مقالات رأي

التوجه الإبراهيمي الجديد والدبلوماسية الروحية

  التوجه الإبراهيمي الجديد والدبلوماسية الروحية

د. عبد الحق دحمان

الوحدة السياسية مركز المجدد للبحوث والدراسات

 

انتشرت في الآونة الأخيرة مراكز بحثية وتوجهات عديدة تروج لما يسمى بالإبراهيمية الجديدة، وهو توجه جديد يهدف إلى نشر المحبة والتسامح بين الأديان السّماوية كونها تشترك في الكثير من الأصول والمنطلقات التي يمكن لها أن تسطر وتحقق مسارات السلام بين مختلف الأديان، ويعتقد أنصار هذا التوجه بأن الرؤية الإبراهيمية تعتبر أن الدين هو أحد مصادر الصراعات القائمة بين الحضارات الثلاث- اليهودية والمسيحية والإسلام-، ولتجنب هذه الصراعات فلا بد من الانسجام والحوار والاتفاق بينهم في الكثير من النقاط تحت مظلة الشجرة الإبراهيمية؛ لأن ذلك كفيل بالوصول إلى أفق يخدم السلام بين الحضارات ويقلل الصراعات.

وحسب العديد من الخبراء فلقد بدأت فكرة التوجه نحو هذا المفهوم منذ تسيعنيات القرن الماضي[1]* عندما حاولت الإدارة الأمريكية التأسس والترويج له عبر برنامجها لأبحاث ودراسات الحرب والسلام، وأبحاث جامعة هارفارد[2]** لهذا المصطلح، ويبقى السؤال المطروح هنا هو: ما المراد بنشر هذا التوجه الجديد في المنطقة الإسلامية؟ وما هي أبرز ممارساته؟ وما موقف الإسلام منه؟

إن الإبراهيمية هي عبارة عن مصطلح غامض وفضفاض ذو طابع ديني كثر استعماله في السنوات الأخيرة[3]*** خاصة بعد عملية التطبيع التي قامت بها بعض الدول العربية مع الكيان الصهيوني تحت رعاية أمريكية، وهو توجه تم توظيفه من قبل هذه الأخيرة لغرضين:

  • الأول: كدعوة لنبذ الخلافات بين أتباع الديانات السماوية الثلاث، وبصورة تؤدي إلى تحقيق السلام بينها من خلال الاتفاق على الأسس المشتركة بينها، وتجسيد قيم الأخوة والتسامح والتعايش في المنطقة كغرض ظاهر.
  • ثانياً: ويتعلق الأمر بالغرض الخفي؛ وهو الحفاظ على أمن إسرائيل، وضمان تفوقها في منطقة الشرق الأوسط ضمن مسار اتفاق إبراهام وبعده، وهو الاتفاق الذي تم تسميته عمداً بهذا الاسم نسبة إلى النبي إبراهيم عليه السلام كرمز يمكن من خلاله الترويج إلى ضرورة التعايش، خاصة وأن سكان كل دول المنطقة يكنون الاحترام لسيدنا إبراهيم عليه السلام [4].

ويقصد بهذا المصطلح محاولة دمج الأديان الثلاثة التي تسمى بالأديان أو الشرائع السماوية التي انبثقت حسب الباحثين عن التقاليد الإبراهيمية تحت مسمى الدين الإبراهيمي الجديد، وهناك من يضيف أديان وطوائف أخرى يتم تصنيفها من بعض الأكاديميين كأديان إبراهيمية مثل السامرية والدرزية، وبهذا فإن هذا المصطلح يحاول تجاوز الغاية التصادمية التي طرحها وتحدث عنها  “صامويل هنغتنتون” Samuel Huntington في كتابه الصدام بين الحضارات The Clash of Civilizations إلى غاية انسجامية تهدف لتحقيق التقارب بين الأديان، وتنحية النصوص المتنازع عنها، وهندسته عبر تفعيل دبلوماسية المسار الثاني – دبلوماسية المفاوضات غير الرسمية-؛ والتي تجمع بين رجال الدين (اليهود والإسلاميين والمسيحيين) بجانب الساسة والدبلوماسية والعلماء لترجمة المشترك الديني؛ وتحديد خارطة الطريق المناسبة التي يمكن عبرها تحديد آلية داعمة للسلام[5]، ويستهدف هذا المسار الدبلوماسي بدرجة أولى حل النزاع ومنع حدوثه خاصة عند الحديث عن النزاعات الإثنية والدينية التي غالبا ما تكون بين فئتين مختلفتين (مسلمة ضد يهودية أو مسلمة ضد مسيحية أو مسيحية ضد يهودية) حتى يلوح في الأفق بأن هذه الدبلوماسية  التي تتبنى التوجه الإبراهيمي ناجعة وذات طابع سلمي وقادرة على التغلب على مختلف المشاكل والنزاعات، وبالتالي تحظى بالقبول العام مع مرور الوقت.

ويندرج هذا التوجه الدبلوماسي الروحي ضمن ما يسمى بـــ: “توظيف آليات القوة الناعمة”[6]* Use of Soflt Power Mechanism ، إذ يتم تقديمه عبر الدبلوماسية الروحية تحت مسميات مختلفة، ومن خلال توظيفها في حسم مختلف الصراعات لصالح الدول الباحثة عن أهميته وبسط النفوذ، مما يضمن لها تحقيق أفضل النتائج بدون تكبد خسائر مادية كبيرة كالتي تحدث في المواجهات المباشرة بين الدول.

وتجدر الإشارة بأنه ليس هناك لحد الآن اعتراف رسمي أو إعلان بقيام هذه الديانة، لكن كمشروع كثر الحديث عنه وبدأت بوادره في الظهور، ولقد رفض بعض الدعاة الإسلاميين هذا التوجه، ومن بينهم شيخ الأزهر أحمد الطيب الذي يرى أنها مشروع سياسي بحت، لأنه ليس من المنطقي أن يتم دمج الأديان والفروقات، حيث يقول: “تبدو في ظاهر أمرها دعوة للاجتماع الإنساني للقضاء على أسباب الصراعات، وهي في الحقيقة دعوة إلى مصادرة حرية الاعتقاد والإيمان والاختيار”.

لكن يبقى السؤال المطروح هنا هو  لماذا بالضبط عاد طرح هذا المصطلح في هذا الوقت بالذات؟

       لا بد من الإشارة أن هذا المصطلح كثر تداوله ضمن سياقات سياسية وظيفية أكثر من أي سياق آخر، خصوصاً بعد الإعلان عن الاتفاق التطبيعي بين كل من الإمارات العربية المتحدة والبحرين مع الكيان الصهيوني المحتل بواسطة ورعاية أمريكية في أوت 2020 بالعاصمة الأمريكية واشنطن، بحضور ممثلي الدول الثلاث مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولقد طلب آنذاك ترامب من السفير الأمريكي في إسرائيل “دافيد فريدمان” David Freidman أن يشرح معنى “ابراهم” على وثيقة التطبيع، والتي تعني إمكانية الوحدة بين الديانات الثلاث تحت مسمى ابراهم، وفي هذا الصدد ورد من السفير الأمريكي ما يلي: “إبراهيم – كما يعلم الكثير منكم- كان أباً لجميع الديانات الثلاث العظيمة، يُشار إليه باسم “ابراهام” في العقيدة المسيحية، و”إبراهيم” في الإسلام و”إبرام” في العقيدة اليهودية”، وبالتالي فلقد تم استثمار رمزية سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي يحظى بالقبول العام من أجل كسب التعاطف والتأييد الشعبي والدولي.

        ولقد تحول الأمر فيما بعد إلى محاولات لتجسيد الإبراهيمية كواقع يتم فرضه تدريجياً على شعوب المنطقة الإسلامية والعربية، فلقد برزت عدة دعوات إلى التوحيد أو التقريب أو التوفيق فيما بينها والاعتراف بصحتها والقواسم والنقاط المشتركة بينها تحت مظلة “إبراهيم”، وعلى إثر ذلك تم تأسيس مجمعات روحية تضم الأديان الثلاث معاً (كنيسة، كنيس، مسجد)، حيث تم بناء مجمع أو معبد للديانات الإبراهيمية الثلاث في الإمارات العربية المتحدة تحت اسم “البيت الإبراهيمي”، وسيتم افتتاحه في هذه السنة، وقد تجاوز الأمر ذلك بإقامة صلاة مشتركة جمعت اليهود والنصارى والمسلمين تسمى الصلاة الإبراهيمية، فمثلاً في شهر مارس 2021 تم القيام بها في العراق أثناء زيارة بابا الفاتيكان فرانسيس إلى مدينة أور.

       الرأي المضاد للإبراهيمية  يرى بأنها عبارة عن توظيف سياسي تم فيه استغلال صفة أو شخصية سيدنا إبراهيم الرمزية التي تحظى بالاحترام والقبول العام لإذابة الأديان الثلاثة في بوتقة واحدة – دين واحد قائم بذاته-، لكن في الحقيقة هو تخريب للأديان حيث يتم تفريغ كل دين من محتواه ومضمونه، خاصة الدين الإسلامي الحنيف كمرحلة أولى، ثم فيما بعد يتم اقتلاعه تدريجياً، وأخيراً ليحل محله الدين الإبراهيمي الجديد، وهذا الأمر هو بمثابة عبث بالدين الإسلامي، بمعنى أنه مشروع صدره الغرب كآلية خطيرة تستهدف العالم الإسلامي، ففي الإسلام معروف بأن دين إبراهيم هو الإسلام ودين الله هو الإسلام، وهو دين جميع الأنبياء، لذلك فإن هذا التوجه باطل وتعطيل لشريعة الله[7].

        إن التوجه إلى الإبراهيمية حسب أنصارها هو إعادة تأهيل للإسلام وفق المعطيات المعاصرة السائدة، وبالتالي التبدل وفق اعتبارات الزمان والمكان والسياق، غير أن الثبات والتكيف هو أحد أبرز معطيات وسمات الدين الإسلامي، وهو ما تعاملت وحافظت عليه أبرز التوجهات المعاصرة وعلماء الأمة، والإبراهيمية تقفز على هذا الجانب وتتجاهل البينة الروحية والفكرية للإسلام، وتحاول تطويع القيم وفق لتصورات أنصارها ومهندسيها، فهي لم تأتِ كنتيجة للحوار بين الأديان، وإنما أتت كمساهمة ومشروع غربي يقوده المنفتحون من الكاثوليك واليهود.

        وأخيراً يمكن القول أنه لا بد على الدول العربية والإسلامية رفض الانزلاق في كل مشروع يمس ثوابت الدين والأمة الإسلامية، لا سيما إذا كان هذا المشروع غربياً أو صهيونياً، فكثيراً ما يتم توظيف الدين من طرفهم قصد ضرب الأمة الإسلامية، لذلك فعلى الباحثين والسياسيين التركيز جيداً في انتقائهم أو توظيفهم السياسي لبعض المصطلحات بما فيها الإبراهيمية قصد تمرير مشاريع صهيونية وغربية معينة.

المراجع :

أحمد عطيف، الإبراهيمية بين خداع المصطلحات وخطورة التوجهات، المسار للدراسات الإسلامي، 2021.

رضوان السيد، الديانات الإبراهيمية من الإختلاف إلى الإئتلاف، مجلة التفاهم، العدد 61، صيف 2018.

هاني رمضان طالب، الإبراهيمية بين التعايش والسيطرة، مركز دراسات الوحدة العربية، انظر الرابط الالكتروني الآتي:

 https://www. caus.org.lb 11/1/2022.

  هبة جمال الدين، الدبلوماسية الروحية والمشترك الإبراهيمي بين صفقة القرن والمخطط الاستعماري للقرن الجديد، المجلس المصري للشؤون الخارجية، انظر الرابط الالكتروني الآتي:

https://ecfa-egypt.org.lang=ar .11/1/2022,

[1]* هناك من يرجع ظهور هذا التوجه إلى فترة الخمسينيات في القرن الماضي، إذ دعا بعض اللاهوتيين الكاثولكيين المنفتحين اليهود والمسلمين إلى الانتساب إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام باعتبار أن الديانات الثلاث هي ديانات أهل الكتاب بحسب تعبير القرآن الكريم، ولقد بلغت هذه الدعوة التي قام بها مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965) ذروتها حين بادر الكاثوليك إلى الإبراهيمية، لكن تم رفض ذلك لتفاعل مجموعة من الأسباب. للمزيد انظر: رضوان السيد، الديانات الإبراهيمية من الإختلاف إلى الإئتلاف، مجلة التفاهم، العدد 61، صيف 2018، ص 63.

[2]** قامت جامعة هارفارد بعدة أبحاث في منطقة الشرق الأوسط في محاولة منها لإرساء دين جديد يتجمع حوله مختلف الأديان بدعوى حل الصراع العربي الإسرائيلي، وهذا بدوره أمر مفيد لإسرائيل بحكم أن لها يد في هذا الأمر كمدخل مهم لقبول الديانة اليهودية، وبالتالي قبولها ككيان السياسي مع مرور الوقت.

[3]***يجب أن نميز هنا بين الظاهرة الإبراهيمية كديانة والإبراهيمية كسياسة، فالأولى تشير إلى تطورات فكرية ومعنوية لديها جذور تاريخية ودينية تمتد لعدة قرون، بينما الحديث عن الإبراهيمية كسياسة أصبح لها صدى برز خلال السنوات الأخيرة الماضية.

[4] هاني رمضان طالب، الإبراهيمية بين التعايش والسيطرة، مركز دراسات الوحدة العربية، انظر الرابط الالكتروني الآتي:

 https://www. caus.org.lb 11/1/2022.

[5]  هبة جمال الدين، الدبلوماسية الروحية والمشترك الإبراهيمي بين صفقة القرن والمخطط الاستعماري للقرن الجديد، المجلس المصري للشؤون الخارجية، انظر الرابط الالكتروني الآتي:

https://ecfa-egypt.org.lang=ar .11/1/2022,

[6]* يتم تصنيف الدبلوماسية الروحية ضمن القوة الناعمة التي تعني كيفية التأثير على الآخر وتغيير توجهاته وإدراكاته دون استعمال العصا؛ أي القوة الصلبة أو العسكرية، وهو أسلوب تحبذه الولايات المتحدة الأمريكية وتعتمد عليه كثيراً في توجهاتها الخارجية حتى تتجنب استعمال القوة العسكرية التي ستكلفها مادياً وبشرياً.

[7] أحمد عطيف، الإبراهيمية بين خداع المصطلحات وخطورة التوجهات، المسار للدراسات الإسلامي، ص 6-21.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Enable Notifications    OK No thanks