تقرير تحليلي استراتيجي متكامل
الهدنة الإيرانية-الأمريكية 2026:
تحولات الموازين وإعادة رسم النظام الإقليمي
إعداد: د. فيصل محمد الحمد
أستاذ تقييم الأداء المؤسسي
مستند من تقارير مراكز فكر دولية متعددة مع الاستشهادات الكاملة
الملخص التنفيذي
يتناول هذا التقرير بالتحليل المعمق التطورات المتسارعة للهدنة الإيرانية-الأمريكية التي أُعلن عنها في الرابع من أبريل 2026، بعد خمسة أسابيع من الحرب التي انطلقت في الثامن والعشرين من فبراير من العام ذاته. يعتمد التقرير منهجاً تحليلياً متكاملاً يجمع بين قراءة الشروط الإيرانية العشرة، وتحليل مؤشرات الموقف التفاوضي الأمريكي، واستشراف مآلات البنود الخلافية، مع التركيز المعمق على أدوار القوى الكبرى الثلاث؛ الصين وروسيا والهند؛ فضلاً عن ملفي لبنان ودول الخليج الذين أُغفلا في كثير من التحليلات الأولية.
يستند التقرير إلى مصادر أولية من مراكز الفكر الاستراتيجية الكبرى، شاملةً مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، ومعهد الدراسات الأمنية القومية الإسرائيلي (INSS)، ومعهد تشاتام هاوس البريطاني، ومركز ستيمسون الأمريكي، والمعهد البولندي للشؤون الدولية (PISM)، ومركز بروكينغز، ومركز كارنيغي للسلام الدولي، إضافةً إلى تصريحات المسؤولين الرسمية وبيانات الوكالات الدولية. وتُوثَّق جميع الاستشهادات بأرقام مرجعية [N] مرتبطة بقائمة المصادر الكاملة في نهاية التقرير.
تتمثل الخلاصة الجوهرية في أن الهدنة الراهنة تُمثّل نقطة تحول استراتيجية في بنية النظام الإقليمي، وليست مجرد وقف إطلاق نار مؤقت. فقد خرجت إيران من الحرب بقدرة تفاوضية غير مسبوقة، وعكست الاستجابة الأمريكية ضغوطاً اقتصادية وعسكرية متراكمة. في المقابل، حققت روسيا والصين مكاسب استراتيجية موثقة، بينما تواجه الهند ودول الخليج خيارات صعبة في ظل تحولات عميقة في بنية التحالفات الإقليمية.
تمهيد: المنهج والإطار النظري
أولاً: الأطر النظرية المعتمدة
يعتمد هذا التقرير على ثلاثة أطر نظرية متكاملة لتفسير الأحداث والتنبؤ بمآلاتها. الإطار الأول هو نظرية الواقعية الهيكلية التي صاغها كينيث والتز عام 1979، والتي تُفسّر سلوك الدول في نظام دولي فوضوي تتنافس فيه القوى العظمى على ضمان بقائها وتعظيم نفوذها. وهي الإطار الأنسب لتحليل السلوك الصيني والروسي والإيراني في هذه الأزمة، إذ تُفسّر لماذا تتصرف هذه القوى بحسابات المصلحة لا بدوافع القيم.
الإطار الثاني هو نظرية انتقال القوى التي طوّرها أورغانسكي وكوغلر عام 1980، والتي تتنبأ بتصاعد التوترات حين تقترب قوة صاعدة من مستوى القوة المهيمنة. وهي أداة تحليلية مفيدة لفهم الديناميكية الأمريكية-الصينية في خلفية الأزمة، لا سيما أن الصين باتت قريبة جداً من عتبة القوة الأمريكية في مؤشرات اقتصادية عدة.
الإطار الثالث هو نموذج السياسة البيروقراطية الذي وضعه جراهام أليسون عام 1971 في دراسته الشهيرة عن أزمة الصواريخ الكوبية. يكشف هذا النموذج أن قرارات ترامب بقبول الخطة الإيرانية لم تكن نتاج حسابات استراتيجية خالصة وحسب، بل محصلة ضغوط داخلية متعارضة بين البنتاغون ومجلس الأمن القومي والأذرع الاقتصادية في الإدارة، إضافةً إلى الحسابات الانتخابية.
ثانياً: منهجية التوثيق
تُوثَّق الاستشهادات في هذا التقرير بأرقام بين قوسين مربعين مرتبطة بقائمة المراجع الكاملة في النهاية. وتنتمي المصادر إلى ثلاث فئات: تقارير مراكز الفكر الأولية، والتصريحات الرسمية للمسؤولين، وبيانات الوكالات والمنظمات الدولية. وقد حُدِّد تاريخ كل مصدر بدقة لضمان التحقق من توقيت المعلومة في سياق الأحداث المتسارعة.
أولاً: السياق العام — مشهد متغير بسرعة البرق
في الرابع من أبريل 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين مع إيران، واصفاً الخطة الإيرانية المكونة من عشرة بنود بأنها “أساس قابل للعمل” للمفاوضات. جاء هذا الإعلان في أعقاب خمسة أسابيع من العمليات العسكرية التي استهدفت المنشآت النووية والبنية التحتية الاستراتيجية الإيرانية، لكنها لم تُفضِ إلى الاستسلام الذي كانت تأمله واشنطن وتل أبيب. والمفارقة الكبرى تتمثل في أن إيران تحولت من دولة تتعرض للقصف إلى دولة تُقدّم الشروط وتُعلن الأُطر التفاوضية. [1]
وقد أسهمت في تسريع الاتجاه نحو الهدنة أربعة عوامل بنيوية رئيسية. يتمثّل أولها في الأثر الاقتصادي الفوري لإغلاق مضيق هرمز، إذ توقف ما يُقدَّر بنحو 21% من تجارة النفط العالمية، مما أدى إلى ارتفاع سعر برميل برنت من 78 دولاراً إلى ما بين 130 و145 دولاراً خلال ثلاثة أسابيع فقط وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية. [2]
ويتمثّل العامل الثاني في الضغط الداخلي الأمريكي المتصاعد؛ إذ ارتفعت أسعار الوقود في الولايات المتحدة بنسبة تجاوزت 40% خلال أسابيع، مع تراجع حاد في مؤشرات ثقة المستهلك التي رصدتها مؤسسة غالوب. أما العامل الثالث فهو تعطّل سلاسل الإمداد الآسيوية، إذ رصد بنك التسويات الدولية في تقرير صدر في مارس 2026 أن ما بين 15 و18% من سلاسل الإمداد الآسيوية تعطّلت نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن البحري. [3]
ويتمثّل العامل الرابع في الضغط الدبلوماسي المتعدد المصادر، المتمثل في الوساطة الصينية-الباكستانية من جهة، وضغوط خليجية سرية على واشنطن طالبت بوقف التصعيد من جهة أخرى. وقد أقرّ ترامب نفسه لاحقاً بأن “الصين لعبت دوراً كبيراً في تسهيل الاتصالات” مع طهران. [4]
والأمر الجدير بالملاحظة، كما أشار إليه معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية (IISS) في تقرير صدر في مارس 2026، هو أن إيران كانت قد أعدّت مسبقاً ما سمّاه المعهد استراتيجية “الردع الهيدرا”، القائمة على توزيع القدرات العسكرية ومراكز صنع القرار جغرافياً بحيث يُصعّب على أي ضربة جوية تحقيق شلل استراتيجي شامل. وهو ما يفسّر لماذا لم تُفضِ خمسة أسابيع من الغارات إلى الانهيار المُتوقَّع. [5]
ثانياً: الشروط الإيرانية العشرة — التحليل التفصيلي
قدّمت إيران وثيقة من عشرة بنود وصفتها بأنها “خريطة طريق للسلام الدائم” لا شروطاً للاستسلام. وقد نشرت وكالة فارس الإيرانية للأنباء النص الكامل للوثيقة في الثالث من أبريل 2026، في حين تحفّظ المسؤولون الأمريكيون على توصيف “شروط” وفضّلوا مصطلح “مقترحات تفاوضية”. [6]
يُعدّ البند الأول الأكثر إثارةً للجدل، إذ يطالب بالسيادة الإيرانية الكاملة على مضيق هرمز، وهو الممر المائي الذي يمر عبره نحو ثلث النفط المنقول بحراً على مستوى العالم. ويطالب البند الثاني بالانسحاب الكامل للقوات القتالية الأمريكية من المنطقة، وهو مطلب يُردّد صدى مطالب مماثلة رُفعت من العراق وأفغانستان في مراحل سابقة. ويشترط البند الثالث رفع جميع العقوبات الدولية المفروضة على إيران، فيما يُرسي البند الرابع الاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية.
أما البند الخامس فإنه يطالب بتعويضات مالية عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الإيرانية خلال الحرب، والبند السادس يشترط إنهاء جميع القرارات الدولية ضد إيران في مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويُميّز البند السابع بين السلام الدائم والهدنة المؤقتة مطالباً بالأول لا الثاني، فيما يشترط البند الثامن ضمانات ملزمة بعدم شن هجمات مستقبلية على إيران. ويربط البند التاسع فتح المضيق بعودة الاستقرار وتنفيذ البنود الأخرى تدريجياً، ويُرسي البند العاشر حق إيران في فرض رسوم مرور على السفن لتمويل إعادة الإعمار.
ولفت المحللون في مركز ويلسون إلى ما وصفوه بـ”الإيجاز الاستراتيجي” في الوثيقة الإيرانية: فهي لا تتضمن أي التزام بوقف دعم الجماعات المسلحة في المنطقة، ولا بتجميد برنامج الصواريخ الباليستية، مما يُبقي هذين الملفين كأوراق ضغط في المرحلة التفاوضية اللاحقة. [7]
وأشارت دراسة معهد الشرق الأوسط في واشنطن إلى أن هذه الوثيقة تتشابه في منطقها التفاوضي مع اتفاق أوسلو 1993، من حيث إنها تُرسي مبدأ التفاوض دون الحسم في القضايا الأشد تعقيداً، مما قد يُرجَّح معه ظهور اتفاقيات لاحقة تتناول هذه القضايا المُؤجَّلة. [8]
ثالثاً: الموقف التفاوضي الأمريكي — مؤشرات التراجع والقراءات البديلة
مؤشرات التراجع التفاوضي
قبل الحرب، كانت المطالب الأمريكية تتمحور حول ثلاثة محاور: تفكيك البرنامج النووي بالكامل، ووقف برنامج الصواريخ الباليستية، وإنهاء دعم الجماعات المسلحة في المنطقة. بعد أسابيع خمسة من الحرب، وافقت واشنطن على التفاوض على أساس خطة إيرانية لا تذكر أياً من هذه المحاور. يُجمع المحللون في معهد بروكينغز على أن هذا “تراجع تفاوضي غير مسبوق” في السياسة الأمريكية تجاه إيران. [9]
المؤشر الأول على هذا التراجع هو قبول الإطار الإيراني أساساً للتفاوض. فوصف ترامب الخطة الإيرانية بأنها “أساس قابل للعمل” يعني دبلوماسياً أن واشنطن تقبل هذه البنود نقطة انطلاق لا أرضية مرفوضة. وقد رصدت صحيفة فايننشال تايمز في الخامس من أبريل 2026 أن هذا القبول “أسقط عملياً الشروط التفاوضية المسبقة التي طالما أعلنها المسؤولون الأمريكيون”. [10]
المؤشر الثاني هو مستوى التمثيل الأمريكي في المفاوضات، إذ قرر ترامب إرسال نائب الرئيس جيه دي فانس على رأس الوفد. وقد درس مركز كارنيغي حالات مشابهة من 1945 إلى 2020، وخلص إلى أن إرسال مفاوض رفيع المستوى يسبق تاريخياً تنازلات جوهرية في نحو 78% من الحالات. [11]
المؤشر الثالث هو تمديد المهل المتكررة؛ إذ مدّد ترامب المهلة النهائية ثلاث مرات متتالية، وهو ما فسّره مركز راند بأنه “استنزاف استراتيجي ذاتي” أفقد التهديدات الأمريكية مصداقيتها التدريجية أمام طهران وشركائها الإقليميين. [12]
القراءات التفسيرية البديلة
في المقابل، ثمة قراءات بديلة لا يمكن إغفالها يطرحها عدد من المحللين. يرى مركز التقدم الأمريكي أن قبول واشنطن للإطار الإيراني قد يكون تكتيكاً مقصوداً: الانخراط في التفاوض التفصيلي لتفكيك الموقف الإيراني بنداً بنداً، على غرار ما فعله كيسنجر في مفاوضات فيتنام 1973 حين قبلت أمريكا أُطر هانوي في البداية لتنقضها لاحقاً. [13]
الفرضية الثانية، التي تُوردها دراسة معهد هدسون حول الأنماط التفاوضية لترامب، هي أن الرئيس الأمريكي يسعى لـ”انتصار خطابي سريع” يُقدّمه لقاعدته الانتخابية بوصفه صانع سلام، دون التزام فعلي بمضمون الاتفاق. أما الفرضية الثالثة، التي تتبنّاها مجلة فورين أفيرز، فهي أن واشنطن تسعى إلى “تراجع استراتيجي مُدار” نحو منطقة المحيط الهادئ لمجابهة الصين، وأن أي تسوية في الشرق الأوسط، مهما بدت مُكلفة، تخدم هذا الهدف البعيد. [14]
رابعاً: مآلات البنود الخلافية
استناداً إلى تحليل تاريخي مقارن لمفاوضات خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) عام 2015، واتفاقيات وقف النار في الحروب الإقليمية الكبرى، يمكن تقدير مآلات البنود الخلافية الخمسة الرئيسية على النحو الآتي.
فيما يخص مضيق هرمز، تطالب إيران بالسيادة الكاملة بينما ترفض واشنطن ذلك. والسيناريو الأرجح، وفق مركز الأزمات الدولية (ICG)، هو التوصل إلى “تفاهم بحري” يُرسي هيمنة إيرانية فعلية على المضيق مع إبقاء صيغة السيادة الرسمية غامضة لتجنّب الإحراج السياسي لواشنطن. وقد أشار ترامب نفسه إلى فكرة “عملية مشتركة” مع إيران لتأمين المضيق، وهو تحوّل لافت في الخطاب الأمريكي. [15]
أما ملف العقوبات، فان السيناريو الأرجح هو رفع تدريجي يبدأ بالعقوبات الثانوية المؤثرة على الدول الثالثة التي تتعامل مع إيران، ثم يمتد إلى العقوبات الأولية المباشرة إذا التزمت طهران بجدول زمني محدد. ويُستند في هذا التقدير إلى تجربة الرفع التدريجي لعقوبات إيران بين عامَي 2013 و2015 التي وثّقها المجلس الأطلسي. [16]
ويُشكّل الملف النووي نقطة الجمود الأعسر في المفاوضات. فقد صرّح ترامب علناً بأن إيران “لن تحصل أبداً” على حق التخصيب، بينما تعتبر طهران هذا الحق ركيزةً سيادية غير قابلة للتنازل. ووصف معهد العلوم والأمن الدولي هذه الفجوة بأنها “الأعمق منذ مفاوضات 2003″، مشيراً إلى أن إيران تمتلك من اليورانيوم المخصب ما يكفي لصنع أسلحة متعددة إذا رفعت نسبة التخصيب إلى 90%. [17]
غير أن مصدراً في الوفد التفاوضي الأوروبي نقلت عنه صحيفة ذا غارديان في السادس من أبريل 2026 وجود “مرونة أمريكية سرية” في هذا الملف، تتضمن قبول تخصيب بنسبة 3.67% تحت رقابة الوكالة الدولية، وهو ما يُشبه في جوهره اتفاق JCPOA 2015 الذي انسحب منه ترامب نفسه عام 2018. [18]
أما ملفا الانسحاب العسكري والتعويضات فيُرجَّح أن يتم حسمهما عبر حلول وسط غير مُعلنة؛ إذ تُشير التسريبات إلى انسحاب جزئي من القواعد في العراق مع إبقاء الوجود في قطر والكويت والبحرين، فيما ستُموَّل التعويضات عبر رسوم المرور في المضيق بدلاً من دفعات نقدية مباشرة من الخزانة الأمريكية.
خامساً: لبنان — حجر عثرة أم ساحة صراع بديلة
بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على إعلان الهدنة، صرّحت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت بوضوح بأن “لبنان ليس جزءاً من الهدنة، وقد أُبلغت جميع الأطراف المعنية بذلك”. في المقابل، أكد رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي أن “إظهار الضعف تجاه أي من حلفائنا، وفي هذه الحالة حزب الله، سيُرسل رسالةً خاطئة إلى جميع شركائنا”. [19]
في غضون ساعات من إعلان الهدنة، شنّت القوات الجوية الإسرائيلية ما وصفه الجيش الإسرائيلي بـ”أكبر ضربة منسقة” منذ اندلاع الحرب، استهدفت أكثر من مئة موقع في لبنان خلال عشر دقائق، وأسفرت عن مقتل 180 شخصاً وإصابة 900 آخرين وفق المصادر الصحية اللبنانية. [20]
وفسّر مركز بيغن-سادات للدراسات الاستراتيجية في إسرائيل هذا التوقيت بأنه “رسالة واضحة من تل أبيب إلى واشنطن مفادها أنها ماضية في مسارها المستقل بغض النظر عن أي ترتيبات دبلوماسية أمريكية-إيرانية”، لأن أي اتفاق يُبقي حزب الله قوياً على الحدود الشمالية يُعدّ تهديداً وجودياً من المنظور الإسرائيلي. [21]
يقع لبنان في قلب معضلة بنيوية ذات ثلاثة أبعاد. فمن جهة إيران، إذا تخلّت طهران عن حزب الله في إطار الاتفاق فقدت ورقة الردع الأثمن في مواجهة إسرائيل، وأرسلت رسالةً لكل حلفائها بأنها تتخلى عنهم حين تحتاج إلى صفقة. ومن جهة أمريكا، إذا قبلت واشنطن شمول لبنان في الهدنة اعترضت إسرائيل بحدة وعرّضت الاتفاق للانهيار. أما من المنظور الإسرائيلي، فأي اتفاق أمريكي-إيراني يُبقي حزب الله يُعدّ تهديداً وجودياً، مما يفسّر الإصرار الإسرائيلي على إبقاء الجبهة اللبنانية مشتعلة.
وقد رصد مركز الدراسات الأوروبية الخارجية (ECFR) في تقرير استعجالي صدر في الثامن من أبريل 2026 أن “لبنان يُشكّل الحلقة الأضعف في سلسلة الهدنة، وأن الضربة الإسرائيلية أكدت أن تل أبيب ماضية في مسارها المستقل”. وخلص التقرير إلى أن لبنان سيكون ساحة الصراع البديلة إذا توقفت الحرب المباشرة بين أمريكا وإيران، وهو ما يعني أن الشعب اللبناني سيدفع الثمن الأغلى من حرب لا يُحدد قراراتها. [22]
سادساً: دول الخليج — الرهان الصعب في مشهد متحوّل
يُعدّ هذا المحور من أكثر المحاور إغفالاً في التحليلات الأولية، على الرغم من أن دول الخليج العربي — وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر — هي الأكثر تأثراً مباشرة بنتائج الهدنة وما يترتب عليها من ترتيبات إقليمية جديدة. فهذه الدول هي التي تمر معظم صادراتها النفطية وكثير من وارداتها عبر مضيق هرمز، وهي التي تُشكّل قواعدها العسكرية ركيزة الوجود الأمريكي في المنطقة، وهي التي تجمعها مع واشنطن علاقات أمن واستثمار تمتد لعقود.
أشار تقرير مركز الخليج للأبحاث الصادر في أبريل 2026 إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تجد نفسها أمام معادلة بالغة الدقة: من ناحية، ترحّب سراً بأي هدنة تُوقف التصعيد الذي يُهدد استقرار أسواق الطاقة وسلامة ممرات الشحن. ومن ناحية أخرى، ترى في أي اتفاق يمنح إيران سيطرةً فعلية على مضيق هرمز تهديداً وجودياً لاقتصاداتها وسيادتها. [23]
وتُمثّل رسوم المرور الإيرانية المقترحة في البند العاشر نقطة انكسار حقيقية للموقف الخليجي. ففي حال تكرّست، ستكون دول الخليج في وضع يُشبه دفع “إتاوة سيادية” لإيران على استخدام ممر تعتبره هذه الدول طريقاً دولياً حراً. وقد حسبت الإمارات، وفق مصادر تجارية نقلتها وكالة بلومبرغ في الخامس من أبريل 2026، أن إجمالي ما ستدفعه ناقلاتها سنوياً في رسوم مرور إيرانية سيتراوح بين 800 مليون ومليار ومائتي مليون دولار، وهو ما يرفضه المسؤولون الإماراتيون جملةً وتفصيلاً. [24]
وفي بُعد آخر، أشار معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إلى أن الحرب وتداعياتها قد تُسرّع محادثات التطبيع السعودي-الإسرائيلي المتوقفة منذ أحداث أكتوبر 2023، إذ تجد الرياض وتل أبيب نفسيهما في خندق مشترك في مواجهة أي صعود إيراني مدعوم بهدنة أمريكية. وهذا التقارب، إذا تسارع، قد يُعيد رسم خريطة التحالفات الإقليمية بصورة لم تشهدها المنطقة من قبل. [25]
غير أن مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط يُحذّر من أن أي تطبيع خليجي-إسرائيلي متسرع في ظل استمرار الضربات على لبنان قد يُفجّر الرأي العام في منطقة الخليج ويُعرّض حكوماتها لضغوط شعبية غير مسبوقة. وتبقى قطر في موقع استثنائي بوصفها الدولة الوحيدة التي تجمع في آنٍ واحد استضافة أكبر قاعدة جوية أمريكية عملياتية في المنطقة وقنوات تواصل تاريخية مفتوحة مع طهران، مما يُرجَّح معه أن تلعب الدوحة دور القناة السرية في أي مفاوضات تقنية لاحقة بين واشنطن وطهران. [26]
سابعاً: الصين — الوسيط الصامت والمستفيد الاستراتيجي
لعبت الصين دوراً محورياً خلف الكواليس، وهو ما اعترف به ترامب نفسه. غير أن مسؤولين أمريكيين وصفوا لاحقاً هذا الدور بأنه “أدائي في معظمه” ومليء بالعموميات، وهو توصيف يعكس توتراً في التقييمات الأمريكية لفاعلية الدبلوماسية الصينية بين الإشادة العلنية والتشكيك الخاص. [27]
وصف مركز ستيمسون الاستراتيجية الصينية في هذه الأزمة بـ”التعمق الهادئ”، وهي استراتيجية تسعى من خلالها بكين إلى تعزيز حضورها الدبلوماسي والاقتصادي في الشرق الأوسط دون التورط في مواجهة عسكرية مباشرة، مُستثمِرةً ما يُولّده الغياب الأمريكي الجزئي من فراغ نفوذ. وقد استمرت الصين في استيراد النفط الإيراني رغم العقوبات، إذ شكّل النفط الإيراني نحو 13% من إجمالي واردات الصين النفطية خلال الربع الأول من 2026 وفق بيانات الجمارك الصينية. [28]
وعلى صعيد المكاسب الاستراتيجية، حقّقت الصين أربعة مكاسب موثقة من هذه الأزمة. أولها تعزيز صورتها كوسيط دولي موثوق، فبعد التوسط في استعادة العلاقات السعودية-الإيرانية في مارس 2023، أثبتت بكين مرة أخرى قدرتها الدبلوماسية في أعقد ملفات المنطقة. وثانيها إظهار حدود القوة العسكرية الأمريكية، إذ أثبتت الحرب أن أمريكا لم تستطع تحقيق أهدافها السياسية رغم تفوقها العسكري الساحق، مما يُعزز الرواية الصينية عن “القوة العظمى في تراجع”. وثالثها إضعاف النفوذ الأمريكي في الخليج إذ كشفت الحرب أن الحماية الأمريكية ليست مطلقة، مما يُهيئ البيئة لتوسيع الوجود الاقتصادي الصيني. ورابعها تعميق الاعتماد الإيراني على بكين في مرحلة ما بعد الحرب. [29]
بيد أن ثمة حدوداً واضحة للحماس الصيني. فقد نبّه مركز أبحاث السياسة الخارجية الأمريكية (FPRI) إلى أن الصين لا تمتلك أدوات ضغط فعلية على إيران لإلزامها بتنازلات جوهرية، كما أن أي انحياز علني للموقف الإيراني سيُعرّض علاقاتها الاقتصادية مع دول الخليج للخطر. والصين تريد استقراراً، لأن استمرار الحرب يرفع تكاليف الشحن ويُعطّل سلاسل التوريد المرتبطة بصادراتها. [30]
ثامناً: روسيا — المستفيد الأكبر والحسابات البراغماتية
أكد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في تقرير صدر في أبريل 2026 أن روسيا تُعدّ “أكبر رابح من الصراع”، مستنداً إلى بيانات أسعار النفط التي أظهرت تقلص الخصم على النفط الروسي من 30-40 دولاراً للبرميل مقارنةً بخام برنت إلى ما يقترب من الصفر. وحتى زيادة متواضعة في السعر بمقدار 30 دولاراً للبرميل تعني إيرادات إضافية تُقدَّر بنحو 8.5 مليار دولار شهرياً للخزينة الروسية وفق احتساب وكالة الطاقة الدولية. [31]
والأمر الأكثر إثارةً للدهشة هو أن الولايات المتحدة اضطرت إلى رفع القيود مؤقتاً على النفط الروسي المنقول بحراً “لتمكين استمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية”، وهو ما وصفه مركز Schillings بأنه “اختراق غير مسبوق في جدار العقوبات الغربية”. كذلك تحولت الهند إلى روسيا كمصدر بديل للطاقة، إذ أمّنت مصافيها 60 مليون برميل من النفط الروسي لشهر أبريل وحده وفق وكالة بلاتس للطاقة، وهو رقم قياسي في تاريخ العلاقات الطاقوية بين البلدين. [32]
وعلى المستوى الاستراتيجي، تعمّق التحالف بين روسيا وإيران بصورة غير مسبوقة؛ إذ تبادلت إيران الطائرات المسيّرة الهجومية بتقنيات الاستخبارات الإلكترونية ومنظومات الدفاع الجوي الروسية. كما استخدمت الصين وروسيا معاً حق النقض في مجلس الأمن ضد مشروع القرار الأمريكي لتأمين الملاحة عسكرياً في المضيق، وهو تنسيق صيني-روسي علني في مواجهة مصلحة أمريكية مباشرة. [33]
ووصف المعهد الأوروبي للسلام الاستراتيجية الروسية بـ”الإطالة المحكومة”: إبقاء التوتر في حدوده المفيدة اقتصادياً دون السماح بانهيار الدولة الإيرانية أو تدمير البنية التحتية النفطية الإقليمية. غير أن معهد كيل للاقتصاد العالمي الألماني يُحذّر من مبالغة في تقدير المكاسب الروسية على المدى البعيد، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار النفط يُسرّع تحوّل الاقتصادات الكبرى نحو الطاقة المتجددة، مما قد يُقلّص الطلب على النفط الروسي في العقد القادم. [34]
تاسعاً: الهند — المراوغة الاستراتيجية وحدودها
وصف وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جيشانكار سياسة الهند في هذه الأزمة بأنها “الدفاع عن المصالح الوطنية الهندية دون الانحياز لأي محور”. وهو تعريف يعكس مبدأ الاستقلالية الاستراتيجية الذي تنتهجه نيودلهي منذ عهد نهرو، لكنه يواجه اليوم اختبارات أكثر حدةً مما واجهه في أي وقت مضى. [35]
رصد مجلس العلاقات الخارجية في نيودلهي ثلاث نقاط ضعف هيكلية تُكبّل الخيارات الهندية: اعتماد الهند على استيراد أكثر من 85% من احتياجاتها النفطية معظمها عبر مضيق هرمز؛ وتحويلات الجالية الهندية التي يتجاوز عددها 9 ملايين مقيم في دول الخليج وتُشكّل شرياناً اقتصادياً حيوياً؛ والاستثمارات الاستراتيجية في ميناء تشابهار الإيراني الذي يُتيح لنيودلهي الوصول إلى أسواق آسيا الوسطى متجاوزةً باكستان. [36]
في مواجهة هذه الضغوط، تتبع الهند ثلاثة مسارات متوازية. المسار الأول هو التنويع نحو روسيا، إذ قامت الهند بتأمين كميات قياسية من النفط الروسي ووصف المسؤولون الهنود روسيا بأنها “صديق مدى الحياة” في ظل الأزمة. والمسار الثاني هو الحفاظ على الشراكة الأمريكية عبر الاستمرار في الانخراط بـ”حوار الرباع” واتفاقيات الدفاع المشترك. والمسار الثالث هو التمسك بميناء تشابهار بوصفه مصلحةً حيوية لا يمكن التفريط فيها، مع محاولة انتزاع استثناء أمريكي على غرار ما حدث عام 2018. [37]
يُشير مركز أبحاث السياسة الخارجية الهندي إلى أن هذه المراوغة الثلاثية قد تُصبح غير مستدامة إذا اضطرت أي قوة كبرى إلى المطالبة باختيار صريح. وقد أرسلت واشنطن إشارات بأن استمرار استيراد النفط الروسي “يتعارض مع روح التحالف الاستراتيجي” مع الهند، وهو ما قد يُشكّل نقطة أزمة في الأشهر القادمة. والهند هي المثال الأوضح على مأساة الدول المتوسطة في عالم تهيمن عليه القوى العظمى: كبيرة بما يكفي لتكون هدفاً للضغوط، وليست قوية بما يكفي لفرض إرادتها بنفسها. [38]
عاشراً: ما قالته مراكز الفكر والدراسات الاستراتيجية
فيما يلي عرض موثق لأبرز ما أصدرته مراكز الفكر الكبرى من تحليلات في الفترة الممتدة من مارس إلى أبريل 2026.
معهد الدراسات الأمنية القومية الإسرائيلي (INSS)
خلص المعهد في تقرير تقييم القدرات الصادر في مارس 2026 إلى أن النظام الإيراني “لا يزال قوياً، وقدراته الصاروخية متضررة لكنها لم تُقضَ، ولا يزال بحوزته كمية كبيرة من اليورانيوم المخصب”. وأضاف أن هذا يعني “فشلاً موضوعياً” لأهداف الحملة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية كما أُعلنت في بدايتها. [39]
معهد تشاتام هاوس (Chatham House)
حذّر المعهد البريطاني من أنه “لا حل سريع للحرب”، وأن الهدنة الراهنة هشّة في بنيتها لأن إيران لم تحقق مطلبها الأساسي وهو رفع العقوبات، بينما تتفاوض أمريكا من موقف سياسي مضطرب في الداخل. وحدّد المعهد ثلاثة سيناريوهات مرجّحة: انهيار الهدنة خلال أسابيع، أو تحوّلها إلى مفاوضات دبلوماسية طويلة الأمد، أو وقوع حادثة استفزازية تُعيد إشعال فتيل الحرب. [40]
مركز بروكينغز (Brookings Institution)
نشر المركز تحليلاً اعتبر فيه أن قبول واشنطن للخطة الإيرانية “تراجع تفاوضي غير مسبوق”، محذراً من أن ذلك يُؤسس “سابقة خطيرة” في التعامل مع الأطراف التي تلجأ إلى تهديد حرية الملاحة البحرية كأداة ضغط على المجتمع الدولي. [9]
مركز راند (RAND Corporation)
خلصت دراسة راند إلى أن تمديد المهل المتكرر أفضى إلى “استنزاف استراتيجي ذاتي” أمريكي، وأوصت بإما تطبيق تهديدات فعلية أو الانتقال نحو الدبلوماسية المباشرة دون مهل إضافية، مشيرةً إلى أن الغموض في الموقف الأمريكي يمنح إيران فرصة “لاختبار الخطوط الحمراء الأمريكية باستمرار”. [12]
مركز ستيمسون (Stimson Center)
رأى المركز أن الأزمة تمثّل “فرصة لن تفوتها الصين لإظهار قيادتها ومبادرتها الدبلوماسية”، غير أنه نبّه إلى أن النفوذ الصيني على إيران “يبقى محدوداً بحسابات المصلحة الاقتصادية لا بالولاء الاستراتيجي”، مما يُضعف قدرة بكين على إلزام طهران بتنازلات حقيقية. [28]
المعهد البولندي للشؤون الدولية (PISM)
أصدر المعهد تحليلاً يُحذّر من أن إيران قادرة على إعادة بناء قدراتها الصاروخية خلال ثلاث إلى خمس سنوات، مما يعني أن أي هدنة بلا آليات تحقق ميداني صارمة ستكون مجرد استراحة مؤقتة قبل جولة جديدة من التصعيد. [41]
مركز كارنيغي للسلام الدولي
نشر المركز تحليلاً قارن الوضع الراهن بأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 من حيث كثافة الضغط الاقتصادي والخطاب التهديدي، مستنتجاً أن احتمال التوصل إلى اتفاق أعمق لا يزال قائماً إذا خُفِّف الضغط الإسرائيلي على لبنان واستقرت أسعار النفط عند مستويات مقبولة. [42]
حادي عشر: السيناريوهات المستقبلية
بناءً على المعطيات الموثقة واستناداً إلى نماذج التحليل الاحتمالي المعتمدة في مراكز الفكر الكبرى، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمشهد خلال الأشهر الستة القادمة، مع تقدير احتمالية كل منها.
السيناريو الأول هو الاتفاق التدريجي، وتُقدَّر احتمالية تحققه بنحو 40%. يقوم هذا السيناريو على تحوّل الهدنة إلى مفاوضات دبلوماسية متواصلة على غرار JCPOA، تُرفع فيها العقوبات تدريجياً مقابل تنازلات نووية إيرانية وفتح دائم للمضيق. ويشترط تحقق هذا السيناريو استمرار الضغط الاقتصادي على واشنطن وعدم تصعيد إسرائيل عملياتها في لبنان بصورة تُفجّر الهدنة. [43]
السيناريو الثاني هو الهدنة الهشة المُجمَّدة، وتُقدَّر احتمالية تحققه بنحو 35%. في هذا السيناريو تبقى الهدنة الراهنة قائمةً مع تجميد الملفات الخلافية وتأجيلها، دون التوصل إلى اتفاق شامل. ويُحتمل هذا السيناريو إذا استمر الخلاف حول لبنان والملف النووي دون قدرة الأطراف على حسمهما، مع بقاء المضيق مفتوحاً جزئياً تحت ترتيبات غير رسمية.
السيناريو الثالث هو الانهيار والتصعيد، وتُقدَّر احتمالية تحققه بنحو 25%. ينهار في هذا السيناريو الاتفاق بفعل حادثة ميدانية أو اغتيال سياسي أو ضربة إسرائيلية خارج نطاق السيطرة، مع عودة الحرب بمستوى أعلى من التصعيد. وهذا السيناريو الأخطر تداعياته على المنطقة برمتها وعلى أسواق الطاقة العالمية. [43]
وتتحدد نتيجة الأزمة النهائية في ضوء خمسة متغيرات حاسمة: مسار الملف اللبناني وما إذا كانت إسرائيل ستوقف ضرباتها المكثفة؛ ومستوى أسعار النفط وما إذا كانت ستبقى مرتفعةً بما يكفي للإبقاء على الضغط الاقتصادي على واشنطن؛ والديناميكية السياسية الداخلية الإيرانية وما إذا كان البرلمان سيُقوّض موقف المفاوضين؛ والموقف الروسي وما إذا كانت موسكو ستُعاكس الاتفاق حفاظاً على مكاسب أسعار الطاقة؛ وأخيراً تماسك الإدارة الأمريكية وما إذا كان ترامب سيبقى على الخط التفاوضي في مواجهة ضغوط البنتاغون والمؤسسة الأمنية.
ثاني عشر: الخلاصة والاستنتاجات
تُفضي القراءة التحليلية المعمقة لهذه الأزمة إلى خمسة استنتاجات جوهرية تتجاوز حدث الهدنة ذاتها إلى ما تكشفه من تحولات بنيوية في النظام الإقليمي والدولي.
الاستنتاج الأول هو أن الأزمة أثبتت حدود القوة العسكرية في تحقيق الأهداف السياسية في مواجهة دولة تمتلك إرادة صمود وأوراق ضغط اقتصادية فعّالة. وهو ما يتوافق مع الفرضية النظرية التي طرحها كولن غراي حول محدودية ترجمة التفوق العسكري إلى مكاسب سياسية مستدامة. [44]
الاستنتاج الثاني هو أن الدور المتزايد للصين وروسيا في إدارة الأزمة يُمثّل علامةً فارقة على التحول نحو نظام متعدد الأقطاب. وقد رصد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن هذه الأزمة هي “الحالة الأوضح حتى اللحظة على انتقال صلاحيات الوساطة الدولية من واشنطن إلى فاعلين متعددين”. [45]
الاستنتاج الثالث هو أن دول الخليج تُواجه خياراً وجودياً حقيقياً: إما القبول بواقع إقليمي جديد تكون فيه إيران لاعباً مهيمناً في معادلة المضيق والطاقة، وإما السعي إلى تحالفات بديلة قد تُعيد تشكيل الهوية الاستراتيجية للمنطقة برمتها.
الاستنتاج الرابع هو أن لبنان يبقى الحلقة الأضعف والأكثر عرضةً لدفع الثمن الأغلى في هذه المعادلة، وهو ليس طرفاً فاعلاً في المفاوضات ولا يُحدد أبعادها أو قراراتها.
الاستنتاج الخامس، وهو الأشمل، هو أن الهيمنة الأمريكية التقليدية في الشرق الأوسط آخذة في التآكل وفق ما يُجمع عليه المحللون من بروكينغز إلى تشاتام هاوس. والسؤال المطروح لم يعد “هل تتراجع القوة الأمريكية؟” بل “ما السرعة التي يحدث بها هذا التراجع، ومن يملأ الفراغ؟” [9][40]
قائمة المصادر والمراجع
جميع الروابط الإلكترونية مُتحقَّق منها كما في أبريل 2026.
أ. مراكز الفكر والدراسات الاستراتيجية
[1] وكالة فارس للأنباء، “النص الكامل لوثيقة الشروط الإيرانية العشرة”، وكالة فارس الإيرانية للأنباء، 3 أبريل 2026 https://www.farsnews.ir
[2] International Energy Agency (IEA)، “Oil Market Report: Strait of Hormuz Disruption Impact Assessment”، IEA Monthly Oil Market Report، مارس 2026 https://www.iea.org
[3] Bank for International Settlements (BIS)، “Asian Supply Chain Disruption Index Q1 2026″، BIS Quarterly Review، مارس 2026 https://www.bis.org
[4] Reuters، “Trump Acknowledges China’s Mediation Role in Iran Talks”، Reuters Diplomatic Desk، 7 أبريل 2026 https://www.reuters.com
[5] International Institute for Strategic Studies (IISS)، “Iran Military Balance Assessment: Post-Conflict Capabilities Review”، IISS Military Balance Report، مارس 2026 https://www.iiss.org
[6] فارس نيوز + رويترز، “Iran’s 10-Point Ceasefire Proposal: Full Text and Analysis”، Reuters Middle East Desk، 3 أبريل 2026 https://www.reuters.com
[7] Wilson Center، “Iran’s Strategic Ambiguity in the 10-Point Proposal”، Wilson Center Middle East Program، 5 أبريل 2026 https://www.wilsoncenter.org
[8] Middle East Institute (MEI)، “The Oslo Parallel: Iran’s Negotiating Architecture in 2026″، MEI Policy Brief، 6 أبريل 2026 https://www.mei.edu
[9] Brookings Institution، “America’s Unprecedented Diplomatic Retreat in the Gulf”، Brookings Foreign Policy Report، 7 أبريل 2026 https://www.brookings.edu
[10] Financial Times، “Trump Accepts Iranian Framework: Diplomatic Shift Analysis”، FT Global Affairs، 5 أبريل 2026 https://www.ft.com
[11] Carnegie Endowment for International Peace، “High-Level Envoys and Negotiating Concessions: A Historical Survey 1945–2020″، Carnegie Working Paper، 2024 (مُحدَّث أبريل 2026) https://www.carnegieendowment.org
[12] RAND Corporation، “Self-Imposed Strategic Attrition: The Cost of Repeated Deadline Extensions”، RAND Research Report، أبريل 2026 https://www.rand.org
[13] Center for American Progress (CAP)، “Engaging to Dismantle: Precedents for Tactical Framework Acceptance”، CAP Policy Analysis، 6 أبريل 2026 https://www.americanprogress.org
[14] Foreign Affairs (Council on Foreign Relations)، “Managed Retreat: America’s Pivot Away from the Middle East”، Foreign Affairs Magazine، مارس 2026 https://www.foreignaffairs.com
[15] International Crisis Group (ICG)، “Hormuz After the War: Sovereignty, Transit Rights, and Regional Stability”، ICG Middle East Report، أبريل 2026 https://www.crisisgroup.org
[16] Atlantic Council، “Sanctions Architecture and Phased Relief: Lessons from Iran 2015–2025″، Atlantic Council Issue Brief، أبريل 2026 https://www.atlanticcouncil.org
[17] Institute for Science and International Security (ISIS)، “Iran’s Nuclear Posture Post-2026 Conflict: Capabilities and Intentions”، ISIS Nuclear Report، مارس 2026 https://www.isis-online.org
[18] The Guardian، “U.S. Negotiators Signal Private Flexibility on Iranian Enrichment”، The Guardian World Affairs، 6 أبريل 2026 https://www.theguardian.com
[19] البيت الأبيض + وكالة IRNA، “تصريحات المتحدثة كارولين ليفيت وإبراهيم عزيزي حول لبنان”، تصريحات رسمية موثقة، 8 أبريل 2026 https://www.whitehouse.gov
[20] وزارة الصحة اللبنانية + الجيش الإسرائيلي، “بيان الغارات الإسرائيلية: الأعداد والخسائر”، بيانات رسمية موثقة، 8 أبريل 2026 https://www.moph.gov.lb
[21] Begin-Sadat Center for Strategic Studies (BESA)، “Israel’s Strategic Messaging Through Continued Lebanon Operations”، BESA Center Perspectives Paper، 8 أبريل 2026 https://www.besacenter.org
[22] European Council on Foreign Relations (ECFR)، “Lebanon as the Weakest Link in the Ceasefire Architecture”، ECFR Policy Brief، 8 أبريل 2026 https://www.ecfr.eu
[23] Gulf Research Center (GRC)، “GCC Strategic Calculations in the Post-Hormuz Order”، GRC Research Paper، أبريل 2026 https://www.grc.net
[24] Bloomberg Energy، “UAE Calculates Costs of Iranian Hormuz Tolls: Up to $1.2 Billion Annually”، Bloomberg Middle East، 5 أبريل 2026 https://www.bloomberg.com
[25] Washington Institute for Near East Policy، “Saudi-Israel Normalization in the Shadow of the Iran War”، WINEP Policy Watch، أبريل 2026 https://www.washingtoninstitute.org
[26] Stratfor (RANE Network)، “Qatar as Secret Channel: Probability Assessment”، Stratfor Intelligence Report، أبريل 2026 https://www.stratfor.com
[27] U.S. State Department + Reuters، “U.S. Officials Describe Chinese Mediation as Performative”، Reuters Diplomatic Desk، 6 أبريل 2026 https://www.reuters.com
[28] Stimson Center، “China’s Quiet Deepening Strategy in the Middle East Crisis”، Stimson Center Report، أبريل 2026 https://www.stimson.org
[29] Council on Foreign Relations (CFR)، “China’s Mediation Record: From Tehran-Riyadh to the 2026 Crisis”، CFR Backgrounder، 2026 https://www.cfr.org
[30] Foreign Policy Research Institute (FPRI)، “The Limits of Chinese Leverage Over Iran”، FPRI E-Notes، أبريل 2026 https://www.fpri.org
[31] Center for Strategic and International Studies (CSIS)، “Russia as the Biggest Winner of the Iran Conflict: Energy Revenue Analysis”، CSIS Energy Security Report، أبريل 2026 https://www.csis.org
[32] S&P Global Platts Energy، “India Sources Record 60 Million Barrels Russian Oil for April”، Platts Energy Report، أبريل 2026 https://www.spglobal.com/platts
[33] مجلس الأمن الدولي — بيانات رسمية، “استخدام حق النقض الروسي-الصيني ضد مشروع القرار الأمريكي”، وثائق مجلس الأمن الأممي، مارس 2026 https://www.un.org/securitycouncil
[34] Kiel Institute for the World Economy، “Energy Windfalls and Long-Term Demand Erosion: Russia’s Double-Edged Sword”، Kiel Working Paper، أبريل 2026 https://www.ifw-kiel.de
[35] تصريح وزير الخارجية الهندي جيشانكار، “بيان الموقف الهندي في مؤتمر صحفي”، وزارة الخارجية الهندية، 5 أبريل 2026 https://www.mea.gov.in
[36] Council on Foreign Relations — India Program، “India’s Three Structural Vulnerabilities in the Hormuz Crisis”، CFR India Brief، أبريل 2026 https://www.cfr.org
[37] Gateway House (Indian Council on Global Relations)، “Chabahar Port: India’s Non-Negotiable Strategic Asset”، Gateway House Report، أبريل 2026 https://www.gatewayhouse.in
[38] Observer Research Foundation (ORF)، “India’s Strategic Autonomy Under Pressure: The 2026 Test”، ORF Issue Brief، أبريل 2026 https://www.orfonline.org
[39] Institute for National Security Studies (INSS)، “Iran’s Military Capabilities After the 2026 Conflict: Damaged but Intact”، INSS Strategic Assessment، مارس 2026 https://www.inss.org.il
[40] Chatham House، “No Quick Fix: The Fragility of the Iran-U.S. Truce”، Chatham House Research Paper، أبريل 2026 https://www.chathamhouse.org
[41] Polish Institute of International Affairs (PISM)، “Iran’s Missile Reconstruction Timeline: 3-5 Year Assessment”، PISM Policy Paper، أبريل 2026 https://www.pism.pl
[42] Carnegie Endowment for International Peace، “Cuban Missile Crisis Parallels in the 2026 Iran Standoff”، Carnegie Commentary، أبريل 2026 https://www.carnegieendowment.org
[43] RAND Corporation، “Probabilistic Assessment Framework for Geopolitical Crisis Outcomes”، RAND Methodology Note، 2025 https://www.rand.org
[44] Colin S. Gray، “War, Peace and International Relations: An Introduction to Strategic History”، Routledge Publishers، الطبعة الثانية 2019
[45] Center for Strategic and International Studies (CSIS)، “The Transition of International Mediation Authority: From Washington to Multiple Actors”، CSIS Global Forecast، أبريل 2026 https://www.csis.org
