عالمية الإسلام والعولمة
فائز شبيل
الوحدة الشرعية
مركز المجدد للدراسات والبحوث
الحمد لله العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وبعد.
لا غرابة أن تجد كل ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم يحصل كما أخبر فهو الصادق المصدوق والذي لا ينطق عن الهوى، فقد أخبر عن تطاول البنيان، وأخبر عن ظهور الفتن، وقلة العلم وانتشار الجهل، وتوسع القتل، واجتماع الأعداء على الأمة كاجتماع الأكلة على القصعة، وتحدث عن علامات الساعة الصغرى والكبرى وتحقق الكثير منها.
ومن ذلك أنه أخبر عن عالمية الإسلام في موطنين، في موطن وهو محاصر في المدينة المنورة، حيث أخبر أنه سينال مفاتيح البلاد فارس والروم واليمن وغيرها من البلدان؛ فقد قال البراء بن عازب: “لما كان حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحفر الخندق عرض لنا في بعض الجبل صخرة عظيمة شديدة ، لا تدخل فيها المعاول ، فاشتكينا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآها أخذ المعول وألقى ثوبه ، وقال: «باسم الله» ، ثم ضرب ضربة فكسر ثلثها ، وقال: «الله أكبر ، أعطيت مفاتيح الشام ، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة» ، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر فقال: «الله أكبر ، أعطيت مفاتيح فارس ، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض» ، ثم ضرب الثالثة فقال: «باسم الله» ، فقطع بقية الحجر ، وقال: «الله أكبر ، أعطيت مفاتيح اليمن ، والله إني لأبصر أبواب صنعاء»([1]).
والموطن الثاني عندما أخبر عن عالمية الإسلام وأنه سيصل إلى كل بيت من مدر أو وبر بناء أو من شعر، فقد قال تميم الداري t قال صلى الله عليه وسلم: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر” وكان تميم الداري، يقول: “قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرا الذل والصغار والجزية»([2]). ففي هذا الحديث بيان واضح وإخبار صادق واقع عن عالمية الإسلام، وقوة دعوته وانتشاره في كل أقطار الأرض.
فالإسلام في دعوته العالمية للبشرية جمعاء يسعى إلى الأخذ والعطاء، وإقامة الحوار مع جميع الناس؛ لإرساء أمر الله في الأرض، وتخليص البشرية من براثن الوثنية والعبودية لغير الله تعالى، ورفع الظلم وإقامة العدل.
فدعوة الإسلام عامة شاملة، لا تختص بقطر دون قطر، هي عالمة من أول يوم وإلى آخر يوم في الدنيا، ونبيها آخر الأنبياء، ورسالته لكل الناس من أحمر أو أسود والكرامة والتميز إنما تكون بالتقوى، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
وكان الأمر واضحاً في القرآن الكريم أن الدعوة للعالم أجمع، فالقرآن ذكر ورحمة وهدى ونذير وبشير للعالمين، قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾، [سورة ص الآية : 87[، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، [سورة الأنبياء الآية : 17[، وقال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [سورة آل عمران : الآية 96[، وقال: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ [سورة الفرقان الآية : 1 [، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سورة سبأ الآية: 28[
وكان هذا الأمر متقررا عند الصحابة رضوان الله عليهم، فقد قال المغيرة بن شعبة لرستم قائد جيش الفرس في القادسية، وهو يسأله قبل المعركة: ما الذي جاء بكم ؟ فيجيبه: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.([3])
أما العولمة الجديدة العولمة الظالمة من قوى الشر المتجذر فتسعى جاهدة إلى توظيف الخلل المقيم في البنى المعرفية والمعلوماتية على الصعيد الكوني؛ لتمارس أبشع أنواع الظلم والجور وتجاوز لحدود جغرافية الثقافة الوطنية والعقدية والعرفية.
التصدي لطوفان العولمة:
لكي نتأهب لصد تيارات العولمة الوافدة والوقوف بوجه طوفانها الثقافي، ينبغي أن نبدأ بمعالجة نقدية لمنظومتنا الفكرية والعقدية، فعالم مغاير – في ظل العولمة – بحاجة إلى فهم إسلامي جديد أكثر عمقا، وتوظيف ذكي لمنهج علمي متزن بعيد عن الغلو، وعليه؛ فإذا لم يتغير منهج التفكير وتصحح منطلقاته، فسوف يبقى العقل المسلم عاجزا عن النظر الناقد والرؤية النافذة، وسيظل يراوح في حلوله ومحاولاته المتكررة للحاق بركب العولمة السائدة، أو رفضها بمنطق الغلو والتشدد، اللذين يغفلان عن مواطن القوة ومواطن الضعف في المنظومة الفكرية للغير.
إن أزمة الأمة الإسلامية – في الوقت الحالي – في المحصلة النهائية – هي في كيفية بلورة قيمها وتصوراتها الأساسية، في واقع اجتماعي حضاري، قادر مستقر، بعيد عن التقليد والمحاكاة والمتابعة العمياء لما تفرزه العولمة، ولن يتأتى لنا مواجهة تيار العولمة دون صياغة مفاهيمنا الإسلامية وبلورة أخلاقياتنا في صرح فكري متين، يستطيع الصمود بوجه المقارعة النقدية التي تمارسها مؤسسات العولمة وأذيالها، وتطلقها صوب مفاهيمنا وقيمنا في ميادين الحياة كافة([4]).
سوف تتعرض هويتنا الإسلامية والعرفية والعربية إلى تهديد شديد في ظل العولمة التي أعطت لنفسها كامل الحق في صهر ثقافات العالم في بوتقة الثقافة ؛ لطمس ملامح خصوصياتها؛ لإبقاء الإنسان المعاصر وحيدا بلا مكان ولا تاريخ، بحيث سيطوي النسيان تاريخ الأجداد، وسيهدر تراثهم بعد سيادة التراث الفكري الذي تحمله طوفان العولمة الوافدة، ولن نستطيع مجابهة هذا التهديد الشرس بدون معالجة جديدة لمفردات تراثنا الفكري الذي خلفه أجدادنا الأفذاذ، ولا نترك للغرب أن يمارس جريمة استلاب نصوصنا وتراثنا، ونتاج إبداعنا من بين أيدينا؛ بدعوى مزج الثقافات وحوار الحضارات.
التعمق في فهم مقاصد الشريعة:
ينبغي أن نعمق فهمنا بمقاصد الشريعة، ونباشر عملية حراثة مفهومية لنصوصها، فنستنطق هذه النصوص بإجابات ناجعة؛ لتجاوز العقبات المعرفية التي تعترض المسلم المعاصر عند مواجهته لتيار العولمة ببريقه الأخاذ، ومغرياته التي تحرك نزعات النفس الأمارة بالسوء.
ولن يتعمق فهمنا لمقاصد الشريعة ما لم نعاود إقامة أواصر الألفة مع لغتنا العربية، لغة الخطاب القرآني، ولغة ثقافتنا العالمة، وننظر في علل الأحكام وحكم التشريع الإسلامي في كل نواحي الحياة من أحوال شخصية إسلامية واقتصادي إسلامي وسياسية شرعية وغيرها من الجوانب.
الاستفادة من أدوات العولمة المعاصرة:
ثم نباشر ونواكب ثقافة العولمة، ونحاول أن نحسن استخدام أدواتها، بعيدا عن موقف الرفض المطلق الذي يعاني أصحابه من مأزق الانغلاق والقوقعة على الذات، شريطة ألا نقع أسرى في دائرة ما يسمى بالانفتاح على العصر، والذي يحمل بين ثناياه استتباعا حضاريا مبطنا لتيار العولمة.
الفعل الإسلامي الحضاري لمواجهة الاختراقات الثقافية، عبر المحاولات المستمرة لتجديد مضمون الخطاب الإسلامي في داخل حدود سيادته العقدية، ثم التوجه صوب العالم الخارجي؛ لتأسيس مبدأ عالمية الإسلام على أسس رصينة، تثبت أقدام هذه العالمية على أرض الواقع.
([1]) مصنف ابن أبي شيبة (7/ 378)، برقم: (36820).
([2]) مسند أحمد (28/ 155)، برقم: (16957)، قال محققه: أسناده صحيح.
([3]) تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري (3/ 518).
([4]) ينظر: عالمية الإسلام، لمحمود السيد، على الرابط: https://icjambi.sch.id/index.php/2018/05/30/2924/.
