تقرير استراتيجي تحليلي
مفاوضات إسلام آباد الأمريكية–الإيرانية
الأعلى مستوى بين واشنطن وطهران منذ ثورة 1979
11 أبريل 2026 | إسلام آباد، باكستان
إعداد
د. فيصل محمد الحمد
أستاذ تقييم للأداء المؤسسي
الملخص التنفيذي
تُمثّل المفاوضات الأمريكية–الإيرانية المنعقدة في إسلام آباد بتاريخ الحادي عشر من أبريل 2026 منعطفاً دبلوماسياً غير مسبوق، إذ تُشكّل أول تواصل مباشر رفيع المستوى بين البلدين منذ ثورة 1979. يتناول هذا التقرير تلك المفاوضات بمنهجية تحليلية متعددة المستويات، مُعتمِداً نموذج ICE الثلاثي (Intelligence – Context – Estimate) الذي يفصل بين الوقائع الموثقة والتحليل البنيوي والتقديرات الاحتمالية المرجَّحة.
يُعالج التقرير خمس فجوات تحليلية رئيسية أغفلتها معظم التحليلات المتداولة: دلالة التسمية الرمزية للوفد الإيراني، والأبعاد القانونية لملف الأصول المجمدة، والانقسامات الداخلية الإيرانية وغياب المعطيات الكافية حول المرشد الجديد، والمتغير اليمني المُهمَل، والدور التشغيلي الفعلي للصين وروسيا. فضلاً عن ذلك، يُدمج التقرير متغيَّرَين عسكريَّين طرآ في اليوم ذاته للمفاوضات: نشر تعزيزات أمريكية برية ضخمة، وتسريبات استخباراتية عن استعداد الصين لتسليم إيران منظومات دفاع جوي متقدمة.
خلاصة التقرير أن النجاح مشروط بتحقق ثلاثة شروط متزامنة تبدو صعبة التحقق في المدى القريب، وأن الخاسر الأكبر في المعادلة بأسرها هو دول مجلس التعاون الخليجي التي تجد نفسها خارج الطاولة في قرارات تُعيد رسم خريطتها الأمنية.
أولاً: الإطار المنهجي
لا يمكن قراءة مفاوضات إسلام آباد بمعزل عن إشكالية منهجية تمسّ معظم التحليلات المتداولة حولها: الخلط بين مستويات التحليل الثلاثة، أي الوقائع الموثقة من جهة، والتفسير البنيوي من جهة ثانية، والتقدير الاحتمالي من جهة ثالثة. حين يُوظَّف التقرير التحليلي لتوثيق نجاح تنبؤات سابقة بدلاً من قراءة الواقع قراءةً مستقلة، يتحول من أداة بحثية إلى تحقق ذاتي يُفقده القيمة الاستراتيجية.
يعتمد هذا التقرير نموذج ICE الذي يُلزم المحلل بتمييز ثلاثة مستويات متمايزة: مستوى المعلومات (Intelligence) ويشمل الوقائع الموثقة بمصادر متقاطعة فقط، ومستوى السياق (Context) ويشمل التحليل البنيوي للعوامل المُفسِّرة بصرف النظر عن تأكيدها أو نفيها للتوقعات السابقة، ومستوى التقدير (Estimate) ويشمل السيناريوهات الاحتمالية المرجَّحة بأوزان قابلة للتفنيد. هذا النموذج لا يمنع الوصول إلى تقديرات حادة ومحددة، لكنه يضمن أن تبقى تلك التقديرات في مرتبة مغايرة للوقائع، وأن يعرف القارئ ما هو موثق وما هو استنتاج.
ثانياً: الخلفية والتصعيد: من الاحتجاجات إلى الطاولة
لا يمكن فهم ما جرى في إسلام آباد دون استحضار المسار المتسارع الذي أفضى إليه خلال أقل من أربعة أشهر. في أواخر ديسمبر 2025، اندلعت احتجاجات إيرانية واسعة في أعقاب انهيار حاد في قيمة العملة وتراكم ضغوط معيشية متواصلة، فاستجابت الحكومة بقطع الإنترنت وعمليات قمع أودت بحياة ما يتراوح بين ستة آلاف شخص وفق منظمات حقوق الإنسان وثلاثة عشر ألفاً وفق التقديرات غير الرسمية. أوجدت هذه الانتفاضة فرصة استراتيجية رآها ترامب مناسبة لتوظيف الضغط العسكري بوصفه رافعة دبلوماسية.
في الثامن والعشرين من فبراير 2026، شنّت القوات الأمريكية والإسرائيلية ضربات مشتركة واسعة على إيران أسفرت عن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين والأمنيين، وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية العسكرية الإيرانية. ردّت إيران بإطلاق صواريخ ومسيّرات على إسرائيل والقواعد الأمريكية وعدد من دول الخليج، وأغلقت مضيق هرمز محدثةً اضطراباً غير مسبوق في أسواق الطاقة العالمية.
في الأسابيع التالية، تصاعدت حدة التصريحات الأمريكية لتبلغ ذروتها حين كتب ترامب على منصة Truth Social في السابع من أبريل تحذيراً قال فيه إن ‘حضارة بأكملها ستُمحى الليلة’، في حين طالب باكستان بالوساطة لتمديد هدنة مؤقتة ريثما تُعقد المفاوضات. وفي السياق ذاته، أعلن مكتبه الصحفي أن أهداف عملية Epic Fury تضمنت ‘القضاء على البحرية الإيرانية وتدمير 80% من المنظومة الصاروخية وسحق الدفاع الجوي’. بيد أن هذه التصريحات جاءت بعد يومين فحسب من إسقاط إيران طائرتَين عسكريتَين أمريكيتَين، مما دفع موقع PolitiFact إلى توثيق التناقض الصريح بين التصريحات والوقائع الميدانية.
جاء اتفاق الهدنة لأسبوعَين في السابع من أبريل 2026 بعد تدخل مكثف من رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ورئيس أركانه فيلد مارشال عاصم منير الذي بنى علاقة مباشرة مع ترامب. وعلى هذه الخلفية الهشة، انعقدت مفاوضات إسلام آباد في الحادي عشر من أبريل.
ثالثاً: الوفود والتشكيل: منطق الاختيار
لا يمثل تشكيل الوفود في مفاوضات بهذا الثقل صدفةً بروتوكولية، بل يعكس حسابات سياسية دقيقة تتعلق بإمكانية تسويق أي اتفاق داخلياً في كلٍّ من واشنطن وطهران. على الجانب الإيراني، يترأس محمد باقر قاليباف الوفد المكوّن من واحد وسبعين عضواً، وقاليباف قائد سابق في الحرس الثوري ورئيس حالي للبرلمان وطامح واضح للرئاسة. ويرافقه وزير الخارجية عباس عراقجي الذي اشترك في التفاوض على اتفاق 2015 النووي. على الجانب الأمريكي، يترأس نائب الرئيس جيه دي فانس الوفد برفقة المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر.
المفارقة الجوهرية في هذا التشكيل أن المفاوضَين الرئيسيَّين — قاليباف وفانس — هما في الوقت ذاته الأقدر على تسويق أي اتفاق داخلياً في بيئتَيهما السياسيتَين المتشككتَين. قاليباف يحمل شرعية أمنية لا تملكها شخصية مدنية، وفانس قادر على إسكات الانتقادات اليمينية التي أطاحت باتفاق 2015. الوسيط الباكستاني ممثَّل بشهباز شريف وفيلد مارشال عاصم منير الذي بنى قنوات تواصل مباشرة مع ترامب جعلت حضوره العسكري–الدبلوماسي ركيزةً لا يمكن تجاوزها في هذه المفاوضات.
رابعاً: وفد مينب 168: الاستراتيجية الخفية للوفد الإيراني
من أكثر العناصر إغفالاً في التحليلات المتداولة أن الوفد الإيراني أطلق على نفسه اسم ‘مينب 168’، تخليداً لمئة وثمانية وستين قتيلاً، معظمهم أطفال، سقطوا في هجوم على مدرسة بجنوب إيران يوم اندلاع الحرب، وقد حددت منظمة العفو الدولية أن الصاروخ المسؤول أمريكي المصدر فيما لم تُفصح القيادة العسكرية الأمريكية عن نتائج تحقيقها حتى الآن.
ليست هذه التسمية تفصيلاً بروتوكولياً عابراً، بل هي استراتيجية تفاوضية كاملة الأبعاد تعمل على ثلاثة مستويات متوازية. على المستوى الأول، تُوظَّف التسمية لإحلال صورة ‘إيران أم الضحايا’ محل صورة ‘إيران المعتدية’، مما يُقلب موازين القوة النفسية على الطاولة ويُضيّق على الوفد الأمريكي استثمار التفوق العسكري رافعةً وحيدة للضغط. على المستوى الثاني، يُقيّد هذا التأطير قاليباف نفسه تقييداً رمزياً أمام الرأي العام الإيراني: أي تنازل لن يُقرأ في طهران كبراغماتية دبلوماسية بل كخيانة لأرواح ضحايا مينب، مما يعني أن السقف الفعلي لما يستطيع قاليباف التوقيع عليه أدنى مما يتوقعه الطرف الأمريكي، ليس بسبب تعليمات من المرشد بل بسبب حسابات انتخابية لا يمكن تجاهلها. على المستوى الثالث، تستهدف التسمية الرأي العام الدولي لبناء شرعية دبلوماسية موازية لا تستطيع القوة العسكرية نقضها.
خامساً: الأصول المجمدة: الجرح المفتوح منذ 2023
تُقدِّم التقارير السطحية الشرطَ الإيراني المتعلق بالأصول المجمدة باعتباره مطلباً مالياً قابلاً للتفاوض. غير أن الأبعاد الحقيقية لهذا الملف أعمق بكثير؛ إذ يُجسِّد درساً سياسياً مريراً تعلمته طهران من تجربة مباشرة. في سبتمبر 2023، أُفرج عن ستة مليارات دولار من الأصول الإيرانية المحتجزة في كوريا الجنوبية وحُوِّلت إلى حسابات في قطر ضمن صفقة تبادل محتجزين. بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، جرى تجميد تلك الأموال مجدداً تحت ضغط الكونغرس قبل أن تُصرف أي لير منها للأغراض الإنسانية المتفق عليها.
هذه السابقة تحديداً، لا العنجهية التفاوضية، هي التي تُفسِّر الإصرار الإيراني على ضمانات قانونية مُلزِمة لا مجرد تعهدات رئاسية قابلة للتراجع بقرار تنفيذي أو ضغط تشريعي. وفي ظل الأرقام المتداولة التي تتراوح بين ستة ومئة وثمانين مليار دولار موزعة بين حسابات كورية وعراقية وأوروبية، يتبيّن أن النقاش الحقيقي لم يعد عن الرقم بل عن آلية الضمان: هل ثمة صيغة قانونية دولية تحول دون تجميد الأموال مجدداً بأثر من الكونغرس أو من إدارة أمريكية قادمة؟ هذا السؤال يُفسِّر لماذا يكون الاتفاق الإطاري ‘السريع’ الذي يُتحدث عنه أصعب مما تُوحيه التغطيات الإعلامية.
سادساً: التشققات الإيرانية الداخلية والمرشد الغائب
الخطأ التحليلي الأكثر شيوعاً في تناول الوفد الإيراني هو معاملته ككتلة متجانسة ذات توجه واحد. ثمة توترات داخلية حقيقية تُحيط بالتفويض الممنوح لقاليباف. قاليباف المرشّح الرئاسي المحتمل يحسب بدقة لمآلات أي اتفاق على مسيرته السياسية، فهو يحتاج صياغةً قادرة على التسويق كانتصار لا كاستسلام. في المقابل، عراقجي الدبلوماسي البراغماتي الذي شارك في التفاوض على اتفاق 2015 يملك مرونة تقنية أكبر في التعامل مع التفاصيل الجوهرية. أما الحرس الثوري فحاضر في كل قرار وإن غاب عن الطاولة.
لكن الغياب الأكثر إشكالية في المشهد التحليلي برمته هو غياب المعلومات الكافية حول المرشد الجديد الذي خلف خامنئي بعد اغتياله. من هو؟ ما حدود صلاحياته التي استقرت عليها مؤسسة الفقيه في مرحلة فوضى ما بعد الاغتيال؟ هل فوّض قاليباف فعلاً صلاحيات التفاوض الكاملة أم أن أي اتفاق سيخضع لتصويت مجلس تشخيص مصلحة النظام المُعاد تشكيله؟ مرشد يفتقر إلى الشرعية التاريخية الراسخة التي امتلكها خامنئي قد يُمانع أي اتفاق درءاً لاتهامات الضعف في لحظة تأسيسية حساسة. غياب هذه المعطيات يُحوّل افتراض ‘قاليباف يُسوِّق الاتفاق داخلياً’ من معطى محسوب إلى رهان محفوف بعدم اليقين.
سابعاً: اليمن والحوثيون: المتغير المُهمَل
ثمة فجوة لافتة في معظم التحليلات المتداولة حول مفاوضات إسلام آباد: غياب الملف اليمني. أي اتفاق يفتح مضيق هرمز دون معالجة هذا الملف سيظل هشاً لسبب بنيوي واضح: الحوثيون يملكون القدرة على إعادة تعطيل الملاحة مستقلاً عن طهران، أو بأمر منها إذا انهار الاتفاق لأي سبب. والسؤال الجوهري الذي يغيب عن النقاشات هو: هل لا تزال طهران تملك فعلاً المفتاح الكامل للملف الحوثي بعد الإضعاف العسكري الذي تعرضت له؟ إذا كانت الإجابة سلبية أو جزئية، فإن أي ضمانة لهرمز لا تتضمن آلية يمنية مستقلة ستكون في حكم الشيك بلا رصيد.
صمت الحوثيين عن مفاوضات إسلام آباد ليس محايداً؛ فهو في حد ذاته إشارة تفاوضية تستحق قراءة دقيقة. كذلك لافت أن حركة حماس أعلنت دعمها للمفاوضات مشترطةً أن تُفضي إلى ‘إنهاء شامل وكامل’ للحرب — وهو اشتراط يُمثّل ضغطاً غير مباشر على إيران لعدم القبول بأي اتفاق جزئي لا يشمل الملفات الإقليمية المرتبطة.
ثامناً: الصين وروسيا: ما وراء الدعم المُعلَن
يُقدِّم كثير من التحليلات الصين وروسيا بوصفهما ‘داعمتَين لإيران’ في معادلة واحدة مُبسَّطة، في حين أن دور كل منهما يستوجب قراءة تشغيلية مستقلة تتجاوز التصنيف العام. فالصين في هذه المعادلة ليست وحيدة الدافع ولا أحادية التوجه. مصالحها متعددة ومتقاطعة في آنٍ معاً: هي تستورد نحو تسعين بالمئة من النفط الإيراني وتتضرر مباشرة من إغلاق هرمز، وهي في الوقت ذاته تجني فوائد استخباراتية وتقنية نادرة من مراقبة أداء أسلحتها في مواجهة التقنية الغربية المتقدمة في ساحة معركة حقيقية — وهو ما يُمثّل بيانات لا تُقدَّر لسيناريوهات تايوان. علاوة على ذلك، استهلكت الحرب ربع المخزون الأمريكي من صواريخ THAAD مما يُضعف الردع الأمريكي في المحيط الهادئ لصالح الأهداف الاستراتيجية الصينية.
في اليوم ذاته للمفاوضات، كشفت مصادر استخباراتية أمريكية نقلتها وكالة بلومبرغ عن استعداد الصين لشحن منظومات دفاع جوي لإيران تشمل صواريخ MANPADS محمولة على الكتف. هذا التوقيت لا يمكن قراءته بعيداً عن السياق التفاوضي؛ إذ تحمل الخطوة رسائل موجهة في آنٍ واحد إلى واشنطن بأن بكين لن تتهاون في دعم حليفها، وإلى طهران بأن الدعم الصيني قائم مما يمنح وفدها قدراً من الثقة للتمسك بشروطه. غير أن ثمة تحفظاً تحليلياً ضرورياً: أثبتت الضربات الأمريكية–الإسرائيلية في فبراير أن منظومة HQ-9B الصينية السابقة فشلت فشلاً واضحاً في صد الهجمات أمام الطائرات الشبحية والحرب الإلكترونية المتقدمة، مما يعني أن هذا التسليح يمنح إيران ورقة نفسية وتفاوضية أكثر من كونه تحولاً عسكرياً حاسماً في الوضع الميداني الراهن.
أما روسيا فتستوجب قراءة مغايرة تماماً تنطلق من سؤال غائب عن معظم التحليلات: هل لها مصلحة فعلية في نجاح مفاوضات إسلام آباد؟ الجواب المبني على الدوافع البنيوية ليس إيجابياً بالضرورة. إيران المنهكة والمحاصرة والمعتمدة على موسكو أكثر تبعيةً وأكثر نفعاً للمصالح الروسية من إيران القوية التي أبرمت اتفاقاً مع واشنطن وخرجت من العزلة الدولية. يُضاف إلى ذلك أن ارتفاع أسعار النفط جراء إغلاق هرمز يصبّ في خزينة الدولة الروسية، وأي اتفاق يُعيد فتح المضيق يُخفِّض تلك العائدات. بمعنى أن الدعم الروسي لإيران قد يكون في جوهره مصمَّماً لإطالة الصراع وإنهاك الطرفين لا لإيصاله إلى خاتمة تُعزِّز النفوذ الإيراني.
تاسعاً: ترامب: بين سلاح الضغط واعتراف الحدود
في اللحظات الأولى لانطلاق مفاوضات إسلام آباد، وبينما كانت الوفود تستقر في فندق سيرينا المحاط بحزام أمني غير مسبوق، كان ترامب يُطلق على Truth Social سلسلة تصريحات لافتة ادّعى فيها أن القوات الأمريكية ‘أبادت البحرية الإيرانية بالكامل’، و’دمّرت ثمانين بالمئة من المنظومة الصاروخية’، و’قضت على الدفاع الجوي’، مُصوِّراً إيران بـ’الطائر المقطوع الجناحَين الذي يعضّ لكن لا يطير’. وأعلن في الوقت ذاته عن ‘نقل وحدات ضخمة وغير مسبوقة إلى المنطقة’.
غير أن قراءة هذه التصريحات في سياقها الكامل تكشف تناقضاً داخلياً لافتاً. فإذا كانت إيران حقاً طائراً مقطوع الجناحَين، فلماذا يستدعي الأمر نشر آلاف المارينز والفرقة 82 المحمولة جواً؟ التعزيزات العسكرية وادعاءات الإنهاء الكامل لا يستويان في المنطق الاستراتيجي. وإذا كان ثمانون بالمئة من الصواريخ قد دُمِّرت، فكيف تواصل إيران إغلاق هرمز وفرض قبضتها على الملاحة بعد ستة وأربعين يوماً من الحرب؟ ذهب موقع PolitiFact إلى توثيق هذا التناقض بعد إسقاط إيران طائرتَين عسكريتَين أمريكيتَين بعد يومين فحسب من إعلان ترامب ‘القضاء التام على الدفاع الجوي’.
التحليل الأدق لهذه التصريحات يُقرأها في وظيفتَين متوازيتَين: داخلياً، هي رسالة لقاعدة ترامب الانتخابية وللأسواق المالية المتوترة يُريها فيها ‘المنتصر الذي يتفضل بالتفاوض من موقع القوة’؛ وتفاوضياً، هي محاولة لتحقيق ما يُعرف بـ’الضغط الأقصى’ لاستدراج تنازلات إيرانية. بيد أن هذه التصريحات ذات حدَّين: هي تُضغط على إيران وتستدعي قاليباف للتشدد في آنٍ معاً، إذ لا يستطيع زعيم عسكري أمام شعبه أن يبدو مفاوِضاً منهزماً مع طرف يُعلن بصوت عالٍ أنه ‘أباد’ جيشه.
عاشراً: المتغيَّران العسكريَّان الجديدان وتأثيرهما على المفاوضات
أولاً: التعزيزات العسكرية الأمريكية
في توقيت متزامن مع انعقاد المفاوضات، كانت تتوافد إلى المنطقة تعزيزات أمريكية ضخمة تشمل نحو ألفَين ومئتَي مارينز من الوحدة 31 على متن السفينة USS Tripoli، وألفاً وخمسمئة من الوحدة 11 قادمة من كاليفورنيا على متن USS Boxer، إضافة إلى كتيبة من الفرقة 82 المحمولة جواً قوامها ثلاثة آلاف جندي قادرين على الانتشار في أي بقعة من العالم خلال ثماني عشرة ساعة. هذا إلى جانب مجموعة حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln العاملة في الخليج العربي.
أعلن وزير الدفاع هيغسيث صراحةً أن القوات الأمريكية ستبقى ‘متواجدة’ في المنطقة طوال فترة الهدنة، مشيراً إلى أن العمليات نفّذت أكثر من ثمانمئة ضربة في الساعات السابقة لإعلان وقف إطلاق النار. ويرى خبراء معهد IISS أن هذا الحجم من القوات كافٍ لعمليات محدودة ومتسارعة كالاستيلاء على جزيرة ما لفترة قصيرة، لكنه يفتقر إلى المنظومة اللوجستية والوحدات المدرعة والهياكل القيادية اللازمة لحرب برية مستدامة.
يعمل هذا التعزيز في اتجاهَين تفاوضيَّين متناقضَين. من حيث تقوية الموقف الأمريكي، يُشكّل الوجود العسكري ضغطاً حقيقياً لا يمكن لقاليباف تجاهله في حساباته، كما يُتيح لترامب تسويق أي اتفاق لقاعدته بوصفه ‘قبولاً إيرانياً تحت التهديد’. لكنه من حيث تضييق هامش القبول الإيراني، يُفضي إلى نتيجة معاكسة: أي اتفاق يُوقَّع في ظل حشد عسكري بري ضخم سيُقرأ في طهران بالضرورة كاستسلام لا كتفاوض ندّي، وهو ما يتحاشاه قاليباف لأسباب انتخابية وبنيوية عميقة.
ثانياً: التسليح الصيني وتوقيته
في اليوم ذاته للمفاوضات، كشفت تقارير الاستخبارات الأمريكية التي نقلتها بلومبرغ وشبكة CNN عن استعداد بكين لشحن منظومات دفاع جوي لطهران في غضون أسابيع. هذا التوقيت ليس مصادفة، والقراءة التحليلية ترى فيه معضلة ثلاثية الأبعاد. أما بالنسبة لواشنطن فالسؤال الذي يُحرج المفاوض الأمريكي: كيف تُقنع الكونغرس والحلفاء بالاتفاق وبكين تُعيد بناء القدرة العسكرية الإيرانية في الوقت الراهن؟ وبالنسبة لطهران فقبول التسليح وإظهاره قد يُفسَّر أمريكياً كدليل على عدم الجدية في التفاوض مما يُعطي واشنطن ذريعة للانسحاب. وبالنسبة لإسلام آباد فباكستان بوصفها وسيطاً تجد نفسها في موقف محرج حين يتلقى أحد طرفَي التفاوض تسليحاً من قوة ثالثة في اليوم ذاته، مما يُهدد حياديتها ويُوقعها تحت ضغط أمريكي مباشر قد يُضعف دورها.
الحادي عشر: دول مجلس التعاون الخليجي: الخاسر الأكبر الذي لا صوت له
في خضم التركيز الإعلامي والتحليلي على المواجهة الأمريكية–الإيرانية، يغيب عن المشهد طرف يتأثر بالنتائج بصورة أعمق من أي طرف آخر مع غياب شبه تام من صياغة شروطها: دول مجلس التعاون الخليجي. ما يجري في إسلام آباد يُعيد رسم خريطة أمن المنطقة التي يسكنها الخليج، لكن الخليج ليس جالساً على أي طاولة في هذه العملية.
خسارة الورقة الأمنية
طوال العقود الماضية، بنت دول الخليج معادلة أمنية محورها الحضور العسكري الأمريكي المستمر في مقابل منظومة شراكة نفطية وعسكرية واسعة. هذه المفاوضات تُقوِّض تلك المعادلة بصورة مباشرة. أمريكا تتفاوض مع إيران على مستقبل المنطقة مباشرةً دون استشارة الرياض أو أبوظبي أو المنامة. الضمان الأمني الأمريكي الذي دفع الخليج ثمنه تريليونات على مدى عقود تحوّل اليوم إلى ورقة تفاوضية في ملعب بعيد جغرافياً ومؤسسياً. والوفد الأمريكي في إسلام آباد يمثل المصلحة الأمريكية الضيقة — أسعار النفط والملف النووي وفتح هرمز — لا مصالح الحلفاء الخليجيين التي تتشابك مع هذه الملفات بطريقة مغايرة.
إيران تخرج مُعترَفاً بها دون دفع ثمن سلوكها
الخطر الاستراتيجي الأعمق لا يكمن في بنود الاتفاق الآني بل فيما يُرسيه من سوابق للنظام الإقليمي. إيران التي أغلقت هرمز وأطلقت الصواريخ وموّلت الوكلاء المسلحين في أكثر من دولة ستخرج من هذا الاتفاق قوةً إقليمية معترفاً بها، بل ومكافأةً بالأصول المجمدة وتخفيف العقوبات. ولم تُقدِّم إيران في هذه المفاوضات أي ضمانة لتغيير سلوكها تجاه دول الخليج: لا كفّاً عن دعم الحوثيين الذين يضربون البنية التحتية الخليجية، ولا وقفاً لتمويل الميليشيات في العراق، ولا تخلياً عن مشروع التمدد الإقليمي. السابقة التي يُرسيها ذلك خطيرة: يمكن لأي قوة إقليمية أن تُصعِّد حتى حافة الهاوية ثم تتفاوض من موقع قوة وتنال مكاسب ملموسة.
أسواق النفط: التناقض الذي لا يُقال
ثمة تناقض اقتصادي صارخ يغيب عن معظم التحليلات. أمريكا تريد أسعار نفط منخفضة لكبح التضخم وإنهاء الضغوط الداخلية، وفتح هرمز يُحقق ذلك. إيران تعود لأسواق النفط العالمية بمبيعات جديدة تكسر عزلتها الاقتصادية. الخليج وحده يجد نفسه في الموقع الأصعب: كل برميل نفط إيراني يعود للسوق يُخفِّض الأسعار ويأكل من حصصه السوقية. بمعنى آخر، الخليج سيُموِّل بشكل غير مباشر تعافي إيران الاقتصادي من خلال انخفاض إيراداته النفطية، في حين يتزامن ذلك مع ضغط ترامب المتواصل على أوبك+ لرفع الإنتاج وخفض الأسعار.
الملف النووي: الخطر الأقرب والصوت الأبعد
اللافت أن الملف الأكثر تأثيراً على الأمن الخليجي مُؤجَّل إلى ‘جولات لاحقة’ وفق صياغات الإطار التفاوضي. إيران التي اقتربت من عتبة التخصيب العسكري لا تُناقَش قدرتها النووية الآن، بل تُكافَأ أولاً ثم يُفاوَض على سلوكها في مراحل قادمة. والحقيقة أن دول الخليج لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل هي المجاورة الجغرافية الأقرب لأي برنامج نووي إيراني. أي حادث نووي أو استخدام محدود أو تسرب يطال المنطقة الخليجية أولاً وأشد. ومع ذلك، لا صوت خليجياً واحداً على طاولة التفاوض حول الشروط النووية.
باكستان تسرق الدور الدبلوماسي الخليجي
الطعنة الدبلوماسية الأكثر إيلاماً لدول الخليج في هذه القصة لا تأتي من إيران بل من إسلام آباد. الوساطة الإقليمية كانت تاريخياً حكراً خليجياً: الكويت في حرب الخليج الثانية، قطر في ملفات متعددة، السعودية في اليمن. باكستان تؤسس اليوم لنموذج جديد تُزاحم فيه الخليج على دوره التقليدي، تكسب معه شرعيةً دولية وقرباً من ترامب ومكانةً دبلوماسية بينما يتفرج الخليج ويدفع فاتورة تداعيات الاتفاق على أسواق نفطه. والأشد مرارةً في السياق الاستراتيجي أن قطر رفضت تولي الوساطة حين عُرضت عليها وفق ما أفادت التقارير، فآلت إلى إسلام آباد. أي أن الخليج كان يمكنه امتلاك هذه الورقة فأطاح بها.
ما يجري في إسلام آباد يُناقَش على أنه صراع أمريكي–إيراني، لكن الخاسر الحقيقي الذي لا أحد يُسمعه صوتاً ولا يُشركه في المعادلة هو دول مجلس التعاون الخليجي. الاتفاق –إن تحقق– سيُعيد رسم الخريطة الأمنية الإقليمية على حساب الخليج دون أن يجلس الخليج على أي طاولة. – د. فيصل الحمد
الثاني عشر: نقاط الخلاف الجوهرية وتوترات اللحظة
أظهرت الدقائق الأولى من المفاوضات توتراً واضحاً يعكس الهوّة البنيوية بين الموقفَين. إيران تُصرّ على شرطَين مسبقَين: وقف كامل للضربات الإسرائيلية على لبنان، والإفراج عن الأصول المجمدة بضمانات دولية مُلزِمة. أمريكا تُركّز على فتح مضيق هرمز بحرية كاملة، وترفض ربط المسار التفاوضي بالملف اللبناني مباشرةً. وبينما يمضي وفانس إلى إسلام آباد مُحذِّراً من ‘محاولة اللعب’ على أمريكا، يُعلن قاليباف ‘جاهزيةً مشروطة’ مصحوبة بتذكير صريح بأن ‘تجربة إيران في التفاوض مع الأمريكيين مليئة بالفشل والتنصل من الالتزامات’.
يُضاف إلى هذه الأجواء المشحونة عنصر ثالث لا يجلس على الطاولة لكنه حاضر في كل تفاصيلها: إسرائيل التي واصلت ضرباتها على لبنان حتى صباح يوم المفاوضات، مُسقطةً في يوم الأربعاء الماضي وحده أكثر من ثلاثمئة وخمسين قتيلاً في لبنان وفق وزارة الصحة اللبنانية. طالما بقيت هذه الضربات مستمرة، ستبقى إيران تستخدمها مبرراً للتمسك بشروطها القصوى، وسيظل الوفد الأمريكي عاجزاً عن تقديم ضمانة فعلية تُرضي الجانب الإيراني.
الثالث عشر: السيناريوهات المحتملة وأوزانها الاحتمالية
استناداً إلى المعطيات الموثقة والمتغيرات المحددة في هذا التقرير، يمكن توزيع الاحتمالات على أربعة سيناريوهات رئيسية، مع الإشارة إلى أن هذه الأوزان قابلة للتغير بسرعة في ضوء أي حدث ميداني أو تسريب أو تصريح مُقحَم.
السيناريو الأول، وهو الأقرب للتحقق، ويتوقع التوصل إلى اتفاق إطاري مؤقت يمتد بين ثلاثين وستين يوماً، يتضمن فتحاً جزئياً للمضيق وتجميداً للتصعيد في لبنان وإطلاقاً محدوداً لبعض الأصول، مع تأجيل الملفات الجوهرية إلى جولات قادمة. تخفيض هذا الاحتمال عن نظيره في التحليلات السابقة مردّه التسليح الصيني الذي يُعقّد موقف الوفد الأمريكي ويُصعّب تسويق الاتفاق أمام الكونغرس.
السيناريو الثاني، وهو السيناريو الأخطر وينص على انهيار المفاوضات وتصعيد محدود. المحرك الأرجح هنا هو استمرار الضربات الإسرائيلية على لبنان مما يُجبر قاليباف على الانسحاب تحت وطأة الضغط الداخلي. ارتفاع هذا الاحتمال عما كان متوقعاً مردّه أن وجود الدفاع الجوي الصيني القادم وعدم الاستقرار السياسي في البيت الأبيض يُشجّع الجانب الإيراني على التصلب.
السيناريو الثالث، والسيناريو الرابع وهما الأقل تحققاً، حيث ينص السيناريو الثالث على احتمال التوصل إلى اتفاق جزئي يقتصر على ملف هرمز مفصولاً عن لبنان والملف النووي. هذا السيناريو مرهون بقبول إيران الفصل بين الملفات وهو ما تتحاشاه رسمياً، لكنه يبقى ممكناً تحت ضغط حاد من أسواق الطاقة ومن الصين الحريصة على استمرار إمداداتها النفطية.
السيناريو الرابع، ويُرجَّح التوصل إلى اتفاق شامل مفاجئ بضمانات صينية اقتصادية. هذا السيناريو يستلزم تدخلاً صينياً مباشراً بصيغة ضمانات قانونية لأموال إيران ومنظومة مراقبة دولية، ومحرّكه الأكثر أرجحية هو شعور بكين بأن الاستمرار في إغلاق هرمز يُكلفها اقتصادياً أكثر مما تجنيه من المكاسب الاستراتيجية. التسليح الصيني هنا يُقلّص هذا الاحتمال لأنه يُقلل الحاجة الصينية لتقديم ضمانات سلام مجانية.
الرابع عشر والخلاصة: ثلاثة شروط وجدار صامت
ما يجري في إسلام آباد ليس مفاوضات ثنائية بين قوتَين في غرفة مغلقة، بل هو تقاطع أربعة مستويات من التوترات المتشابكة تعمل في الوقت ذاته:
- الصراع الأمريكي–الإيراني حول هرمز والنووي والعقوبات،
- الصراع الإسرائيلي الإيراني حول لبنان وحزب الله،
- المنافسة الصينية الأمريكية التي تتخذ من التسليح لغةً استراتيجية،
- التوازنات الباكستانية الدقيقة بين علاقاتها مع الرياض من جهة وطهران من جهة أخرى.
النجاح في هذه المعادلة مشروط بتحقق ثلاثة شروط متزامنة تبدو صعبة التحقق في المدى القريب وهي:
- الشرط الأول أن يُقنع ترامب نتنياهو بوقف الضربات على لبنان، وهو ما يتطلب منه سياسياً أكثر مما يستطيع إعطاءه في هذه اللحظة الداخلية.
- الشرط الثاني أن يُسوِّق قاليباف أي اتفاق لمرشد جديد لا تتضح صلاحياته بعد في بيئة داخلية تحمل وفدها اسم مئة وثمانية وستين طفلاً شهيداً.
- الشرط الثالث أن يُقنع الوفد الأمريكي الكونغرسَ بالصمت على التسليح الصيني مؤقتاً لإنجاح الاتفاق. احتمال تحقق الثلاثة معاً خلال الساعات القادمة ضعيف لكن غير مستحيل.
وفوق كل ذلك يبقى الجدار الصامت: دول مجلس التعاون الخليجي تُشاهد من خلف الزجاج مشهداً يُعيد رسم المنطقة التي تسكنها، مُقيَّدةً بتحالفات أمريكية تُقرِّر دونها، ومواجِهةً بنيةً إقليمية جديدة تُكافئ فيها إيران على سلوك لم تُقدِّم أي ضمانة على تغييره. النظام الإقليمي الذي سيُبنى في إسلام آباد أو في جولاته اللاحقة نظامٌ يحمل في طياته بذور أزمة خليجية قادمة لم تنضج بعد.
المصادر والمراجع
- Wikipedia: Islamabad Talks — 2026 Iran war ceasefire (تحديث 11 أبريل 2026).
- NBC News Live Blog: Islamabad peace talks updates, April 11, 2026.
- Bloomberg News: U.S. intelligence shows China set to supply Iran arms, April 11, 2026.
- TIME Magazine: The U.S. Is Deploying Thousands of Marines to the Middle East, March 24, 2026.
- PolitiFact: Trump’s press conference — fact-checking claims on Iran’s air defenses, April 6, 2026.
- White House Official Release: Operation Epic Fury objectives, April 1, 2026.
- CNBC: Three attack scenarios as U.S. sends more troops, March 26, 2026.
- NPR: Iran delegates arrive in Islamabad, April 10, 2026.
- Defence Security Asia: China arms Iran with HQ-16 air defences, February 28, 2026.
- CBS News: U.S. and Iran agree to 2-week ceasefire, April 7, 2026.
