مقالات رأي

مفهوم التجديد عند رشيد رضا

مفهوم التجديد عند رشيد رضا

كرم الحفيان

باحث في الحركات الإسلامية – جامعة بن خلدون – إسطنبول 

 

إذا كان جمال الدين الأفغاني هو الأب الروحي للفكر الإسلامي الحديث الذي انطلق في القرن التاسع عشر، وحسن البنا هو مؤسس الفكر الإسلامي الحركي المعاصر الذي انتشر في القرن العشرين، فإن رشيد رضا هو صلة الوصل بين المدرستين. ليس هذا فحسب، بل إن رشيد رضا هو ملهم أحد أهم الشخصيات العلمية المؤثرة والمثيرة للجدل في الأوساط العلمية الدينية على امتداد العالم الإسلامي وهو المحدث المعروف الشيخ ناصر الدين الألباني. أثر رشيد رضا وفكره قد يكون أكبر بكثير مما يظنه البعض، سواءً على صعيد شباب وكوادر الحركات الإسلامية، أو طلاب العلوم الشرعية، أو الأكاديميين المسلمين، أو حتى عموم المسلمين.

والفكرة المحورية عند رضا التي تدور في فلكها سائر أفكاره وتصوراته هي التجديد. التجديد في نظر رضا هو السبيل لخروج الأمة الإسلامية من الحفرة التي وقعت فيها. التجديد هو الحل لجميع المشاكل الدينية والسياسية والاجتماعية وغيرها. ولكن ما هو التجديد الذي يقصده رضا وفي أي مجالات؟ الجواب في الأسطر القادمة.

بدايةً، يرى رضا أن سبب نكسة الأمة وتراجعها هو العقم الفكري الذي أصاب علمائها وفقهائها عبر التاريخ، وسببه الأساسي هو التقليد والجمود (التمذهب)؛ النموذج المهيمن في الحضارة الإسلامية، ما أدى لتفوق الحضارات الأخرى وانحطاط المسلمين. لا يتكلم رضا عن التقصير في العلوم التجريبية والاختراعات في الأزمنة المتأخرة مثلاً، إنما يركز على التجديد في الأمور الدينية، ومجدداً هو لا يتحدث عن معاصريه من العلماء، إنما  يجعل التقليد والجمود هو النموذج السائد في التاريخ. ولذا يحمل حملأً شديداً على غالب علماء الدين عبر العصور المتعاقبة ويحمّلهم المسؤولية الكبرى في تخلف الأمة وتراجعها بعد استبداد الحكام.

فالتجديد الذي يريده رضا هو نبذ التقاليد العلمية الإسلامية كونها العائق عن الوصول للنصوص المقدسة (القرآن والسنة) في نظره. ولذا يرفض رضا بشدة مرجعية المذاهب السنيَّة الأربعة (فضلاً عن غيرها) ويراها أهم أسباب الضعف التشريعي ، والفرقة والتناحر الاجتماعي، والتبعية السياسية، ومن أهم أدوات الاستبداد على مر العصور، الأمور التي أدت مجتمعة إلى انهيار الحضارة الإسلامية.

إذن فالتجديد الذي دعا له رضا هو تجديد من خارج المنظومة المعرفية الفقهية الإسلامية الموروثة لا من داخلها. تجديد سائل إلى حد كبير، تجديد يشبه (إلى حد ما) قيم الحداثة اللامعيارية التي تحكم جل البشرية منذ قرن على الأقل، رغم أنه يصر على مرجعية الوحي لا الإنسان.

حقيقة، بعد مئة عام أو أكثر على هذه النظرة السوداوية لمناهج العلم والمعرفة في التاريخ الإسلامي، لنا أن نتساءل عن نتيجة هذه النظرة للفقه الإسلامي والتزهيد فيه والتنفير عنه، بدلاً من البناء عليه والتجديد من خلال قواعده كما كان يحدث دائماً، وقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح عن المجددين الذين يبعثهم الله مع رأس كل مائة عام.

من جهة ثانية، روج رضا كثيراً لمسألة التقليد والتمذهب سبباً تأسيسياً لانتشار التعصب بين المسلمين وبث روح التناحر والتنازع بينهم. في حين أن الكثير من الدراسات القديمة والحديثة تؤكد أن التسامح المذهبي بين أهل السنة كان النموذج السائد وأن التعصب المذهبي كان استثناءاً وعلى فترات متباعدة، ولم تحدث بسببه حروب دامية كتلك التي حدثت في أوروبا. إضافةً إلى أن الاختلاف في الفروع أمر طبيعي لا مفر منه ولا يمكن بحال جمع الناس على قول واحد، إنما الواجب إدارة الخلاف بحكمة.

الأمر الآخر الذي تجده مبثوثاً بكثافة في كلام رضا في سياق تناوله لقضية التجديد هو تصوره لدور جمهرة علماء الدين في الحضارة الإسلامية على غرار علماء الدين في الغرب أتباعاً للسلطة. بينما القراءة الإسلامية للتاريخ بل وحتى بعض القراءات الغربية تحدثنا بأن العلماء كانوا أنداداً للحكام، وكانوا الممثلين الأبرز للمجتمع والأمة بما يملكونه من سلطة معرفية وأخلاقية، وقد كانت الكثير من مجالات الحياة التشريعية والاجتماعية والاقتصادية تحت سيطرتهم، فضلاً عن سلطتهم القضائية المنفصلة عن السلطة السياسية، هذا غير تدخلهم في السياسة العامة وكبحهم لجماح الحكام.

الوجه الآخر للتجديد عند رضا هو التجديد السياسي. فوفقاً لرضا انحرفت السياسة الإسلامية إلى الحكم الاستبدادي الفردي منذ بدء الدولة الأموية. وقد استمر هذا النموذج في الحكم وإن اختلف أداء الحكام فمنهم عادل ومنهم ظالم ومنهم بين بين. قال رشيد رضا عن معاوية رضي الله عنه: “وبه تحول شكل الحكومة الإسلامية عن القاعدة التي وضعها لها الله في كتابه بقوله في المؤمنين (وأمرهم شورى بينهم)… إلى حكومة شخصية استبدادية …فكان هذا أصل جميع مصائب الأمة الإسلامية في دينها ودنياها”[1]. أعتقد أن صدى الجملة الأخيرة انتشر كثيراً وغدى قناعةً عند فئات من الإسلاميين، ودافعاً لجلد التاريخ والهروب من مجابهة قوى الطغيان الحالية، رغم أن رضا لم يكن كذلك.

بلا شك فإن النموذج الراشدي هو الهدف والمثال لكل مسلم وليس أي مثال آخر، ولكن في نفس الوقت تصور الحكم الإسلامي على مدار التاريخ بأنه كان على نمط الحكومة الشخصية الاستبدادية وأن أصل جميع مصائب الأمة في دينها ودنياها من هذه المسألة فيها مبالغة ومجازفة كبيرة، وترديد للقراءات الاستشراقية، وخلل كبير في تصور حقيقة الأزمات الكبرى التي تحياها الأمة حالياً من احتلالات واحتلالات بالوكالة وحرب على أصل الهوية.

ففي أغلب الأحيان كان الحكم الإسلامي لا مركزي وفي كثير من الأحيان كان الخليفة ضعيفاً، والحكام الإقليميين والمحليين كانوا يديرون مناطقهم. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، وكما أشرنا آنفاً، فإن الكثير من مجالات الحياة العامة بقيت خارج سيطرة السلطات الحاكمة كالسلطة القضائية والأوقاف (الاقتصاد) والسلطة “التشريعية”، وهذه الأخيرة تحديداً (والأولى أيضاً) من أجلِّ حسنات الفقهاء والقضاة ومنظومة التمذهب التي أسست تكتلات ومجموعات اجتماعية قوية ومتماسكة فكرياً وبنيوياً، وبها كان المجتمع قادراً على إحداث توازن وردع الطغيان.

بل وحتى في زمن رشيد رضا، فإن المكون الاجتماعي الأقوى في مقاومة الاستعمار كان تكتلات علماء الدين التقليديين، بدءاً من الحركة الديوبندية في أقصى الشرق وإلى جمهورية الريف في أقصى الغرب بقيادة أسطورة حرب العصابات عبد الكريم الخطابي مروراً بمشايخ الطرق في أفغانستان والقوقاز والحركة السنوسية وتمثلها الأوضح في ليبيا بقيادة عمر المختار، الخ..

أما التجديد العملي والحركي الذي قام به رشيد رضا فهو التصدي المتواصل لحملات التغريب والتنصير والإلحاد المستمرة في العالم العربي الإسلامي، وذلك عبر مجلته الشهيرة المنار الصادرة من القاهرة، التي كانت صوتاً قوياً ضد حملات العلمنة الممنهجة في الإعلام والتعليم على مدار خمس وثلاثين عاماً. أضف إلى ذلك الجهود الكبيرة التي بذلها في الدعوة والتنظير لاستعادة الوحدة السياسية للمسلمين؛ الخلافة على وفق النموذج الراشدي في التشريع والإدارة مع مراعاة مستجدات العصر وآليات تحقيق هذا الهدف. ختاماً، فإن مفهوم التجديد عند رشيد رضا فيه الكثير من الإشكاليات، فهو يتصور أهم عوامل القوة المعرفية والبنيوية للمجتمع المسلم على أنها عوامل الضعف والفرقة، وهو ما قد يفسر عدم نجاح أفكاره في تحقيق نهضة ملموسة رغم انتشارها ورغم الجهود الحركية الكبيرة التي بذلها.

[1] محمد رشيد رضا، مجلة  المنار، (12/953).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Enable Notifications    OK No thanks