دراسات وبحوث

 تسييس الخطاب الديني بين النص والممارسة

 تسييس الخطاب الديني بين النص والممارسة

د. عبد الحق دحمان

مركز المجدد للبحوث والدراسات

 مقدمة:

       يعد الدين رافداً مهماً من روافد قيام الأمم والدول خاصة عند الحديث عن تمظهراته في المخيالين الشعبي والرسمي باعتباره جزءً رئيسا في حياة الأفراد والجماعات. وقد اهتمت العديد من الدراسات الأكاديمية بهذا الموضوع الذي أخذ حيزاً واسعاً من النقاش والبحث خاصة في الدراسات السياسية التي أُجريت بغرض تبيان درجة ارتباط أو انفكاك الدين بالسياسة، ومختلف الأنماط التي تفرزها هذه العلاقة في حياة الدول والمجتمعات.

        ولقد ازدادت أهمية الدين في الحقل السياسي خاصة مع ظهور ما يعرف بالدولة الحديثة القائمة على العلمانية من خلال محاولات فصل الديني عن السياسي بعد قرون من هيمنة الأولى على الثانية؛ أي بتعبير آخر تم الانتقال من الدولة الدينية إلى الدولة المدنية، ورغم التحولات السياقية المذكورة إلا أن الدين بقي أداة محورية في التوظيف السياسي للدول والفواعل من دون الدولة، أي ضمن الخطاب الرسمي وغير الرسمي. وبالنظر لمحوريته في الحقل السياسي أضحى تسييس الدين خدمة لغايات محددة من قبل الفواعل المعنية أداة استراتيجية للوصول إلى المبتغى المرجو منه سواء ضمن النطاق السياسي للدول التي تعترف بالدين أساسا للحكم أو بالنسبة للدول العلمانية التي تسعى جاهدة إلى فصل الدين عن الدولة.

        ويبرز تسييس الخطاب الديني بشكل واضح ضمن جغرافيا المنطقة الاسلامية في ظل اتكاء العديد من دولها على الدين سواء باعتباره العامل الرئيسي في تأسيسها وتشكلها أو لخدمة أغراض وأهداف تتعلق تارة بالأمن القومي، وتارة أخرى تكون ذات صلة بالرؤية الجيوبوليتيكية في ظل الصراع السياسي القائم على توظيف الدين بين دول المنطقة العربية فيما بينها أو بينها وبين دول إقليمية غير عربية.

وبغية تفكيك العلاقة القائمة بين ثنائية الدين والسياسة، سيتم طرح السؤال المركزي الآتي:

إلى أي مدى يتم توظيف الدين في السياسات الخارجية للدول؟

 1. مفهوم الخطاب

أصبح الخطاب الديني اليوم يشكل أحد أبرز العوامل المهمة التي لها دور في تشكيل الوعي الفردي والجماعي، اذ يعد الدين منذ القدم شكل من أشكال الصراع الاجتماعي والايديولوجي والحضاري، وتعتبر احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 حدثاً مفصلياً في تاريخ العلاقات الدولية، إذ من خلال توظيف هذه الأحداث تم توجيه وجه الرأي العام العالمي بالاهتمام بالخطاب الديني بشكل عام، والخطاب الاسلامي بشكل خاص.

وقبل التطرق الى موضوع الدراسة: تسييس الخطاب الديني وجب أولاً التعرض إلى ماهية الخطاب الديني وصوره المتنوعة والركائز التي يقوم عليها، حيث تعددت التوجهات النظرية التي قدمت العديد من المفاهيم لموضوع الخطاب، حيث يعرفه “ميشال فوكو” P. Michel Foucault على أنه مفهوم متسع ومتعدد في مصادر إنتاجه، وحسب رأيه فهو كل انتاج ذهني نثراً كان أو شعرا منطوقاً فردياً او مكتوباً جماعياً، ذاتياً او مؤسسياً[1]، في حين يقدم “فيليب بروتوف” Philippe Breton في نفس الصدد الخطاب على أنه نشاط إنساني يتخذ أوضاعا تواصلية متعددة ووسائل متنوعة ويهدف الى اقناع شخص او مستمع او جمهور ما بتبني موقف ما اول مشاركه في راي ما.

ولقد ذُكر الخطاب في عدة مواضع في القران الكريم منها قوله تعالى في سورة الفرقان الآيه 63 (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) وقوله تعالى من سورة النبأ الآية 37 (رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا)، ويلاحظ أن لفظ الخطاب في القران الكريم كان بمعنى الحكمة والعزة وشدة البأس [2].

          ومن جهة أخرى نجد أن الخطاب الديني وجه من أوجه الخطاب المختلفة، فحسب تعريف “أحمد زايد” يحصر الخطاب الديني على أنه وجهة نظر محدده تجاه قضايا دينية أو دنيوية أو الدفاع عن عقيدة معينة ويعمل على نشر هذه العقيدة[3]. وعليه يمكن أن نعرف الخطاب الديني على أنه الخطاب الذي يستند إلى مصادر التشريع الاسلامي وهو القران والسنة النبوية ومصادر التشريع الاسلامية الاخرى كالإجماع وغيرها. ويعد الهدف منه نصر الدين الاسلامي عقيدة وشريعة وأخلاقا ومعاملة، وبذل كافة الجهود لخدمة الدين امتثالا لأمر الله عز وجل والرسول الكريم عليه الصلاة والسلام

يقوم الخطاب الديني على عدة أسس وركائز منها: أنه رباني المصدر والمنشأ حيث يستمد مبادئه من التعاليم الإسلامية التي أمر بها الله عز وجل ورسوله. والعالمية وهي خاصية أخرى من الخصائص حيث يعتبر الخطاب الديني الاسلامي عالميا وموجها لكافة البشر لا لفئة أو لون أو جنس. إضافة إلى الوسطية: حيث يعتبر الخطاب الديني الاسلامي وسطيا بمعنى أنه يوازن بين العقل والوحي وبين الواجبات والحقوق والمادة والروح[4]. كما يقوم الخطاب الديني أيضا على الإيجابية وهي إحدى الركائز والمميزات الأخرى التي تميز الدين الاسلامي حيث يقدم النفع لجميع الناس ويحقق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة في كل مجالات الحياة. زيادة على التجدد والتنوع لأن الفكر الاسلامي متجدد بطبعه يواكب كل المفكرين ويرضي جميع التوجهات الفكرية وسهل على كل الناس ويراعي كل الأولويات، حيث نجد التشريع الاسلامي يفضل الفرائض على النوافل، والمصلحة العامة على المصلحة الشخصية، وصد المفاسد قبل جلب المصالح[5].

2. الخطاب في ميزان نظريات العلاقات الدولية.

أولا: مدرسة كوبنهاجن وتصوراتها للخطاب الديني:

   أنتجت مدرسة كوبنهاجن العديد من المقاربات النظرية التي كان لها دور هام في تعميق وتوسيع مفهوم الأمن والإشارة إلى دور الخطاب في العملية السياسية، ومن بين تلك المقاربات التي تدرس دور الخطاب وتأثيره في تشكيل السياسة الخارجية للدول نظرية الأمننة ونزع الأمننة لكل من المفكرين “أولي ويفر” Ole Waever و “باري بوزان” Barry Buzan [6].

فقد أكد ويفر من خلال هذه النظرية أن الأمن في جزئه فعل خطابي من خلال اعتبار شيء ما كقضية أمنية حاله حال الدفاع عن الدين حيث اعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 الدين الاسلامي كعدو من أجل إضفاء الشرعية الدولية على حربها ضد الإرهاب، ووجهت الخطاب الديني نحو العالم باستخدام الاجراءات السياسية من خلال اعتبار الدين الاسلامي تهديدا وجوديا، فالأمننة هي نتيجة لأعمال الخطاب والاستخدام المتكرر لإظهار حدث ما على أنه تهديد وجودي[7]. ويرى بوزان أن سواعي للأمننة الأكثر شيوعا قد يكون قادة سياسيين أو بيروقراطيين أو حكومات أو لوبيات أو جماعات ضغط وغيرها[8].

 ثانيا: دور الخطاب الديني في رسم السياسة الخارجية:

يعتبر الدين عاملا من أهم العوامل إن لم تكن أولى أولويات القوى خاصة الكبرى منها الذي يحدد سياستها الخارجي. ولقد أثرت حقبة نهاية الحرب الباردة على توجهات السياسة الخارجية الأمريكية التي باتت تبحث عن عدو جديد للتنافس وابراز القوة، وكان لأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التأثير الواضح في تنفيذ سياستها الخارجية باستعمال الخطاب الديني وتطوير العديد من النظريات مثل نظريه صدام الحضارات لصامويل هنتنجتون ما يسمح لها بتنفيذ مصالحها بعيدا عن الشرعية الدولية تحت غطاء الحرب ضد الإرهاب.[9]

ومن المفارقات العجيبة والازدواجية في المعايير التي تحدث في العلاقات الدولية، أن الولايات المتحدة الأمريكية تعترف في سياساتها الداخلية والخارجية على حد سواء بفصل الدين عن الدولة، لكن الواقع شيء آخر. ويقول صامويل هانتغتون للتدليل على الواقع الديني في الولايات المتحدة الأمريكية بأن الأمريكيين هم نقيض الأوروبيين متدينون ويؤمون الكنائس بأعداد أكثر.[10]

من جهة أخرى، تواصل الولايات المتحدة الامريكية عبر سياستها خاصة تجاه منطقة الشرق الأوسط تأكيد الفرضية حول تأثير العامل الديني على السياسة الخارجية خاصة تجاه إسرائيل والضغط السياسي الذي تمارسه من أجل إقامة وطن لليهود[11]، فلو نرجع قليلا بالتاريخ إلى الوراء نلحظ ذلك جليا من وراء تأسيسها لعدة منظمات بروتستانية أبرزها البعثة العبرية من أجل إسرائيل on Behalf of Israel” “hebrew mission، وكان مؤسسها القس وليام بلاكستون سنة 1841-1935 وبقيت حتى اليوم مستمرة باسم جديد، والزمالة اليسوعية الأمريكية “وتعتبر من أهم مراكز الضغط الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة الأمريكية [12].

  بناءا على ما تم تناوله سابقا نجد أن الفكر السياسي الامريكي يبنى على ثلاثة قواعد أساسية، فكر الأباء المؤسسين، وتأثير الفلاسفة في السياسة الأمريكية، ودور الدين كمحدد قوي في بعض القضايا تحديدا في منطقة الشرق الأوسط[13]. ومن خلال ذلك، يعتبر الدين المحرك المركزي للسياسة الخارجية الأمريكية من خلال نسق عقائدي عام وجماعات مصالح ونخب سياسية تتبنى وجهات نظر دينية للدفاع عنها[14].

 ولأنه وحسب صامويل هانتغنتون فإن الدين كان ولا يزال محركا مركزي للصراع الحضاري وبرأيه أن المجتمع الامريكي والسياسة الخارجية الأمريكية يستمدان قوتهما من العلاقة بين السياسة والدين.

وعليه نخلص إلى أن التداخل بين كل ما هو ديني وسياسي ليس وليد العصر وإنما ضارب في جذور تاريخ العلاقات الدولية من خلال تسييس كل ما هو ديني وتدين كل ما هو سياسي مما نجم عنه وصراعات تزال بعضها قائمة ليومنا هذا على غرار الصراع العربي الإسرائيلي[15]

3. نماذج عن تسييس الخطاب الديني

أولا: التجاذبات الجزائرية المغربية بشأن الصحراء الغربية

فوت الصراع الجزائري المغربي بشأن قضية الصحراء الغربية لما يربوا عن نصف قرن من الزمن الكثير من الآمال التي عقدتها شعوب المنطقة للدفع بمسار الاتحاد المغاربي نحو الاندماج الحقيقي، وهذا يرجع الى حد كبير الى العدمية الموجودة لدى طرفي النزاع، كونهم تبنوا مقاربات صفرية لا تجمعها أي نقاط يمكن البناء عليها لتجاوز  هذا الخلاف.

وبحكم عوامل مادية، فلطالما كان ميزان القوى في عملية الصراع مع المغرب يميل لصالح الجزائر فيما يتعلق بالقضية. في مقابل ذلك سعى المغرب الى إيجاد أدوات جديدة للصراع لترجيح ميزان القوى لصالحه، من بينها بناء تحالفات جديدة مع قوى أخرى من شأنها ان ترجح كفة الصراع لصالح الطرح المغربي فيما يتعلق بإدعاءاته في الصحراء الغربية، كان آخرها الدفع بعملية التطبيع مع إسرائيل التي تم في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية. هذا الأخير تجاوز  كل المنطلقات العقائدية والفكرية والسياسية التي اتخذتها الأحزاب الإسلامية كمرجعية في الصراع العربي الإسرائيلي.

 تمتلك الأحزاب الإسلامية عموما محتوى معياري وثقافي مشترك، ممثلا في أيديولوجية فريدة نوعا ما في منطلقاتها المرجعية والتي توفر قواسم مشتركة فيما بينها عبر مناطق جغرافية واسعة. على وجه الخصوص تتحدث الأحزاب الإسلامية لغة مشتركة حول ما هو مطلوب وما هو غير مطلوب تجاه قضايا معينة، على سبيل المثال لديهم فهم مشترك للدور السلبي للإمبريالية الغربية في إشارة خاصة الى الظلم الموجود في فلسطين؟ فكيف يمكن تفسير مواقف الأحزاب الإسلامية ومختلف التيارات التي تمثل هذا الاتجاه اذا تعلق الأمر بصنع السياسة الخارجية؟

تشرح الأدلة الواقعيين بشأن تحييد الخلاف الحزبي عبر حجة التهديد الأمني الخارجي، عندما تصبح الوحدة الوطنية على المحك مع حالات الشك وعدم اليقين بشأن التهديدات الخارجية، فإن الخلافات الحزبية يجب ان توضع جانبا مع ضرورة ابداء موقف موحد تجاه الخصم، مما يساعد التماسك الداخلي وبل ويزيد من احتمالية وجود تحالفات عبر أيديولوجية بين الأحزاب فيما يخص ابداء موقف موحد من السياسة الخارجية. بالتالي قد تشهد قضايا السياسة العليا نوعا من الوحدة وإدراك واسع النطاق للمصلحة الوطنية ومصحوبا بالشعور الوطني[16].

     لاشك ان الجهات الفاعلة داخل الدولة لديها مصالح واهداف مختلفة واحيانا متضاربة على المستوى المحلي. فبالإضافة الى الأحزاب السياسية، تلعب جماعات الضغط، الرأي العام المحلي بالإضافة الى مجموعات المصالح دوراً في صنع السياسات الداخلية، وبنفس الوقت لها تأثير فيما يتعلق بصنع القرار على المستوى الخارجي.   والحديث عن توحيد الجبهة الداخلية تجاه الموقف من قضية معينة من قضايا السياسة الخارجية لا يعني توحيد الموقف الحزبي فقط بل يقتضي توحيد باقي الفواعل الأخرى تجاه قضايا السياسة العليا، على سبيل المثال يلعب الرأي العام كأحد الفواعل المؤثرة في صنع السياسة الداخلية والخارجية، فكونه مرتبط بالأحزاب السياسية، فإنه يشكل قاعدة انتخابية واسعة لا يجب على الأحزاب السياسية تجاهله في اتخاذ القرار، وكما قد يتوحد الرأي العام ويقف عند حافة الماء، فإنه قد يشكل حالة استقطاب حادة تجاه مواقف معينة، في هذه الحالة قد ينقسم الرأي العام تجاه قضايا السياسة الداخلية والخارجية. والدافع الانتخابي من حيث السعي للوصول الى السلطة والاحتفاظ بها، يدفع بالأحزاب السياسية الى التركيز على الرأي العام، لذا يشكل مجالا خصباً لعمل الأحزاب السياسية لناحية السعي هذه الأخيرة الى تبني قضاياه والتعبير عنها. مما يطرح التساؤل التالي: إذا حدث استقطاب حاد لدى الرأي العام تجاه قضايا من قضايا السياسة العليا التي تحتاج توافق بشأنها ففي هذه الحالة هل على الأحزاب سواء كانت في الحكم او في المعارضة ان تتبنى موقف أيديولوجي معبر عن شريحة معينة من الرأي العام المتمثل في قاعدته الانتخابية أم عليها أن تقف عند حافة الماء؟

      إن حصر قضايا السياسة العليا في المجال الأمني قد يدفع الى سياسة خارجية اقل حزبية لصالح الدولة، في حين ان قضايا السياسية الخارجية لا يمكن حصرها في هذا المجال؛ فمسائل المتعلقة بالمساعدات الخارجية، حقوق الانسان والاتجار بالمخدرات قد يكون للأحزاب السياسية مرونة في إبداء مواقف تعكس رؤيتها الأيديولوجية مقارنة بمواقف المتعلقة بالأمن والتنافس الاستراتيجي. إلا أن سعي الأحزاب السياسية لتوسيع قاعدتها الانتخابية فإنها من الضروري ان تبدي مواقف ليس فقط تجاه قضايا السياسة الدنيا، بل أن القضايا الاستراتيجية الكبرى تحتاج  إلى بناء مواقف حزبية للتعامل معها وليس بالضرورة ان تتماها مع رؤية السلطة، بالتالي هناك فجوة بحاجة الى التركيز  البحثي وهي ضرورة  ان يحلل البحث المستقبلي علاقة الارتباط  بين ايديولوجية الأحزاب وشرعيتها لدى الرأي العام من حيث موقفها ليس تجاه قضايا السياسة الدنيا فقط بل من خلال بناء استراتيجيات للتعامل مع قضايا السياسة العليا، وذلك لأجل بناء مواقف واضحة من السياسة الخارجية لا تعكس بالضرورة رؤية السلطة، ولكن أيضا لإثبات حجة بديلة وهي أن السياسة لا تتوقف بالضرورة عند حافة الماء[17].

ثانيا: التوظيف الديني في السياسة الخارجية الأمريكية

لطالما ركزت الدراسات والأبحاث المتخصصة خاصة تلك العابرة للحقول المعرفية على مسألة دور العامل الديني في توجيه بوصلة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية تجاه العديد من القضايا في مختلف أنحاء العالم، وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط باعتبارها مركز جذب استراتيجية للمصالح الأمريكية. ولقد استفادت إسرائيل من الحصة الأكبر من المقاربة الدينية الأمريكية حيث ساعدتها على وضع خطط وبرامج استيطانية وتوسعية مستفيدة بذلك من الدعم الأمريكي لها سواء في حالة الحرب أو السلم.

ويبرز توظيف أمريكا للدين لخدمة المشروع الصهيوني جليا سواء على مستوى الخطاب أو الممارسة السياسية. وليس بالسبق القول أن هذا الدعم وليد اللحظة بقدر ما ترجع أصوله لمرحلة ما يسمى في الأدبيات الصهيونية بتأسيس دولة إسرائيل عام 1948 وما قبلها. فمن ناحية الخطاب السياسي أكدت أمريكا، ولا تزال، على الدعم المطلق للسياسات الاسرائيلية في فلسطين، وقد تجلى ذلك في خطابات رؤسائها وسياسييها من الحزبين الديمقراطي والجمهوري. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الزيارة الأخيرة التي قادت الرئيس جو بايدن إلى فلسطين التقى خلالها رئيس الوزراء الاسرائيلي يائير لابيد أكد له دعم التوجه الديني لإسرائيل بقوله أنه يجب أن تبقى إسرائيل دولة يهودية، كما أكد على أنه يدعم كليا مضامين اتفاقات أبراهام باعتبارها تحقق مصلحة إسرائيل من خلال اندماجها اقتصاديا وسياسيا وأمنيا في المنطقة[16]. يتضح من خلال الخطاب المشار إليه أن السياسة الأمريكية تقوم على بذل الجهود لدمج إسرائيل في المنطقة العربية من خلال تنفيذ بنود اتفاقيات أبراهام المعنية بتطبيع العلاقات الاسرائيلية مع بعض دول المنطقة العربية خاصة الخليجية منها والتأكيد، أيضا، على أحقية إسرائيل في إضفائها للصبغة الدينية بإعلانها يهودية الدولة وهو ما يناقض الترويج الأمريكي لليبرالية والعلمانية وفصل الدين عن الدولة. كل هذا في ظل إنكار واضح لوجود دولة فلسطينية خاصة في خطاب الرئيس بايدن وإشارته المتكررة لمصطلح الشعب الفلسطيني في مقابل دولة إسرائيل.

وقد سار بايدن على نهج سلفه في الحزب الديمقراطي باراك أوباما الذي كان نائبه خلال فترة رئاسته للولايات المتحدة الأمريكية، ففي خطاب له سنة 2013 أكد أوباما على القاسم المشترك للأديان السماوية الثلاث الإسلام والمسيحية واليهودية باعتبارهم ينظمون لأصل واحد يرجع إلى إبراهيم عليه السلام[17].

وتبدو التقاطعات الحزبية في مجال توظيف الدين لدعم الوجود والتوسع الإسرائيلي متقاربة فيما بين الديمقراطيين والجمهوريين رغم اختلافهم في الأجندات السياسية وطبيعة السياسات العامة للدولة.

وليس خفيا بأن الولايات المتحدة الأمريكية تعد من أكثر الدول توظيفا للدين في سياساتها الخارجية وهذا منذ عقود مضت. يمكن الاستشهاد في هذا المقام بحقبة الحرب الباردة التي عرفت تسييسا عالي النطاق للدين من قبل السياسيين الأمريكيين بهدف حشد وتعبئة الرأي العام الأمريكي للسياسات المتخذة ولتبرير حربها مع الاتحاد السوفياتي وقد كان الرئيس الأمريكي أنداك هاري ترومان قد قدم تعليلات وحجج دينية لسياسته الخارجية، خاصة محاولته إقناع الرأي العام الأمريكي بالدوافع التي أسهمت في إنهاء أمريكا لعزلتها والانخراط في السياسة العالمية بشكل فعال كونها مهمة عالمية أوكلها الرب لها. كما روّج ترومان للرسالة السماوية القاضية بالدفاع عن الحضارة الغربية وعن المسيحية، لهذا دعّمت أمريكا في تلك المرحلة الأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا كما كان الحال عليه في الحالة الإيطالية في سنة 1948 أين فاز حزب الديمقراطيين المسيحيين على الحزب الشيوعي بعد تمازج عامليْ الدين والاقتصاد من خلال التعاون الذي كان سائدا بين الولايات المتحدة الأمريكية والفاتيكان[18].

من جهتها، استخدم الاتحاد السوفياتي، ومن بعده روسيا الاتحادية، الدين لتبرير سياستها الخارجية. ولقد اتضح ذلك خلال الحرب الروسية الراهنة في أوكرانيا (24 ابريل 2022). بداية، يجب معرفة أن المذهب الأرثوذكسي هو المذهب الأكثر اعتناقا من بين المذاهب المسيحية الأخرى في روسيا وباقي الجمهوريات السوفياتية السابقة. يتبين من الاستطلاع الذي أجراه منتدى بيو بأن 71٪ من الروس هم أرثودوكس فيما كانت النسبة في حدود 78٪ بالنسبة للأوكرانيين و73% للبيلاروسيين و92٪ للمولداف، حيث يتبعون الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التي لها علاقة مباشرة بنظام الحكم في روسيا خاصة بعد اختيار “كيريل” بطريركا لروسيا في سنة [19]2009.

لم تكن أوكرانيا بالنسبة لروسيا امتدادا جغرافيا فحسب، فالتاريخ يؤكد بأن كل من الشعبين الروسي والأوكراني هما في الأصل شعب واحد، وهذا ما أكده الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مقال نشر له يوم 12 جويلية 2021 أقر فيه بوحدة العقيدة والإيمان بالأرثوذكسية بين الشعب السلافي الذي يضم الروس والأوكرانيين والبيلاروسيين، كما أشار بوتين في مقاله إلى أن التاريخ ينص بأن الشعب السلافي كان موحدا دينيا باتباعه للكنيسة الأرثوذكسية، كما كان للأوكرانيين دور مهم في الحفاظ على الطابع الوحدوي للعقيدة الدينية السلافية. ومن جانب آخر، أرجع بوتين ضم روسيا لشبه جزيرة القرم بعد حربها مع الامبراطورية العثمانية إلى الإيمان المشترك وليس للقرارات السياسية والدبلوماسية[20].

ثالثا: الديانة الإبراهيمية وتوازنات منطقة الشرق الأوسط

إن فكرة إقامة دين جديد تحت مسمى الدين الإبراهيمي أو الابراهيمية كما يطلق عليها قد جرى الترويج لهم منذ سنوات، فباستدعاء التاريخ القريب يتضح بأن التدافع الفكري والترتيبات الاجرائية قد كشفت عن نوايا جادة لإرساء معالم هذا الدين خاصة أن هنالك جملة من العوامل الظاهرة والمستترة لقيام الدين الإبراهيمي المنشود. لقد استغل منظرو الابراهيمية الجديدة حالات الحروب والصراعات المزمنة على مدى عقود مم الزمن بين أتباع الديانات المختلفة للتبشير بهذا الدين، ولذا، فالمقاربة التاريخية قد أُسندت لها عملية تبرير قيام دين جديد يجمع الأديان السماوية الثلاث؛ الإسلام والمسيحية واليهودية في بوتقة دين واحد.

تسارعت الخطوات بعد ذلك في مسار نشر فكرة التسامح والتقارب والعيش المشترك بين المنتمين للديانات الابراهيمية، حيث بدأت إرهاصات مأسسة الفكرة من خلال بروز العديد من المبادرات عبر أرجاء العالم تدعو إلى التركيز على كل ما من شأنه إيجاد أرضية توافق بين الديانات الاسلامية والمسيحية واليهودية وترك كل ما يدعو إلى التفرقة بينها. ويمكن في هذا السياق، يمكن ذكر مثال عن البيت الإبراهيمي الذي أسسه “محمد السماوي” الذي انتقل من اليمن إلى أمريكا، حيث يضم مجلس الإدارة أشخاص يمثلون الاسلام والمسيحية واليهودية والبهائية. أما عن المهام المنوطة بالبيت الابراهيمي فتحدد في أنه لا يوجد أي شيء بإمكانه الحلول محل العلاقة بين البشر في إشارة صريحة إلى تقديم الجانب الإنساني على المتغير الديني في المعاملات البشرية، والعمل على صياغة مجتمعات روحية جديدة تنكفأ عما كانت عليه من قبل، وهذه الفكرة قد تمت الإشارة إليها بمصطلح الصور النمطية المتأصلة[21].

وفي السياق ذاته، يشير الكثير من الباحثين والدعاة إلى أن تجسيد إقامة الدين الإبراهيمي الجديد قد تم الشروع فيه بإعلان دولة الإمارات العربية المتحدة إنجاز صرح ديني في أبو ظبي يضم الديانات السماوية الثلاث أُطلق عليه بيت العائلة الابراهيمية الذي يحوي مسجدا وكنيسة ومعبدا، ويُراد، ظاهريا، نشر قيم التسامح والاحترام والسلام، وقد جاءت فكرة البيت الابراهيمي بعد استضافة الإمارات لكل من شيخ الأزهر الإمام الأكبر “أحمد الطيب” وبابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية في سنة 2019[22]. إلا أن الهدف الخفي يكمن في تهيئة شعوب المنطقة على تقبل فكرة الديانة الابراهيمية وتسويق فكرة أنه لا مناص من وجودها إذا ما أرادت الدول العربية ضمان أمنها القومي. ولتحقيق هذه الغاية كان لا بد من ظهور الدول المروجة للإبراهيمية الجديدة بمظهر الطرف المعتدل والوسطي والمحب للسلام.

وقد عارض الدعاة والمشايخ فكرة بيت العائلة الإبراهيمية التي صاغتها أبو ظبي، حيث برزت الشكوك حول الهدف الحقيقي المعلن من وراء إقامة بيت العائلة الإبراهيمية خاصة من جانب التوقيت الزمني، ففي حين كان إطلاق المشروع أواخر عام 2019، لم تمر سنة حتى تم الإعلان عن اتفاقية تطبيع رسمية علنية لدول عربية مع إسرائيل حملت صبغة دينية بعد تسميتها باتفاقيات أبراهام.

واتفاقيات أبراهام أو إبراهيم هي مجموعة اتفاقيات سلام تم التوقيع عليها بين الإمارات والبحرين ثم تبعتها كل من السودان والمغرب من جهة وإسرائيل من جهة ثانية، تم بموجبها ترسيم العلاقات بين الجانبين كمرجلة أولى في 15 سبتمبر من سنة 2020 في العاصمة الأمريكية واشنطن وقد حضر اللقاء أنداك وزيريْ خارجيتيْ كل من الإمارات والبحرين ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو برعاية الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب[23].

رابعا: أمننة الخطاب الديني في مضمون اتفاقيات أبراهام

لا تعالج اتفاقيات التطبيع الأخيرة الموقعة بين عدد من الدول العربية وإسرائيل إنهاء حالة صراع تطبيع كما كانت خلال الموجات السابقة للتطبيع مع مصر والأردن، فلقد تغيرت المعطيات بالنظر للتغيرات السياقية في المنطقة العربية، حيث أخذت طابعا أمنيا واقتصاديا بالأساس ابتغاء تبييض الصورة النمطية المرسومة في مخيّلة الرأي العام العربي والخليجي بالخصوص تجاه السياسات الاسرائيلية في فلسطين وفي المنطقة ككل.

تكشف البيانات الرسمية كيف تم استدعاء المنظور الديني من أجل تحقيق مكاسب دبلوماسية وسياسية. فمن خلال البيان الذي نشر عبر الموقع الرسمي للحكومة الأمريكية تبين أن الأسلوب المتبع للوصول إلى توقيع اتفاقيات السلام الابراهيمية قد امتاز بالتدرج، فقد ابتدأ البيان بالتأكيد على قيم السلام والتعايش واحترام الحريات الدينية في الشرق الأوسط والعالم، ثم تطرق إلى جهود الأطراف المعنية بدعم ثقافة الحوار والسلام بين الإسلام والمسيحية واليهودية، وأخيرا تم الترحيب باتفاقيات التطبيق مع إسرائيل[24].

يمكننا قراءة فحوى اتفاقيات أبراهام بتسجيل مجموعة من النقاط المرتبطة بكيفيات توظيف الدين -استعمال الابراهيمية تسمية لاتفاقيات السلام- في السياسة الخارجية كما يلي[25]:

  1. التأكيد على أن العرب واليهود ينحدرون من أصل واحد ألا هو سيدنا إبراهيم عليه السلام.
  2. تأكيد الاتفاقيات على دعم جهود الاستقرار والازدهار والسلام في المنطقة وحق كل دولة ذات سيادة بالعيش في أمان.
  3. تحديد ومواجهة التهديدات مع إمكانية استعمال القوة لذلك، وأن المصالح المشتركة تتحقق بالتعاون لا بالصراع.

يتبين من خلال ما سبق بأنه تم الاعتماد على الدين كمدخل رئيس لتبرير القرارات المتخذة في محتوى اتفاقيات السلام الموقعة بين الأطراف المعنية. يقودنا ذلك إلى القول بأن الحل الوحيد الذي رأى من خلاله الموقعون على اتفاقيات أبراهام لمنع قيام معارضة شعبية تكمن في استغلال ورقة الدين عبر تجييش المشاعر وحث شعوب المنطقة على القبول بالديانة الابراهيمية إذا ما أرادوا الأمان والسلام، كما أن استمرار وتزايد العمليات الإرهابية بالمنطقة زاد من الزخم السياسي للفكرة وجعلها محل ترحاب خاصة من قبل الطبقة السياسية في الدول المطبعة.

خامساً: النموذج الشيعي الإيراني

يعد النموذج الايراني من النماذج الاكثر تداخلا بين الدين والسياسة وهذا راجع لعوامل تتراوح بين التاريخية والسياسية والمجتمعية. ولعل بدايات هذا التداخل قد ارتسمت مع بداية الثورة الإسلامية سنة 1979، حيث تولد بعد نجاحها نموذج فريد للحكم تم بموجبه اقتران الديني بالسياسي لأكثر من اربعة عقود كاملة (1979-2022)، وقد انسحب التأثير الديني على السياسة الخارجية الإيرانية كما الداخلية حتى أضحت السياسة نظاما فرعيا للنظام الكلي المتمثل في الدين.

يحيلنا التاريخ السياسي لإيران خاصة في شقّه المرتبط بالدين إلى فهم الأدوار الموسعة للمتغير الديني في الحياة السياسية الإيرانية حاليا، فرغم أن التاريخ السياسي الطويل لإيران والممتد لألاف السنين إلا أنا إرهاصات تقارب الديني والسياسي كانت مع قيام الدولة الصفوية في القرن السادس عشر حين فرضت المذهب الشيعي على جميع أفرادها حتى أولئك غير المنتمين أو المؤمنين بها، حيث وظّفت الدولة الصفوية المذهبية كأساس لإبقاء حكمها وإسكات معارضها، الأمر الذي نتج عنه اتباع معظم الأفراد في إيران للمذهب الشيعي الاثنا عشري وهذا ما يفسر الارتباط الوثيق للمخيال الشعبي الإيراني بالدين في الوقت الحالي[26].

شكّلت إيران من خلال تجاربها التاريخية السابقة نظاما سياسيا تقوده الأطروحات الدينية القائمة على المذهب الاثنا عشري وولاية الفقيه. وبالنظر لكون تشكل أولوية السلطة الدينية على السياسية منذ الثورة الإسلامية سنة 1979 تبين أن الاسلام السياسي في الداخل الايراني قد استفاد من الخطاب الديني في مواجهة الأحزاب المعارضة له التي تم اتهامها بمساعيها للتقارب مع الغرب وإبقاء إيران رهينة له. كما وظفت الأحزاب الإسلامية شعار “لا شرقية ولا غربية إيران جمهورية إسلامية” كلعبة سياسية للإشارة الى أن إيران منذ إعلان الثورة الإسلامية تعد دولة إسلامية مستقلة عن المعسكرين السوفياتي والأمريكي[27].

وقد استغل التيار الديني الأحداث التي مرت بها إيران بعد نجاح الثورة الإسلامية في 1979 التي ساعدتها الظروف والمتغيرات الداخلية والخارجية على تقديم مسوغات دينية لسلوكها السياسي، فقد أسهمت حربها مع العراق في الترويج لفكرة أن صدام حسين تحالف مع الغرب للقضاء على الثورة الإيرانية خاصة أنها كانت في مهدها في العقد الأول لما بعد الثورة. وقد كانت دوائر السلطة الإيرانية شديدة التركيز على الخطاب الديني المتضمن لمفاهيم التدين والجهاد الاستشهاد[28].

والحقيقة أن إقحام المتغيرات والمفردات الدينية في الممارسة السياسية قد رافق السياسة الإيرانية إلى غاية اليوم، ولقد وُظّف من قبل الخميني وخامنئي باعتبارهما المرشد الأعلى للثورة الإسلامية. فعلى سبيل المثال استخدم خامنئي مفردة “من معنا” للدلالة على التيارات والتنظيمات والأفراد الذين يدافعون عن الهوية الإسلامية للثورة ويسعون لإقامة حكومة اسلامية يديرها رجال دين يعكسون قيم الثورة وتعاليم الدين الاسلامي، كما تطرق خامينئي لمفردة “ضدنا” للإشارة لكل من لا يؤمن بالأيديولوجيا الدينية التي أفرزتها الثورة الإسلامية ولا يتبعون ما يقرره المرشد الأعلى للثورة الإسلامية[29].

من الناحية القانونية، تجسّد البعد الديني في الممارسة السياسية من خلال الدستور الايراني لسنة 1979 والتعديلات التي طرأت عليه فيما بعد، حيث ركز على إيجاد رابط عضوي للثورة الإسلامية بالدين وتعاليمه مبرزا بأن تقدمها وتطورها مرتبط بدرجة عقائديتها واحتكامها لشرع الله. كما أشار الدستور إلى محطات تاريخية فارقة أسهمت في تعاضد العلاقة الثنائية أمة-إمام خاصة الصورة التي رسمت في أذهان الشعب الإيراني المتعلقة بكفاح الخميني من أجل استقلالية القرار الوطني ومواجهته للسياسات الأمريكية في بلاده خلال ثورة عام 1963 ونفيه فيما بعد، كما يشير الدستور إلى أن قيام الثورة في إيران كانت ذات بعد ديني بالأساس بعد قيام نظام الشاه 1978 بنشر مقال هاجم فيه الخميني وعلماء الدين وهو الأمر الذي تسبب في قيام معارضة ميدانية ضد النظام الحاكم الذي استعمل القوة لمنع حدوث احتجاجات موسعة ضده[30].

ولقد وظفت الدستور الإيراني، الذي صوّت لصالحه أكثر من 98 بالمئة من الشعب الإيراني، مجموعة مصطلحات دينية يمكن الاستئناس بها لإدراك السياسات المتبعة من قبل المؤسسة الدينية لشرعنة قراراتها، ومن بين المصطلحات المذكورة في الدستور مصطلح الطاغوت كناية على نظام الشاه السابق، ومصطلح حماية المستضعفين والسعي إلى إقامة أمة إسلامية عالمية واحدة تجمع كل الدول والشعوب الإسلامية، كما أشار إلى مفهوم الجهاد بوصفه الأداة الوحيدة لإنقاذ الشعوب المقهورة في العالم. ولتعزيز مكانة رجال الدين في الدستور تمت الإشارة إلى وجوبية أن يدير العلماء الصالحون زمام الحكم في إشارة إلى الولي الفقيه الخميني زيادة على إظفاء البعد العسكري في الخطاب الديني بجعل مهمة الجيش الإيراني تتجاوز الأدوار الكلاسيكية من حماية أمن البلد إلى الجهاد في سبيل الله والجهاد من أجل نشر شرع الله في العالم[31].

يتضح اذن أن للدين مكانة محورية في التوجهات السياسية الإيرانية وهذا ينسحب أيضا على سياستها الخارجية خاصة في ظل انتهاجها لسياسة تصدير الثورة الإسلامية في محيطها الجغرافي الاسلامي، فنجاح ذلك يعني ارتباط المنطقة الإسلامية عضويا وعقائديا بالولي الفقيه. فنظرية تصدير الثورة إذا لا تعترف بالحدود الجغرافية والسياسية للدول الإسلامية في ظل وجود هدف أسمى هو اقامة حكومة اسلامية عالمية[32].

وإلى جانب نظرية تصدير الثورة، تعتمد إيران على ما يسمى بنظرية أم القرى لصاحبها “محمد جواد لاريجاني” الذي نظّر لمسألة مركزية مدينة قم الإيرانية واستئثارها بالعالم الإسلامي بدل مكة المكرمة، أي انتقال العاصمة الإسلامية من السعودية السنية إلى إيران الشيعية. وفي معرض دفاعه عن نظريته، قدّم لاريجاني مسوّغات عقائدية ودينية منها أن الاسلام أمة واحدة لا تجزئها الحدود الجغرافية، وتتمركز عاصمتها في أم القرى بإيران على اعتبار أنه بعد الثورة الإسلامية أصبح الولي الفقيه وليا لكل العالم الاسلامي وليس لإيران فقط[33].

وعلى هذا الأساس، يبرز من خلال نظريتيْ تصدير الثورة ونظرية أم القرى أن المقاربة الجيوبوليتيكية لإيران تتأثر بالأيديولوجيا الدينية، حيث ترسم من خلال السعي إلى التوسع خارج الحدود الوطنية لتصل إلى كل دول العالم الإسلامي تحت غطاء وحدوية الأمة الإسلامية وحماية المستضعفين، ولن يكون ذلك إلا بتحقيق طموحات الجيوبولتيك الشيعي بجعل العالم الإسلامي تحت راية المذهب الشيعي.

لم تبق عملية توظيف الدين لأغراض سياسية حبيسة النصوص الدستورية والخطابات السياسية للجهات الرسمية في إيران، بل تم تطبيقها على أرض الواقع. ومن الأمثلة على ذلك تسييس الخطاب الديني خلال مرحلة الربيع العربي، ففي البحرين على سبيل المثال طالب “علي أكبر ولايتي” مستشار السياسة الخارجية للمرشد الأعلى بضرورة التعامل العادل بين مواطني البحرين وإعطاء الشيعة حقهم[34].

لقد روّجت المؤسسة الدينية الحاكمة في إيران لفكرة مفادها أن قيام ثورات الربيع العربي في الحقيقة ما هي إلا امتداد طبيعي للثورة الإسلامية من حيث أهدافها الدينية المتعلقة بالدفاع عن المستضعفين في وجه المستكبرين، كما أنها تسعى إلى إحداث قطيعة عملية للتبعية الغربية. وقد أشار المرشد الأعلى خامنائي في سنة 2011 إلى أن ما يحدث في تونس وفي باقي دول المنطقة العربية قد تم التنبؤ به من قبل الخميني في فترة سابقة، وقد كان الخطاب الذي قدمه “قاسم سليماني” قائد فيلق القدس الأكثر وضوحا حينما قال بأن لدى إيران القدرة على التأثير في الثورة التونسية وغيرها من الثورات العربية التي قامت من أجل إقامة حكومة اسلامية عالمية[35].

وفي ختام الحديث عن المثال الإيراني يتضح بأنه في ظل الميزة المنفردة لنموذج الحكم في إيران المتأسس على نظريه ولاية الفقيه وعلى المذهب الشيعي 12 قد جعلت منه نموذجا غير محبّب بالنسبة للدول المحيطة وحتى بالنسبة لدول الغرب، ذلك أن النظام السياسي الايراني المدفوع مذهبيا قد أثر على الوضع الجيواستراتيجي لإيران الأمر الذي جعل من معظم الدول غير مستعدة للدخول في شركات وتحالفات حقيقية معها، ويرجع ذلك إلى غياب نماذج تتوافق مع النموذج الإيراني خاصة إذا تحدثنا عن النموذج السعودي السني وكذا النموذج التركي.

 خاتمة:

نستنتج بعد كل ما سبق ذكره بأن الدين لا يزال يمثل أولوية قصوى ضمن استراتيجيات الدول خاصة في سياستها الخارجية. وبغض النظر عن الايديولوجيا المتبعة من قبل الدول سواء التي ترى في الدين نظاما أشمل من منظومتها السياسية أو الدول التي وجّهت جهودها في سبيل الفصل بين الدين والسياسة. وقد تمت الاشارة في مضمون العمل بأن تسيس الخطاب الديني قد تبنته الكثير من الدول بتصنيفاتها المختلفة، العظمى والكبرى، الإقليمية والصغرى، كما تم تنفيذها ضمن مختلف الدوائر الجيوسياسية في العالم، وتبقى المنطقة العربية الدائرة الجيوسياسية الأكثر تأثيرا وتوظيفا للدين في سياسات الدول الخارجية لأسباب تتراوح ما بين السياسي والاقتصادي، ولقد تعددت مشارب تسييس الخطاب الديني على أساس أن هذا الفعل تصوغه فواعل داخل الإقليم العربي وأخرى من خارجه.

يتضح أيضا بأن تسيس الخطاب الديني يرتبط بعدة محددات أهمها ايديولوجيا الفواعل المعنية سواء الدول والجماعات. وفي هذا الصدد قد يتجسد الصراع الايديولوجي بين مناصري الدولة الدينية والمدافعين عن مدنيتها، كما قد يكون المحدد طائفي ومذهبي بين بعض من النظم السياسية العربية أو بينها وإيران على سبيل المثال.

وفي الأخير، تمثل اتفاقيات أبراهام أحدث الترتيبات الإقليمية التي يمكن إدخالها في حيز تسييس الخطاب الديني في ظل مساع أمريكية وطموحات صهيونية وانقسام للصف العربي من أجل تعزيز الوجود الاسرائيلي في المنطقة العربية تحت شعار إحلال السلام فيها. وقد توالت الخطوات في هذا الشأن من خلال موجات التطبيع العربية مع الكيان الصهيوني خاصة خلال فترة رئاسة الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب.

الهوامش والمراجع:

[1] تعريف ميشال فوكو… أو المشتركة في رأي ما، الموسوعة السياسية ،الخطاب السياسي، تم تصفح الموقع يوم 26/07/2022

  www.encyclopedia.org

[2]الشريف حبيلة، الخطاب الديني وإشكالية المفهوم، مجلة الاداب واللغات، العدد 1جوان 2015، ص 69.

[3]محمد عبد الله مكاوي الجريبع،الخطاب الديني في الفضائيات العربية، دراسة في سوسيولوجيا التأثير في الشباب الأردني، رسالة مقمة لنيل متطلبات شهادة الدكتوراه،كلية الدراسات العليا، جامعة الأردن، 2009، ص19.

[4]محمد برعوز، الخطاب الديني والسياسي ومن يملك التأثير الأكبر علينا كمجتمعات، قناة الجزيرة، 2018،تم تصفح الموقع يوم 27/07/2022

www Aljazeera.net.

[5]عياض بن نامي السلمي،تجديد الخطاب الديني مفهومه وظوابطه،مجلة مركز البحوث والدراسات الإسلامية، المجلد 6، العدد 17، 2010.

[6] لموسوعة السياسية ، مدرسة كوبنهاغن في الدراسات الأمنية، copenhagen school of security studies  تم تصفح الموقع يوم 28/07/2022

www.encyclopedia.org.

[7] المرجع نفسه.

[8] توفيق بوستي، مدرسة كوبنهاغن: نحو توسيع وتعميق مفهوم الامن، المعهد الكثير للدراسات، 2019.

[9]نصر الدين حامد ابو زيد،نقد الخطاب الديني،سينا للنشر، ط 2،القاهرة،1994،ص 65.

[10] صامويل هانتغتون، صدام الحضارات، إعادة بناء النظام العالمي،بيروت،:مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق،1995,ص14.

[11] المرجع نفسه، ص 444.

[12] Route. W.mouly: zionism in America, Américan ,journal of theology, september,1983,p98.

[13] خليدة كعسيس، البعد الديني في السياسة الخارجية الأمريكية،2019.     تم تصفح الموقع يوم 22/07/2022

  asjp.cerist.dz.

[14] المرجع نفسه.

[15]يريك لوران، عالم بوش السري،الديانة والمعتقدات الاعمال والشبكات الخفية،تر سوزان قازان، بيروت، دار الخيال، 2003 ،ص 96.

[16] . Mark Souva, “ Foreign Policy Determinants: Comparing Realist and domestic- Political Models of Foreign policy”, Conflict Management and Peace Science, 23. Feb 2007, PP 149-163. 

The White house, Remarks by President Biden and Prime Minister Yair Lapid of the State of Israel, Jerusalem, July 14, 2022, 2:34 pm.

[17] The White house, Remarks by President Barack Obama to the people of Israel, March 21, 2013m 4:37 pm.

[18] Dianne Kirby, The Cold War and American religion, Oxford research encyclopedias, Religion, May 24, 2017, pp. 4-5.

[19] Fearghas OBeara, Russias war on Ukraine, the religious dimension, European Parliamantary, April 2022, p 1.

[20] Vladimir Putin, on the historical unity of Russians and Ukrainians, Kremlin, July 12, 2021, Accessed July 28, 2022 at 11:30.

[21] Abrahamic house, accessed in July 26, 2022, at 9:30.

[22] بيت العائلة الإبراهيمية، ترجمة إماراتية لوثيقة الأخوة الإنسانية على أرض الواقع، العين الإخبارية، الخميس 3 مارس 2022، 8:18.

[23] محجوب الزويري، موجة التطبيع الجديدة، رمال متحركة أم زلزال كبير؟ مبادرة الإصلاح العربي، 16 سبتمبر 2021، ص 2.

[24] The Abraham Accords Declaration, Department of State, Accessed in July 27, 2022, at 16:11.

[25] Abraham accords peace agreement: treaty of peace, diplomatic relations and full normalization between the United Arab Emirates and the State of Israel, Washington 15 September 2020.

Abraham accords: Declaration of peace, cooperation and constructive diplomatic and friendly relations, announced by the State of Israel and the Kingdom of Bahrain, 15 September 2020.

[26] هيثم مزاحم، الدين والدولة في إيران، أثر ولاية الفقيه على السياسات الداخلية والخارجية، مجلة الدراسات الإيرانية، مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية، السنة الثانية، ع5، ديسمبر 2017، ص 10.

[27] فاطمة الصمادي، التيارات السياسية في إيران، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، أفريل 2012، ص ص 49- 50.

[28] المرجع نفسه، ص 51، 52.

[29] المرجع نفسه، ص 59.

[30] الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وزارة الشؤون الخارجية، الدستور الإيراني، تم تصفح الموقع يوم 27/7/2022، على الساعة 18:30.

[31] نفس المرجع.

[32] فراس إلياس، الجيوبولتيك الشيعي والمخيلة الجيواستراتيجية الإيرانية، مجالات التأثير وبناء النفوذ، مركز الجزيرة للدراسات، 5 ديسمبر 2019، ص 7.

[33] محمد جواد لاريجاني، مقولات في الاستراتيجية الوطنية، شرح نظرية أم القرى الشيعية، تر: نبيل علي العتوم، السعودية، دار الدراسات العلمية للنشر والتوزيع، 2013، ص ص 89-102.

[34] أفشان أستوار، المعضلات الطائفية في السياسة الخارجية الإيرانية حين تتصادم سياسات الهوية مع الاستراتيجية، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، نوفمبر 2016، ص 23.

[35] ياسر ابراهيم عمر سلامة، السياسة الإيرانية تجاه ثورات الربيع العربي، الثورة السورية نموذجا، رسالة ماجستير في التخطيط والتنمية، جامعة النجاح الوطنية: كلية الدراسات العليا، فلسطين، 2018، ص ص 127-128.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Enable Notifications    OK No thanks