ترجمات

معاداة الإسلام: الوباء الاجتماعي في أوروبا

معاداة الإسلام: الوباء الاجتماعي في أوروبا

Avrupa’nın Sosyal Pandemisi: İslam Karşıtlığı

ترجمة إبراهيم كرثيو

وحدة المعلومات

مركز المجدد للبحوث والدراسات

 

يعد الصراع الشامل مع الإسلام نقطة تحول مفصلية للسياسات الراديكالية المتزايدة في أوروبا، بعد اندلع التوترات التي بدأت مع نشر رسوم كاريكاتورية مسيئة للرسول الأعظم محمد صل الله عله وسلم في فرنسا عام 2015، وكانت على وشك أن تُنسى، تم إعادة الإساءة لمشاعر المسلمين مرة أخرى عندما عُرضت هذه الرسوم في بعض المدارس التي يرتادها طلاب مسلمون، بدعوى حرية الفكر. في الواقع، هذه الحادثة المهينة والتي استهدفت القيم التي يعتبرها المسلمون مقدسة أدت إلى ردة فعل عنيفة، الامر الذي أدى الى استغلال هذه ردود الفعل من قبل العديد من السياسيين الأوروبيين الذين يعانون من أزمة شرعية سياسية وفتح منافذ سياسية جديد وخطاب يتخذ من كراهية الإسلام مادة له.

في الوقت الذي يتعرض فيه المسلمون في العديد من البلدان الأوروبية لجميع أنواع الضغط عند التعبير عن أفكارهم ومعتقداتهم بدعوى أن لديهم آراء متطرفة، فإنه من النفاق الكبير اعتبار الهجمات على الإسلام مندرجة تحت ‘حرية الفكر والتعبير’.

يقود القارة العجوز في هذا الجانب، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي نقل قضية الرسوم الكاريكاتورية إلى مرحلة متقدمة، وتبنى خطابا سياسيا استفزازيا، الامر الذي يعني أن ممارسات جديدة ستضاف إلى القمع والمضايقات والممارسات المعادية للإسلام والمسلمين. في واقع الأمر، بينما يتم إضافة تدابير جديدة إلى الإجراءات التي تجعل من الصعب على المسلمين العيش في أوروبا، فإن عرض الرسوم الكاريكاتورية التي تسئ إلى المسلمين في المباني العامة يثير مخاوف بشأن مسار السياسة المركزية في أوروبا بشكل عام وفرنسا بشكل خاص، والتي تتحول فيها السياسات بشكل متزايد إلى أقصى اليمين المتطرف.

أثار السياسيون الأوروبيون الغضب الاجتماعي بسبب الصور المسيئة والاستفزازية المنشورة في المجلات، مستخدمين حرية الفكر كذريعة لدعم الإهانات المختلفة للمقدسات، وفي نفس الوقت لا يترددون في التهجم على المسلمين ووصفهم بالمتطرفين. والحقيقة أن المقالات والكتابات الموجهة ضد الإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام الأوروبية قد تضاعفت خلال العقد الماضي، وهذا الامر يكشف بوضوح حجم وأبعاد الخطر. يبدو أن تحيز وسائل الإعلام الأوروبية، التي جعلت إهانة القيم المقدسة أمرا شائعا، قد ساهمت في نتيجة اتهام تتهم الجماهير المسلمة بالراديكالية، بدلا من التشكيك في السياسات والجهات الفاعلة الفاسدة على نحو متزايد.

على الرغم من أن العديد من قادة العالم تعاملوا بحذر مع الطريقة التي تعامل بها الأوروبيون مع هذا الحدث، إلا أن جهود وسائل الإعلام الأوروبية لإخفاء الإسلاموفوبيا من خلال الإصرار على مناقشة ‘حرية الفكر’ لن تؤدي إلا إلى زيادة حدة الحادثة. ومع ذلك، فإن جميع الاتفاقيات الدولية، وخاصة الإعلان الأوروبي لحقوق الإنسان، لم تترك حرية التعبير دون رقابة، حيث انها تنص احترام حريات ومعتقدات الآخرين.  تُظهر استطلاعات الرأي في جميع أنحاء أوروبا أنه على الرغم من موقف القادة الحاليين ووسائل الإعلام الرئيسية، التي بدأت في التغلغل بشكل كبير في أوساط المجتمع، فإن المواطنين الاوروبيين منقسمين حول حدود حرية الفكر. حتى في فرنسا التي نشرت رسوم كاريكاتورية مهينة، قال 45٪ من الجمهور إنهم لا يرون هذه المنشورات ضمن نطاق حرية التفكير وصرحوا بأنهم لا يوافقون عليها. كشفت دراسة استقصائية أجريت في إنجلترا وفرنسا أن 75٪ من الناس في هذين البلدين يعارضون نشر الرسوم الكاريكاتورية.

لم تقتصر كراهية الإسلام، التي أصبحت وباءً اجتماعيًا في أوروبا اليوم، على السياسيين من اليمين المتطرف فحسب، بل امتدت لتشمل السياسيين من اليسار والوسط.

في الوقت الذي يتعرض فيه المسلمون في العديد من البلدان الأوروبية لجميع أنواع الضغط عند التعبير عن أفكارهم ومعتقداتهم بدعوى أن لديهم آراء متطرفة، فإنه من النفاق الكبير اعتبار الهجمات على الإسلام مندرجة تحت ‘حرية الفكر والتعبير’. وفي الدول الأوروبية، التي تقول إنها لا تستطيع اتخاذ أي ترتيبات تقييدية تحد من حرية التعبير عن الفكر، نجد على سبيل المثال انه يُحظر وبشدة انتقاد اليهود أو إنكار المحرقة اليهودية – الهولوكوست – ويشار الى انكار هذه الأحداث التاريخية على أساس انها ‘معاداة السامية’. وفي المناقشات المتعلقة بحرية التفكير، تثير هذه الممارسات التمييزية الشكوك حول ما يسمى بـ ‘القيم الأوروبية’ في المقاربات السياسية والاجتماعية.

ورغم أن أي مسلم يعيش في الغرب لا يؤيد الدخول في صراعات مع الأنظمة القائمة، إلا أن وسائل الإعلام الأوروبية، التي تصور كل مسلم على أنه جهادي محتمل، من الواضح أنها لا تدرك أو تتجاهل عمداً حقيقة أنها ترتكب جرائم تمييز. قد يصل الانتشار المتزايد للممارسات التمييزية التي تنتهك صراحة المادة الثانية من إعلان حقوق الإنسان أبعادًا من شأنها إضعاف صوت المثقفين المنطقيين، الذين تتناقص أعدادهم يومًا بعد يوم في أوروبا. يبدو أن وسائل الإعلام، التي تزينت ردود ا أفعالها بعد الرسوم الكاريكاتورية الأخيرة بتعليقات غير مبررة ومتلاعبة تحت اسم “عودة الجهاديين”، وصاحب هذه العبارات المهينة صور لمسلمين باكستانيين أو بنجلاديشيين من ذوي اللحية الطويلة والغضب يتدفق من أعينهم، لقد حاولوا على ما يبدو القيام بعملية تصور كل المسلمين تقريباً مجرمين محتملين.

رغم أن أي مسلم يعيش في الغرب لا يؤيد الدخول في صراعات مع الأنظمة القائمة، إلا أن وسائل الإعلام الأوروبية، التي تصور كل مسلم على أنه جهادي محتمل، من الواضح أنها لا تدرك أو تتجاهل عمداً حقيقة أنها ترتكب جرائم تمييز.

في الواقع، يمكن اعتبار ظهور الخطاب المعادي للإسلام بين القادة ووسائل الإعلام الأوروبية أمرًا مذهلاً للغاية من حيث انعكاسه على بعض التوجهات الاجتماعية. لأن الدراسات الاستقصائية الأخيرة تظهر أن العديد من الأوروبيين يعتقدون أن الإسلام ليس دينًا مناسبًا لأوروبا. بينما تقول الأرقام الأكثر تفاؤلاً أن 60٪ من الناس يفكرون بهذه الطريقة، فإنه يظهر بوضوح أنه لا يمكن اعتبار ذلك من قبيل الصدفة أن السياسة الذين يخططون للحصول على أصوات من هذه الجماهير يثيرون مناهضتهم للإسلام. وجد استطلاع أُجري سنة 2019في ألمانيا، الدولة الأكثر تقدماً في أوروبا، أن 52٪ من السكان يعتبرون الإسلام تهديداً. على الرغم من أن الحظر المفروض على الممارسات المتعلقة بالمعتقد ينتهك المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أي الأحكام المتعلقة بحرية الدين، فقد أصبح من الشائع الآن فرض قيود على العديد من عبادات المسلمين في أوروبا. علاوة على ذلك، على الرغم من وقوف العديد من السياسيين ووسائل الإعلام في أوروبا خلف ماكرون لارتكاب جرائم كراهية علانية من خلال تهميش المسلمين والتحريض عليهم، على عكس قرارات الأمم المتحدة وقرارات الاتحاد الأوروبي ذات الصلة، فإن هذا الاتجاه يظل ثابتاً مع استمرار المجتمعات الأوروبية في التحول إلى اليمين المتطرف.

تحولت ظاهرة كراهية الأجانب المتزايدة في جميع أنحاء القارة في السنوات الأخيرة، جنبًا إلى جنب مع معاداة الإسلام، إلى خطر يهدد جميع مجالات حياة المسلمين. على سبيل المثال، في ألمانيا، وهي ثاني دولة أوروبية بها أكبر عدد من المسلمين، يُذكر أن عدد الجرائم ضد المسلمين تجاوز 950 في عام 2019 وحدها. هذا يعني ان هناك حوالي 80 هجومًا شهريًا. لم تقتصر كراهية الإسلام، التي أصبحت وباءً اجتماعيًا في أوروبا اليوم، على السياسيين من اليمين المتطرف فحسب، بل امتدت لتشمل السياسيين من اليسار والوسط. في حين أن كل طيف سياسي قد يكون لديه أسباب مختلفة لكونه معاديًا للإسلام، فإن ما يلتقي حوله في النهاية هو تقييد دور الإسلام في جميع أنحاء أوروبا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Enable Notifications    OK No thanks