ترجمات

حوكمة الدين في سورية في ضوء التجزئة الداخلية

 حوكمة الدين في سورية في ضوء التجزئة الداخلية

Religious governance in Syria amid territorial fragmentation

ترجمة: كرم الحفيان

باحث في الحركات الإسلامية – جامعة بن خلدون – إسطنبول 

مقدمة

حتى عام 2011، اتبعت الدولة السورية مزيجاً من ثلاثة أنماط رئيسة في إدارة الإسلام السني والتعامل معه، أولاً: جسد نهج الدولة السورية سياسات التدخل والقمع التي تميز حوكمة الدين في منطقة الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا عموماً.

ثانيًا: عكست حوكمة الدين في سوريا التوجهات العلمانية الموروثة عن العقدين الأولين من حكم حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي وصل إلى السلطة في سورية من خلال انقلاب عسكري عام 1963.

وثالثاً، كشف هذا النهج السوري عن التركيز المفرط على التهديد الأمني ​​من الإسلام السني، الفئة التي تشكل نحو 80 في المئة من سكان سوريا.

هذا لأنه منذ عام 1963 (وخاصة منذ تولى الرئيس السابق حافظ الأسد منصبه في عام 1970)، أصبحت النخبة العسكرية الحاكمة في سوريا من الأقلية العلوية في البلاد (وهي طائفة منشقة عن الشيعة ويمثل أعضاؤها أقل من 10 في المئة من السكان بحلول عام 2011).

ولعقود من الزمان، كانت النتيجة استراتيجية للحكم غير المباشر. فقد عمل علماء الدين تحت رقابة صارمة من المخابرات، التي دعمت الشخصيات المتوافقة وقمعت الأشخاص غير الخاضعين، لكن المؤسسات الدينية الرسمية ظلت ضعيفة. وقد عانت وزارة الأوقاف من نقص هائل في الموظفين، وكان التعليم الإسلامي المهني يقدم في الغالب من قبل المعاهد الشرعية الخاصة، وانتشرت الجمعيات الخيرية الإسلامية في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين. استراتيجية الدولة الضعيفة هذه كانت خياراً متعمداً، ففي أعقاب القمع الوحشي للثورة الإسلامية 1979-1982، قرر النظام أنه يتعين عليه أن يتسامح مع منافذ التدين المتنامي في المجتمع، ولكن مع عدم دمج العناصر السنية المحافظة في الدولة، مهما كانت تابعة له، لأنها غير موثوقة. فقط في نهاية العقد الأول من حكم الرئيس بشار الأسد – أي عشية انتفاضة 2011 – بدأ النظام في تغيير مساره.

التحول نحو استراتيجية الحوكمة الدينية المباشرة عبر المؤسسات حدثت نتيحه لقلق نظام الحكم من الصراحة المتزايدة من التيار العام للعلماء السنة أو علماء الدين. وبعد تعيينه وزيراً للأوقاف عام 2007، أعلن محمد عبد الستار السيد مفتي طرطوس “نهاية عهد الفوضى”، الذي شكل حالة أدت إلى انتشار التطرف الديني في المجتمع بزعمه. وقد بدأت حملة تجنيد في الوزارة، وأُنشئت مديرية للإشراف على الداعيات النساء (أبرزهن المنتسبات إلى حركة القبيسيات المؤثرة، وهي حركة نسائية غير سياسية للتعليم الديني)، وأممت الدولة التعليم الإسلامي المهني جزئياً، وشددت سيطرتها الرسمية على تمويل الجمعيات الخيرية.

وبحلول عام 2009، أعلن السيد عن قانون وشيك بشأن إعادة تنظيم وزارته ليحل محل الإطار القانوني المتقادم الذي كان ساري المفعول منذ عام 1961.

وفيما بعد، تسببت الحرب الأهلية، وما نتج عنها من تجزئة إقليمية لسوريا، في حدوث تحولات جذرية في المؤسسات الدينية في المناطق التي خرجت عن سلطة دمشق. بدايةً، شهدت مناطق سيطرة المعارضة السورية حالة اللادولة التي رجحت المبادرات اللامركزية من أسفل لأعلى كاتحادات العلماء التي شكلت لاحقاً المجلس الإسلامي السوري في إسطنبول عام 2014. وبموازاة ذلك، أنشأت الجماعات الثورية عددًا لا يحصى من الهيئات الدينية القانونية، بينما في حالة الدولة الإسلامية التي نصبت نفسها بنفسها، أُسست بيروقراطيات دينية شبيهة بالدولة، مثل ديوان البحوث والإفتاء.

ومع عام 2020، بقيت ثلاثة نماذج مختلفة كثيراً في حوكمة الدين خارج مناطق سيطرة النظام:

أولاً، في شمالي غرب سوريا، في منطقة إدلب، يحكم الفصيل الإسلامي المتشدد هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً التابعة للقاعدة) عبر حكومة الإنقاذ السورية، وهي حكومة مدنية رسمياً.

ثانياً، في المناطق السورية الشمالية المحكومة بالجيش التركي، توجد المؤسسات الدينية التابعة لهيئات أسست في حقبة الثورة، وهي المجالس المحلية والحكومة السورية المؤقتة (الذراع التنفيذية للائتلاف السوري الوطني، أكبر تحالف للمعارضة، ومقرها في مدينة غازي عنتاب التركية). هذه المؤسسات تعمل الآن تحت إشراف رئاسة الشؤون الدينية التركية.

وأخيراً، في شرقي نهر الفرات، تقع الحوكمة في أيدي جهات فاعلة لم يكن لها اهتمام يذكر بالدين تاريخياً، وهم التابعون المحليون لحزب العمال الكردستاني. وهذه المنظمة الكردية اليسارية في تركيا تشن تمرداً ضد الدولة منذ عام 1984، وتسيطر فروعها السورية على الإدارة الذاتية لشمالي وشرقي سورية.

حوكمة الدين في مناطق سيطرة النظام

 بمجرد أن حوصرت عاصمته من الجماعات الثورية، استطاع نظام الأسد أن يعكس مسار الأوضاع بعد استعانته عسكرياً بإيران وروسيا بدءاً من 2013 و2015 على التوالي. وفي وقت كتابة هذه الورقة يسيطر النظام على ثلثي أراضي البلد، بما في ذلك عواصم المحافظات الأربع عشرة باستثناء إدلب والرقة والحسكة. وبدلاً من الدخول في حقبة جديدة في إدارة نظام الأسد للإسلام، دعمت الحرب الأهلية النهج الموجود مسبقاً في توسيع السلطة الرسمية لوزارة الأوقاف على المجال الديني. خطوة إضافية في طريق تأميم الإسلام السني حدثت في الرابع من أبريل 2011، بعد أسابيع قليلة من انطلاق الثورة، وذلك بتحويل الكليات الإسلامية الثلاث الخاصة (أكاديمية كفتارو- معهد الفتح- حوزة رقية) إلى فروع لمعهد شام للعلوم الإسلامية، وهو معهد تديره الدولة.

كانت هذه وسيلة لتعزيز سيطرة الدولة على النخب الدينية ومكافأة العلماء الموالين المسؤولين عن الكليات بمنحهم اعترافًا رسميّاً طال انتظاره لدبلومات خريجيهم. إضافةً إلى ذلك، في عام 2017، تم ترقية معهد الشام إلى مرتبة جامعة. وفي نفس العام، جرى فرض المناهج الرسمية التي صممتها الدولة على الثانويات الشرعية الخاصة المتبقية.

في غضون ذلك، غادر بعض العلماء الأكثر احتراماً في سورية البلاد، وأسسو المجلس الإسلامي السوري الموالي للمعارضة في اسطنبول، الأمر الذي حرم النظام من جزء كبير من شرعيته الدينية، لكنه في نفس الوقت حرره من شخصيات أكثر قدرة على التصدي له.

وفي نهاية المطاف، تحقق طموح السيد قبل الحرب في تصميم إطار قانوني جديد شامل لوزارته في أكتوبر 2018 بإصدار القانون 31/2018. وعلى الرغم من أن بعض التعليقات العلمانية قدمت ادعاءً خيالياً بأن القانون سيحول سورية إلى دولة دينية شبيهة بالنموذج السعودي، فإنَّ من الواضح أن أهميتها تكمن في مكان آخر.

وعلى عكس الادعاءات القائلة بأن القانون نص على توسيع نفوذ الوزارة على حساب الوزارات الأخرى، فإنه عزز فعلاً استقلاليتها وصلاحياتها، إضافةً إلى سلطة السيد الشخصية داخل المؤسسة الدينية.

الضحية الرئيسية لتمكين السيد كان المفتي العام أحمد بدر الدين حسون، الذي ضعَّف القانون 31/2018 موقفه بثلاث طرق. أولاً: تخفيض مدة ولاية المفتي من مدى الحياة إلى ثلاث سنوات. ثانياً: ترشيح المفتي العام أصبح بيد وزير الأوقاف، بينما في السابق، كان شاغلو هذا المنصب يرشَّحون من مجلس من كبار العلماء، أو يعينون بقرار جمهوري كما حدث مع حسون في 2005. وثالثاً، تحويل سلطة المفتي الأعلى (النظرية) في مسائل الفتوى، أو الرأي الفقهي حول نقطة من الشريعة الإسلامية، إلى مجرد نائب لرئيس مجلس إدارة المجلس العلمي الفقهي الذي أنشئ حديثاً وأسندت رئاسته لوزير الأوقاف.

يبدو أن العداء الذي شعر به السيد تجاه حسون، المولود في حلب، متجذر في مزيج من الفصائلية (القائمة على المنطقة جزئياً)، وبدرجة أقل الاختلافات الفكرية. فلطالما كان الأول قريباً من العلماء الدمشقيين المحافظين مثل محمد سعيد رمضان البوطي (العالم البارز الموالي للنظام الذي اغتيل عام 2013) الذي كان يحتقر الآراء العلمانية والمسكونية للمفتي العام، على الرغم من أن هذا الأخير جعله محبوباً لبعض الموالين للنظام من الأقليات الدينية.

ولتمرير القانون 31/2018، استغل السيد السقوط الواضح لمكانة المفتي العام عند النظام. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2018، ورد أن المخابرات الجوية السورية سربت محادثة هاتفية سُمع خلالها المفتي العام وهو يفاوض ميليشيا درزية في محافظة السويداء، ويعرض عليهم دفع فدية مقابل الإفراج عن أحد أقربائه المحتجزين لديها.

في النصف الأول من عام 2020، غاب حسون تقريباً عن الإعلام الرسمي. فعلى سبيل المثال، وكالة الأنباء العربية السورية (سانا) وهي الوكالة الرسمية للأنباء في سورية نادراً ما ذكرته، كما غاب حسون بشكل ملحوظ عن المناسبات العامة كزيارة العلماء لقبر حافظ الأسد في بلدة القرداحة شمالي غربي البلاد في الذكرى العشرين لوفاته.

أيضاً قاد السيد ومجلس الفقه (الذي فشل حسون في حضوره) الاستجابة الإسلامية الرسمية لوباء فيروس كورونا، فبرروا تعليق صلاة الجماعة دينياً، وحثوا من يستطيع تحمل تبعات الوباء المادية على دعم المحتاجين، وذلك عبر السماح لهم بالإخراج الباكر لصدقات رمضان.

قد تكون مصائب المفتي العام مرتبطة باندلاع الصراع المحتدم بين الأسد وابن خاله رامي مخلوف، هذا الأخير كان ذات يوم أكبر الرأسماليين المحاسيب في سورية، وقد ندد بغضب بالاستيلاء على أصوله في سلسلة من البيانات المصورة في عام 2020.

ويشترك أبناء حسون في ملكية شركة عقارات مع عضو مجلس الشعب السوري بلال النعال، وهو نفسه شريك رامي مخلوف في شركة دمشق الشام القابضة. هذه الشركة تأسست في عام 2006 وكانت أول شركة سورية قابضة، وهي الآن مسؤولة عن إنشاء مشروع تطوير الإسكان الفاخر في ماروتا سيتي في دمشق. النعال أيضاً هو مالك شركة فالكون الأمنية التي تعاقدت معها شركتان مملوكتان لمخلوف، سيريتل وأجنحة الشام.

الخلاف بين السيد وحسون هو كذلك جزء من الانقسام الآخر الذي شكل السياسة السورية في السنوات الأخيرة، وهو التنافس بين روسيا وإيران. وقد ظهر من ضم ابن الوزير واسمه عبد الله إلى اللجنة الدستورية السورية التي ترعاها روسيا وتركيا تفضيل موسكو للوزير. ويزعم عبد الله السيد أن جمهورية الشيشان الروسية تسمع له، وأنها قد استعارت إستراتيجيته المبتكرة هو ووالده في إعادة تشكيل الإسلام السني. ويقال أيضاً إن السيد الأب مقرب من إياد حسن، الذي يشارك مستثمرين روساً في مشروع يالطا العقاري في المدينة الساحلية السورية طرطوس على امتداد البحر الأبيض المتوسط.

من جانبه، استمر حسون في الاستفادة من الدعم الإيراني، ففي الوقت الذي استبعد فيه واقعياً من الظهور في وسائل الإعلام الحكومية السورية، احتفظ بوصول واسع النطاق إلى وسائل الإعلام التي ترعاها إيران. على سبيل المثال، في أيار/ مايو 2020، منحته قناة العالم السورية حواراً مدته ثلاثون دقيقة.

ومنذ استعادة النظام السيطرة على شرقي حلب في كانون الأول /ديسمبر 2016، استغل حسون علاقاته الوثيقة مع الميليشيات التابعة للحرس الثوري الإيراني، مثل حزب الله اللبناني وقوات الدفاع المحلي في حلب، وقد أصبحا لاعبيّن مهميّن في المشهد الأمني للمدينة الشمالية.

سمح ذلك لحسون بملء الفراغ الذي تركه اغتراب صهيب الشامي في عام 2012، والشامي هو خصم حسون اللدود، وقد كان ذات يوم يتفوق على البيروقراطية الدينية في حلب. أمّن حسون تعيين أقربائه ورعاته في المناصب الدينية الرئيسة في المدينة، بما في ذلك العديد من منابر المساجد التي تركت شاغرة بعد هزيمة الثوار.

أضف إلى ذلك ما ورد عن وساطة حسون بين السلطات والعائدين المحتملين مثل الشيخ محمود الحوت، وهو خطيب ذو شعبية ورئيس معهد الكلتاوية الشرعي. وفي عام 2019 عاد الحوت إلى حلب بعد سبع سنوات من المغترب في مصر.

وعلى الرغم من الشائعات حول إقالته الوشيكة في ربيع عام 2020، يبدو أن حسون قد حصل على دعم كافٍ لاستعادة حظوته عند النظام. وهو ما ظهر من خلال وجوده إلى جانب الأسد في أثناء الاحتفال بالمولد النبوي في أكتوبر من العام ذاته.

أما بخصوص الوزير فقد عمل أيضاً على زيادة نفوذه عبر الطريقة الوراثية التي أصبحت السمة المميزة لنظام الأسد. الوزير السيد كان أبوه عبد الستار وزيراً أيضاً في سبعينيات القرن الماضي، وكان أخوه خير الدين محافظاً لإدلب. وقد منح الوزير الحالي ابنه عبد الله دوراً بارزاً في وزارة الأوقاف وعينه مديراً للأوقاف الدينية في طرطوس. وعين كذلك مديراً للفريق الديني الشبابي، وهي منظمة تطوعية أنشأتها الوزارة في 2016 بهدف حشد العلماء الشباب من الجنسين بين أعمار 25 و40 في المعركة ضد التطرف وللترويج للخطاب الديني “المعتدل”. عقد الفريق دورات تدريبية ومؤتمرات في جميع أنحاء البلاد، مع التمتع بإمكانية الظهور المكثف على قناة نور الشام التلفزيونية التابعة للوزارة، بما في ذلك برنامج أسبوعي دوري.

العمود الفقري لعقيدة الفريق يتألف من: تفسير السيد متعدد الأجزاء للقرآن الكريم، إضافة إلى ما يُعرف بفقه الأزمة، الذي هو تفنيدٌ للأعداء الدينيين للنظام، وبالتحديد: الوهابيين، الإخوان المسلمين، وأي تكفيريين أو من يسميهم النظام الجهاديين. هنا، لا ينبغي للمرء أن يبالغ في تصور أصالة هذا المسعي الفكري، فما يرنو آل السيد لنشره ليس جزءاً من الحداثة الإسلامية، إنما هو مقاربة تقليدية جديدة تركز على ما يعدونه الفهم الشامي (أي الخاضع سياسياً) للإسلام.

وخلال العقود الأولى من حكم حزب البعث العربي الاشتراكي في سورية، وبخلاف المجموعات الاجتماعية الأخرى كالفلاحين والطلاب والعمال، لم يُدمج رجال الدين في منظمات شعبية على النمط السوفييتي، مما أدى لمحدودية الوصول لموارد الدولة وصناع القرار من جهة، وإلى عزلة مريحة أخلاقياً عن العناصر ذات العقلية العلمانية (أغلبها من الطائفة العلوية) التي تدير أجهزة الدولة من جهة ثانية.

وفي المقابل، شُكِّل الفريق الديني الشبابي بالاشتراك بين وزارة الأوقاف والاتحاد الوطني لطلاب سوريا الموالي بشدة للنظام. واعتبر الفريق “جزءًا لا يتجزأ” من الاتحاد، كما أوضحت دارين سليمان، رئيسة الاتحاد منذ عام 2020 التي كان في صدارة الحضور لمعظم الأحداث الكبرى التي عقدها فريق الشباب الديني.

تماماً مثل حزب البعث نفسه، من الأفضل تصور الفريق الديني كهيكل رعاية ينضم إليه الأعضاء الباحثون عن مصالح سياسية وأمنية وليس كحركة سياسية تثير قناعة أيديولوجية حقيقية بين صفوفها. الحوافز الرئيسة للانضمام إلى الفريق هي الامتيازات الممنوحة لأعضائه من قبل الوزارة والأجهزة الأمنية في ما يتعلق بالتعيينات والتراخيص للأنشطة الدينية. وقد أثبتت هذه الرعاية أنها جذابة، وتحديداً في المناطق التي كانت تحت سيطرة الثوار سابقًا، والتي لا تزال تخضع لتدابير أمنية مشددة.

وعلى الرغم من ذلك، بلغ الانزعاج الأخلاقي الذي أثارته هذه الصفقة حداً، دفع بعض العلماء (بما في ذلك أعضاء الفريق أنفسهم) إلى تقديم الحجج الدينية لتثبيط عزيمة زملائهم عن الانضمام إليها.

وهكذا من خلال فريق الشباب الديني، تدعم الوزارة جيلاً جديداً من رجال الدين يدين قليلاً لخصائصه العلمية وكثيراً لروابطه السياسية. ولكن إلى جانب الاعتبارات الأخلاقية، هناك قيود على هذه الاستراتيجية. فعلى الرغم من تمجيد عبد الله السيد للعلماء الشباب كونهم أقدر ممن هم أسن منهم على الترويج لخطاب ديني مرن، فإنهم ليسوا على وشك أخذ مكانهم. فعلى الأقل، في المجال الديني، لا يزال نظام الأسد بحاجة إلى القيمة العلمية للحرس القديم، فضلاً عن موارده البشرية والمؤسساتية.

في عام 2019، افتتح الأسد مركز الشام الإسلامي الدولي لمواجهة الإرهاب والتطرف، ليس بصحبة الفريق الديني الشبابي، إنما مع كبار العلماء من معهد الفتح وأكاديمية كفتارو (بما في ذلك مفتي دمشق وريفها آنذاك عدنان الأفيوني الذي عين مديراً للمركز). وبعد بضعة أشهر، حل توفيق البوطي، ابن النجم الديني المذكور سابقاً محمد سعيد رمضان البوطي، مكان مأمون رحمة خطيب الجامع الأموي، الأخير كان صاحب حماس مطلق في تأييد النظام، والذي تناسب عكسياً مع توقيره بين المؤمنين.

ومن المرجح أن يستمر الفريق الديني الشبابي لاعباً رئيساً في المجال الديني السني من خلال دعم المخابرات. بيد أن طموحات آل السيد فيما يخص المجال السياسي العام، واجهت انتكاسات كبيرة. فعند تأسيسه في عام 2016، انتخب أربعة أعضاء من مجلسه المركزي ذي الخمسة عشر عضواً، في مجلس الشعب السوري. وكان من بين منتسبي الفريق (الذين حلوا محل حفنة من كبار العلماء مثلوا الدوائر السنية ذات العقلية الدينية في مجلس الشعب منذ أوائل السبعينيات) الداعية فرح حمشو أخت أحد رجل الأعمال المرتبطين بالسلطة محمد حمشو، ومحمد زريعة الذي عين سكرتيراً للمجلس.

ولكن في الانتخابات التالية في عام 2020، لم ينجح أي مرشح متدين سني. وقبل ذلك بعامين، كان آل السيد قد تلقوا انتكاسة سياسية أخرى، عندما استُبدلت بالإشارة الصريحة للفريق الديني الشبابي في المرسوم رقم 16/2018 (مسودة القانون 31/2018) الإشارة المجردة إلى العنصر الشبابي.

محن الفريق السياسية نتجت، أولاً، من القلق الكبير الذي أحدثه ظهوره بين الأقليات الموالية للنظام، والتي تنظر إلى أي تمكين سياسي للسنة المحافظين على أنه تهديد وجودي، واعتبرته، في بداية الأمر، حركة إسلامية على غرار الإخوان. وعند صدور المرسوم رقم 16/2018، اندلعت معارضة سياسات آل السيد في مجلس الشعب وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. فندد كلٌ من نبيل صالح النائب البرلماني عن محافظة اللاذقية، والحزب السوري القومي الاجتماعي (جل أتباعه من الطوائف العلوية والمسيحية)، بما أسموه محاولة أسلمة المجتمع. هذه الاحتجاجات أدت إلى عدة تعديلات على مسودة القانون، منها حذف اسم الفريق، ورفع بند يتيح للوزارة استقطاب مواطنين أجانب، الأمر الذي فسر على نطاق واسع أنه وسيلة لدمج الدعاة الشيعة الاثني عشرية المدعومين إيرانياً في البيروقراطية الدينية في سورية.

وقبل ذلك، كانت دوائر الأقليات قد أعربت عن معارضتها للمؤسسة الدينية السنية خلال فعالية توعوية أقامها الفريق الديني الشبابي في عام 2016 في محافظة طرطوس ذات الأغلبية العلوية. وقد اضطر رجال الدين السنة وهم غير مرتاحين لمواجهة هجوم المشاركين وتوبيخهم لهم لإلقائهم خطباً تثير القلق، وتغرس في مستمعيهم “مخافة الله أكثر من محبته”. وفي السنوات الأخيرة، ألقى المراقبون ذوو العقلية العلمانية باللوم على التأثير الخفي للوزارة في وجود حالات مختلفة من الرقابة وفرض الآداب العامة.

في الواقع، يبدو أن هذه المخاوف مبالغٌ فيها. ففي المسائل ذات الأهمية الاستراتيجية، تبدو المؤسسة الدينية أقل قدرة على تشكيل سياسات النظام مما كانت عليه قبل الحرب الأهلية. الجدير بالذكر أنه في عام 2009 أثارت لجنة من الخبراء القانونيين المحافظين سخطاً واسع النطاق في الأوساط العلمانية من خلال صياغة تعديلات على قانون الأحوال الشخصية. في نهاية المطاف، سحبت الحكومة التعديلات، لكن هذه القضية أظهرت تأثير الرأي الديني المحافظ على المسائل الاجتماعية.

بيد أنه بعد عشر سنوات، سنت الحكومة تعديلات حولت قانون الأحوال الشخصية في اتجاه أكثر علمانية إلى حدٍ ما، وهي تغييرات وصفها المراقبون المحافظون أنها “انتهاكات للشريعة”.

ختاماً، فإن أهم القيود على تمكين الفريق الديني الشبابي وعلماء السنة بشكل عام هي علاقتهم السياسية المشكوك فيها مع النظام. في هذا الصدد، المقارنة بين النخب الدينية السنية، وبين الفاعلين الأكثر براعة: القادة شبه العسكريين وتجار الحرب، تبدو في صالح الأخيرين، فازدياد نفوذهم أدى لإقصاء الأولين من مجلس الشعب في 2020.

وباستثناء القيادات الدينية العليا المقربة من السلطة مثل السيد وحسون، فإن العلماء ارتبطوا عادةً برجال الأعمال الذين يديرون شركات صغيرة ومتوسطة الحجم، وقد طغت عليها النخب الاقتصادية التي أفرزتها الحرب، والمشار إليها آنفاً.

إضافةً إلى ذلك، فإن الوسطاء من شيوخ الدين أثبتوا دورهم في التفاوض على استسلام المناطق التي يسيطر عليها الثوار حول دمشق من عام 2014 فصاعداً، وبالمقابل فإن هؤلاء الشيوخ الذين يسمون بشيوخ المصالحات فقدوا الكثير من أهميتهم بعد أن أكمل النظام استعادة ضواحي العاصمة في عام 2018. في مقدمة هؤلاء: الأفيوني الذي قتل بتفجير سيارة مفخخة في أكتوبر/تشرين الأول 2020 في بلدة قدسيا بدمشق، في أثناء وجوده بصحبة الشيخ عادل مستو (الناجي من الانفجار)، وقد ساعد كلاهما في عودة قدسيا إلى سيطرة النظام في وقت سابق. وهذا الاغتيال حدث، بالصدفة المقلقة، في اليوم الذي صادق فيه مجلس الشعب على مرسوم إلغاء هيئة المصالحة الوطنية (وهي الهيئة المشرفة على مفاوضات الاستسلام المحلية)، التي وصفها أحد أعضاء مجلس الشعب بأنها أصبحت عديمة الفائدة في الوقت الراهن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Enable Notifications    OK No thanks