مقالات رأي

المدرسة العقلية الإسلامية وأثرها (1)

المدرسة العقلية الإسلامية وأثرها (1)

بقلم عبد الرحمن جميعان

المقدمة

 عاش الصحابة رضي الله عنهم في حيطة وحماية معتقدهم وسلوكهم، وفقههم، وتعاملهم مع الآخر المعايش لهم، والمخالف لمعتقدهم، ومع الدول المحيطة بهم أو البعيدين عنهم، بما ضبطه لهم القرآن من قواعد وأصول، وبما كانوا يرونه من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وسلوكه!

ثم حذرهم النبي صلى الله عليه وسلم، من الفتن وانفتاح الدنيا عليهم، ولكن كان تحذيره لهم من الشبهات الفكرية والعقدية أشد! فمثلا تحدث عن الفتن العقدية؛ فقال صلى الله عليه وسلم محذرا تتبع اليهود والنصارى في صنيعهم، «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ‌لَتَتَّبِعُنَّ ‌سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، وَبَاعًا فَبَاعًا، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ دَخَلْتُمُوهُ “، قَالُوا: وَمَنْ هُمْ؟ يَا رَسُولَ اللهِ، أَهْلُ الْكِتَابِ؟ قَالَ: “فَمَهْ”»([1])، وما من شك أن التتبع في السلوك، قد يتبعه تتبعاً في المعتقد ومنهج الفهم للدين والعالم. وكذلك ما رواه الأئمة، وكذلك جاء التحذير من أفعالهم الشركية كما في حديث البخاري: عنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالَا: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» ‌يُحَذِّرُ ‌مَا ‌صَنَعُوا([2])، وهذا التحذير كان في مرض موته صلوات ربي وسلامه عليه، والعبارة الأخيرة تدل على فهم الراوي، أنه تحذير من صنيع هؤلاء، ولكن ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم وقع وأكثر منه، فقد ارتدت العرب، وبرزت فيهم شبهات الفلسفات وعلم الكلام وانحرفوا عن جادة القرآن، وفشا الشرك والكفر المخرج من الملة في الأمة، حتى تلبس به الفقهاء والعلماء والمفتون، وما كانت التحذيرات إلا لعلمه صلى الله عليه بوقوعها! فكانت فتنة الخوارج والجهمية والقدرية والمعتزلة والمتكلمين والرافضة والصوفية غيرهم، ولا تزال الفتن تترى، وحتى ظهرت لنا الشبهات في أثواب عقلية وفكرية وعقدية، تحارب الدين والسلوك علانية ودون حياء ولا خوف، ولا تزال الأمة تدافع عن دينها ومعتقدها!

ومنذ ذلك الوقت، وبخاصة منذ المائة الثانية، ودخول علم الكلام والفلسفة والمنطق، والأمة في صراع مع هذا الوافد الجديد، الذي جعل العقل فوق النصوص، وجعل له سطوة التشريع، والتغيير والتبديل والحكم!

سنستعرض التاريخ منذ نشأته، وكيف دخل العقل من خلال الفلسفة والمنطق وعلم الكلام، وكيف كانت سطوته على الفرق، وكيف تأثر الكثيرون بهذا المنهج المعوج الذي يجعل المعقول مساويا للمنقول أو يزيد عليه، بل يجعل المنقول تابعا ولا بأس بهدره!

أصول المتكلمين

نتساءل بكل موضوعية وحيادية، في زمن قريب من عهد النبوة، بدأت انحرافات كبرى في العقيدة الإسلامية، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه قال (عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ – أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ – فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ : أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ، وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ، قَالَ: «فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي»، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ «لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ»)، والملاحظ أن الصحابة متوافرون، والتابعون كذلك، فكيف دخلت هذه الأفكار وتمكنت من الأمة ومن علمائها؟

سؤال مهم جدا، فهل سنجد له جواباً في البحث في تاريخنا في الفكر والأفكار والفرق؟

تحدثنا في كتابنا حول التصوف عن الفلسفة ودخولها وتوغلها إلى تاريخ الأمة وتراثها، وتسلل أفلوطين على ظهر أرسطو، بكلام يغني عن إعادته هنا.

فكان -لا شك- لتلك الأفكار الآثار العظمى على توجهات الأمة ودينها، فكان، معبد الجهني، وبشر المريسي وجهم بن صفوان، والفكر الاعتزالي، أول ما كان في الأمة، كما ذكرنا ذلك في الحديث من صحيح مسلم، أن أول ما كان القدرية!!

فما هي الأفكار التي طرحها هؤلاء؟

الأفكار العامة التي طرحتها الفرق

  1. هدر النصوص الشرعية وتوهينها.
  2. ترك حديث الآحاد في العقائد.
  3. فتح باب التأويل والتعطيل والتشبيه وغيرها.
  4. تقديم العقل على النقل.
  5. الخوض في الغيبيات والاسهاب فيما لا علم فيه.

وكان لهذه الأفكار أثرها البالغ في الثقافة الإسلامية، بل وأدخلت الأمة في متاهات ودروب ملتوية، وكانت الفلسفة رائدة هذا كله، حتى انفصل أهل السنة عن بقية الفرق وتمايزوا تماما، ولكن أثر هذه الفرق بقي عالقا في الفكر الإسلامي والثقافة والعقيدة، حتى يومنا الحاضر، وهذا ما سنراه عيانا في هذا البحث!

الجذور

في لحظة من لحظات التاريخ، وفي غفلة وذهول من العلماء والحكام، والنخب، تسللت الليبرالية الغربية([3])، التي تقودها العقلانية الأوربية، إلى العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه، وهي تحمل معاول التدمير في بنية القديم، وتغرس في تربته بذور الجديد، أو الحداثة والليبرالية، ومنذ لحظة محمد عبده، والتي كان الحراك الفكري في أوج اضطرابه واندفاعاته، تشكلت القوى الليبرالية والحداثية، مندفعة بروح التغيير أحيانا، وبروح الغرب تارات أخر، وبدفع من الحكومات تارة أخرى!

وسنستعرض في هذا القسم البدايات المؤسسة للفكر العربي الليبرالي والحداثي والعلماني، بالاتفاق كلها في محيط العقلانية كما استوردت بمفهومها الغربي، وبتربتها الأوربية الخالصة، وبالمتابعة الدقيقة لفكر أوربا حذو القذة بالقذة، اختلفت المشارب، واتفقت كلها على هدم القديم، ومحاربته علناً وفي خفاء وعلى استحياء، ولكن النتيجة كانت مروعة، والآثار مدمرة، على الأمة وعلى العقل الإسلامي، بل والعربي، وكما دمرت الفلسفة اليونانية-الأرسطية خاصة- عند من اعتنقوها، قدسية بالنصوص، مع محاولة أصحابها ادماجها في أصل العقيدة وصلبها، كان هذا الحدث يتكرر، ويسطع بمعاوله، منذ أواخر الدولة العثمانية، وإلى سقوطها، ثم توالت النكسات والضربات على الفكر الإسلامي، وعلى الجماعات الإسلامية، وكان الانحسار تارة والانفراج أخرى، فلنشاهد المشهد المروع، ولنتلمس بالأصابع النتوءات التي أحدثها خطاب الحداثة في الأمة!

ثمة ملاحظات لا بد من عرضها قبل الدخول إلى الموضوع:

١-نحن نذهب إلى أن الأصل هو الإسلام الذي أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وتورثه الصحابة ومن بعدهم، إلى يومنا الحاضر، وهو المتمثل بالسلف في القرون الثلاثة الأولى، فهو معيارنا وهو المقياس الذي نقيس به القضايا والأفكار، دون أي شيء آخر، منطلقين من فهم الكتاب والسنة وفق منهج التفسير وأصول الفهم والاستدلال عندهم.

من هنا فإيرادنا للأفكار التي نراها تخالف هذا المنهج، هي من هذا الطرح، دون أي اعتبار آخر.

٢-نحن هنا نطرح الأفكار وتأريخها، وما آلت إليه من خير أو شر، غير معتبرين بالتبرير لهذه الفكرة أو هذا الشخص.

٣-ليس لنا الحكم على الأشخاص ولا نياتهم، بل نناقش الأفكار والأطروحات وفق المنهج السلفي الآنف الذكر، دون اتهام للنيات أو إطلاق التهم، إلا التي ليس لها تأويل وكان الاتفاق على الشخص في تصنيف ما!

٤-يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم ([4])).

المراجع:

([1]) مسند أحمد 8339 ط الرسالة بسند صحيح-والبخاري3456-وغيرهما.

([2]) البخاري 435-باب الصلاة في البيعة وغيره من الأبواب.

([3]) انظر على سبيل المثال: محمود محمد شاكر، أباطيل وأسمار ود نفوسة زكريا تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر

([4]) احمد بن عبد الحليم ابن تيمية-منهاج السنة النبوية-ت محمد رشاد سالم-٥/٨٣

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Enable Notifications    OK No thanks