الخليجي، وما هو أهم: التمايز الهيكلي العميق بين النموذج السوفييتي والنموذج الأميركي. فالاتحاد السوفييتي قام على اقتصاد مغلق ومتهاوٍ، مع عملة خالية من أي وزن دولي، مما جعل النزيف المالي قاتلاً ومتسارعاً. في المقابل، تستدين واشنطن بعملتها التي تطبعها بيدها، ويظل الدولار عملة الاحتياطي العالمي الأولى، كما يحتفظ اقتصادها بموقع الصدارة العالمية من حيث الحجم الإجمالي.
ومع صحة نمو مسارات “بريكس” البديلة، وارتفاع الدين العام إلى أربعين تريليون دولار، فإن الإفلاس بالمعنى السوفييتي (الانهيار الكامل للملاءة) لم يتحقق فعلياً بعد؛ وعليه، فإن “المرحلة الثالثة” في سيناريو الانهيار لم تكتمل نسبياً، نظراً لاختلال آلية الامتصاص المالي الأميركية جذرياً عن نظيرتها السوفييتية.
لكن، وبقدر ما تحمل هذه القراءة من دقة، فإن الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة تمثل متغيراً مُعطِّلاً لهذه المرونة الهيكلية، إذ تضرب عمق الاحتياطي النقدي وتُضعف قدرة الولايات المتحدة على امتصاص الصدمات، مما يقربها من حافة الإفلاس الوظيفي. وإذا استمرت المؤشرات الحالية، فإن المحصلة النهائية قد تتمثل في فقدان الدولار لقيمته الائتمانية، وتحوله تدريجياً إلى مجرد ورقة بلا غطاء، مع ما يحمله ذلك من تداعيات زلزالية على النظام المالي العالمي.
فصول توسعية لا بدّ منها
الفصل الأول من فصول التوسعة: المقارنة الرقمية التفصيلية مع التجربة السوفييتية، من كابول 1989 إلى كابول 2021
أولا: لماذا النموذج السوفييتي هو المرجع الإلزامي لفهم الاستراتيجية اللادنية؟
لم يختر بن لادن المقارنة مع التجربة السوفييتية اعتباطا، بل لأنها التجربة الوحيدة في التاريخ المعاصر التي انهارت فيها قوة عظمى نووية لا بهزيمة عسكرية حاسمة في ميدان واحد، بل بنزيف اقتصادي طويل في مستنقع طرفي بعيد. وحين قال في خطابه إنه إلى جانب المجاهدين أنزف روسيا عشر سنوات حتى أفلست واضطرت إلى الانسحاب مهزومة، كان يقدم معادلته الاستراتيجية كاملة: الاستنزاف المالي الطويل يفعل في القوة العظمى ما لا تفعله الجيوش النظامية. لذلك فإن اختبار نجاح المرحلة الأولى من الاستراتيجية اللادنية لا يتم بمعايير مجردة، بل بالمطابقة الرقمية التفصيلية مع النموذج الذي أعلن صاحبها أنه يحتذيه.
ثانيا: المحاور الرقمية للمقارنة
المحور الأول هو محور المدة الزمنية. استغرق الاستنزاف السوفييتي في أفغانستان عشر سنوات كاملة، من ديسمبر 1979 إلى فبراير 1989، وكانت النتيجة انهيار الدولة ذاتها بعد عامين ونصف من الانسحاب، في ديسمبر 1991. أما الاستنزاف الأمريكي فامتد من أكتوبر 2001 في أفغانستان إلى أغسطس 2021، أي عشرين عاما كاملة، ضعف المدة السوفييتية، ثم امتد بأشكال أخرى في العراق وسوريا واليمن وأخيرا في الحرب مع إيران، ليبلغ في عام 2026 ربع قرن كامل من الحرب المتواصلة بلا توقف حقيقي. فإذا كان عشر سنوات كافية لإفلاس القطب السوفييتي، فما بالك بخمسة وعشرين عاما من النزيف الأمريكي المتواصل؟
المحور الثاني هو محور الكلفة المالية المباشرة. تقدر الدراسات الغربية الكلفة المباشرة للحرب السوفييتية في أفغانستان بما يعادل عشرات المليارات من الدولارات بأسعار ذلك الزمن، وهو مبلغ كان كافيا لخنق اقتصاد مغلق متهالك أصلا يعاني من ركود بنيوي وسباق تسلح مكلف مع واشنطن. أما أمريكا فقد أنفقت ثمانية تريليونات دولار على حروب ما بعد سبتمبر بحسب مشروع تكاليف الحرب في جامعة براون، وبلغ إنفاقها العسكري التراكمي ثمانية عشر تريليون دولار بحسب تقديرات مقال ذا هيل، أي مئات الأضعاف بالقيمة الاسمية. والفارق النوعي هنا أن السوفييت دفعوا من فائض دولة مفلسة، بينما دفعت أمريكا من ديون أجيالها القادمة، فارتفع دينها الوطني من سبعة تريليونات عام 2004 إلى أربعين تريليونا في أغسطس 2026، وهو رقم لم يبلغه أي اقتصاد في تاريخ البشرية.
المحور الثالث هو محور مخرجات الانهيار. الاتحاد السوفييتي انسحب من أفغانستان مهزوما في فبراير 1989، ثم انهارت الإمبراطورية كلها في ديسمبر 1991: انفصلت الجمهوريات، وتفكك الحزب الحاكم، وانهارت العملة، وتشظت الدولة إلى خمس عشرة دولة. أمريكا انسحبت من كابل في أغسطس 2021 بمشهد فوضوي صادم استعادت الذاكرة العالمية فيه صور سايغون 1975، لكنها لم تنهار كدولة، لأن بنيتها الاقتصادية مختلفة جوهريا كما بينا. غير أن مخرجات النزيف ظهرت بأشكال أخرى: انقسام مجتمعي غير مسبوق، وأزمة ثقة بالمؤسسات وصلت إلى حد اقتحام الكونغرس ذاته، وتآكل النفوذ العالمي، وصعود منافسين لم يكونوا ليجرؤوا على التحدي لو كانت أمريكا ما تزال في حالة 2001.
ثالثا: الطرف الآخر من المعادلة، روسيا ما بعد الانهيار
والجانب الذي يكمل الصورة، وربما يكون الأكثر إيحاء في هذه المقارنة كلها، هو ما حل بالطرف المهزوم في الجولة الأولى: روسيا نفسها. فالاتحاد السوفييتي الذي أفلسه الاستنزاف الأفغاني لم يمت موتا نهائيا، بل دخل مرحلة انكماش مؤلم في التسعينيات تحت قيادة يلتسن: انهار الاقتصاد، وتقلصت الجغرافيا، وأذلت روسيا على يد صناديق الإقراض الغربية، وتحولت الدولة العظمى السابقة إلى طالب إعانات. ثم بدأت منذ مطلع الألفية الجديدة رحلة استجماع القوة الطويلة، بقيادة رجل خرج من أحشاء الجهاز الأمني السوفييتي ذاته: فلاديمير بوتين، ضابط الكي جي بي السابق، الذي وصف انهيار الاتحاد السوفييتي بأنه أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين، وهي العبارة التي لم تكن عنده وصفا تاريخيا بقدر ما كانت برنامج عمل.
وربع القرن الذي تلت هذه العبارة يقرأ كخطة إعادة بناء متدرجة: إعادة تأميم مركز القرار الروسي، وإعادة بناء الجيش، واستخدام عائدات الطاقة سلاحا جيوسياسيا، ثم العودة الميدانية إلى مسرح الإمبراطوريات: جورجيا 2008، وضم القرم 2014، والتدخل الحاسم في سوريا 2015، وأخيرا الحرب الكبرى في أوكرانيا منذ 2022، وهي الحرب التي مثلت أول تحد عسكري روسي مباشر ومعلن للنظام الذي قادته أمريكا منذ 1945. بعبارة أخرى: الطرف الذي هزمه الاستنزاف في الجولة الأولى استخدم عقود التسعينيات للنفخ في جمر إمبراطوريته، ثم عاد في اللحظة التي وجد فيها القطب المنتصر غارقا في مستنقعات الشرق الأوسط، ليقدم نفسه لاعبا مؤسسا في نظام ما بعد الأحادية.
وهنا تكتمل المفارقة التاريخية الكبرى التي يجب أن تسجل بحروف واضحة: الاستراتيجية اللادنية لم تستنزف القطب الغربي فحسب، بل منحت القطب المهزوم القديم فرصة العودة. فالعشرون عاما التي قضتها أمريكا في أفغانستان والعراق هي نفسها العشرون عاما التي استجمعت فيها روسيا قوتها، وبنت الصين قوتها، وتشكلت فيها بريكس بديلا ماليا واقتصاديا. حين كانت واشنطن تنفق ثمانية تريليونات في الرمال، كان الآخرون يبنون. وهذه ليست قراءة إعجازية للتاريخ، بل قراءة محاسبية صرفة للفرصة الضائعة: الموارد محدودة، والانتباه الاستراتيجي أثمن الموارد، ومن يبدده في مستنقع يمنحه مجانا لمن يراقب من بعيد.
الفصل الثاني من فصول التوسعة: البعد الحقوقي، تكلفة الحرب على شعوب المنطقة ومعتقلو الرأي
أولا: الفاتورة الإنسانية التي لا تظهر في ميزانيات البنتاغون
إن ما تقدم من أرقام، مهما بلغت دقتها، لا يقيس سوى جانب واحد من المعادلة، هو النزيف المالي المقوّم بالدولار. غير أن ثمة فاتورة أخرى، أشد إيلاماً وأعمق أثراً، لا تخضع لأي عملة، بل تُسدّد بالدماء والمصائر. فوفقاً لتوثيق مشروع “تكاليف الحرب” في جامعة براون، تجاوز عدد القتلى في المسارح المباشرة لحروب ما بعد الحادي عشر من سبتمبر حاجز التسعمائة ألف، بينهم مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء، إضافة إلى أكثر من ثمانية وثلاثين مليون نازح ولاجئ ومهجّر، فضلاً عن دول بأكملها هوت في دوامات الانهيار، بينما خرج بعضها الآخر من المحنة أكثر قوة وصلابة وبعضها إنتصر وأسقط الهيبة الأمريكية .
هذا هو الوجه الآخر لمعادلة الصراع: ففي مقابل كل دولار أميركي يُمنى بالهزيمة على مستوى الاقتصاد الكلي، كان هناك مليون دولار يُترجم ميدانياً إلى قنابل ودمار وخراب؛ في حين أن الدولار الواحد المنتصر كان يُترجم إلى جيل كامل نشأ في أحضان الحرب، وتكوّن على الاستعداد الدائم لها. ومن هنا، فإن أي قراءة علمية موضوعية وأمينة لنجاح المرحلة الأولى من الاستراتيجية اللا قطبية، لا يمكن لها أن تغفل هذا البُعد الإنساني، بل يتعين عليها أن تسجّله بكل وضوح وصدق: نعم، لقد نجح الاستنزاف في إضعاف الاقتصاد الأميركي، ولكن ذلك النجاح لم يتحقق إلا فوق أطلال مجتمعات بأكملها، ودفع ثمناً بشرياً لا يمكن تهميشه في أي حساب استراتيجي.
وفي سياق هذه القراءة الموضوعية، تجدر الإشارة إلى أن واشنطن لم تكن تنوي، في تصورها الأولي، الانخراط في حروب مفتوحة بهذا الحجم من العشوائية والاستنزاف. بل كانت تخطط، وفق رؤية منظمة، لضرب تلك الدول تباعاً وبترتيب مدروس، بحيث لا تسمح لنفسها بالغرق في مستنقعات متعددة في آن واحد، وبما يحقق أهدافها التوسعية تدريجياً خدمة للكيان المحتلّ دون أن تفقد زمام المبادرة أو تستهلك طاقتها بشكل متسارع. لكن صدمة الحادي عشر من سبتمبر، وما حملته من تداعيات استثنائية، عكست تلك الخطة المحكمة؛ إذ أسقطت التدرج وفرضت وتيرة متسارعة، ودفعت الإدارة الأميركية إلى ضربات عشوائية ومتزامنة، انطلاقاً من ردود فعل لحظية لا من استراتيجية مسبقة. وهذه العشوائية هي التي حوّلت ما كان يمكن أن يكون نزيفاً مضبوطاً إلى استنزاف مفتوح، وسرّعت في هدر الموارد والشرعية والانتباه.
أما على صعيد المجتمعات المستهدفة، فالمأساة التي حلت بها لم تكن نتيجة عارضة، بل كانت حتمية في جوهر المشروع الهيمني؛ غير أن وتيرة التنفيذ وغياب التخطيط الدقيق جعلا الأثر يبدو أوسع وأعمق، بل كان من المحتمل أن يمتد ليشمل دولاً أخرى لو بقيت أمريكا في مسارها التدريجي المنظم. لكن تسارع الأحداث وعشوائية الضرب أديا إلى استنزاف مبكر، مما أجبر واشنطن على التراجع الجزئي وإعادة ضبط أدواتها، ليس رغبة منها في الإقلاع عن المشروع، بل قسراً تحت وطأة استنزاف تجاوز قدراتها على الامتصاص والتحمّل. وهكذا، تتكامل القراءة المالية مع القراءة البشرية والاستراتيجية لتقديم صورة مركّبة عن مسار الهيمنة الأميركية، حيث كان النصر المرحلي للاستنزاف اقتصادياً مشروطاً بكارثة إنسانية، وكان التراجع التكتيكي الأميركي وليد فشل في إدارة وتيرة العدوان، لا وليد تغير في جوهر المشروع.
ثانيا: معتقلو الرأي من الإسلاميين، الورقة الأشد إيلاما
ولعل أقسى صفحات هذه الفاتورة وأقلها حضورا في النقاش العالمي هي صفحة معتقلي الرأي من الإسلاميين في دول المنطقة. فالحرب على الإرهاب لم تستنزف أمريكا فحسب، بل منحت أنظمة المنطقة هدية قمعية لا تقدر بثمن: رخصة دولية مفتوحة للقبضة الأمنية باسم محاربة الإرهاب. ففي ظل الشعار العالمي الجديد بعد سبتمبر 2001، حولت الأنظمة كل معارضة إسلامية سنية إلى مشروع إرهابي محتمل، وتحول كل واعظ أو داعية أو مفكر أو ناشط سياسي إسلامي إلى مشتبه به يجوز اعتقاله بلا محاكمة، وتعذيبه بلا حساب، وإخفاؤه قسريا بلا سؤال.
وقد وثقت المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية على مدى ربع قرن ما طال هذه الفئات من انتهاكات: الاعتقالات الجماعية بلا سند قانوني، والمحاكمات الاستثنائية والعسكرية التي تفتقر لأدنى معايير العدالة، والتعذيب المنهجي في أقبية الأجهزة الأمنية، والاختفاء القسري لسنوات، والأحكام الجائرة بالسجن المؤبد والإعدام في قضايا رأي وتعبير، والتضييق على أهالي المعتقلين أنفسهم بمنع الزيارة وسحب الوثائق والتنكيل. وقد رأينا بأم أعيننا كيف تحولت سجون المنطقة إلى مقابر جماعية للكرامة الإنسانية، وكيف قضى معتقلون في السجون بسبب الإهمال الطبي المتعمد، وكيف شاب آخرون في الزنازين دخل بعضهم إليها شبابا وخرج منها شيوخا، إن خرجوا أصلا.
إن هذه المعاناة التي عشنا تفاصيلها ووثقناها في أعمالنا الحقوقية والإعلامية ليست هامشا في قصة الحرب على الإرهاب، بل هي أحد فصولها المركزية: فالاستنزاف الأمريكي الخارجي تقاطع مع استنزاف داخلي مارسته أنظمة المنطقة ضد شعوبها، وكلا الاستنزافين وجد في شعار الحرب على الإرهاب مظلته وشرعيته.
ثالثا: تجفيف المنابع، العقلية الأمنية التي تحكم المنطقة
ومن رحم هذه المرحلة ولدت عقيدة أمنية جديدة حكمت المنطقة وما تزال: عقيدة تجفيف المنابع. والمقصود بها أن الأنظمة لم تكتف بملاحقة من تصنفهم متطرفين، بل قررت تجفيف كل المنابع التي قد ينبت منها أي فكر إسلامي سياسي أو حتى اجتماعي مستقل: منابر المساجد روعيت ووظفت، والمناهج التعليمية فرغت من كل ما يمكن أن يقرأ على أنه ذات شحنة دعوية أو نهضوية، والعمل الخيري والدعوي الأهلي حوصر وجرم، والجمعيات الدعوية أغلقت أو أممت، والفضائيات والمنصات لاحقها التضييق والحجب، حتى الكلمة المجردة في وسائل التواصل صارت تهمة تستوجب الاعتقال.
والسؤال الذي يجب طرحه بصراحة: لماذا هذا الهوس الأمني؟ الإجابة أن دول المنطقة لا تخاف (التطرف) بزعمها بقدر ما تخاف الفراغ القادم. فهي تراقب ما نراقبه في هذه الدراسة ذاتها: أمريكا تنزف وتنكمش، وتسريبات تقليص القواعد في الخليج تتوالى، والحامي الأمريكي الذي بنت عليه هذه الأنظمة معادلة بقائها منذ عقود يدرس الرحيل أو تخفيف الحضور. وهذه الأنظمة تعرف في قرارة نفسها أن شرعيتها لم تقم يوما على رضا شعوبها بل على مظلة الحماية الأمريكية، وأن انكماش الولايات المتحدة على نفسها يعني أن مرحلة الحساب الداخلي قادمة لا محالة.
فهي إذن تعيش رعب المرحلة القادمة، رعب السقوط على أيدي شعوبها، وليس على أيدي التنظيمات المسلحة كما تدعي. ولهذا فإن تجفيف المنابع ليس حربا على الإرهاب بقدر ما هو حرب استباقية على كل معارضة محتملة في زمن ما بعد الحماية الأمريكية. إنها أنظمة تبني جدران زنازينها أعلى كلما انخفض سقف مظلتها الدولية، وتزيد القبضة الأمنية ضراوة كلما ازداد يقينها بأن اليوم الذي ستحاسب فيه أمام شعوبها آت. وهذا بالضبط ما يجعل ملف معتقلي الرأي من الإسلاميين ملفا مركزيا في قراءة المستقبل: فمصير هؤلاء المعتقلين ومصير المنطقة كلها معلق بموازين قوى تتغير الآن أمام أعيننا، والأنظمة التي تراهن على القمع الأبدي تراهن في الحقيقة على أن التاريخ سيتوقف عن الحركة، وهو رهان لم يربحه أحد من قبل.
الملحق التوثيقي: الاقتباسات الحرفية من خطاب 2004 بالعربية والإنجليزية
نورد فيما يلي الاقتباسات الحرفية المركزية من الخطاب الذي بثته قناة الجزيرة في أواخر أكتوبر 2004، ونشرت نصه الكامل في الأول من نوفمبر 2004، بالترجمة العربية متبوعة بالنص الإنجليزي كما ورد في النص الكامل المعتمد، وذلك توثيقا علميا يتيح للقارئ مطابقة كل تحليل ورد في هذه الدراسة مع أصله النصي.
الاقتباس الأول: إعلان سياسة الاستنزاف
«فنحن مستمرون بإذن الله في سياسة استنزاف أمريكا حتى الإفلاس، وما ذلك على الله بعزيز»
So we are continuing this policy in bleeding America to the point of bankruptcy. Allah willing, and nothing is too great for Allah.
الاقتباس الثاني: النموذج السوفييتي
«فنحن إلى جانب المجاهدين أنزفنا روسيا عشر سنين حتى أفلست واضطرت إلى الانسحاب مهزومة، باستخدام حرب العصابات وحرب الاستنزاف لقتال القوى العظمى المتغطرسة»
We, alongside the mujahedeen, bled Russia for 10 years until it went bankrupt and was forced to withdraw in defeat, using guerrilla warfare and the war of attrition to fight tyrannical superpowers.
الاقتباس الثالث: معادلة الدولار والمليون
«فعلى سبيل المثال، القاعدة أنفقت خمسمائة ألف دولار على الحدث، بينما خسرت أمريكا في الحادث وما تلاه، بحسب أدنى تقدير، أكثر من خمسمائة مليار دولار. أي أن كل دولار من القاعدة هزم مليون دولار بإذن الله، هذا بالإضافة إلى فقدان عدد هائل من الوظائف. أما حجم العجز الاقتصادي فقد بلغ أرقاما قياسية فلكية تقدر بأكثر من تريليون دولار»
For example, al-Qaida spent 500,000 dollars on the event, while America, in the incident and its aftermath, lost, according to the lowest estimate, more than 500 billion dollars. Meaning that every dollar of al-Qaida defeated a million dollars, by the permission of Allah, besides the loss of a huge number of jobs. As for the size of the economic deficit, it has reached record astronomical numbers estimated to total more than a trillion dollars.
الاقتباس الرابع: مصيدة الاستفزاز
«فكل ما علينا فعله هو أن نرسل مجاهدين اثنين إلى أقصى نقطة في الشرق ليرفعا قطعة قماش مكتوب عليها القاعدة، لكي يتسابق الجنرالات إلى هناك، فتتكبد أمريكا خسائر بشرية واقتصادية وسياسية دون أن تحقق شيئا يذكر سوى بعض المنافع لشركاتهم الخاصة»
All that we have to do is to send two mujahedeen to the furthest point east to raise a piece of cloth on which is written al-Qaida, in order to make the generals race there to cause America to suffer human, economic and political losses without their achieving anything of note other than some benefits for their private corporations.
الاقتباس الخامس: سهولة استفزاز الإدارة
«لقد وجدنا أنه من السهل علينا استفزاز هذه الإدارة واستدراجها»
Al-Qaida has found it easy for us to provoke and bait this administration.
الاقتباس السادس: دليل نجاح خطة الاستنزاف
«والأخطر والأشد مرارة لأمريكا هو أن المجاهدين أجبروا بوش مؤخرا على اللجوء إلى صناديق الطوارئ لمواصلة القتال في أفغانستان والعراق، وهو دليل على نجاح خطة الاستنزاف حتى الإفلاس بإذن الله»
And even more dangerous and bitter for America is that the mujahidin recently forced Bush to resort to emergency funds to continue the fight in Afghanistan and Iraq, which is evidence of the success of the bleed-until-bankruptcy plan, with Allah’s permission.
الاقتباس السابع: شركات الحرب والرابح الحقيقي
«صحيح أن هذا يوضح أن القاعدة كسبت، لكنه في المقابل يوضح أن إدارة بوش كسبت أيضا، شيء يقتنع به كل من ينظر إلى حجم العقود التي حصلت عليها الشركات الضخمة الغامضة المرتبطة بإدارة بوش، مثل هاليبرتون وأمثالها. والخاسر الحقيقي هو أنتم، الشعب الأمريكي واقتصاده»
It is true that this shows that al-Qaida has gained, but on the other hand it shows that the Bush administration has also gained, something of which anyone who looks at the size of the contracts acquired by the shady Bush administration-linked mega-corporations, like Halliburton and its kind, will be convinced. And it all shows that the real loser is you. It is the American people and their economy.
الاقتباس الثامن: العبقرية السياسية للفريق الواحد
«ولذا بدا لبعض المحللين والدبلوماسيين أن البيت الأبيض ونحن نلعب كفريق واحد نحو الأهداف الاقتصادية للولايات المتحدة، ولو اختلفت النوايا»
And so it has appeared to some analysts and diplomats that the White House and us are playing as one team towards the economic goals of the United States, even if the intentions differ.
الاقتباس التاسع: النفط والمصالح الخاصة
«لقد حجب ظلام الذهب الأسود بصره وبصيرته، فقدم المصالح الخاصة على المصالح العامة لأمريكا، فمضت الحرب، وارتفع عدد القتلى، ونزف الاقتصاد الأمريكي، وتورط بوش في مستنقعات العراق التي تهدد مستقبله»
The darkness of the black gold blurred his vision and insight, and he gave priority to private interests over the public interests of America. So the war went ahead, the death toll rose, the American economy bled, and Bush became embroiled in the swamps of Iraq that threaten his future.
الاقتباس العاشر: العقيدة الممتدة بعد بن لادن
ونضيف إليها للتوثيق العقيدة الممتدة بعد مقتل بن لادن، كما وثقتها مجلة ذي أتلانتيك في عدد سبتمبر 2026، حيث حول أيمن الظواهري الاستنزاف إلى عقيدة رسمية للتنظيم نصها: استنزاف أمريكا وإنزافها حتى الموت، لتلقى مصير الاتحاد السوفييتي.
«استنزاف أمريكا وإنزافها حتى الموت، حتى تلقى مصير الاتحاد السوفييتي»
الخاتمة
بدأنا هذه الدراسة من شريط مصور بث في أكتوبر 2004، اعتبره الأمريكيون يومها هذيان مجنون في زاوية الشارع، كما اعترف جوسلين جوزيف بنفسه بعد اثنين وعشرين عاما. ونختمها في أغسطس 2026، والدين الأمريكي يعبر أربعين تريليون دولار، ومخازن الصواريخ منضوبة في حرب جديدة مع إيران، والبنتاغون يتسرب منه أنه يدرس تقليص قواعده في الخليج، ومحارب المارينز الذي شاهد البرجين يسقطان بعينيه يكتب في صحيفة أمريكية كبرى أن بن لادن يبدو منتصرا.
بين المشهد الأول والمشهد الأخير تقع قصة ربع قرن كامل، أعدنا سردها كما وثقتها المصادر الأمريكية ذاتها: تحذير شوير المبكر من داخل المخابرات، وتأصيل جونسون الأكاديمي لنظرية الأفول، وتوثيق بيرغن الصحفي، وتحليل بيلار لسوء الفهم الاستراتيجي، وإعلان الهزيمة الأكاديمي في 2008، ودراسة تكتيك الاستنزاف الاحتوائي في 2007، ومقال فالوز عن معادلة أربعة آلاف دولار في 2010، وأرقام براون الصادمة في 2021، وتقييم الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، وخلاصة فير أوبزرفر في 2024، وتوثيق ذي أتلانتيك في 2026 لتحول الاستنزاف إلى عقيدة رسمية، ثم شهادة المحارب التي أغلقت الحلقة.
والخلاصات التي تجيز لنا هذه البنية كلها تسجيلها بثقة علمية هي التالية:
أولا، إن نجاح المرحلة الأولى من الاستراتيجية اللادنية، وهي مرحلة الاستنزاف، لم يعد قابلا للجدل بمعايير البحث العلمي، لأنه مثبت بالأرقام الرسمية الأمريكية، ومعلن من مصادر أمريكية تمثل كامل الطيف المؤسسي والأيديولوجي: استخباراتيا وعسكريا وأكاديميا وحقوقيا وإعلاميا.
ثانيا، -عالم لا قائد فيه- إن تحقق مرحلة “اللا قطبية” كواقع جيوسياسي ملموس بحلول عام 2026، يمثل تحولاً جوهرياً في بنية النظام الدولي، حيث تتبدد أحادية القيادة الأميركية ليحل محلها فضاء دولي متعدد الأقطاب متصارع. في هذا المشهد، تتصاعد الصين كقطب معارض للنظام الغربي، بينما تنهض روسيا من رماد أفولها السابق بقيادة الرئيس بوتين، مستثمرةً خبراته الاستخباراتية لاستئناف مشروعها الإمبراطوري التوسعي. وإزاء هذا التزاحم، لا تقف القوى الوسطى مكتوفة الأيدي، بل تراوغ وتتحدى الترتيبات القائمة، في حين يسارع الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز تسلحه وبناء ذاتية دفاعية استراتيجية، محاولاً فك الارتباط التابع بواشنطن، التي تبدو غارقة في مستنقع صراعات مفتوحة، وديون سيادية فاقدة للضمان، وخطط جدية لإعادة انتشار قواعدها العسكرية تمهيداً لتقليص وجودها الخارجي.
والأمر الأكثر دلالة هو أن الانتقال من الهيمنة إلى هذه المرحلة اللا قطبية يقوم على علاقة سببية حتمية، لا مجرد ترابط ظرفي؛ ذلك أن الاستنزاف الشامل – في الموارد المالية، والانتباه الاستراتيجي، والشرعية الأخلاقية – قد استهلك قدرات القطب المهيمن، مما أوجد فراغاً نافذاً، وأفسح المجال أمام المنافسين والقوى الصاعدة لتقديم بدائلها وإعادة تشكيل خريطة النفوذ العالمية.
ثالثا، إن السلوك الأمريكي الحالي بقيادة ترامب يمثل التعبير الأنقى عن سيكولوجية الإمبراطورية المتراجعة: استعراض قوة محموم يستنزف المخزون الاستراتيجي في حروب جانبية، مقترن بتسريبات انسحابية من مواقع الهيمنة التاريخية، وهو ما يشكل استمرارا للاستنزاف لا انقلابا عليه، ورقصة موت لا خطة إنقاذ.
رابعا، إن الفاتورة الإنسانية للمنطقة تبقى الفصل الأثقل: مئات آلاف القتلى وعشرات ملايين المهجرين، ومعتقلو رأي من الإسلاميين يقبعون في سجون أنظمة تجفف المنابع خوفا من يوم الحساب القادم لا محالة، يوم ينكمش الحامي الأمريكي على نفسه وتقف هذه الأنظمة وجها لوجه أمام شعوبها. إن رعب هذه الأنظمة من المستقبل هو في الحقيقة اعترافها الصامت بأن مرحلة السقوط مكتوبة، وأن القبضة الأمنية مهما اشتدت لا توقف التاريخ.
خامسا، إن حدود الانتصار يجب أن تسجل بأمانة: أمريكا مستنزفة لا مفلسة، فرّت من أفغانستان وانتصر مجاهدوها ، وإنتصرت الثورة السورية ، امريكا حرابت ايران وهي منهكة ، وأعاد التنظيم ترتيب أوراقه في الساحل الإفريقي، محقق تقدماً ملموساً في مالي ومناطق مجاورة. هذه المشاهد جميعها ترسم ملامح مرحلة جديدة، تعيد فيها الأطراف المختلفة حساباتها.
ويبقى الدرس الأخير، وهو درس يتجاوز التنظيم وأمريكا معا إلى قانون عام الكوني في تاريخ القوى العظمى: الإمبراطوريات لا تسقط عادة بضربة خصم قاهرة، بل تسقط حين تقتنع بأن قوتها لا حدود لها، فتبدد هذه القوة في معارك يختارها لها أضعف أعدائها. وفي هذا المعنى، لم تكن أخطر أسلحة الاستراتيجية اللادنية طائرات ولا متفجرات، بل فكرة واحدة بسيطة: أن تجعل العملاق يضرب بكل قوته في كل اتجاه، حتى يسقط من التعب لا من الضربات. وهي الفكرة التي تثبت أرقام أغسطس 2026، بشهادة خزانة أمريكا وجنودها وصحفها وأكاديمييها، أنها عملت.
المراجع
- جوسلين جوزيف، محارب سابق في مشاة البحرية الأمريكية خدم في العراق وحائز على جائزة أفضل مقال رأي من رابطة المراسلين والمحررين العسكريين، لماذا أصبحت توقعات بن لادن لعام 2004 حقائق في عام 2026، صحيفة ذا هيل الأمريكية، 2026.
- النص الكامل لخطاب أسامة بن لادن، قناة الجزيرة، الأول من نوفمبر 2004.
- بن لادن: الهدف هو إفلاس الولايات المتحدة، شبكة سي إن إن الأمريكية، الأول من نوفمبر 2004.
- مايكل شوير، الرئيس السابق لوحدة تعقب بن لادن في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، من خلال أعين أعدائنا، 2002.
- مايكل شوير، مركزية الإمبراطورية: لماذا يخسر الغرب الحرب على الإرهاب، 2004.
- تشالمرز جونسون، أستاذ العلوم السياسية ومستشار وكالة المخابرات المركزية سابقا، الارتداد: كلف وعواقب الإمبراطورية الأمريكية، 2000.
- تشالمرز جونسون، الخصومة: الأيام الأخيرة للجمهورية الأمريكية، 2006.
- بيتر بيرغن، الصحفي والمحلل الذي أجرى أول مقابلة تلفزيونية مع بن لادن، صعود وسقوط أسامة بن لادن، 2021.
- بول بيلار، المسؤول السابق عن تحليلات الشرق الأوسط في مجتمع الاستخبارات الأمريكي، لماذا تسيء أمريكا فهم العالم، 2016.
- استراتيجية الاستنزاف الاحتوائية للقاعدة، دورية الشؤون الأمنية الدولية، 2007.
- جامعة لويولا ماريمونت، كيف كسب أسامة بن لادن الحرب على الإرهاب، أكتوبر 2008.
- جيمس فالوز، انتصار بن لادن، مجلة ذي أتلانتيك، 2010.
- مشروع تكاليف الحرب، معهد واتسون للشؤون الدولية والعامة، جامعة براون، التقديرات النهائية 2021.
- الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، في الحرب على الإرهاب انتصر الإرهاب، 2021.
- فير أوبزرفر، اتضح الآن: أسامة بن لادن كسب الحرب على الإرهاب، 2024.
- مجلة ذي أتلانتيك، ماذا حدث للقاعدة؟، عدد سبتمبر 2026.
- معهد بروكنغز، القاعدة تضرب من جديد.
- قاعدة بيانات وزارة الخزانة الأمريكية، الدين العام حتى أغسطس 2026.
- شبكة إن بي آر، الدين الأمريكي يتجاوز حاجز الأربعين تريليون دولار القياسي، 19 أغسطس 2026.
- مركز السياسات من الحزبين، متتبع العجز الاتحادي للسنة المالية 2026.
- مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تحديث تقدير كلفة الحرب مع إيران: 11.3 مليار دولار في اليوم السادس و16.5 مليار في اليوم الثاني عشر.
- صحيفة نيويورك تايمز، حرب إيران استنزفت إمدادات أمريكا من الأسلحة الحرجة عالية الكلفة، أبريل 2026.
- صحيفة واشنطن بوست، البنتاغون يدرس وجودا عسكريا أمريكيا أصغر في الخليج بعد انتهاء حرب إيران، 18 أغسطس 2026.
- ذي إندبندنت، الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط قد يتقلص بعد حرب إيران، 2026.
- وكالة الأناضول، البنتاغون يتطلع إلى وجود عسكري أمريكي أصغر في الخليج بعد حرب إيران، 2026.
- مجلة سبيكتيتور، تعليق على الآراء غير الشعبية وغير الوطنية حول نجاحات بن لادن الاستراتيجية.
- اتحاد مراقبة الأسلحة، الإنفاق الدفاعي الأمريكي يرتفع بأكثر من 17 بالمائة في 2026، مارس 2026.