مقالات رأي

تصريحات الريسوني: التناقض بين دعوة الأمة والدعوة القطرية

تصريحات الريسوني: التناقض بين دعوة الأمة والدعوة القطرية

د. عبد الحق دحمان

مركز المجدد للبحوث والدراسات

 

توالت في الأيام الأخيرة العديد من ردود الأفعال على تصريحات رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين المغربي أحمد الريسوني بسبب ما قاله عن قضية الصحراء الغربية، وكذلك منطقة تندوف الجزائرية وموريتانيا، إذ صرح بأن وجود موريتانيا كان خاطئ في الأساس إلى جانب قضية الصحراء الغربية، مؤكداً في الوقت نفسه على ضرورة عودة المغرب إلى سابق عهده قبل الغزو الأوروبي، كما قال بأن العلماء والدعاة في المغرب مستعدون للجهاد بالمال والنفيس والزحف بالملايين إلى تندوف الجزائرية، وبذلك فلقد فتح باباً كبيراً من الانتقادات وردود الأفعال حول هذه التصريحات، خاصة وأنها تصدر من شخص رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين التي يفترض أن تعمل على ربط أواصر الأخوة بين الشعوب الإسلامية، وتتجنب الدخول في مثل هكذا أمور لما لها من أضرار، ولما تفتحه أيضاً من فتن بين الشعوب، ويتضح أن العلامة أحمد الريسوني من خلال تصريحاته غلب عليه النزعة القطرية، وتأثير النسق –النظام- المغربي على النزعة العالمية الإسلامية للاتحاد التي تحترم سيادة الدول، ولا تتبنى نعرات عصبية أو سياسوية لحساب دولة معينة ضد دولة أحرى.

وبذلك فإن الريسوني سيس خطابه لخدمة توجهات وتصورات المغرب التوسعية حيال دول جواره، وذاك بالمزاوجة بين نقل أفكار النظام الحاكم في المغرب مع معطيات دينية مستهدفة أمن وسلامة دول الجوار بعيداً عن تفاصيل الحياد التي يُفترض أن يلتزم بها في أي لقاء رسمي أو إعلامي باعتبار شخصه يمثل أعلى هرم في منظمة الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين. ويمكن قراءة وتحليل هذا الخطاب وفقاً لعدة أبعاد سياسية على النحو الآتي:

  • بعد يتعلق بغلبة الطرح السياسي المؤدلج على الطرح الديني التعايشي: يبدو أن الخطاب الذي قام به أحمد الريسوني يتضمن إيحاءات وإشارات سياسية عديدة مؤدلجة لا حيادية ضد النظام الجزائري والموريتاني، وكذلك حول مسألة الصحراء الغربية التي لم يفصل فيها بعد، خصوصاً وأن تصريحاته خالفت احترام سيادة الدول وسياسة حسن الجوار عندما قال بأن موريتانيا تابعة للمغرب، وليس هناك شيء اسمه موريتانيا باعتبارها صناعة استعمارية، وهي سقطة جد خطيرة لم يسبق التعرض إليها في هذه الهيئة المحترمة التي تضم خيرة العلماء المسلمين في العالم الإسلامي، في الوقت الذي يفترض أن تتحكم تصريحات مثل هكذا إلى الموازين الشرعية والقيم الإسلامية.
  • غلبة البعد الماضوي المؤسس على افتراضات خاطئة: تحجج أحمد الريسوني بالمعطى التاريخي في تبريره لضرورة توسع المغرب على أساس أنه كان يضم أجزاء كبيرة من موريتانيا والصحراء الجزائرية والصحراء المغربية، لذلك فهو يرى بأن عودة المغرب إلى أرضه التاريخية أمر لا بد منه، ضارباً في نفس الوقت الاعتراف الدولي والإفريقي بالحدود الموروثة عن الاستعمار عرض الحائط، باعتبار أنه قبل الاستعمار لم يكن هناك ما يسمى بالدولة الوطنية في المستعمرات بمفهومها وشكلها الحالي.

ومن جانب آخر فإن تحدثنا عن المعطى التاريخي الذي ركز عليه الريسوني في تبرير مواقفه وتصريحاته، فالسؤال المطروح هنا إلى أي إطار قانوني أو منطق نعود إليه، فهل نعود إلى القرنين 18 و19، أو 17 و16، وهكذا، لأن لكل حقبة زمنية معطى جيوسياسي معين، وبالتالي فلا يمكن الإقرار بهذا المعطى، وتبنيه سياسياً من طرف الأنظمة؛ لأنه سيدخل العديد من الدول في صراعات وحروب دائمة([1]).

  • البعد الجهادي: وهو شق جد خطير طرحه العالم الريسوني في حديثه على أن الشعب المغربي والعلماء عليهم أن يجاهدوا في سبيل الله بالمال والنفس ومختلف الوسائل، وبالتالي الدعوة إلى محاربة دول شقيقة لديها نفس الانتماءات العرقية و الدينية، وهو أمر غير جائز، ويحدث فتنة كبيرة بين شعوب المنطقة المغاربية بصفة خاصة، والأمة الإسلامية بصفة عامة خصوصاً ضمن الظروف المتوترة التي لا تتحمل مثل هذه الخرجات التي تدعوا إلى الفتنة والاقتتال، وإنما كان الأحرى بهذا العالم الدعوة إلى كسر التحالف والتطبيع مع الكيان الصهيوني الذي يقتل ويقصف الأبرياء والعزل في غزة والقدس المحتلة.

وفيما يتعلق بردود الأفعال عن هذه التصريحات، فيمكن التمييز بين ثلاثة أنواع من ردود الأفعال:

  • ردود أفعال قوية (الجزائر): نتيجة للتصريحات المؤدلجة التي أدلى بها الريسوني فلقد كان الرد الجزائري بالدرجة الأولى قوياً، فرغم غياب رد رسمي صريح من طرف مسؤولين حكوميين في الجزائر عدا لجنة الفتوى التابعة لوزارة الشؤون الدينية ضد تصريحات أحمد الريسوني الذي اعتبروها لا حدث، فلقد اكتفت بعض الأطراف مثل رئيس جمعية العلماء المسلمين عبد الرزاق قسوم بأنها تصريحات تؤدي إلى الفتنة وغير مقبولة ومؤسفة، وسقطة كبيرة لعالم من علماء الأمة الإسلامية خصوصاً بعد دعوته للزحف والجهاد ضد الجزائر من أجل استرجاع تندوف، والذي يفترض أن يكون ضد الكفار والمحتلين. وهو نفس الموقف الذي عبر عنه عبد الرزاق مقري رئيس حركة مجتمع السلم الذي أشار بأن الشعبوية غلبت على هذا الخطاب، وأن مسألة الحدود أمر تم ترسيمه بشكل نهائي بموجب اتفاقية ثنائية تم التوقيع عليها بين الجانبين بتاريخ 15 جوان 1972، وتم التصديق عليها من مجلس النواب المغربي، وتبادل وثائق التصديق بين وزيري خارجية البلدين آنذاك في 14 ماي 1989، كما دعت الحركة علماء الأمة والاتحاد العالمي للمسلمين للتبرؤ من هذا الموقف الخطير الذي سيحدث فتنة بين الشعوب([2]).

ولقد جمدت جمعية العلماء المسليمن على خلفية هذه التصريحات التي وصفتها بالاستفزازية والخطيرة عضويتها في هيئة الاتحاد العالمي للمسلمين، واشترطت استقالة الريسوني وتقديم اعتذار صريح ودقيق كون تصريحاته لا تخدم وحدة الشعوب ولا تحافظ على استقرارها، وفيها تهديد واضح للأمن الوطني الجزائري([3]).

  • ردورد أفعال متفاوتة (موريتانيا): ويتعلق الأمر بالجارة الجنوبية للمغرب إذ نددت هيئة العلماء الموريتانيين بالتصريحات المستفزة للعالم الريسوني، واعتبرته تطاول على سيادة البلاد والأمة، ولم يرد كذلك أي تصريح رسمي كون الرجل لا يمثل وزناً رسمياً أو اعتبارياً مهماً في المغرب.
  • ردود أفعال تصنف ضمن خانة التبرؤ: وتتضمن الرد الرسمي للاتحاد العالمي للعلماء المسلمين الذي يوجد مقره في العاصمة القطرية الدوحة، إذ تبرأ علي القرة داغي الأمين العام لهذه الهيئة من هذه التصريحات، مؤكداً بأن رأيه وموقفه يمثله وحده، ولا يمثل رأي الاتحاد كون أي موقف من الاتحاد حسب دستورها يجب أن يخضع للمشورة والموافقة.

أما عن العالم أحمد الريسوني فلقد استقال بعد موجة ضغوطات داخلية –داخل الاتحاد- وخارجية عليه مبرراً ذلك بأن ما صرحه يندرج ضمن حرية التعبير، وأنه متمسك بمواقفه وآرائه الثابتة الراسخة التي لا تقبل المساومة. وهي خطوة إيجابية بالنسبة للاتحاد العالمي للعلماء المسلمين حتى لا يتم تسييس مخرجاته لصالح نزعات قطرية أو أطراف معينة على حساب تصور وتوجهات هذه الهيئة التي تشمل عدة أقطار تضم الشعوب الإسلامية، والتي تخضع أيضاً لمبدأ الشورى والموازين الشرعية والقيم الإسلامية المتعارف عليها.

كما يجب إدراك أنه في حالة غلبة الطابع السياسي على خطاب أو نشاطات أو تصريحات في هذا الاتحاد لصالح فئات أو أطراف معينة من طرف أعضائها، خاصة إذا كانوا متواجدين في أعلى الهرم من شأنه أن يفقد مصداقية عمل هذا الاتحاد، لذلك يجب تفادي مثل هكذا أمور مستقبلاً.

خــــــــــــاتمة

وكختام نستنتج  أن مواقف أحمد الريسوني المنحازة للنظام المغربي كان يفترض أن لا يتم التصريح بها من طرف شخصه باعتباره رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، لأن هذا المنصب يفرض على شخص الرئيس عدم الانحياز للدائرة القطرية –الوطنية-، وإنما كان لا بد من تجنب تصريحات هكذا في الإعلام تؤدي إلى الفتن بين الأنظمة والشعوب، خاصة وأن الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين يحترم سيادة الدول، والاتفاقيات المبرمة والمتفق عليها بين الدول أو ضمن هيئة الأمم المتحدة.

وكان أفضل خيار للاتحاد العالمي للمسلمين أن يستقيل الريسوني خاصة بعد تهديد الجزائر بالانسحاب منها، وكذلك الرد السلبي الموريتاني على هكذا تصريحات تهدد السلم والأمن الإسلامي، وأنه لا بد على كل مسؤول أن يتمسك بآرائه أو تصريحاته الشخصية لنفسه ما دام لم يخضع لمبدأ الشورى وموافقة الاتحادـ، وأن لا يصرح بها مادام أيضاً موجود في أعلى هرم للاتحاد العالمي للمسلمين، لأن ذلك فد يضر بسمعة الاتحاد، وعليه نوصي في هذا المقال بتجنب هذا الأمر، ومحاولة إدراجه ضمن دستور الاتحاد حتى لا يتم المساس بثوابت الأمة الإسلامية، أو نشر أو التصريح بأي خطاب قد يضر بهذه الهيئة العالمية.

المراجع

([1]) الريسوني والعبوية ما هو مفهوم مبدأ الحدود الموروثة عن الاستعمار، رأي اليوم ، انظر الرابط الالكتروني الآتي:

https://www.raialyoum.com.

([2]) غضب في الجزائر ومطالبات بإقالة الريسوني بعد دعوته المغاربة لــ: “الجهاد والزحف نحو تندوف”، القدس العربي، انظر الرابط الالكتروني:

https://www.alquds.co.uk.

([3]) تصريحات الريسوني…جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تقاطع الاتحاد العالمي، انظر الرابط الالكتروني:

https://www.alhurra.com/algeria/2022/08/22.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Enable Notifications    OK No thanks