مقالات رأي

الفقيه بين خرق الإجماع وتضليل العوام

الفقيه بين خرق الإجماع وتضليل العوام

بقلم عبد الرحمن جميعان

 

مقدمة لا بد منها:

على الفقيه دور مهم في حياة الناس لا بد أن يضطلع به، وإن تقاعس فهو آثم. وقد سمى ابن القيم رحمه الله أصحاب الفتيا “الموقعون عن رب العالمين”، لأنهم إنما يصدرون فتاواهم عن الشرع، ويتكلمون باسمه، ولهذا رأينا أن كثيرا من السلف كانوا يتحاشون الفتيا، ويلقونها على غيرهم لعظم الأمر في نفسه، وفي قلوبهم.

ولهذا قام الفقهاء ينسجون بيتا كبيرا ويصممونه تصميما دقيقا، وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتعاور على هذا البناء فقهاء كبار، شيدوا وبنوا، حتى خرجت الأقوال التي تقول بعد جواز خروج فتاوى تخالف المذاهب الأربعة، أو تخرق الإجماع، مما يدل على أن الفقه أصبح ناضجا، كما قال ابن خلدون، فليس كل من نظر في الفقه فهو فقيه، بل جعل العلماء له شروطا، فالفقيه له منهج من خلاله يمكنه الفتيا، فالمسألة لم يتركها العماء هملا ولا سبهللة، بل أداروها بجودة واتقان. ولكن خرجت عن كل ما قلناه بعض المدارس المعاصرة، منها اللامذهبية، وفقه الكتاب والسنة، والمدرسة المقاصدية الجديدة، وغير ذلك، مما جعل البعض يشحذ عقله وقلمه لتبيان الوجه الحقيقي للفقه ودور الفقيه في هذا الزمان!

الزوبعة التي بدأها البعض ولم ينهها، حول جواز الترحم على الكافر ولفظ إطلاق الشهيد وغير ذلك، بلبلت الناس، وشككت في معتقدهم، وبدأوا يتساءلون في المسلمات والأصول، مما جعل بعض العلماء الراسخين يردون على الفوضى وتداعياتها.

دور الفقيه:

إن دور الفقيه والعالم الرباني يتمثل في تبيان الشرع والفتيا، دون خوف ولا مواربة، ولا مراعاة لأذواق الجماهير، أو استجابة لرأي جماعة أو حزب، وأرى أن دور الفقيه اليوم يتضاعف في التحري ومعرفة الواقع، وإنزال الفتيا موقعها اللائق حتى لا تكون فتنة وتخلخل في معتقد الناس، وواقعنا اليوم، يراه القاصي والداني فضلا عن الفقيه، فيرى جيوش الكفر والنفاق والالحاد والتشكيك قد تعاونت وتعاورت سيوفها في ضرب الأمة في معتقدها ودينها، مما يجعل العالم يتريث ويدرس ويشارك في دفع الأذى عن الدين والأمة، لا أن يساهم بوعي أو بدون وعي في التضليل والضياع!

دور ووظيفة عالم السوء

مما يلفت انتباه قارئ القرآن أن الله تعالى ضرب أشنع مثالين في كتابه الذي يتلى إلى يوم القيامة كي لا تنتهي القضية ويبقى المثال شاهدا على الحقيقة المتجددة من هؤلاء علماء السوء:

قال تعالى: {‌واتل ‌عليهم ‌نبأ ‌الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} -الأعراف: 175

قال الطبري («تفسير الطبري – ط هجر2/ 576):

 (وقرأ ابن زيد: {‌واتل ‌عليهم ‌نبأ ‌الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} [الأعراف: 175]. قال: لم ينتفع بالآيات حيث لم تكن معها حكمة، قال: والحكمة شيء يجعله الله في القلب ينور له به)، وقال القرطبي   في «الجامع لأحكام القرآن» (7/ 322):

«فَضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لِمَنْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ فَقَالَ: إِنْ وَعَظْتَهُ ضَلَّ وَإِنْ تَرَكْتَهُ ضَلَّ، ‌فَهُوَ ‌كَالْكَلْبِ إِنْ تَرَكْتَهُ لَهَثَ وإن طردته لهث» …!  ومن الملاحظ أن الله تعالى لم يسم هذا الرجل، بل ضربه مثلا ليكون عاما في كل عصر وجيل وزمان، فالمهم السلوك والفعل لا الاسم، لأن الأسماء ستتكرر، والأمثال توضح المقصود!

والمثل الثاني ضربه القرآن في سورة الجمعة:

(مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفار)، فغاية عالم السوء أن يكون مثل هذين الذين ضربهما الله تعالى مثلا!

الكتم والسكوت:

إن عالم السوء، إما أنه يسكت عن باطل، أو يساهم بنفسه في نصرة باطل أوشرعنته، فمن هنا يكون ضلاله كبيرا، لأنه يضل الناس ويصرفهم عن الحق المبين، وعمل العالم وقوله، لا ينظر إليه كقول أو فعل أي فعل آخر، بل له ميزان آخر في عين الناس، فهذا الليث بن سعد يقول: «كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ مَعَ مُوَافَاةِ الْحَاجِّ، وَهِيَ كَثِيرَةُ الرَّوْثِ وَالسَّرْجِينِ فَكُنْتُ أَلْبَسُ خُفَّيْنِ، فَإِذَا بَلَغْتُ بَابَ الْمَسْجِدِ نزعت إحداهما وَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ. فَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ: لا تفعل فإنك امام ‌منظور ‌إليك[1]»، وصح عن أحمد كذلك في محنته، وغيرهم من الفقهاء والعلماء، وقد صح عن عمر رضي الله تعالى عنه ما جاء عند الدارمي[2]

«عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ، قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ: «هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟» قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: «يَهْدِمُهُ ‌زَلَّةُ ‌الْعَالِمِ، وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ وَحُكْمُ الْأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ»، وانظر إلى مآلات فعل العالم عندما تزل قدمه، فقد سأل عمر ابن الخطاب رضي الله عنه تميما الداري قال «لَهُ: مَا ‌زَلَّةُ ‌الْعَالِمِ؟ فَقَالَ: «الْعَالِمُ يَزِلُّ بِالنَّاسِ فَيُؤْخَذُ بِهِ، فَعَسَى أَنْ يَتُوبَ مِنْهُ الْعَالِمُ، وَالنَّاسُ يَأْخُذُونَ بِهِ[3]»، من هنا نقول بخطورة فتيا العالم، وأنه ينبغي أن يتحرى الحق والصدق، ولا يراعي مزاجات الناس وأذواقهم، فإنها مختلفة وكثيرة ومتنوعة، ولا يمكن أن تكون حاكمة على النصوص!. وقد جاءت نصوص الكتاب تتحدث عن بني إسرائيل، ولكنها تحذر من أفعالهم، قال تعالى:

﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یَكۡتُمُونَ مَاۤ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَیَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ فِی ٱلۡكِتَـٰبِ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ یَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَیَلۡعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ﴾ [البقرة ١٥٩] …تأمل يلعنهم اللاعنون! والعمل هو كتمان العلم والبينات الواضحات!! إنذار خطير هائل فظيع…!

القضية ومسوغاتها ومخاطرها:

ليست القضية في قتل صحفية، أو موت ملحد، أو نصراني، أو يهودي، أو مجوسي، أو بوذي، فذلك أمر مكرر معهود في أيام الناس، والصراع يحتدم بين جهال لا يعرفون أصول الدين والعقيدة، وبين أناس مثلهم أو كلام طلبة العلم والعلماء!

أما الأخطر والقضية التي تعود مآلاتها على الدين، وعلى دين العوام، وعلى شكهم واضطرابهم، هي في دخول العلماء وطلبة العلم لنصرة من يقول بجواز الترحم على الكفار، وجعلها قضية خلافية فقهية، كما نختلف في عدد تكبيرات العيد أو الجنازة، أو تحية المسجد أو في أي فرع من فروع الفقه، فالخلاف فيها مسوغ!

تلك هي الخطورة، التي تؤدي بالضرورة إلى تمييع الدين والمعتقد، وجعل النصراني وأي كافر آخر مثل المسلم، بل أفضل منه، والأعجب هو الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة، لنصرة هذه القضية، والخروج عن اجماع المذاهب الأربعة، وجعل ذلك رأيا مستساغا لا مستبشعا في أقوال العلماء!

إن القول بجواز الترحم على الكافر النصراني أو اليهودي أو أي مشرك وكافر، والقول بجواز الاستغفار والشهادة له، إنما مبرر كبير لصرف الكفار عن الدين، فهم في دينهم سيرحمون، وهم أصلا يرفضون دينننا، فإذا كان ديننا يجيز الترحم عليهم، فما المسوغ لهم في ترك دينهم والتحول لديننا؟ وفي حقيقة الأمر فهم يتربصون بنا ولا يرضون عنا أبدا كما أخبرنا ربنا عنهم، ثم نحن نتودد إليهم ونسترحمهم، ونحن الأعز والأكرم! أي هوان أصلنا إياه هؤلاء!!. ثم ما أثر هذا القول على معتقد العامة؟ وقد رأينا الفوضى والبلبلة التي حدثت من جراء هذه الفتيا!!

وهل لهؤلاء الجرأة على تغيير فتواهم بعد أن رأوا ضخامة الفوضى والنزاعات؟ أم لا يهمه أمر الدين ومعتقد العامة؟ بل زادوا الطين بلة، وقالوا بعدم بلوغ الحجة على هؤلاء!!! في زمن الانترنت والتعليم والانفتاح على العالم! فأي فقه أفضل من هذا للكفار والمشركين! وأي باب أفضل من هذا الباب يهربون منه إلى أديان أخرى غير الإسلام؟!

إرهاصات مدرسة جديدة منفلتة:

فهل ما فعله هؤلاء إرهاصات مدرسة جديدة، تسعى إلى هدر النصوص وتوهينها، والاعتماد على المقاصد غير المنضبطة مع الهزيمة النفسية المؤثرة في الفتيا، والتأثر بالذوقيات، مساندة المدرسة الإنسانية والإبراهيمية في تذويب عقيدة المسلم، مع خرق الاجماعات، والظهور بمظهر العالم الشفيق المراعي للواقع، ملامح خطيرة لا يخطئها ذو عقل ومتابعة،

إن من أفتى من العلماء بجواز الترحم وإطلاق الشهادة على غير المسلم، فهو إما جاهل، أو صاحب هوى، أو كاذب يتعمد الكذب لمآرب خاصة، وإلا فتاوى العلماء وفتاوى المذاهب الأربعة، وفتاوى غيرهم متفقة على عدم جواز الترحم على غير المسلم، والاستغفار له، فكيف يأتي بالرأي الشاذ ويشرعن له أنه من المختلف وهو رأي معتبر؟ وهل كل رأي قيل في كتب الفقه يجوز القول والصدع به دون النظر إلى المآلات والصحة والتطابق مع النصوص والمقاصد!!

وأقول إن هذا السلوك لا يمثل الجهالة يقينا، فابحث له عن شيء آخر!

 

[1] المعرفة والتاريخ – ت العمري – ط العراق» (2/ 182) -التهذيب 8/463-السير8/154 وغيرها

[2] مسند الدارمي – ت حسين أسد» (1/ 295): وقال المحقق إسناده صحيح-

[3] الزهد والرقائق – ابن المبارك – ت الأعظمي» (1/ 508):

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Enable Notifications    OK No thanks