دراسات وبحوث

توظيفات الذكاء الاصطناعي في التحيز ضد الإسلام: رؤية في أبرز المخاطر وإجراءات المواجهة

توظيفات الذكاء الاصطناعي في التحيز ضد الإسلام: رؤية في أبرز المخاطر وإجراءات المواجهة

د. عبد الحق دحمان

مركز المجدد للبحوث والدراسات 

مقدمة:

يُعد موضوع الذكاء الاصطناعي* اليوم أحد أبرز القضايا التي تشغل الباحثين في التكنولوجيا العالية والدقيقة، وكذلك في باقي الحقول الأخرى نظراًّ لربطها بالمنتجات والخدمات البشرية من أجل تقديم عدة مساهمات الغرض منها تبسيط وتسهيل الحياة الانسانية في مختلف المجالات في حالة إذا ما تم استخدامها وفق نهج أخلاقي مستدام يتضمن مجموعة من المبادئ كالعدالة والموضوعية والشفافية والمساءلة والمساواة، وهي مبادئ تهدف بشكل عام إلى منع أي تحيز لطرف معين ضد طرف آخر، غير أن بروز عدة إشكالات وازدياد مظاهر التحيز خلال السنوات الأخيرة طرح عدة تساؤلات حول مدى موضوعية منتجات الذكاء الاصطناعي خاصة عند الحديث عن صورة المسلمين في ألعاب فيديو وشبكات التواصل الاجتماعي والتطبيقات الالكترونية، إذ يتم في العديد من الأحيان ربطهم بطرق إبداعية بالعنف والإرهاب والشغب عمداً، وذلك كآليات جديدة يتم زرعها في العقل البشري الآني والمستقبلي من أجل بث الكراهية ضدهم أو بغرض الترويج لبرامج ودعايات سياسية تسيء إليهم عبر محتويات ومعلومات زائفة.

وبطبيعة الحال فإن مثل هذه المحتويات التحيزية عوامل مساهمة في نشر الإسلاموفوبيا في الغرب وتعمل على زيادة التحريض ضد المسلمين بطرق إبداعية يصعب رصدها في عالم “فوكا”**، لذلك فإنه اليوم يمثل أحد المواضيع الساخنة التي كثيراً ما يُشار إليها في وسائل الإعلام والمنابر السياسية والدينية نظراً للمخاطر الآنية والمستقبلية التي يُحدثها باعتباره أحد المؤثرات الناعمة التوجيهية التي تؤثر على المنظومة القيمية والهوياتية على الأمة الإسلامية وثوابتها المختلفة، وعلى هذا الأساس فإن هذه الورقة البحثية تحاول البحث في موضوع الذكاء الصناعي حيال المسلمين انطلاقاً من طرح التساؤلات الآتية: ما المقصود بالذكاء الاصطناعي؟ وما هي أبرز مظاهر تحيزه حيال المسلمين؟ وكيف يتم مواجهة ذلك؟ وللإجابة عن هذه التساؤلات سيتم التطرق إلى أربع عناصر أساسية:

  • أولاًّ: لمحة عامة حول الذكاء الصناعي
  • ثانياً: مظاهر تحيز الذكاء الاصطناعي حيال الإسلام
  • ثالثاً: الخطوات التي يجب اتخاذها لمواجهة لتوظيف وتحيز الذكاء الاصطناعي ضد الإسلام

أولاً: لمحة عامة حول الذكاء الاصطناعي: 

الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) هو عبارة عن مصطلح ازداد استخدامه مؤخراً بشكل كبير نظراً للتطور التقني والتكنولوجي الذي يشهده العالم في مجال تطوير الآلات والروبوتات، رغم أنه كان عبارة عن سيناريوهات يتم استخدامها لإنتاج أفلام الخيال في منتصف القرن العشرين، غير أنه أصبح اليوم واقعاً ملموساً يتم اللجوء إليه في الكثير من الأوقات.

ومن بين التعريفات المقدمة حول الذكاء الاصطناعي نجد الآتية: 

  • هو أحد العلوم التي نتجت عن تطور الثورة التكنولوجية المعاصرة بدأ رسمياً في عام 1956 في كلية دارتموث بالولايات المتحدة الأمريكية أثناء انعقاد اجتماع بين أربع باحثين أمريكيين، وهم جون مكارثي، مارفن منيسكي، ناثانييل روتشستر وكلود شانون، إذ كانوا يرون بأن العالم بصدد تأسيس ذكاء سموه بالاصطناعي يحاكي قدرات الذكاء لدى البشر، ولديه القدرة على معالجة المعلومات من خلال فهم العمليات الذهنية المعقدة والدقيقة التي يقوم بها البشر، ومن ثم ترجمتها فيما بعد إلى عمليات حسابية، لذلك فإن الذكاء الاصطناعي في البداية كان يعتبر أحد مجالات الكمبيوتر التي تقوم بأداء مهام تحاكي العقل البشري، ولقد عرفه “جون مكارثي” John McCarthy أحد أبرز مؤسسي حقل الذكاء الاصطناعي – أبو الذكاء الاصطناعي- على أنه: “علم هندسة وصناعة الآلات الذكية التي تقوم بمحاكاة العمليات العقلية الأساسية للسلوكات البشرية الذكية، وبناء أنظمة اصطناعية تمكن الكمبيوتر بالقيام بأعمال لا يمكن تحقيقها إلا عن طريق الذكاء البشري” ، ولكن الذكاء الاصطناعي لم يتوقف فقط عند هذا الحد حسب وصف العالم جون مكارثي، بل تطور بشكل جد معقد، وأصبح يحاكي مسائل عديدة للسلوك البشري كانت في عهد قريب حكراً فقط على الإنسان كالحوار والإجابة والتعلم والإبداع.
  • هو فرع من فروع علم الكمبيوتر، إذ يتضمن العديد من البرامج التي تحاكي الذكاء البشري، بحيث يمكن عبره من خلال استخدام الخوازميات حل المشكلات وفهم الرموز واللغات ومعرفة أوجه الاختلاف والتشابه، وإدراك الكثير من الأمور .
  • هو التيار العلمي والتقني الذي يضم الطرق والنظريات والتقنيات التي تهدف إلى إنشاء آلات قادرة على محاكاة الذكاء البشري.
  • هو الذكاء* الذي تبديه مختلف البرامج والآلات والأنظمة الذكية بما يحاكي القدرات البشرية في التعلم، والمقارنة والاستنتاج ورد الفعل وتصحيح الأخطاء؛ أي كل عمل يمكن اعتباره ذكياً.

وبالتالي نخلص من خلال التعريفات المقدمة بأنه يمكن الحكم على أي منتج يحمل صفة الذكاء بأنه ذكاء اصطناعي إذا تناول مجموعة من المعايير والمتطلبات القادرة على التعميم والتجريد، ومعرفة أوجه الشبه بين المواقف المختلفة والتكيف واكتشاف الأخطاء وتصحيحها لتحسين الأداء في المستقبل، فهو يهتم بالعمليات المعرفية التي يستخدمها الإنسان في تأدية الأعمال الذكية، ومن أمثلة ذلك: المسائل الرياضية المعقدة، الروبوت، ألعاب الفيديو المتطورة، حل الألغاز والعمليات المعقدة.

كما يمكن استخلاص أبرز السمات التي تميز الذكاء الاصطناعي من خلال النقاط الآتية:

  • يتخذ القرار من تلقاء نفسه بناءً على مجموعة من الخوارزميات والعمليات المعقدة التي تكشف وتنتج كميات هائلة من المعلومات في زمن قياسي.
  • حل المشاكل المختلفة والقدرة على الاستجابة للمواقف والظروف المتغيرة والتعامل معها سواء كانت صعبة أو معقدة.
  • هو وسيلة لدعم الذكاء البشري وتقديم رؤى لتحسين الأداء والعملية الانتاجية في مختلف المجالات.
  • يسمح الذكاء الاصطناعي بإعادة النظر في كيفية تحليل البيانات وكذا المعلومات ثم استخدامها لاتخاذ قرارات أفضل ودقيقة تكون فيها نسبة الخطأ نادرة .

ويقابل الذكاء الاصطناعي الذكاء البشري*، إذ يهدف الأول إلى تقليد الثاني عبر محاكاة السلوك الإنساني المتسم بالذكاء، وبطريقة أسرع من خلال حل المسائل المعقدة بالرجوع إلى العديد من العمليات الاستدلالية والخوارزميات والتطور الحاصل في تقنية المعلومات، ولقد أصبح حاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى، لذلك فإن الدول المتقدمة والنامية والمؤسسات الدولية ومراكز الفكر الرائدة، بالإضافة إلى مجتمعات الأعمال تهتم وترصد كافة التطورات الخاصة به لما له من فوائد وانعكاسات مرتقبة على مختلف المجالات.

أما عن تاريخه فترجع فكرة الذكاء الاصطناعي إلى العصور القديمة، فلقد اهتم العديد من الفلاسفة بمفهوم الذكاء الاصطناعي منذ أكثر من 2000 سنة، ومع تطور العلوم تطور حلم الإنسان في هذا المجال، ففي القرن 16 بعد اختراع آلة الساعة كأول حيوان ميكانيكي متحرك صنع المخترعين كماً هائلاً من الآلات المتحركة، ولم يدم الانتظار طويلاً حتى أتت سنة 1941 لتحمل معها أكبر اختراعات القرن التي أحدثت نقلة نوعية وجذرية في حياة البشر، وذلك باختراع الحاسوب، وبه دخل العالم والعلم والذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة حافلة بتطورات سريعة ومذهلة، حيث بدأ من ستينيات القرن العشرين يغزو مجالات واسعة من حياة الإنسان، ولقد امتد استعماله من تخزين المعلومات وإرسالها وحل المسائل الرياضية إلى الاعتماد عليه في مجالات أخرى كالصناعة والتجارة ثم التعليم والصحة والحرب والإدارة .

وعند الحديث عن تطور وبروز الذكاء الاصطناعي كمصطلح ومفهوم، فيمكن ربطه بالمحاولات والاجتهادات التي بذلها الباحثون والعلماء من أجل اختراع برامج وآلات ذكية ضمن المؤسسات والشركات الحاضنة في الخمسينيات بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث عمد الباحثون آنذاك إلى بلورة مشروع الذكاء الاصطناعي، وعموماً يمكن تقسيم تطور وتاريخ الذكاء الاصطناعي إلى عدة مراحل:

  • المرحلة الأولى؛ وهي بداية بروز وظهور الذكاء الاصطناعي، حيث بدأت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية (WW2)، وتميزت هذه المرحلة بإيجاد حلول لبعض الألعاب (الشطرنج)، وفك الألغاز، وتطوير النمذجة الحسابية.
  • المرحلة الثانية؛كانت في فترة الستينيات، ولقد عرفت قفزة نوعية في تطوير البرامج المتعددة الاستخدامات، إذ كانت أعمال جون كارثي تتمثل في تطوير برنامج لغوي يتميز باستخدام اللغة الرمزية بدلاً من الرقمية، كما أفرزت هذه الفترة إنجازات أخرى مهمة مست الروبوتيك والبرمجة والتكامل ومعالجة المعادلات الدقيقة.
  • المرحلة الثالثة؛ وتشمل فترة السبعينيات والثمانينيات، حيث تواصلت فيها البحوث بشكل مكثف، لكن ما يميز هذه المرحلة هو بروز تخصصات دقيقة في حقل الذكاء الاصطناعي نظراً لكثرة النظريات والمفاهيم والأفكار وتشعبها.
  • المرحلة الأخيرة؛ من نهاية الحرب الباردة (CW) إلى غاية اليوم، ولقد اتسع فيها مجال البحث في الذكاء الاصطناعي، وتم استخدامه في العديد من المجالات بما فيها الحرب والتعليم والصحة لخدمة البشر وتسهيل الكثير من المتطلبات، وما يميزها تطور التطبيقات والبرامج والابتكارات بشكل جد متسارع وكبير .

ومن ناحية أخرى يتضمن الذكاء الاصطناعي مكونات (عائلة) تشمل مجموعة متنوعة من التطبيقات الجديدة العلمية التي يستخدمها البشر لتطوير الابتكارات والأجهزة والآلات، وتتمثل في النظم الخبيرة؛ ويقصد بها مجموعة من البرامج المصممة من أجل الاستدلالات البارعة تحاكي الخبرة الانسانية في حل المشاكل عبر وجود قاعدة معرفية، إذ يمكن استخدامها من قبل الخبراء وغير الخبراء لتحسين مخرجاتهم ونشر معارفهم المختلفة. وكذلك الشبكة العصبية؛ وهي إحدى عناصر الذكاء الاصطناعي المهمة جداً، إذ جاءت كمحاولة طموحة لمحاكاة طريقة عمل الدماغ البشري في اتخاذ القرارات الذكية، ولقد وُلدت فكرتها من علم التشريح ودراسة الخلايا العصبية، وتقدم هذه الشبكة نمودجاً معرفياً متميزاً؛ لكونها تستطيع أن تتعلم من المعلومات التي قامت بمعالجتها، فهي تستطيع أن تحلل كمية كبيرة من البيانات، ومن ثم تضع خصائصها في مواقع أو قواعد منطقية لم تكن معروفة مُسبقاً، وتعمل الشبكات بشكل متوازي ومتفاعل ديناميكياً لتحليل البيانات في بيئة معتمدة على الطبيعة المعقدة للدماغ البشري، لذا يتم اللجوء إلى استخدامها من أجل حل المشاكل الصعبة التي تحتوي على كميات كبيرة من البيانات، والتي يصعب على الإنسان تحليلها في وقت وجيز.

إضافة إلى ذلك فهناك الروبوتيك؛ وهو من بين الأجهزة الميكانيكية والمرنة التي لها القدرة على تحريك ونقل المواد وتركيبها، وهو يقوم بالأعمال والمهام التي تكون فيها خطورة على الإنسان، ويتميز بالدقة والسرعة، ومن أمثلة الشركات التي تعتمد على الروبوتيك شركة “فورد” Ford التي تستخدم الإنسان الآلي بنسبة 98 بالمئة لأداء عملها عبر توجيهه ببرامج متطورة، ويوجد كذلك مكون آخر يسمى بنظام معالجة اللغات الطبيعية؛ وهو فرع من علوم الذكاء الاصطناعي مهمته صناعة برمجيات قادرة على تحليل ومحاكاة اللغة الطبيعية مثل توليد النصوص والترجمة والكلام آلياً

كما يتضمن الذكاء الاصطناعي مكون يسمى بــ: منطق الغموض؛ وهو أحد أشكال المنطق الذي ساهم في نشأته العالم الإيراني “لطفي زادة” سنة 1956 في جامعة كاليفورنيا، إذ استخدمه كطريقة مطورة وأفضل لمعالجة البيانات، لكن لم تحظى نظريته بالاهتمام حتى عام 1974 حيث تم استخدام منطق الغموض في تنظيم محرك بخاري، ثم تطورت تطبيقاته حتى وصلت لتصنيع شريحة منطق ضبابي استعملت في العديد من المنتجات كآلات التصوير والكاميرا، ويسمى المكون الأخير للذكاء الاصطناعي بــ: نظام الرؤية، وتتمثل مهمته الأساسية في قراءة النصوص المطبوعة والمكتوبة باليد في البرامج المستخدمة الالكترونية والمرتبطة بنظام الرؤية الذكية لها القدرة ليس فقط في إنتاج الصورة، وإنما أيضاً البحث في الصور المرغوب فيها بدقة .

ثانياً: مظاهر تحيز الذكاء الاصطناعي ضد الإسلام

دائماً ما توجد علاقة ترابط بين إنجازات والأبحاث المبهرة التي تحدث في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وأيضاً الخطاب الأخلاقي المتعلق بهذا المجال، فكلما ازدادت نجاحات وإنجازات البحث العلمي كلما تطور الجانب الأخلاقي، لذلك فإن أغلب الشركات والحاضنات المنتجة لبرامج وآلات الذكاء الاصطناعي تحاول مراعاة هذا الجانب غالباً، ولقد أشار الفقيه الحجوي الثعالبي إلى هذه القاعدة أيضاً في حديثه عن العلاقة بين الاجتهاد الإسلامي والعلوم الحديثة، وتنطبق هذه القاعدة على مجال الذكاء الاصطناعي، حيث دائماً ما نجد الحضور القوي للخطاب الأخلاقي في مراحل ازدهار البحث العلمي ومدى التزامه بمعايير أخلاقية حتى لا تكون هناك تداعيات سلبية على المجتمع .

ويذكر في هذا الصدد “آرثر صامويل” Arthur Samul ؛ وهو أحد رواد الذكاء الاصطناعي وألعاب الكمبيوتر، ومعروف بإسهاماته في مجال تطوير تقنيات الألعاب كالضامة / الدمة (Checkers) في تقييمه للجانب الأخلاقي للذكاء الاصطناعي ومدى تهديده للبشرية، بأنه صحيح هناك عمل شاق وكبير من طرف الباحثين لبرمجة الآلات وتطوير قدراتها، غير أن استخدامها قد يكون خير أو شر (نعمة أو نقمة)، فازدهار الكثير من الآلات ساهمت في توفير العمالة، وكان لها أثر إيجابي في حياة الإنسان، لكن في نفس الوقت قد يكون كارثة إذا ما تم توجيهه للحرب من أجل القتل أو استهداف فئات معينة – التحيز- قصد الإضرار بقيمها ومقدساتها ورموزها الدينية .

ومن الواضح أن هناك قلق متزايد يكتنف هذا الأمر كلما دار الحديث عن الجانب الأخلاقي وحول مفهوم اعتدال المحتوى دون تحيزه، لا سيما إذا تحدثنا عن الإسلام الذي يتم استهدافه مؤخراً بشكل عمدي من طرف بعض شركات إنتاج الذكاء الاصطناعي قصد زرع الفوبيا من الإسلام لدى مستخدميها، ومن أمثلة ذلك ما نشره موقع فوكس كتقرير أعده “سيغال صامويل” Sigal Samuel حول مشكلة الذكاء الاصطناعي مع الإسلام، إذ يشير بأن الجيل الثالث من برمجية التنبؤ اللغوي (جي بي تي -3-) ذكي وشعوري، ويقول أشياء سيئة عن الإسلام بطريقة عمدية، فلقد أوضح التقرير بأنه مثلاً لو طُلب منك إكمال جملة مثل “دخل المسلمان إلى…”، فما هي الكلمة التي ستضيفها؟، وقد يبدو الأمر مزاحاً، لكن عندما قام مجموعة من الباحثين والخبراء بجامعة ستانفورد بتلقين الجملة غير المكتملة لهذا النظام تبين أنه يُولد نصوصاً تربط الإسلام بالعنف والإرهاب مثل: “مسلمان دخلا معبداً يهودياً بالفؤوس والقنابل”، وكذلك “مسلمان دخلا مسابقة رسوم كرتونية وفتحا النار”.

ولقد وثق وأكد على ذلك الباحث أبو بكر عابد في دراسة عميقة نشرتها مجلة “نيتشر ماشين إنتلجنس” Nature of Machine Intelligence حول “جي بي تي -3-“، وتعاملها مع المسلمين أنه عندما تم استبدال كلمة مسلمين بكلمة مسيحيين انتقل الذكاء الاصطناعي من تقديم إجابات تربط الإسلام بالعنف في نسبة 66 بالمئة من الطلبات إلى 20 بالمئة، وهو دليل واضح على تحيز هذه التقنية ضد المسلمين مقارنة بالأديان الأخرى.

وتجدر الإشارة أنه في السابق كان التحيز مرتكز فقط على الملونين والنساء، لكن التحيز ضد الدين لم يتم التركيز عليه إلا مؤخراً، لذلك فإن التطورات في الخمس سنوات الأخيرة تشير إلا أنه رغم وجود مواثيق أخلاقيات تعتمدها الشركات في منتاجاتها، غير أن هناك تصاميم متحيزة ضد المسلمين كفئة مستهدفة، لاسيما إذا تحدثنا عن مختبر “أوبن إي أي” مطور نموذج جي بي تي -3- .

ومن الأمثلة الأخرى أيضاً على التحيز ضد الإسلام نجد لعبة “فورتنايت” Fortnite التي أحدثت موجة من الغضب لدى المسلمين والمؤسسات الدينية على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب تطويرها لإحدى مراحل اللعبة تحتوي على هدم مجسد الكعبة والعبث بها، وهذا الأمر من شأنه أن يمس بعقيدة الأفراد المسلمين ويشوش مفاهيهم وهويتهم، ويهون من شأن مقدساتهم.

ومن ناحية أخرى فإنه غالباً ما يتم تصوير في عدة ألعاب مثل “Call of Duty” أو “Battlefield” العدو إما شرق أوسطي مسلم أو روسي، وهذا التحديد مقصود بحيث يتم تصوير أماكن في حالة من الفوضى يتواجد فيها المسلمين في حالة لا يرثى، وبالإمكان قتلهم بسهولة عكس الدماء الغربية التي دائماً ما يتم الترويج لها على أنها “القائد القوي” أو “فاعل الخير”، وبذلك فإن هذا التصنيف في الألعاب حقيقةً هو تصنيف تحيزي يضع المسلمين أقل مرتبة من الأجناس الأخرى .

ثالثاً: الخطوات التي يجب اتخاذها لمواجهة لتوظيف وتحيز الذكاء الاصطناعي ضد الإسلام

وُلد الذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون* بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو يحمل سمات البحث العلمي، ولقد أثبت بأنه قادر على حل الكثير من المشاكل التي تواجهها البشرية في هذا العالم الذي زاد تشبيكه في القرن الواحد العشرين غير أن علاقتها مع القيم أحدثت جدلاً واسعاً خصوصاً مع التحيزات العديدة التي برزت في شاكلة إسلاموفوبيا جديدة ضد العالم الإسلامي، وفي هذا الصدد يُجمع مختلف العلماء المسلمين تقريباً بأنه لا جدل في الاستفادة من التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي بما يخدم الأمة الإسلامية ويساهم في تطويرها دون المساس بحرمة الدين ورموزه وقيم الأمة ، غير أنه في نفس الوقت يجب حماية الإسلام من تحيزات بعض الشركات المنتجة والمصممة للذكاء الاصطناعي عبر اتخاذ مجموعة من الآليات والإجراءات أبرزها مايلي:

  • التجديد والتكيف: إن المعرفة المتجددة والمتكيفة مع متطلبات العصر لا تموت، لذلك فإن توظيف مختلف التطبيقات والذكاء الاصطناعي هو مطلب أساسي اليوم يستدعي توفر المهارات والمؤهلات اللازمة حتى يتم من خلالها هندسة كيفية التعامل مع ثقافة المعلومات والاتصالات مع مراعاة جانب القيم، وبذلك فإن هذه الآلية تؤثر أولاً وتساهم في الحفاظ على القيم الإسلامية، وثانياً تساعد البشرية على فهم الإسلام بطريقة صحيحة من المصدر، وليس من الشركات التي تحاول توظيف الإسلام بغية الوصول إلى مآرب معينة. ولتحقيقه يتطلب ذلك توفر نقطة مهمة جداً، وهي القدرة على إنتاج الذكاء الاصطناعي وتصديره ونشره، وهو تحدي يجب تجاوزه من خلال امتلاك المعرفة والآليات التي تقود إلى ذلك حتى تكون كفة العالم الإسلامي لديها القدرة على ردع الإساءات إلى الإسلام.
  • توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الدين الإسلامي: يُستخدم الذكاء الاصطناعي لمهام عديدة، لكن من الأحرى أن نضع سؤالاً مهماً، وهو كيف نساهم نحن أيضاً كعالم إسلامي عبر الذكاء الاصطناعي في خدمة ديننا الحنيف؟ وهل يمكن باستثماره الرد على التحيز الذكي ضد الإسلام؟

نعم، يمكن ذلك لكن لا بد من امتلاك التقنية المناسبة والاهتمام بهذا الجانب عبر توظيف الأنظمة الخبيرة (Expert System) التي يمكن من خلالها بناء قاعدة معرفية تتضمن وتحتوي الكثير من المصادر والمراجع التي تروج للمعلومات الصحيحة عن الإسلام وتفند الأطروحات المزيفة والباطلة

  • إقامة حوار حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي بين الشعوب والحضارات: في هذا الجانب لا بد من دعوة الجهات الفاعلة كالشركات ومراكز الفكر والحكومات ومؤسسات المجتمع المدني من أجل تطوير إطار أخلاقي للذكاء الاصطناعي يتضمن الابتعاد عن التحيز، وهو أمر يتطلب التفكير بمستوى عالي وتنسيق لتجنب اتباع أي نهج مضر بأي جهة من الجهات بما فيها الإسلام، كما أنه لا بد أن تتوجه منظمة المؤتمر العالمي الإسلامي بصفة رسمية للعمل في هذا المجال بشكل مباشر، خصوصاً وأن مظاهره أصبحت منتشرة مثله مثل مظاهر الإسلاموفوبيا .
  • تكييف القوانين واللوائح والسياسات حيال برامج الذكاء الاصطناعي ومنتجاتها التي تضر بالإسلام والمسلمين ومواكبة تطوراتها حتى لا تكون هناك ثغرات عديدة، وهذا أمر ضروري نظراً إلى تنامي جمع البيانات الواسعة الانتشار والخوارزميات الجاهزة.
  • زيادة الاهتمام والعناية بدور التقنية في مؤسسات الأوقاف وتطوير الدعاة تقنياً وفق مستجدات العصر حول طرق التعامل الصحيح والدقيق مع التقنيات الحديثة عبر متخصصين في أعمال البرمجة حتى تكون لهم رؤية في تبصير الأمة والشعوب بهذا التحيز لبعض تقنيات الذكاء الاصطناعي حيال الإسلام.
  • فرض عقوبات على الشركات ومصادر تمويلها التي تروج بطريقة سلبية في تقنياتها وبرامجها عن الإسلام، خاصة وأن الكتلة الإسلامية كتلة مستهلكة وكبيرة لتقنيات وبرامج الذكاء الاصطناعي مما يعني أن لديها القدرة على التأثير المادي والرمزي على كل من يُسيئ للإسلام، ومن أمثلة الإصدار الجديد للعبة (Call of Duty) الذي أثار غضب الكثير من مستخدميها المسلمين والعرب بسبب مشاهد مسيئة للإسلام عندما أظهر أحد مقاطع اللعبة صفحة من القرآن الكريم ملقاة على الأرض، مما دفع الكثير من الناشطين إلى تدشين حملات لمقاطعة هذه اللعبة وتحيزها ضد الإسلام، وهو ما دفع هذه الشركة إلى الاعتذار، وإزالة هذه الصورة بعد حذف التطبيق من طرف مستخدميه والامتناع عن شرائه.

خاتمة:

وفي الأخير نخلص بأن تقنيات الذكاء الاصطناعي هي عبارة عن عمل بشري القصد منه محاكاة ذكاء الإنسان في تفكيره وسلوكاته قصد استخدامه كوسيلة لتسهيل حياة البشرية، غير أنه كمنتوج غربي تم توظيفه في السنوات الأخيرة لنشر الإسلاموفوبيا في الكثير من الدول عبر نشر رموز ولغات وألغاز تربط الإسلام بالعنف والإرهاب، لذلك فيجب منا كمسلمين التنبه إلى ذلك، وبذل الكثير من الجهود في سبيل دحض هذه الادعاءات، وذلك من خلال العناية بالتقنية وفق مستجدات العصر، وإثراء مجال الذكاء الاصطناعي بمحتوى صحيح غير تحيزي ومزيف يهدف إلى الرفع والتعزيز من مكانة المسلمين.

كما يجب عدم الاستهانة بمثل هذه الأمور التي ربما تبدوا بسيطة لكنها في الحقيقة تقنيات جد عالية التأثير على عقول المستقبلين والمستخدمين من خلال ترسيخ الطابع العلائقي بين الإسلام والعنف لديهم من النمذجة التكرارية والتراتبية ضمن نطاقهم المعرفي مما يؤدي إلى كره المسلمين والتعصب ضدهم، فهي أحد الأدوات التي تندرج ضمن القوة الناعمة (Soflt Power) لمحاربة الإسلام ليس فقط ضمن المرحلة الراهنة، بل حتى في المدى المتوسط والبعيد، ولأن أثر هذه التقنية يمس الأجيال الحالية والمستقبلية خاصة المقبلين بكثرة على الألعاب ذات التقنية العالية؛ والتي يتم فيها استعمال رموز وإيحاءات تمييزية ومسيئة للإسلام فيجب اتخاذ إجراءات استباقية لمواجهتها، وفي الحقيقة فإن مواجهة هذه الأمور والتحيزات يتطلب أيضاً توفر التقنيات والآليات المناسبة لمجابهتها وللحد من أساليب التمييز الديني والاجتماعي الذي تغرسه في تصاميمها، وكذلك باتخاذ إجراءات أخرى قانونية واقتصادية وسياسية وتوعوية ضدها حتى لا تكون الأمة الإسلامية في وضع مستقبل لها فقط دون رقابة على محتواها وما تتضمنه من رموز وشعارات وألغاز مسيئة، ولما لا تؤسس مراكز بحثية تُجسر بين الخبراء المسلمين في مجال الذكاء الاصطناعي وتخصصات أخرى؛ كعلم الاجتماع والسياسة والقانون والأمن والدين يتعاونون فيما بينهم لرصد أبرز نقاط استهداف الأمة الإسلامية والإساءة إليها في محتويات تصاميم وبرامج الذكاء الاصطناعي الذي قد لا يراعي الجانب الأخلاقي والموضوعي.

قائمة المراجع:

أولاً: باللغة العربية:

  1. إبراهيم درويش، فوكس : حتى الذكاء الاصطناعي “إسلاموفوبي” ومتحيز ضد المسلمين، القدس العربي، انظر الرابط الإلكتروني الآتي:

https://www.alquds.co.uk. (20/2/2022).

  1. آدم محمد علي، الإسلام والعربية في عصر الذكاء الاصطناعي، انظر الرابط الإلكتروني الآتي:

https://jurnal.ar-raniry.ac.id/index.php/icis/article/view/12646. (26/2/2022).

  1. آلان بونيه، تر: علي صبري فرغلي، الذكاء الاصطناعي: واقعه ومستقبله، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1993.
  2. رشيد درغاوي، الذكاء الاصطناعي كحل بديل لمكافحة الصدمات الوبائية المستقبلية (فيروس كورونا نموذجاً)، المجلد 58، العدد 2، السنة 2021.
  3. سليمان يعقوب، الذكاء الاصطناعي، مجلة البدر، المجلد 4، العدد 1، جانفي 2012.
  4. سنجاي تشاولا، فهم المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، معهد قطر لبحوث الحوسبة، جامعة حمد بن خليفة، انظر الرابط الآتي:

https://www.hbku.edu.qa/ar/node/10376/pdf.(18/2/2022).

  1. عبير فؤاد، ألعاب الفيديو تطلق النيران على شرقي الملامح، انظر الرابط الإلكتروني الآتي:

https://islamonline.net/.(19/2/2022).

  1. غادة المنجم وآخرون، الذكاء الاصطناعي، كلية العلوم الإدارية، جامعة الملك سعود، الرياض، د س ن.
  2. غسان قاسم اللامي، إدارة التكنولوجيا- مفاهيم ومداخل تقنيات تطبيقية، عمان : دار المناهج للنشر والتوزيع، 2007.
  3. محمد غالي، أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق، انظر الرابط الآتي:

https://www.cilecenter.org/ar/resources/articles-essays/akhlaqyat-aldhka-alastnay-3-altarykh-almasr.(23/2/2022).

  1. محمد ماجد خشبة، أماني الريس، الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل أنماط التنمية والنشاط الإنساني، المجلة المصرية للتنمية والتخطيط، المجلد 27، العدد 2، ديسمبر 2019.
  2. مولاي أمينة وآخرون، تطبيق الذكاء الاصطناعي والعاطفي في اتخاذ القرار، مجلة مجاميع المعرفة، المجلد 7، عدد 1، أفريل 2021.
  3. نادية شريف، فورتنايت والمساس بالمعتقدات.. من الركوع للأصنام إلى هدم الكعبة، انظر الرابط الإلكتروني الآتي:

https://www.echoroukonline.com/.(25/2/2022).

نواف محمد، توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة السنة النبوية باستخدام النظم الخبيرة، نمذجيات، انظر الرابط الآتي:

https://www.nmthgiat.com /.(26/2/2022).

  1. هيبة حمدي، التكنولوجيا الذكية تدخل مزايدات الحلال والحرام، جريدة العرب، السنة 43، العدد 11974، 17 فيفري 2021.

ثانياً: باللغات الأجنبية

  1. Luger, George F. Artificial Intelligence Structure and Strategies for complex problem solving, 5th ed England : Addition Wesley, 2004.
  2. Di, yi and Deyi li, Artificial Intelligence with Uncertainly, New York: Francis group, 2008.
  3. Ziyad Salah, Artificial Intelligence Definition, Ethics and Standars, p3-5, look at the link :
  4. Intelligence Artificielle : Définition, Conseils, Comparatifs, voir le lein :

https://www.journaldunet.com/solutions/dsi/1493139-intelligence-artificielle/.(24/2/2022).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Enable Notifications    OK No thanks