مقالات رأي

تقديس الوحي

تقديس الوحي

فائز شبيل

مركز المجدد للبحوث والدراسات

 

تعظيم الوحي أمر إلهي:

تعظيم المسلمين وتقديسهم للوحي (القرآن والسنة) كان وما زال على مر القرون والأزمان، وتقديس الوحي وتعظيمه أمر من الله، فالوحي أساس الشعائر الإسلامية وأصلها، وهذا التعظيم دليل تقوى الله وتعظيمه؛ لأنه كلامه ووحيه قال سبحانه: ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ ٣٢[الحج:32]، وقال سبحانه عن القرآن: ﴿إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ ٧٧ فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ ٧٨ لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ ٧٩ تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٠[الواقعة:77-80]، وقال عن السنة: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ ٣ۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ٤[النجم: 3-4]، قال سبحانه: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٧﴾ [الحشر:7].

لمحة لأسباب اليقين في الوحي عند المسلمين:

وإنما عظم المؤمنون الوحي لأنهم رأوا أن ما يأمر الله به وما يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فيه صلاح الدنيا والآخرة، فصلاح بالمحافظة على الأنفس وحرمة الاعتداء عليها، وإكرام الإنسان وتحريم الاعتداء عليه، والرفق بالكبير والرحمة بالمرأة والطفل، والعدل بين الناس، بلا تمييز وفق اللون أو الشكل أو المال أو الجاه، فإنما التمييز بين الناس بالتقوى والأخلاق والرحمة وال، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ ١٣ [الحُجُرات:13].

ولأن الوحي جاء لحفظ المال وحرمة الاعتداء عليه بسرقة أو غصب أو إتلاف، وحرمة الدخول في معاملات فيها ظلم أو غش أو ضرر على الفرد أو المجتمع.

ولأنه جاء لحفظ العقل، فالعقل هو الأداة التي تميز الإنسان به عن كل الحيوانات، وحرم شرب كل ما يُذهب العقل من مسكرات ومخدرات ونحوها، وجعل العقل أساس الحساب والعقاب، وأمر بالتعلم والعلم والزيادة من العلم والقراءة والبحث والنظر في الكون والمخلوقات والتفكر والتأمل والتدبر، ورفع العلماء وأعطاهم حقهم من الإكرام، وحث على دراسة الظواهر والآثار والتنقيب في الأرض والصعود في السماء والاستفادة من كل ما سخره في هذا الكون الفسيح، وشجع الإبداع والمبدعين وحث على الاهتمام به وتنمية ملكتهم وقدراتهم العلمية والفكرية.

وجاء الوحي لحفظ النسل والأمر بالعفة والستر وتكوني الأسرة والبيت الهادئ الساكن القائم على المودة والسكن والحب والعطف والرحمة، وأمر الأزواج بأداء حقوق الزوجات والزوجات بأداء حقوق الأزواج، وأمر الأبناء بطاعة الآباء وإكرام الأجداد وصلة الرحم، وإكرام صديق الأبوين وشد رابطة الأسر بالعطاء وبذل المال والصدقة عليهم؛ فأولى الناس بالمعروف الأقربون.

وأمر بحفظ الأعراض ومنع الاعتداء عليها، وحرم الشتم والسب والفسوق من القول والعصيان، ومنع البذاءة في الحديث، وأمر بالصمت وقول الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمر بقول الحق وكل ما فيه صلاح للأفراد والمجتمعات.

وهذا جزء مما جاء في الوحي وفيه صلاح الدنيا والآخرة، فمن يطلع على الوحي وفيها هذه التشريعات العظيمة المترابطة المكتملة الوافية يعلم يقينا أن هذا الدين جاء من رب حكيم رحيم عالم بخفايا الأمور وعالم بما يصلح الناس والمجتمع.

وبالنظر إلى الجانب الإيماني فإن الوحي جاء بالأمر في تعلم الإيمان والسعي في تحقيقه فعلا لا شكلا، ودلت الأدلة العقلية والفطرية والكونية والنصية من الوحيين على تقرير الإيمان بالله وحده، فمن الأدلة النصية في الوحي أنه أخبر أن الإسلام سينتشر ويصل إلى كل الأرض وقد حصل، أخبر أن القدس ستكون مع المسلمين وكانت، وأخبر أن المسلمين سيأخذون كنوز كسرى وحصل، وأخبر أن الأعداء سيتكالبون علينا ويجتمعون على كلمة واحدة، وأخبر أننا سنكون ضعفاء عند تكالب الأعداء علينا وأن سبب الضعف حب الدنيا وكراهية الموت، وقد حصل، وأخبر عن التاريخ السياسي للأمة بأن يكون على منهاج النبوة أولا ثم يكون ملكا عاضا ثم يكون حكما جبريا وقد حصل، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة وستكون كما أخبر صلى الله عليه وسلم، وغيرها الكثير الكثير مما يدل على صدق الوحي وأنه من رب عالم بما كان وما يكون وما هو كائن.

كل هذا وغيره جعل المسلمين يؤمنون ويوقنون أن كل ما في الكتاب والسنة النبوية حق لا مرية فيه يجب اتباعه لما فيه من الهدى والصلاح، وهذا يقتضي ويتطلب التعظيم والتقديس، فما في الوحيين من القضايا والتشريعات ليس كغيره، فهو منزل ومرسل من رب السماوات والأرض، وعلى ذلك وجب التقديس والتعظيم له، وكل المسلمين على هذا والحمد لله.

أسباب ضعف اليقين بالوحي وعدم تقديسه عند بعض المسلمين وعلاج ذلك:

ولكن ظهرت طوائف من المسلمين لا تعطي الوحي التقديس والتعظيم المطلوب سواء في كتابتها أو في حديثها المرئي والصوتي والظاهر والأسباب لذلك عديدة وهي:

السبب الأول: عدم معرفة قدر الله سبحانه:

من الأسباب الرئيسة التي تضعف تعظيم الوحي أن كثيرا من المسلمين لا يقدر الله حق قدره؛ وذلك لجهلهم بصفاته وعظمته وقوته وقدرته، 

السبب الثاني: ضعف الإيمان بالوحي:

من الأمور الأساسية في تقديس الوحي الإيمان به والتصديق الجازم واليقين الكامل بأن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي حق من عند الله، فمتى ضعف هذا الأصل ضعف التعظيم والتقديس للوحي، وعلاج هذا السبب هو أن يتحصن الإنسان بزيادة إيمانه وتتبع الإيمان وبراهينه ودلائله والسعي للهدى، فمن أقبل على الهدى والإيمان هداه الله وزاده هدى وأعطاه تقديس الوحي والتقوى، قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ ١٧﴾ [محمد:17].

السبب الثالث: الجهل بالإسلام:

البعض يجهل جمال الإسلام وحياة الإسلام وروح الإسلام وحلاوة الإيمان ومقاصد الشرعية وأسسها وعظيم تشريعها، وحسن ترابطها وواقعيتها، وإنما يعرف عن الإسلام ما تتعلق به من شبهات، كون المضخة الإعلامية تنصّب حولها، كالحدود والأحكام القانونية الخاصة بالعقوبات، ولو تأمل المسلم الحكمة من تلك العقوبات ونظر إلى الإسلام نظرة شمولية لعظم الوحي وقدسه، وما استهان ولا استهزأ به، فإنما يقع في هذا كله من جهل حقيقة الإسلام، قال تعالى: ﴿بَلۡ كَذَّبُواْ بِمَا لَمۡ يُحِيطُواْ بِعِلۡمِهِۦ وَلَمَّا يَأۡتِهِمۡ تَأۡوِيلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣٩[يونس:39]، فلا يستهين ولا يكذب بالشيء إلا من جهل الشيء ولم يحط به علما، وقال تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ ١١١[الأنعام:111]، وقال جل ذكره: ﴿كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡۚ ١١٣[البقرة:113]، فقد يسمع الجاهل قول النازغ عن الحق فيقول كقوله ويقتفي أثره.

السبب الثاني: التأثر بالفلسفات الدخيلة والعلوم التجريبية والمادية:

تأثرت الكثير من الطوائف الإسلامية بالفلسفات الدخيلة على المسلمين، وخاصة ما يتعلق بعلم الكلام والعقليات والغيبيات، ففيها الكثير من الأسس والمنطلقات والمقدمات والنتائج التي قد ينبهر بها بعض المسلمين لضعف يقين بما لديه من أخبار ربانية ونبوية، وهذا كان في الزمن الماضي في بداية القرون الإسلامية القرن الثاني وما بعده.

ثم ظهرت في زمننا المعاصر المناهج الغربية والأفكار الفلسفية وغيرها من المعتقدات بسبب الحداثة والمادية وظهور العلم التجريبي القائم على المشاهدة وغيرها من الحواس، والذي لا يقبل العقليات والتصورات إلا في نطاق محدود وضيق ولا بد للتصورات العقلية من أسس محسوسة، ولأن الغرب سابق في كل المجالات المادية انبهر به الكثير من المسلمين؛ حيث يقول بعضهم: لم ينجح الغرب ويصلوا لما وصلوا إليه إلا بسبب صحة أفكارهم وطريقة تعاطيهم مع بعضهم واعتمادهم على العلم، ومنها ظهرت لفظة العِلمانية، أي القائمة على العلم فقط، وأما الدين وما فيه من الوحي فلا يدخل في الحياة ولا علاقة له بالأفكار والعقائد والعلاقات والتعاملات، وغير ذلك من الأفكار التي نسمعها من بعض المسلمين.

وهذا صراع مستمر في زمننا المعاصر بين الإيمان ومن يدعي العلم التجريبي ويفاخر به، ولكن القارئ للدين الإسلامي وأصوله وآياته وأحاديثه يدرك أنه لا تصادم بين العلم والإسلام والإيمان، فالإسلام يحث على التعلم والعلم، ويوجب أن يكون الإيمان على علم، قال تعالى: ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ١٩ [محمد:19]، وأمر آخر هو أن العلوم التجريبية لا بد أن تعتمد على العقل في مقدماتها ونتائجها، وكثير منها يطلق عليها اسم النظريات، ولها أبحاث تجريبية ولكنها محتملة وقد تكون خاطئة، فالعلم التجريبي المقدس عند بعضهم هو محتمل الخطأ وهو معرض للنقد أيضا أي أنه ليس يقيني، فإذا كان ذلك وجب على العلمانيين أن يبحثوا على شيء آخر يعتمدون عليه، “فالعلم التجريبي هو العملية المنظمة التي تجمع المعلومات حول العالم وتكثِّفُها في صورة قوانين ومبادئ قابلة للاختبار، وأن المنهج العلمي يقوم على افتراض فرضية معينة، والتعبير عنها بقوانين دقيقة تبين ما يترتب على صحتها من أمور، ثم وضعها حيز الاختبار لبيان ما إن كانت هذه النظرية ستفسر المشاهدات السابقة وتتنبأ بالمشاهدات اللاحقة، فإن حصل فيتم الاعتماد على هذه النظرية حتى تزداد المشاهدات وتتطور فنصل لنظرية أفضل تعبيرا عن الواقع، وأن كارل بوبر قد اقترح أن العلم غير مبني على الاستقراء، ولكن على استنباط قاعدة كلية ووضعها حيز الاختبار، وأنها تبقى جيدة طالما استوعبت المشاهدات السابقة، وتنبأت باللاحقة ما لم يتم نقضها، فإن نقضت بمشاهدة واحدة –نظريا على الأقل-فإن النظرية تسقط، وأن هناك أمور مختلفة متعلقة بالعلم: Axioms  مسلمات (وهي فرضيات عقلية وغير عقلية لابد أن نلتزم صحتها؛ لكي يتوقف عليها العلم أو مجموعة نظريات)، وTheories  نظريات (تفسر الظواهر الكونية)، وEquations  معادلات (تعبر عن النظرية تعبيرا دقيقا وتضعها حيز الاختبار عند المقارنة بالواقع) وExperiments  تجارب (هي محك اختبار النظرية وبيان صحتها من خطئها)، وأن التفسير الفلسفي للنظرية من حيث ما تعنيه من حيث الواقع والوجود الخارجي ليس من نفس العلم التجريبي، بل هو بحث فلسفي يحصل بعد العلم التجريبي. وأن كثيرا مما كانت تحسبه المعادلات العلمية (كالأثير مثلا) تبيّن لنا خطؤه بعد ذلك، وأن كثيرا من الأشياء التي تتكلم عنها المعادلات (كالتداخل الموجي الهدّام، والأثير، والــsingularity في رأي بعض العلماء) ليس لها وجود في الواقع وإنما هي افتراضات نظرية حسابية فقط، فصحة النظرية العلمية أو قدرتها على التنبؤ الدقيق لا يعني بالضرورة أن الوجود يطابقها().

السبب الثالث: شهوة الشهرة:

يحب بعض من الناس الشهرة والاشتهار وذلك عبر طرح مسائل ينتقد فيها بعض الأحاديث النبوية أو الفهم لبعض الآيات القرآنية، وهذا الجانب قد يوقع الإنسان في الطعن بالوحي من وجه، أو النقد له من وجه آخر، وهذا بعيد عن التقديس الواجب.

السبب الرابع: المستشرقون الجدد:

من الأسباب المهمة أن هناك الكثير ممن يدعون أنهم مسلمون ومن المسلمين، ولكنهم يردون كل أصل وقاعدة ودليل من قرآن أو سنة ولا يقبلون إلا ما تشتهي أنفسهم وما تملي عليهم المنظمات والمؤسسات المشبوهة، فهم يطعنون في الدين نصا وفهما وإجماعا وسلفا، وكل ما يتصل بالتشريع الإسلامي من أصول وعلوم، فلا يقبلون علم الحديث ولا علم الأصول ولا علم القواعد اللغوية ولا غيرها من ضوابط الاستدلال، والغرض من كل ذلك هو تعريض القرآن والسنة للتحريف حسب أهوائهم، فمنهم من يرد الأحاديث ومنهم من يرد فهم الآيات ومنهم من يرد الإجماعات والاتفاقات بين علماء الأمة، ومنهم من يطعن في المذاهب الفقهية قاطبة، ومنهم من يطعن ببعض الصحابة الذين حملوا التشريع، أو بأكثر الصحابة، ومنهم من يطعن بالبخاري ومسلم وغيره من علماء الحديث، ومنهم من يطعن بعلماء الأصول وعلى رأسهم الشافعي، والغرض من ذلك توهين وتضعيف الوحي والطعن فيه وقد تأثر بهم الكثير من المسلمين، واستمعوا لهم، وحصل ما أراد من تقليل عظمة الوحي في قلوب بعض المسلمين، وقد حذرنا الله سبحانه والنبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الزائغين المنحرفين عن طريق العلم والعلماء قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ٧﴾ [آل عمران:7].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن تلا هذه الآية: “فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم().

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Enable Notifications    OK No thanks