أحكام الفقه السياسي بين الإفراط والتفريط (الحلقة الثانية)
بذل علماء المسلمين جهودًا عظيمة في ضبط الأحكام الشرعية (الكلية والفرعية)، وأدلتها وطرق استنباطها، ووضعوا لها الأصول والقواعد والضوابط، وقعدوا لها قواعدها، وكيفوا مسائلها وفقًا لمقاصد الشريعة، وحددوا مصادرها، وحرروا نوازلها، حتى باتت علمًا مستقرًّا بهيكلية متكاملة (محتوياته، ومبادئه، وموضوعاته، ومنهجه، وقوانينه).
وإن أحكام الفقه السياسي لا تخرج عن هذا البناء العظيم الذي أسسه فقهاؤنا منذ عصر الصحابة إلى يومنا هذا، فهي ليست أحكامًا عشوائية ولا سائبة، بل منضبطة بكل تلك الأطر والمحددات التي وضعها فقهاء الشريعة.
الذي أريد أن أقوله في هذه الأسطر إننا لا بد أن نتعامل مع الأحكام الفقهية السياسية بنفس المسار الفقهي الذي وضعه فقهاء المسلمين في كل أبواب الفقه، وأن مسائل الفقه السياسي هي أحكام شرعية عملية مكتسبة من أدلتها التفصيلية.
وإننا نواجه اليوم تحديًا واضحًا في النظر إلى مسائل الفقه السياسي بهذا المنظور الفقهي، فنحن بين الإفراط في النظر إلى كل تعامل سياسي بزاوية العقائد وأصول الدين، وإنزال الأحكام من خلالها، وبين التفريط في إطلاقها من دون الضوابط والقواعد والأسس التي وضعها فقهاء الشريعة في أبواب الفقه الإسلامي