دراسات وبحوث

 المثقف العربي وسؤال الدور في زمن التحولات

 المثقف العربي وسؤال الدور في زمن التحولات

 الدكتور إدريس الكنبوري

 كاتب وباحث مغربي

مقدمة

 لا أحد يجادل في أن هناك حالة أزمة ينوء بها الوضع الثقافي العربي والإسلامي العام، والتي تتجلى مظاهرها في عدد من المؤشرات، من ضمنها التأخر الثقافي والسياسي في بلدان العالم العربي، وانهيار مؤشرات التنمية الثقافية، وانتفاء الترابط بين الدوائر الأكاديمية البحثية والدوائر السياسية والبيروقراطية ذات العلاقة بالقرار، وتردي المخرجات الأكاديمية في العالم العربي، وتأزم المنظومة التعليمية، وغياب أو قلة الاعتماد على النخبة الفكرية والثقافية في صوغ الاستراتيجيات الكبرى داخل الدولة والمؤسسات، وضعف أو غياب الاحتفاء بالرأسمال الرمزي لصالح التركيز على التراكم المادي، وتضاؤل مساحة القراءة؛ وسوى ذلك من المشخصات، التي قد يميل البعض إلى اعتبار بعضها نتائج لا أسبابا، وتنهض دليلا على أن الثقافة في واقعنا العربي تظل مكانا للاحتفال بالغياب، مقابل منطق السلطة المحكوم بالحضور الطاغي.

 ويقع في صلب الحديث عن أزمة واقعنا الثقافي تساؤل متكرر عن موقع ودور المثقف العربي، بل إن الحكم على تأزم الواقع الثقافي ينطلق في الكثير من الأحيان من الحكم على المثقف بالتأزم؛ فكأن أزمة الواقع الثقافي انعكاس لأزمة المثقف، لا العكس. وفي حين يرى البعض أن المثقف ليس سوى ضحية لتردي الوضع الثقافي العربي العام، بسبب عدم انفتاح المؤسسات التعليمية على أطروحاته، وتغلب الأمية وانسحاب القراءة، ومحاربة الماسكين للسلطة لفكره، والوقوف درعا بينه وبين جمهوره[1] ؛ يميل آخرون إلى تحميل المثقف مسؤولية ذلك التردي، على اعتبار أنه يتحرك في تخوم الواقع المجتمعي بنوع من الانعزالية، من خلال النزعة النخبوية الطاغية عليه، والانشغال بإشكاليات هي إلى الخاصة أقرب منها إلى عامة الناس، وعدم صياغة لغة قريبة من العموم تبسط الإشكاليات وتكرس ثقافة القرب[2].

 ولعله ليس من موضوع أسيل فيه مداد كثير، كما أسيل في موضوع المثقف العربي وأزمته. فمنذ عقود من الزمن ساد في الأوساط الفكرية والثقافية العربية حديث أزمة المثقف، وانتشرت لازمة الأزمة بوجه خاص منذ أن نشر المفكر المغربي عبد الله العروي كتابه باللغة الفرنسية “أزمة المثقفين العرب: تقليدية أم تاريخانية؟” في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي[3]، حتى ذهب الظن إلى أن المثقف العربي ولد وفي أحشائه أزمته.

 ويمكن القول بأن التساؤل المتكرر والدائم عن أزمة المثقف العربي يخفي وراءه ـ بطريق المداورة ـ الشعور بالموقع الرئيس الذي يحتله في البنية الاجتماعية والثقافية والسياسية في المجتمعات العربية الحديثة، ومدى الرهان الملقى عليه في التحولات المتوالية، والإحساس بالحاجة إلى دوره المتزايد. وبصيغة أخرى، فإن التساؤل الملح عن أزمة المثقف العربي ينطوي ـ بشكل ضمني ـ على الشعور بأن هناك وضعا شرطيا، مفاده أن خروج المثقف من أزمته شرط للنهوض والخروج من التخلف.

انطلاقا من ذلك تسعى هذه الورقة البحثية ـ وفق منهج تاريخي نقدي ـ إلى إعادة قراءة سياقات نشأة المثقف الحديث في بنية عربية ـ إسلامية ابتداء من نهايات القرن التاسع عشر، والوقوف لدى جملة التحولات والانعطافات التي خضع لها؛ وهي تحولات نرى أنها تلتقي في نقطة التقاطع بين المعرفي والسياسي. كما تعمل الورقة على تشخيص عملية الانتقال من الباراديغم الذي كان يؤطره الفقيه والعالم بالمفهوم التقليدي، إلى الباراديغم الجديد الذي نشأ في ظله المثقف الحديث.

 ونحن لا ندعي ـ بأي حال ـ أننا سنقدم إجابات وافية ونهائية عن هذه الأسئلة ـ ومثيلاتها ـ بقدر ما يحدونا طموح إلى ملامسة بعض جوانب الأزمة وتجلياتها، موقنين بأن أزمة المثقف قضية من التشابك والتعقيد بحيث تستدعي تظافر الجهود وتوظيف منهجيات جديدة في المقاربة والتحليل، من أجل الخروج برؤية عربية شاملة، تعمل على تشخيص أزمة المثقف العربي وإعادة بناء مفهومه ودوره في مناخ ثقافي وسياسي جديد ، وتستوعب مظاهر وتجليات الأزمة الثقافية وتقدم مقترحات وبدائل عملية، عقلانية وموضوعية، من أجل الانفلات من الحلقة الدائرية المفرغة التي يتخبط فيها المثقف العربي، وبالنتيجة الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في العالم العربي.

تعريف المثقف

لا تكاد تتفق جل الدراسات والأبحاث التي تتطرق إلى المثقف على تعريف موحد يمكن أن يكون ذا قوة معيارية، بقدر ما نصطدم بتعريفات لا حصر لها تتخذ لنفسها زوايا متعددة للنظر إلى هذا”الكائن”، سواء كانت الزاوية السياسية بالتركيز على دوره ووظيفته، أو الزاوية الإيديولوجية بالتركيز على مواقفه وتموقعه، أو الزاوية الاجتماعية بالتركيز على موقعه وانتمائه الاجتماعي ـ الطبقي. ويرى كارلوس ألتاميرانو أن لفظة المثقف”متعددة المفاهيم” ومثيرة للجدل وليست لها حدود معينة، كما هو الشأن أيضا بالنسبة إلى الفئة التي ينتمي إليها، وهي فئة المثقفين، بالجمع) [4](. ويلاحظ أن اللغات الأوروبية لم تكن تعرف هذا المفهوم حتى نهاية القرن التاسع عشر، إذ يعرف “القاموس الاشتقاقي الأول للغة الإسبانية”، الذي ظهر عام 1881، كلمة”المثقف” كالتالي:”الشخص المشتغل بالبحث والتأمل”)[5](، وهو تعريف عام يشمل المشتغل في حقول الفكر والثقافة

والتعليم، كما يشمل بنفس القدر رجل الكنيسة والكاهن والصوفي. ولم يحصل نوع من التحديد للمفهوم إلا بعد قضية دريفوس Dreyfus الشهيرة في فرنسا عام 1898، حيث تم الفصل في المفهوم بين الجانب الثقافي والجانب الروحاني[6].

بناء عليه، يقترح البعض تعريفات للمثقف، على أساس الدمج بين الدور والسياق الاجتماعي أو التاريخي أو هما معا. فلا “يكون” أي شخص مثقفا لمجرد كونه حاملا لمعرفة، بل “يصبح” كذلك في الوقت الذي يخرج فيه بمعرفته إلى الفضاء العام، ويتبنى قضايا لا تندرج بالضرورة في مجالات اشتغاله كرجل معرفة، في أي مجتمع أو حقبة تاريخية كان ذلك[7]؛ ويدعم المفكر الفرنسي إيتيان باريليي هذا التعريف، من خلال تأكيده على أن المثقف هو رجل الفكر، لكنه رجل الفكر الذي يجعل فكره في خدمة فكرة العدالة كمثال[8].

 وإذا كانت لفظة”مثقف” حديثة العهد بالاستعمال، سواء في اللغات ذات الجذر اللاتيني أو خارجها بما فيها اللغة العربية، فإن الأمر يدعونا إلى إعمال نوع من التمييز بين”الكلمة” و”الشيء”. فقد عرفت كافة المجتمعات البشرية فئة من”العمال الفكريين” الذين كانوا يؤدون أدوارا معينة تقربهم من مفهوم المثقف في العصر الحديث، أمثال رجال الدين والعلماء والكهنة، شغلوا حيزا مهما في عملية التداول المعرفي داخل مجتمعاتهم، وكانوا قبلة للباحثين عن المعرفة أو الخبرة والدراية. وفي دراسته عن الديانة اليهودية القديمة يستعمل ماكس فيبر عبارة “المثقفين” بهذا المعنى، للدلالة على رجال الدين اليهود في بني إسرائيل، الذين تحملوا مسؤولية إعادة مراجعة وكتابة التقاليد الدينية للشعب اليهودي، بالنظر إلى قربهم السابق من الأنبياء[9]. ويشير فيبر إلى أن الحاخامات اليهود كانوا يشكلون”طبقة من المثقفين” المنتمين إلى عامة الناس، أو الغوغاء (plébéiens)، والمتميزين عن الطبقة الأرستوقراطية، بحيث كانوا يقومون بدور استشاري وتحكيمي بين الناس بشكل تطوعي، فضلا عن عملهم الكهنوتي الأصلي[10].

 لقد أدى البحث عن مفهوم محدد ومرجعي عام لكلمة”المثقف”، في الأدبيات الاجتماعية، إلى الكثير من التضارب والاختلاف. وقد لوحظ أن الكثير من الدراسات التي انصبت على دراسة “مهنة المثقف” في المجتمعات الحديثة كانت تنطلق من”نسيان”الماضي، على اعتبار أن المفردة لم تظهر إلا في نهاية القرن التاسع عشر، ومعها يبدأ تاريخ المثقف. ولسد هذه

الثلمة عملت مدرسة كامبريدج على اجتراح منهجية تعتمد دراسة وضعية المثقف ضمن سياقاته التاريخية والسوسيولوجية، وذلك بهدف الحيلولة”دون أن يؤثر الحاضر على دراسة الماضي”، والعمل على دراسة الظواهر الثقافية والفاعلين الثقافيين في إطار السياق التاريخي، والبحث في رواج الأفكار بين هؤلاء الفاعلين ضمن نفس الإطار، مرتكزة على منهجية تؤلف بين العلوم السياسية وعلم الاجتماع والألسنية[11].

 ويلاحظ المؤرخ الفرنسي كريستوف شارل أن مصطلح”المثقف” أصبح مثقلا بالخلفية التاريخية والسياسية والإيديولوجية الفرنسية التي نشأ فيها، الأمر الذي يجعل من الصعوبة تعميم نفس التجربة وسياقها الثقافي على مختلف المجتمعات الأخرى، خصوصا المجتمعات غير اللاتينية، التي لا تجد مشكلة في كلمة intellectuel ، بتنوع تراكيبها في اللغات المتفرعة عن اللاتينية. ويقترح شارل إدماج دراسة المثقف ضمن التاريخ المقارن، ويدعو إلى”الدراسة المقارنة للمثقفين”، بحيث يرى بأن كلمة”مثقف” لا تبدو غريبة في المعجم اللغوي اللاتيني، لكنها عندما تنتقل إلى معجم مختلف أو إلى سياق تاريخي قديم تصبح مثار الغرابة، خاصة وأن الكلمة ظهرت مع نمط الإنتاج الرأسمالي الذي يرتكز على تقسيم العمل إلى عمل ذهني وآخر يدوي[12].

 تضمن هذا الانتقال من سياق تاريخي لم يكن فيه مفهوم المثقف معروفا، إلى سياق أصبح فيه المثقف جزءا منه، انتقالا موازيا حصل على مستوى الباراديغم المؤطر لرؤية العالم والإنسان في العصر الحديث في أوروبا، ابتداء من عصر الأنوار حيث ظهرت فئة”رجال الكلمة”، الذين مثلوا حلقة انتقالية من رجل الدين إلى المثقف الحديث، الذي ظهر في القرن التاسع عشر، مع التحولات الجذرية والعميقة التي مست المجتمع والدولة والنسيج الثقافي.

انتقال الباراديغم في العالم العربي..من الفقيه إلى المثقف

  ترتبط نشأة المثقف العربي في العصر الحديث بجملة تحولات جوهرية مست العديد من الأنماط الثقافية والاجتماعية والفلسفية في العالم العربي، نتجت عن الاصطدام السياسي والمعرفي بأوروبا، خلال نهاية القرن التاسع عشر، أدت إلى تحول في”رؤية العالم” لدى النخبة العربية، السياسية والثقافية معا. وارتبط ذلك التحول بالإشكالية الرئيسية التي طرحت آنذاك على هذه النخبة، هي إشكالية الانتقال النهضوي من وضع يتسم بالانحطاط والجمود على مختلف الأصعدة، إلى وضع تتحقق فيه النهضة والخلاص من التخلف، الذي يبدأ من الثقافة على صعيد الفرد والجماعة، ولا ينتهي عند الدولة، بوصفها التعبير المكثف في العصر الحديث عن الطموحات المنجزة، منذ أن ولدت الدولة مع هيجل كفكرة تجريدية تمثل خلاصة التطور الإنساني.

شكلت فئة العلماء الدينيين الطبقة المثقفة الوحيدة التي كانت تهيمن على عدد من الوظائف ذات الارتباط بالمعرفة في العالم الإسلامي طيلة القرون الماضية؛ فقد كان العلماء يقومون بأدوار هامة داخل المجتمع وفي العلاقة بين المجتمع والسلطة؛ إذ كانوا قضاة ومفتين وموجهين دينيين وسياسيين ورجال تعليم وأئمة مساجد، كما كانوا قادة المجتمع في القرى والحواضر)[13](. لكن مع بدء الاحتكاك بأوروبا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبسبب الجمود الفقهي المتراكم، بدأت ترتسم القطيعة بين الفئة العلمائية وبين العصر الجديد، بالنظر إلى النسق الفقهي المغلق الذي لم يستطع التجاوب مع التحولات الحاصلة، ليبرز نموذج جديد هو المثقف، بوصفه ناطقا بلسان عصر مختلف.

 تشكل النموذج الأول، الجنيني، للمثقف الحديث في العالم العربي، من جماعة الإصلاحيين العرب الذين اصطدموا بمنجزات المدنية الأوروبية في نهاية القرن التاسع عشر، ورأوا فيها ما يوفر مدخلا إلى العصر والخروج من التخلف، عبر التوفيق بين التراث الراكد والفكر الأوروبي الناهض. وقد ترافقت هذه الصحوة مع عدد من التطورات التقنية الحديثة، التي مكنت النخبة العربية من الاطلاع على الأفكار الإصلاحية الأوروبية؛ وعلى رأس هذه التقنيات المطبعة التي دخلت بعض بلدان المشرق في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ووصول بعض الصحف الأوروبية، التي ساهمت في إعطاء النخبة العربية المدينية صورة عما يجري في أوروبا من تحولات فكرية وسياسية واجتماعية، وخصوصا الأفكار الجديدة التي جاءت بها الثورة الفرنسية )[14](؛ فضلا عن البعثات الطلابية، وانتشار نظم التعليم الحديث، والرحلات الفردية الخاصة أو السفارية، التي

هيأت الإطار العام الذي تبلور فيه “باراديغم” paradigme جديد)[15](، يتضمن رؤية جديدة للعالم وبناء فكريا جديدا، ويطرح أسئلة مختلفة عن تلك التي كانت مطروحة في المرحلة الماضية، التي كان فيها الفقيه ورجل الدين الممثل الوحيد الممثل الوحيد للمشروعية الثقافية والمعرفية، في إطار الباراديغم السابق.

 انطلاقا من ذلك، برز مفهوم المثقف في سياق إشكالية مزاحمة الفقيه وأخذ مكانه، بوصفه الشخص الأكثر انفتاحا على معارف العصر ولغاته. فإلى حدود النصف الأول من القرن التاسع عشر، بقيت”السلطة العلمية الوحيدة التي استقرت في تراثنا الثقافي هي سلطة الفقيه”([16])، بما يعنيه من نفوذ ثقافي وسياسي، مستمد من مشروعية تمثيل النص الديني المقدس، وكونه الناطق باسم الشريعة.

 في حوار مليء بالدلالات نقله محمد رشيد رضا، صاحب تفسير”المنار”، بين الشيخ محمد عبده ومفتي الديار المصرية، حول العلم والعلماء، ما يظهر ثقل الباراديغم الجديد وصراعه من أجل تجاوز النموذج القديم. يقول المفتي:”ولكن العلماء في انصراف تام عن شؤون العامة، وقد تركوا هم تلك الشؤون إلى الحكام(…) ولم تبق لأحد منهم علاقة مع العامة”، فيرد عبده:”لا شك أن أغلب المشتغلين بعلوم الدين تنقصهم الخبرة بأحوال الناس، ويفوتهم العلم بما عليه أهل العصر” ([17]).

شكل صعود المثقف انعكاسا لجمود الفقيه، الذي يمثل مشروعية”النص”، لكنه لا يتوفر على”الخبرة” في التعامل مع الواقع، المعبر عنه في هذه المقالة بـ”أحوال الناس”. وقد بلور هذا التصور طموحا إلى تجاوز تلك المشروعية المؤسسة على أحدية الانتماء إلى الماضي، لصالح توفيقية جديدة تسعى إلى تحقيق المزاوجة بين ذلك الماضي والمنظور التاريخي الجديد، مثلها رجال الدعوة الإصلاحية الأولى.

 ظل حضور الماضي في باطن المثقف الإصلاحي قائما، بوصفه النموذج الذي يتوجب الرجوع إليه، لكنه ترافق مع الحاضر الأوروبي الذي أصبح يمثل النموذج الواجب”القياس” عليه؛ ولذلك يمكن تسمية هذا المثقف الإصلاحي الأول بـ”المثقف السلفي”، الذي لا يرى الخروج من الماضي بانتقاده إلا مقدمة للرجوع إليه بإعادة صياغته، متسلحا بالقيم الأوروبية الجديدة. يمكن القول هنا، إن الماضي بالنسبة لهذا المثقف ظل يمثل المعرفة Le savoir، بينما كانت أوروبا تمثل بالنسبة إليه المنهج La Méthode .

 يرى بعض الباحثين أن نمط المثقف السلفي انطلق مع النفس الإصلاحي لمجلة”المنار” لرشيد رضا، بين نهاية القرن التاسع عشر وثلاثينيات القرن الموالي، وأن ما يميز هذا المثقف عن الفقيه التقليدي أنه كان ذا منزع”إحيائي”، أي أنه لا يقلد الماضي بل يعمل على إعادة بعثه في الحاضر وفق تصور عصري؛ وهو ما عبر عنه مصطلح”النهضة”، الذي أطلق على الحراك الفكري والثقافي لتلك المرحلة. ويذهب هؤلاء إلى القول بأن هذا المثقف كان يتمثل قيم ومبادئ عصر الأنوار الأوروبي، بدليل تسمية”المنار”، التي هي إحدى الاشتقاقات اللغوية القريبة من التنوير ([18]).

المثقف الليبرالي..الصعود والهبوط

 واجه المثقفُ السلفي الفقيهَ التقليدي، بينما سيواجه المثقفُ الليبرالي المثقفَ السلفي، بالموازاة مع تحول جديد في الباراديغم ، بعد تكريس مفهوم الدولة الوطنية بعد الاستقلال السياسي. فإذا كان المثقف السلفي قد ارتبط بالطموح العام إلى إحياء الماضي الإسلامي المشترك باسم الانتماء إلى الأمة، فإن المثقف الليبرالي سوف يولد من رحم الدولة الوطنية رافعا لواء الانتماء إلى الوطن. لم يعد المثقف الليبرالي الجديد، الذي سيظهر في الخمسينيات من القرن الماضي، يعمل على إحياء ثقافة مشتركة، بل أصبحت رسالته تتمثل في البحث عن التاريخ الوطني الخاص، وإعادة كتابة تاريخ الدولة الوطنية، كجزء من تاريخ الأمة المشترك، لكنه جزء مستقل بنفسه في إطار من النزوع الوطني؛ ففي الخلفية الفكرية لهذا المثقف أن التقدم الأوروبي يقف وراءه تنظيم محكم للدولة ([19]).

 يعتبر عبد الله العروي أن المثقف الليبرالي خرج من أحشاء المثقف السلفي، ذلك أن هذا الأخير، لكونه تعايش بداخله نوعان من المثقفين: السلفي المنكمش على الماضي، والإصلاحي المتطلع إلى أوروبا، لم يتمكن من إنجاح ذلك التعايش، مما مهد لميلاد المثقف الليبرالي الذي صار ينظر إلى الإصلاح من منظور التقارب مع الثقافة الأوروبية ([20]) . غير أن العروي يلاحظ أن المثقف الليبرالي سقط في”تراجيديا”قاسية، نتيجة الفجوة القائمة بين قناعاته الليبرالية وبين الشروط الاجتماعية الموضوعية التي لم تكن تسمح لمثل تلك القناعات بالتحقق، الشيء الذي أدى إلى انشطاره هو الآخر، بين مثقف تقليدي يسعى إلى استعادة التقاليد، ومثقف عصري يريد تقليد أوروبا ([21]).

 ونحن إن كنا نوافق أطروحة العروي هذه، إلا أننا نتحفظ بشأن العوامل الكامنة وراء انشطار المثقف الإصلاحي. إن السبب ـ في رأينا ـ لا يعود إلى صعوبة التعايش بداخله بين اتجاه سلفي وآخر حداثي، أو عصري، بل إلى الملابسات السياسية التي حدت من دوره في الظروف التي ظهر فيها، من جهة، ومن جهة ثانية إلى ثقل الموروث الديني وتحالف الفقيه التقليدي مع السلطة السياسية. ويمكن أن نلمح في المحاولات اليائسة لإصلاح المؤسسة الدينية، سواء في الأزهر المصري أو القرويين المغربي أو الزيتونة التونسي، انعكاسا واضحا لميل ميزان القوة إلى غير صالح المثقف الإصلاحي، الذي وجد نفسه في مواجهة خصمين ([22])؛ فبرفعه مطلب الإصلاح الديني وضع نفسه في قلب المعركة مع رجال الدين التقليديين، وبدعوته إلى الإصلاح السياسي كان عليه أن يدفع كلفة الصراع مع السلطة ([23]).

 بيد أن المثقف الليبرالي لم يكن أسعد حظا؛ لقد أراد تبني مشروع الدفاع عن العقلانية والتنوير في وجه المعسكر التقليدي، متبنيا جزء من المنهجية التي اعتمدها المثقف الإصلاحي نفسه، الذي وضع الفكر الديني التقليدي على طاولة النقد. لم يكن المثقف الليبرالي رجل دين، أو خريج المؤسسة الدينية، ولكن أطروحته حول الإصلاح الديني كانت مرتكزة على الإرث الذي خلفه الإصلاحيون، وربما جاز القول بأن هذا هو الوضع الراهن داخل الثقافة العربية حتى اليوم، بين الحداثيين والأصوليين.

 دفع المثقف الليبرالي مشروع نقد الماضي، والدفاع عن العقلانية، خطوة إلى الأمام في مواجهة المثقفين السلفيين، الذين تراجعوا عن الثقافة الإصلاحية السابقة، التي وضع قواعدها الإصلاحيون الأوائل، فأصبحوا تقليديين بحجة الدفاع عن أصول الثقافة الإسلامية؛ بل إن المثقفين الليبراليين، خصوصا منهم ذوو الأصول المسيحية، دفعوا هذا الاتجاه خطوة أكبر، برفضهم لتلك القيود التي وضعها الإصلاحيون السابقون، بشأن ما تجوز استعارته من الغرب ([24]). وبينما خاض المثقف

السلفي معركته ضد الفقيه التقليدي في رحاب المؤسسة الدينية التقليدية، دون أن يحرز نجاحا كبيرا؛ نلاحظ بأن المثقف الليبرالي سوف يخوض معركته في رحاب مؤسسة علمية مدنية حديثة، هي الجامعة. وتمثل معركة طه حسين، بسبب

كتابه”في الشعر الجاهلي”، المثال الأبرز للمواجهة بين التقليديين والعصريين، أو بين”أنصار القديم” و”أنصار الجديد”، حسب جاك بيرك؛ إذ رفض التقليديون تطبيق المناهج العلمية النقدية الجديدة على التراث القديم، باسم المحافظة، ما أدى إلى محاكمة طه حسين بتهمة الإساءة إلى الإسلام. ويعتبر بيرك أن تلك المعركة شبيهة بتلك التي خاضها المثقفون الفرنسيون في قضية دريفوس ([25]).

 لم يكن الانتقال من الجامع إلى الجامعة انتقالا في أساليب التدريس فحسب، بل بالأحرى تحولا في البنية الذهنية للجيل الجديد، الذي تشرب المبادئ الليبرالية الأوروبية، وبدأ يعي حجم الفارق بين تعليم تقليدي قديم لا يناسب العصر، وتعليم حديث يقدم رؤية جديدة للعالم. فخلافا للمثقف الإصلاحي الذي عايش تجربة انهيار الخلافة العثمانية، وواجه اختبار إحياء الخلافة، عايش المثقف الليبرالي حالة من التماس المباشر مع الاستعمار الأوروبي، وواجه اختبارا من نوع مختلف، هو اختبار الذاتية الوطنية؛ وقد شكل التعليم العصري الحديث، الذي بدأ مع”المدارس الوطنية”، بوتقة لصهر هذه الذاتية الجديدة.

 لعبت المزاحمة بين التعليمين، التقليدي والعصري، دورا مؤثرا في صياغة عقلية النخب الجديدة، التي بدأت تشرئب إلى استيعاب معطيات الفكر الأوروبي الحديث، وتعتبر أن القسط الأكبر من الأزمة يعود إلى استمرار التعليم التقليدي ومناهجه البالية. وعلى الرغم من أن هذا التعليم صارع من أجل البقاء، وقاوم المثقف الإصلاحي وعرقل الجهود التي بذلت من أجل تطويره، إلا أن الاستعمار الأوروبي وجه إليه الضربة القاصمة في النهاية؛ فقد شجع التعليم العصري، وترك مؤسسات التعليم التقليدي تموت من تلقائها، طالما أنها لم تعد مصدرا للرقي الإداري والوظيفي؛ الأمر الذي نتج عنه تكوين جيل جديد من المثقفين ([26]). وسوف تلعب هذه النخبة الدور الأساسي في التأسيس الإيديولوجي للدولة الوطنية الحديثة، للمرة الأولى ([27]).

 غير أن المثقف الليبرالي سرعان ما سيجابه أزمة هوية، ستطرح عليه مباشرة بعد مرحلة الاستقلال الوطني، وبناء الدولة الحديثة. فبعد أن نجح، ثقافيا، في التأسيس للمفهوم الوطني للدولة، وإشاعة الشعور بالذاتية الوطنية، والتواضع على قيم علمانية وعقلانية، في إطار مبدأ المواطنة، دخل بعد الاستقلال حقبة من الضبابية حول ما المقصود بالانتماء الوطني، أهو انتماء إلى نزعة قومية لتمييز نفسه عن الآخر الأوروبي؟ أم انتماء إلى قيم جديدة تتعلق بالانتماء المشترك إلى الحضارة العالمية؟ ([28])؛ بعبارة أخرى، كانت مرحلة الاستقلال اختبارا عمليا لأحلامه الفكرية التي صاغها من قبل.

سقوط”يوتوبيا”الدولة الوطنية

تتقارب تجربة المثقف الليبرالي العربي، في المرحلة الواقعة بين الحربين، مع تجربة نظيره في أمريكا اللاتينية، إذ عرفا صحوة الوعي الوطني في نفس الفترة، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فقد نما الوعي الليبرالي لدى المثقف الأمريكو ـ لاتيني بفعل الاحتكاك مع الاستعمار الأوروبي، وكان جوابه على سؤال التأخر هو التوفيق بين التراث اللاتيني والثقافة الغربية الليبرالية، من أجل خلق”يوتوبيا وطنية”، لكن هذه اليوتوبيا اصطدمت بواقع الدولة الوطنية التي جاءت لتخلف الاستعمار الأجنبي ([29]).

 يمكن عكس هذا المخاض على المثقف الليبرالي العربي، الذي نشأ هو الآخر كـ”مثقف غير أوروبي”، بتعبير العروي ([30])؛ فقد انفتح على الفكر الليبرالي الأوروبي في مرحلة الاستعمار، لكن سرعان ما تحول ذلك الوعي الإيجابي إلى وعي شقي مباشرة بعد الحصول على الاستقلال ([31]) . وهنا سوف نلاحظ تحولا في موقع المثقف إزاء الفاعل السياسي في إطار الدولة الجديدة؛ فهو لم يعد ملهما للأفكار والمشاريع الإصلاحية، بل أصبحت هذه المشاريع تأتي من موقع آخر، هو موقع السلطة الحاكمة، وما عليه سوى أن يتابع، أو يحكم على مصيره بالزوال. وانطلاقا من هذه اللحظة، لم يعد مسار المثقف العربي ينفك عن المسار السياسي العام للدولة الناشئة.

 تتجلى أزمة المثقف الليبرالي في أن الشروط الموضوعية لمرحلة ما بعد الاستعمار لم تمكنه من تنزيل القيم التي بشر بها، مثل الحرية والديمقراطية والعقلانية والعدالة الاجتماعية، وفي أن دولة ما بعد الاستقلال لم تكن تترجم تلك القيم؛ كما أن المثقف لم يتم استدعاؤه في عملية تدشين التطور السياسي والفكري الجديد. على العكس من ذلك تماما، أصبح المثقف عبئا على الأنظمة السياسية الجديدة، فكان عليه أن يختار بين أن يتحول إلى”مثقف عضوي” للأنظمة الوليدة، أو أن يحلم بأن يكون ناطقا باسم مجتمع لم تتجمع شروط ميلاده، أو طبقة اجتماعية لم تتوفر شروط صعودها بعد؛ وبعبارة حسن حنفي، فإن هذا المثقف أصبح مطلوبا منه”تبرير القمة على حساب القاعدة”، بدلا من”تأسيس الدولة من القاعدة إلى القمة” ([32])؛ وهو المشروع الذي أنجزه المثقف الليبرالي في أوروبا، الذي شكل نموذجا مرجعيا للمثقف العربي ([33]). فخلافا للتجربة الأوروبية، والفرنسية بوجه خاص، لم يكن للمثقف الليبرالي العربي دور في صياغة الأساس الفلسفي للدولة العربية، ليس ابتعادا منه، بل إبعاد له؛ فرؤيته لم تكن مطلوبة، بل ما كان مطلوبا منه نوع من الموالاة، لأن الدولة الحديثة التي نهضت من ركام الإمبراطورية العثمانية “سقطت في براثن الأنظمة، وأصبحت تتبع النظام بدلا من أن يتبع لها النظام” ([34])، ذلك أن أساس الدولة المشاركة، بينما أساس النظام الموالاة.

 أدت خيبة المثقف الليبرالي إلى توتر حاد، ناجم عن الفجوة بين الفكر والواقع، وهو ما دفع الكثيرين إلى السقوط في ما يسميه أحد الباحثين”عبادة الشخصية”، تعويضا عن الفشل في الحاضر، واستمدادا للأمل من الماضي ([35])؛ إذ يكتب محمد حسن الزيات، مثلا، عام 1949:”…والمتوقع الذي لا حيلة فيه أن نظل كما نحن لعبة تلعب، أو نهبة تنهب، حتى يبعث الله فينا الرجل الذي ننتظر” ([36]).

 يرى العروي أن نهاية المثقف الليبرالي حصلت مع حرب فلسطين، التي مثلت”الضربة القاصمة” للحلم الليبرالي العربي، في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، مما أدى إلى بروز طبقتين من المثقفين: طبقة اتجهت إلى تبني الأطروحات الدينية، وطبقة اتجهت إلى تبني أطروحة اليسار ([37]). وفي مقابل هذا التصور، يرى محمد أركون أن العامل الأساس الذي “أسقط قيمة المثقف الليبرالي” هو صعود الدولة القومية، ممثلة في الناصرية، بحيث أصبح هذا المثقف خصما للدولة، بتهمة الموالاة للغرب، ليبدأ تمجيد “المثقف المجند” ([38])، وهو من يطلق عليه العروي أيضا تسمية”الشخص التقني”(المبرمج، والمهندس، ورئيس المؤسسة)، الذي يناسب الدولة القومية التي تتسم بخاصيتين، أنها “دولة الدعوة إلى التقنية والتصنيع”، وأنها “دولة البورجوازية الصغيرة الظافرة” ([39]).

المثقف العربي وسقوط الإيديولوجيا

 غالبا ما يتم التحقيب لمرحلة ما بعد فشل الدولة الوطنية لما بعد الاستعمار بالمرحلة الإيديولوجية، وذلك لأن مشهد المثقفين العرب بدأ يشهد تبلور اختيارات إيديولوجية متعددة، تتضمن تصورات وقناعات متباينة بشأن عملية الإصلاح والتغيير. همت تلك الاختيارات محورين أساسيين: محور الدولة، بوصفها التعبير عن النسق السياسي، ومحور التراث، بوصفه التعبير عن النسق الثقافي. وقد استقطب هذا المحور الأخير الاهتمام الأكبر في أوساط المثقفين، لأن”المنظومات الثقافية المعرفية والاعتقادية تخفي مواقع اجتماعية ـ سياسية وتكرسها في الوقت نفسه، بقدر ما هي انعكاس لها”([40]).

 تسجل هذه الحقبة بروز أنواع من المثقفين انخرطوا في التبشير باختيارات إيديولوجية متنوعة، تشكل مداخل مختلفة للخروج من التأخر. وقد شكلت الدولة القومية ـ التي ربطت الاختيار القومي على الصعيد الثقافي والسياسي، بالاختيار الاشتراكي على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي ـ التعبير النموذجي الأوضح لهذه الحقبة.

 لم يعد المثقف العربي خلال هذه الفترة صاحب مشروع ينادي به، كما كان الأمر مع المثقف الإصلاحي وخليفته الليبرالي، بل تحول إلى”داعية” و”رجل تبشير” ينافح عن قضية تتبناها السلطة، وأداة في خدمة”التجييش الإيديولوجي” ([41]). فقد استبدل “الموقف”، الناتج عن تبعيته للسلطة، بـ”الرؤية”، التي تنتج عن قناعات فكرية صميمة في إطار مشروع نهضوي؛ لأن الدولة باتت هي صاحبة هذا “المشروع النهضوي”، وأصبح على المثقف أن يتحول إلى مجرد قناة لترويجه.

بالقدر الذي كشفت فيه تلك التبعية للمثقف وراء السياسي، غياب الرؤية لدى المثقف، كشفت أيضا العوز المنهجي الذي طبع فكره في التعامل مع تراثه القديم؛ فهو حين تصدر للتبشير بالمشروع القومي، سيرا وراء الحاجة السياسية للسلطة، سقط في التناقض النظري الحاد بين الأمة بالمفهوم التاريخي، والقومية بالمفهوم السياسي؛ وكان ذلك ـ كما يلاحظ أحد الباحثين ـ نتيجة التناقض بين الإيديولوجيا السائدة والظروف التاريخية الموضوعية، بعدما اعتبر الأمة”تراثا”، والقومية”حداثة”، من غير أن يدرك أنه سقط مجددا في ما كان يريد الهرب منه، وهي النزعة التوفيقية لرواد الإصلاح الأوائل ([42]). لكن الملاحظة التي يمكن رصدها، خلال مرحلة التبشير القومي، أن النزعة القومية جمعت تحت أكنافها مختلف أنماط المثقفين الذين وحدتهم الفكرة القومية وفرقت بينهم سبل المناهج؛ فقد كان هناك الاشتراكي الذي ناصر المخططات الاجتماعية والاقتصادية للدولة القومية، والإسلامي الذي انجذب إلى قضية إحياء”الأمة” وتصدى للتأصيل الديني للقومية، واليساري الماركسي الذي رأى في الدولة القومية ذات المضمون الاشتراكي جسرا إلى نمط الإنتاج الاشتراكي، خصوصا في القطاع الزراعي ([43])، وأخيرا القومي الصافي الذي كان يحلم بدولة عربية واحدة ذات”إقليم قاعدة”، وانكب على إعادة كتابة تاريخ قومي، يجعل الإسلام دين قومية واحدة لا دين شعوب.

 لكن هذا المثقف”المركب”، الذي عانق القومية لأنها إيديولوجيا السلطة، سرعان ما أفاق من حلمه في المرة الأولى مع فشل تجربة الوحدة المصرية ـ السورية عام 1961، حين اكتشف أن التناقض كامن في الفكرة القومية ذاتها، باعتبارها فكرة تتجاهل حقيقة الدولة الوطنية الحديثة؛ وهكذا وجد أن يوتوبيا الدولة الوطنية أصبحت النقيض ليوتوبيا الدولة القومية.

مثلت هزيمة 1967 بالنسبة للمثقف العربي منعطفا شديد الدقة، خاصة أتباع الاختيار القومي. ويرى أحد الباحثين أن الهزيمة شكلت”قطيعة إبستيمولوجية”في وعي النخبة المثقفة في العالم العربي، جرت معها عددا من التحولات الفكرية والإيديولوجية في المشهد الثقافي العام، وقادت إلى رفع سقف الممارسة النقدية إزاء التراث بوجه خاص، وبالأخص ما يتعلق بموقع الدين في المجتمع ([44]). ويمكن تحديد تيارين بارزين خلال هذه الفترة: تيار النقد الإيديولوجي الذي حاول إعادة النظر في التراث بشكل عام، على أساس تحميله المسؤولية فيما آلت إليه الأوضاع، والدعوة إلى إجراء عملية فرز داخله بما يتوافق مع فكرة التطور المنشود ([45])، وتيار النقد الإبستيمولوجي الذي ركز على اختبار عدد من المفاهيم الغربية المطبقة في تحليل الحالة العربية، لعدم قدرتها على الوفاء باحتياجات هذه الحالة ([46]).

 ما تجدر الإشارة إليه في هذا الباب أن هذه الفترة لم تشهد فحسب توجه المثقف إلى انتقاد الممارسة الثقافية والتجربة السياسية، بل نشأ نوع ثالث من النقد يرمي إلى وضع المثقف نفسه، “أداة” ممارسة هذا النقد، على طاولة النقد؛ أصبح المثقف نفسه موضوعا للممارسة النقدية. ويشكل كتاب عبد الله العروي”أزمة المثقفين العرب”(1974)، الذي أشرنا إليه في هذا البحث أكثر من مرة، علامة فارقة في هذا الخصوص؛ إذ وجه فيه انتقادا شديد الصرامة إلى المثقف العربي لم يكن مسبوقا، وخلص فيه إلى النتيجة التالية:”إن الغالبية العظمى من المثقفين العرب تستمر في الميل إلى السلفية أو الانتقائية، والأكثر غرابة من ذلك، فهي تعتقد بأنها تتمتع بالحرية الكاملة التي تسمح لها بامتلاك أفضل ما لدى الآخر من إنتاجات ثقافية، لكنها حرية على طريقة العبد الرواقي!” ([47]). وقد جاءت الكتابات النقدية عن أزمة المثقف العربي ودوره في الفضاء الاجتماعي في سياق التأثر بتلك التي ظهرت في أوروبا، وأعادت النظر في مسؤولية المثقفين؛ وأشهر تلك الكتابات في هذه الفترة كتاب جان بول سارتر”دفاع عن المثقفين”(1972).

 انعكست الهزيمة على مرآة الثقافة هزيمة ثقافية، وعلى مرآة السياسة هزيمة للإيديولوجيا، وهو ما دفع بالعديد من المثقفين العرب إلى إعادة النظر في مجمل الأنساق الفكرية التي تم الاحتفاء بها حتى ذلك الوقت. فقد شهدت فترة نهاية الستينيات إلى نهاية السبعينيات من القرن الماضي طفرة في النقد الذاتي، الذي وصل في بعض الأحيان إلى جلد الذات، من طرف قبائل المثقفين الذين انبروا إلى ممارسة نقد صارم على جملة الأنساق تلك. ويمثل المفكر السوري ياسين الحافظ نموذجا لتلك الممارسة النقدية الجذرية لمهام المثقف في مرحلة ما بعد الهزيمة، من خلال كتابه”الهزيمة والإيديولوجيا المهزومة”، الذي يختتمه بهذا التنبيه:”لقد آن للثوريين العرب أن ينتهوا من الإيديولوجيا، وعندها سيكون بإمكانهم أن يهجروا الوعي الامتثالي للهزيمة العربية وينتقلوا إلى وعي نقدي لها” ([48]).

صحوة”المثقف”الديني

 تعايش مع نمط التعليم العصري الحديث في الوطن العربي، منذ حقبة ما بعد الاستعمار، تعليم تقليدي قديم، بقي بمثابة الخزان بالنسبة إلى الدولة العربية الحديثة التي زاوجت بين التقليدانية والعصرانية؛ ذلك لأن الدولة الوطنية لم تعمل على خلق مشروع حديث لتوحيد المجتمع والحسم في الخيارات الاجتماعية والثقافية، بحيث استمرت معضلة الثنائية في كل شيء”فالمثقف مثقفان، والمرأة امرأتان، والتاجر تاجران، والمدرسة مدرستان” ([49]). وقد حافظت جميع البلدان العربية على مؤسسات التعليم العتيقة التي ظلت تخرج الأطر الدينية التي يستعان بها في إسناد المشروعية الدينية للدولة[مدارس تحفيظ القرآن، دور التعليم العتيق، كليات الشريعة، مجالس علمية…]، وهي ازدواجية جعلت المدرسة تراوح بين القديم والجديد، وحكمت على معركة التقليد والتحديث بأن تبقى معركة مفتوحة ومستمرة بين النخب التي تتخرج من نمطي التعليم معا، الأمر الذي أعاق مهمة التحديث الثقافي وإنجاز الثورة الثقافية ([50]).

 كان من الضروري أن تنعكس هذه الازدواجية على هوية المثقف الحديث نفسه، وأن تحول دون تمكنه من نزع الاعتراف به في المشهد العام، كلسان مشترك بالنسبة لكافة الطبقات والشرائح الاجتماعية، و”محاوَر” وحيد للسلطة السياسية، بسبب من تلك المنافسة التي كان يمثلها “المثقف” الديني التقليدي ([51])، الذي ظل في خصومة إيديولوجية شديدة مع المثقف الحديث، معتبرا إياه مثقفا”غريب الوجه واليد واللسان” في مجتمع ذي خصوصية عربية إسلامية ضاربة الجذور في التراث والتقاليد.

تأسيسا على هذه الخلفية شهدت مرحلة ما بعد هزيمة 1967 انبعاثا جديدا لـ”المثقف” الديني التقليدي، لكن في لبوس جديد يحاول التأليف ما بين أصالة الثقافة وحداثة المنهج واللغة، تمثل في المثقف الأصولي. طرح هذا المثقف الأصولي نفس الأسئلة التي طرحها المثقف الحديث، لكن من زاوية مختلفة تماما؛ فقد أصبح نقيضه على مستوى التصور الإيديولوجي و”رؤية العالم”. ومقابل الطرح الذي تبناه المثقف الحديث، حول ضرورة نقد التراث، تبنى المثقف الأصولي طرحا مخالفا يقول بضرورة العودة إلى هذا التراث بدل انتقاده؛ بل إن هذا المثقف الأصولي وجد في نقد المثقف الحديث للإيديولوجيات التي تبناها، بعد الهزيمة، اعترافا بالإخفاق.

 مجد المثقف الحديث الثورة وخصص لها الكثير من التنظير، كما مجد الشعب والجماهير وأفرد لهما العديد من المؤلفات والمشروعات الفكرية، إبان حقبة اليسار العربي والماركسية الثورية، غير أن أحلامه كثيرا ما كان يتم السطو عليها من طرف التنظيمات والأحزاب السياسية التي كانت توظفه للترويج لمشاريعها هي، بدل أن تكون أطرا للتبشير بمشروعاته هو؛ فقد كان المثقفون هم الذين يقودون هذه التنظيمات، لكن لم يعترف لهم بأي دور خاص فيها ([52])|. وأمام هذا الواقع ظل المثقف يشعر بكثير من الغبن وعدم الاعتراف والنكران؛ فالحزب يستثمر سمعته في الدعاية لنفسه، والدولة تحاصره أو تغريه، والجماهير لا تفهمه، لتكون الخيبة دائما هي ملاذه الآمن حيث يمكنه أن يمارس نقده الهادر في صمت تجاه الجميع، دون أن يأبه له الجميع.

 لكن نهاية السبعينيات ستشكل صدمة إيديولوجية وسياسية له بكل ما في الكلمة من معنى، عندما وقعت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. فبعد أن كان المثقفون اليساريون ينتظرون أن تحصل الثورة باسم النظرية الماركسية والطبقة العاملة والبروليتاريا، في واحدة من الدول العربية، إذا بها تحصل باسم الإسلام لا باسم الماركسية، وباسم”المؤمنين” لا باسم”البروليتاريا”، وخارج الوطن العربي لا داخله. لقد عمق ذلك الحدث التحول الكبير الذي حصل بعد هزيمة 1967 لدى المثقفين العرب الشعور بالصدمة([53])، مما دفع بالعديد من المثقفين العلمانيين إلى التحول نحو الإسلام؛ كما لم تعد كلمة مثقف مقتصرة على التيار العلماني فقط، إذ اقتحم الصورة مثقف جديد هو المثقف الإسلامي الثوري ([54]).

 أعادت الثورة الإيرانية وضع سؤال الإصلاح الديني في مركز البحث لدى المثقف العربي، بعد دخول الدين المجال العمومي، وما ترتب عن ذلك من توظيف للدين في الصراع السياسي ([55])؛ ومن ثم أصبحت المشكلة الرئيسة التي طرحت على المثقف الحداثي، في هذه الفترة، هي ذاتها التي طرحت على المثقفين الإصلاحيين الأوائل، مع التأخر في زمن استعادتها: ما الموقف من التراث الديني؟ ماذا يجب أن نأخذ وأن ندع من أوروبا؟ كيف يتم التوفيق بين تراث مشترك ينتمي إلى الماضي وثقافة عصرية تنتمي إلى الحاضر الأوروبي؟ وكيف تتم صياغة ثقافة عربية حداثية من خلال هذا التوفيق؟.

 غير أن استعادة تلك الأسئلة أصبح يتزامن مع الشعور بالضعف لدى المثقف، عوض الاستقواء الذي كان يتسم به في الماضي، حينما كان يعتبر نفسه طليعة التغيير والثورة والإصلاح، ويرى أن المنطق التاريخي يسير بشكل تقدمي نحو الأمام، مؤيدا أطروحته حول المراهنة على الاستنارة لهدم التقليد بطريقة أوتوماتيكية. فقد أصبح يوجد في موقع الدفاع عن قيم الحداثة في وجه القيم التقليدية العائدة، عوض موقع الهجوم الذي كان يحتله بالأمس، وأدرك أنه يفتقد إلى صفة”المثقف الجماهيري” التي كان يعتقد أنه يملكها. بل إن حالة الخوف من أن يتم تجاوز موقعه والتخلي عنه دفعته إلى تبني خيارات ضد القيم التي آمن بها، أمام الخطر الذي أصبح يمثله التيار الأصولي؛ فتخلى عن حسه النقدي تجاه السلطة، وصار أكثر مهادنة في أداء دوره، الأمر الذي أسقطه في مواقف متناقضة أظهرتها الأحداث التي مرت بالمنطقة العربية منذ بداية تسعينيات القرن الماضي ([56])؛ وقد نتج الشعور بالمرارة في نفسية المثقف العربي عن إخفاق القومية العربية وسقوط الاشتراكية ممثلة في الاتحاد السوفييتي ([57]).

انبعاث المثقف الديمقراطي

 لا شك أن هذه الأوضاع قد راكمت لدى المثقف العربي الإحساس بالخيبة وفقدان المعنى، نتيجة توالي الانكسارات وتحطم الأحلام حول التغيير والإصلاح أو الثورة، بحسب المداخل التنظيرية التي كان ينظر منها إلى دوره ووظيفته، وبحسب الأنظمة الفكرية التي كان ينطلق منها. فسواء كان ليبراليا أو يساريا أو علمانيا، بقي المثقف العربي في وضعية المراقب الذي فرضت عليه العزلة والتهميش، بالنظر إلى جملة عوامل، من بينها رغبة السلطة السياسية في إبعاده والاستراحة من ممارساته النقدية غير المرغوب فيها، وتضييق التنظيم السياسي على حريته النقدية وتوظيف مخرجاته النظرية بطريقة انتهازية، وتراجع معدل القراءة ورواج الكتاب في المجتمعات العربية، وغياب المؤسسات الثقافية والفكرية الحاضنة لمشروعاته والمروجة لها، والهوة الواسعة بين انشغالاته وبين مؤسسات التعليم والتربية، فضلا عن تردي الجامعة وإفراغها من محتواها العلمي التنويري، وضحالة الإنفاق على البحث العلمي في الوطن العربي، وسيادة الاستبداد السياسي الذي يعوق حرية المثقف في الجهر بموقفه. وهي كلها مظاهر أزمة مركبة ومتشابكة، طرحت على المثقف العربي أسئلة جديدة في ضوء التغيرات الكونية التي حصلت إبان نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي.

 تميزت هذه الحقبة بتحول المثقف العربي إلى مبشر بالقيم الديمقراطية، بعد انهيار الإيديولوجيات واليقينيات الكبرى التي حركت جهده طيلة العقود السابقة؛ إذ صار يعتبر بأن الديمقراطية هي الحل. وهي قناعة حصلت له بعد مخاضات عسيرة مع الأنظمة التسلطية التي لم توفر لونا إيديولوجيا لم تركب عليه لتبرير الاستبداد أو شرعنة ممارساتها، انتهت به إلى تبني خيار الدعوة إلى الديمقراطية كإكسير للخلاص، بعد أن كان يرفضها في الماضي بوصفها”لعبة شكلية لبورجوازية مسيطرة”، ويكرس مهمته للتبشير بسلطة”ثورية” لتحقيق الوحدة والاشتراكية، فاسحا بذلك الطريق ـ من دون أن يدري ـ أمام أنظمة متسلطة ترث بعضها بعضا ([58]).

 غير أن المعضلة الرئيسة التي جابهت هذه المهمة الجديدة للمثقف، أن الولاء الجديد للديمقراطية لم تكن وراءه تراكمات نظرية تسنده، بسبب غياب التقاليد الديمقراطية في الممارسة الثقافية والسياسية طيلة العقود الماضية، بالنظر إلى أن ثقل المراهنات على الإيديولوجيات الشمولية المغلقة وفر البيئة الحاضنة للنزعة المركزية في الثقافة العربية، بحكم هيمنة التيارات اليسارية والقومية التي كانت تعلي من شأن السلطة المركزية وتمجد أحادية السلطة، سواء تمثل ذلك في الزعيم الملهم أو في الحزب الطليعي. وقد تمثل هذا الوعي الجديد بأهمية الديمقراطية في ممارسات نقدية انصبت على إعادة تشريح التراث، من أجل الخروج بخلاصات حول الديمقراطية والعقلانية ([59])، أو إعادة النظر في الأحكام السلطانية بهدف الحسم مع جوانب الاستبداد في تراثنا ([60]).

 يضاف إلى ذلك أن المثقف العربي ظل يعيش طفرات فكرية على شكل قطائع معرفية مفصولة الحلقات، بحيث لم يتم إنجاز التراكم على مستوى التنظير والخبرات بين أجيال المثقفين العرب؛ وذلك خلافا للتجربة الأوروبية التي أنتجت مدارس فكرية بسبب التراكم النظري وتواصل الخبرات والحوار بين أجيال المثقفين. ويرجع ذلك، بحسب العروي، إلى أن المثقف العربي”بسبب تكوينه المجرد يميل إلى اعتناق أي مذهب يظهر في السوق”، مما يسقطه في”الانتقائية التي لا تمثل ظاهرة انفتاح وتوازن، بقدر ما تشير إلى استقلال المثقف عن مجتمعه، وعدم تأثيره فيه” ([61]). فبالنظر إلى التضخم الإيديولوجي ظل كل جيل يبدأ من الصفر، ويبني على غير مثال، بل في الغالب الأعم يبني على مثال سابق من الغرب، ويستعير المنهج تلو الآخر، مما أسقطه في الغربة على طريقة”اللامنتمي” بتعبير كولن ولسون، وأفقده هويته؛ وهي حالة وصفها هشام شرابي بـ”الاغتراب”، الناتج عن غياب لغة مشتركة واختيار ثقافي مشترك لدى المثقفين العرب، تجعلهم على صلة بالجماهير التي يتطلعون إلى تمثيلها ([62]) . تشخيص يعززه تقرير صدر عام 2004 عن مركز كارنيجي، يرى أن النخبة الثقافية العربية مغتربة عن محيطها و”غير قادرة على الحديث إلى الرأي العام في بلدانها”، لأن الشارع العربي يوجد بين أيدي التيارات الدينية ([63]).

في الحاجة إلى المثقف في زمن التحول

 أعادت التحولات التي عصفت بالمنطقة العربية، في السنوات القليلة الماضية، طرح السؤال حول دور المثقف ووظيفته من جديد؛ ذلك أن الأحداث التي اندلعت ابتداء من نهاية 2010 في تونس ثم عمت باقي البلدان العربية على تفاوت بينها، سلطت الضوء على الحاجة إلى المثقف في المراحل الانتقالية الصعبة التي يجتازها الوطن العربي، على اعتبار أن تلك الأحداث تستبطن في حقيقتها خطابات ثقافية سابقة تبنى بعضها المثقفون العرب طوال العقود الماضية، وأظهرت حالة من الاشتباك بين السياسي والثقافي ([64]).

 وفي الحقيقة فإن تلك الأحداث أعادت إلى الواجهة ـ بنفس القدر ـ الإخفاقات التي تراكمت طول العقود الماضية، ومسؤوليات المثقف في تلك الإخفاقات. فواحد من الاستنتاجات الهامة التي يمكن الخلوص إليها من تحليل مشهد الربيع العربي، أن المثقف العربي لم يكن موصولا بالوقائع الاجتماعية والسياسية والفكرية التي تعتمل في مجتمعه خلال الحقبة الماضية، وظل منكمشا على تنظيراته النخبوية بعيدا عن الإنصات لنبض الشارع العربي، ما جعل هذا المثقف نفسه أحد الذين فوجئوا بالانفجار الذي حصل. بل الأكثر من ذلك، بدا أن أحداث الربيع العربي اتخذت لنفسها طريقا غير ذاك الذي ظل المثقف، بمختلف نزعاته الإيديولوجية، يبشر به، ممثلا في قيم التنوير والحداثة؛ لأن الذي كسب هو الاختيار الذي يعبر عن إيديولوجيا الإسلام السياسي. فقد أظهر الفاعلون الذين استفادوا سياسيا من موجات الربيع العربي تلك الأحداث على أنها”عودة إلى المجرى الطبيعي للتاريخ، وإغلاقا للقوس الذي كانت تمثله أنظمة تنسب نفسها إلى الليبرالية أو اللاييكية أو التقدمية، منذ سنوات الخمسينيات إلى اليوم” ([65]).

 فتحت أحداث الربيع العربي آفاقا جديدة لتأمل المشهد الثقافي والفكري في العالم العربي، وتحديد حجم الدور الذي يمكن أن ينهض بأدائه المثقف، وحجم الفراغات التي تركها خلال مسيرته، باعتباره الفاعل الأكثر التصاقا بالممارسة النقدية، من أجل تصويب المسار وتصحيح الرؤية وضبط المفاهيم؛ وذلك من منطلق أن أي حركة تاريخية لا ترافقها رؤية ثقافية مصيرها التعثر والارتباك، مهما كانت الطموحات التي تحملها. إن أي حركة تاريخية قد لا تكون سوى مجرد انتفاضة، لكن تحولها إلى ثورة يتطلب وجود رؤية، لأن الفارق بين الانتفاضة والثورة أن الأولى رد فعل لا يسنده مشروع ثقافي، بينما الثانية تعبير عن اكتمال المشروع الثقافي ودلالة على نضوج الشروط الموضوعية لتنزيله؛ وبينما يمكن لرجل السياسة أن يكون خلف الانتفاضة، لا يمكن لغير المثقف أن يقف وراء الثورة، من منطلق يدمج التحليل النظري بالوعي النقدي ([66])، كما دلت على ذلك مختلف التجارب التاريخية.

لقد دلت التحولات الجارية في العالم العربي على انحسار السياسي، الذي تحول إلى عملية استهلاكية باردة للشعارات غير المرتبطة بمشاريع فكرية أو رؤى استراتيجية في الإصلاح والتغيير. فطوال الفترات الماضية عمل السياسي على استتباع المثقف وتحجيم دوره، بوصفه سلطة صغرى داخل السلطة الكبرى التي هي الدولة، لأن كليهما سلطة في النهاية؛ بيد أن انحسار السياسي اليوم يقوم دليلا على الحاجة الضرورية إلى المثقف، بوصفه القادر على صوغ البديل، بعد أن استنفذ السياسي ذخيرته من الشعارات، واصطدم بغياب المشروع.

يمثل المثقف، الحامل للمشروع والمتسلح بمعول النقد، رهانا أساسيا في معركة النهوض في العالم العربي، بل يظل الرهان الأساس بالنظر إلى الظروف الموضوعية، سياسيا وتاريخيا، للوطن العربي الذي لا يزال يتخبط في عدد من الإشكاليات والقضايا التي لم يتم الحسم معها منذ مرحلة ما بعد الاستقلال، مثل قضايا الهوية ومفهوم الدولة والعدالة والديمقراطية والعلاقة مع الآخر والحرية. لقد شكل فكر النهضة العربية الأولى، في بدايات القرن الماضي، صدى لهذه القضايا ومختبرا لها، وأكدت أحداث الربيع العربي واحتجاجات الشارع أن تلك القضايا ما تزال مطروحة على الطاولة ولم يتم التفاوض بشأنها رغم مرور عقود عدة على بدء السجال فيها؛ بل إن تلك الأحداث أظهرت نوعا من التقاطع مع تلك المطالب السابقة التي عبر عنها النهضويون العرب خلال قرنين من الزمان ([67]).

داخل عملية الاستئناف المستمرة هذه، وفي وضعية المراوحة التي يعيشها الوطن العربي، تتعين أهمية الدور الموكول إلى المثقف. وفي إطار هذه المقاربة يبدو النقاش حول نهاية المثقف أو موته، وإسقاط ذلك النقاش على الوضع العربي، بمثابة محاولة لاغتيال المستقبل العربي؛ ذلك لأن مثل هذا النقاش لو بدا مسوغا في الساحة الغربية والأوروبية، فإن ذلك قد يرجع إلى أنها حسمت في مجمل القضايا وحققت الإجماعات المطلوبة حولها، وكان المثقف في أصل هذا التأسيس، إذ صاغ الرؤية وقدم الأجهزة المفاهيمية وأرسى فلسفة التغيير التي أدخلت العالم الغربي عصرا الأنوار؛ لكن الحالة في الوضع العربي مختلفة، لأن العالم العربي لا يزال يتلمس طريقه نحو النهوض؛ من هنا الحاجة الملحة إلى دور أكبر للمثقف الناقد صاحب المشروع، الذي يطرح الأسئلة ويثير القلق، ويعيد النظر في المسلمات.

إن التحول الذي حصل في أدوار المثقفين، وتحول الكثيرين منهم إلى خبراء أو تقنيين، يعد في الواقع نوعا من “تهريب” المثقف عن مجتمعه، وتحييده عن محاور الصراع، بإدماجه في منطق المؤسسة، بينما دور المثقف ليس أن يكون داخل المؤسسة أو ناطقا باسمها، بل رقيبا عليها وناقدا لأدائها. ولن يتمكن المثقف من أداء هذا الدور إلا بالخروج من الإيديولوجيا والعماء الإيديولوجي، وممارسة النقد على أدواته نفسها ومناهجه، والعمل على تأصيل هذه المناهج بدل الاستمرار في تصيدها من خارج بيئته التي يسعى إلى التأثير فيها. فوظيفة المثقف الأساسية تتمثل في مراودة الأسئلة، حتى تلك الأكثر مدعاة إلى الانزعاج، بما يقرب من معنى الاحتجاج، أو هو هو، وأن يكون شاهدا على التحولات الكبرى من موقع الفاعلية والتأثير، كواصف ومحلل ومستكشف ومدقق في المفاهيم ومانح للمعنى إلى الحركة التاريخية.

خاتمة

حاولنا في هذه الدراسة مقاربة مسألة المثقف العربي من زاوية تاريخية ـ نقدية، لقناعتنا بأن موضوع المثقف العربي موضوع إشكالي بامتياز، وبأن أي حديث فيه يقع بالضرورة في نقطة التقاطع ما بين التاريخ السياسي وتاريخ الأفكار؛ ذلك أن دراسة دور المثقف هي دراسة لعلاقته بواقعه، وهنا ضرورة ملامسة التاريخ السياسي، وهي أيضا دراسة للأنماط الفكرية والثقافية لدى المثقف في صيرورتها، ومن هنا ملامسة تاريخ الأفكار.

ولعل الاستنتاج الذي يمكن الخروج به أننا لا نتحدث عن نمط واحد من المثقفين العرب، بل عن أنماط مختلفة ومتغايرة، تخضع لنوع من التحقيب القريب من التحقيب السياسي للأنظمة والمشاريع الإيديولوجية في العالم العربي، من جهة، ولطبيعة الصراعات والخلافات الإيديولوجية التي تقسم المثقفين، من جهة ثانية؛ وهو ما قادنا إلى القول بغياب التراكم الفاعل والمؤثر، ما شكل إعاقة جوهرية في أداء المثقف لدوره.

كما أننا سعينا إلى تأكيد نقطة أساسية، هي أن انشغالات وهموم المثقف النهضوي قد توزعت بين مختلف أنماط المثقفين خلال الحقب اللاحقة، الأمر الذي جعلنا نستنتج في الأخير بأن المطالب التي استقطبت أصوات الاحتجاج في الشارع العربي في السنوات الأخيرة هي مطالب شكلت هواجس للمثقف النهضوي قبل نحو قرنين من الزمان.

ونحن نعتقد بأن استئناف المثقف لدوره من جديد، يتأتى من خلال مدخل يربط النظر بالفكر، والقلم بالعمل؛ ويتمثل ذلك في هبوط المثقف إلى الهموم اليومية التي يعيشها المواطن العربي، بدل التنظير من خلال برج عاجي يعزل المثقف عن الناس ويعطي عنه صورة رجل التأمل المجرد المُفاصل للواقع المنقطع عن الحياة العامة. أما المدخل الثاني فهو يرتبط بإعادة تحديد العلاقة بين الثقافي والسياسي، في ظل هيمنة هذا الأخير في المشهد العربي اليوم، وهيمنته على مختلف جوانب النقاش العمومي، وتهميشه لدور المثقف.

لائحة المراجع

 العربية

أومليل، علي: السلطة الثقافية والسلطة السياسية.مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان. الطبعة الثالثة 2011.

بشارة، عزمي :المثقف والثورة. الطبعة الأولى، الرباط، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، أكدال. سلسلة”كراسات الكلية”، رقم 6. 2013.

بلقزيز، عبد الإله :نهاية الداعية، الممكن والممتنع في أدوار المثقفين. الطبعة الأولى، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2000.

الجابري، محمد عابد: العقل السياسي العربي. الطبعة الأولى، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1990.

 الحافظ، ياسين: الأعمال الكاملة.الطبعة الأولى، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،2005، 4/877.

الحجوي، حسن أحمد:العقل والنقل في الفكر الإصلاحي المغربي(1757ـ1912). الطبعة الأولى، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2003.

حوراني، ألبرت:الفكر العربي في عصر النهضة(1798ـ1939). ترجمة:كريم حزقول.الطبعة الأولى، بيروت، دار النهار للنشر،1977.

رضا، محمد رشيد: مجلة المنار. طبعة 2002، المجلد الرابع، الجزء الأول والثاني. المنصورة، مصر، دار الوفاء للطباعة والنشر، 2002.

 شرابي، هشام: المثقفون العرب والغرب.الطبعة الثالثة، بيروت، دار النهار للنشر،1981.

شقرون، الحاج أحمد بن: مواقف وآراء رابطة علماء المغرب من التأسيس إلى المؤتمر العاشر(1960ـ1987).منشورات رابطة علماء المغرب.د، ت.

شلق، الفضل: الأمة والدولة، جدليات الجماعة والسلطة في المجال العربي الإسلامي. الطبعة الأولى، بيروت، دار المنتخب العربي، 1993.

عبد اللطيف، كمال: تجليات الثقافي في الربيع العربي. الطبعة الأولى، رؤية للنشر والتوزيع، 2014.

ــــــــــــــــــــــــــــ : في تشريح أصول الاستبداد: قراءة في نظام الآداب السلطانية، الطبعة الأولى، بيروت، دار الطليعة، 1999.

العروي، عبد الله: الإيديولوجيا العربية المعاصرة. ترجمة محمد عيتاني، الطبعة الثالثة ، بيروت، دار الحقيقة، 1979.

ــــــــــــــــــــــــــ: العرب والفكر التاريخي، الطبعة الأولى، بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر 1983.

ـــــــــــــــــــــــــــ:ثقافتنا في ضوء التاريخ.الطبعة الأولى، بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر، 1983.

غليون، برهان: اغتيال العقل، محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية. الطبعة الثانية، بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر، 1979.

كون، توماس: بنية الثورات العلمية. ترجمة شوقي جلال. الكويت، سلسلة”عالم المعرفة”168، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. ديسمبر/كانون أول 1992.

مفلح، أحمد مفلح: في سوسيولوجيا المثقفين العرب، دراسة وصفية من خلال تحليل مضمون مجلة”المستقبل العربي”(1978-2008). الطبعة الأولى، بيروت، منتدى المعارف، 2013.

الأنصاري، محمد جابر: الحركات الفكرية والسياسية في المشرق العربي 1930ـ1970. سلسلة عالم المعرفة، نوفمبر 1980، دولة الكويت،المجلس القومي للثقافة والفنون والآداب.

وقيدي، محمد: كتابة التاريخ الوطني. الطبعة الأولى، الرباط، دار الأمان، 1990.

دوريات

 حنفي، حسن: ما الذي يمنع المثقف العربي من التفكير في المستقبل؟. مجلة الفكر العربي المعاصر. مركز الإنماء القومي، بيروت. عدد مزدوج 90/91، يوليو/أغسطس 1991.

شفيق، منير : مجتمعان تحت سقف واحد. مجلة المستقبل العربي. السنة الثالثة، العدد 21(تشرين الثاني/نوفمبر1980).

هلال، علي الدين :أزمة الفكر الليبرالي في الوطن العربي.مجلة عالم الفكر. المجلس القومي للثقافة والفنون والآداب، دولة الكويت. المجلد السادس والعشرون، العددان الثالث والرابع، يناير/مارس ـ أبريل/يونيو 1998.

الأجنبية

 Books

Abu-Rabi’, Ibrahim :Contemporary Arab Thought: Studies in Post-1967 Arab Intellectual History. London,Pluto Press ; 2004..

Altamirano, Carlos :Intelectuales: notas de investigación. Bogotá:Grupo Editorial Norma, 2006.

          __________(director) : Historia de los intelectuales en América Latina.Volumen 1 ; Katz Editores, Buenos Aires,2008.

 Charnay, J.-P(cordination) : Normes et valeurs dans l’islam contemporain, Paris (Payot) 1966.

 Dudoignon,Stéphane A; Komatsu,Hisao; Kosugi,Yasushi (edit): Intellectuals in the modern Islamic world : transmission, transformation and communication. London : Routledge, 2006 Guidère, Mathieu :Le printemps islamiste : démocratie et charia.Paris ; Edition Ellipses, 2012.

Laroui, Abdallah : La crise des intellectuels arabes, traditionalisme ou historicisme?, Paris, Maspéro,1974.

_____________ : Islam et modernité. Centre culturel Arabe, Casablanca ,3me édition, 2009

OUMLIL, Ali :Islam et État national. Casablanca, Editions le fennec,1992.

 Trebitsch, Michel/ Granjon,Marie-Christine (cordination) : Pour une histoire comparée des intellectuels.Paris ; Editions Complexe , 1998.

 VERMEREN, Pierre: Ecole, élite et pouvoir au Maroc et en Tunisie au XXème siècle, Rabat, Alizés, 2002.

Weber, Max : Le judaïsme antique. Traduction de l’allemand par Isabelle Kalinowski. Paris , Champs- Flammarion, 2010.

Periodicals

Abdel-Malek, Anouar : Problématique du socialisme dans le monde arabe.L Homme et la société, N. 2, 1966.

Arkoun Mohammed, :Quelques tâches de l’intellectuel musulman aujourd’hui. Cahiers de la Méditerranée, Année 1988, Volume 37 N 37.

Barilier, Etienne :Qu’est-ce qu’un intellectuel. VIe colloque annuel du Groupe d’étude “Pratiques Sociales et Théories”. RESS (CVP), T. XXVIII, n°87.1990.

Leveau, Rémy :Les intellectuels arabes. Matériaux pour l’histoire de notre temps. 1997, N. 48.

Panzac, Daniel :Révolution française et Méditerranée musulmane

 Deux siècles d’ambiguïté. Revue du monde musulman et de la Méditerranée, Année 1989, Volume 52, Numéro 1.

Picó, Josep Y Pecourt, Juan: El estudio de los intelectuales: una reflexión. Revista Española de Investigaciones Sociológicas (Reis), Madrid. N 123,2008.

[1]) (أحمد مفلح مفلح: في سوسيولوجيا المثقفين العرب، دراسة وصفية من خلال تحليل مضمون مجلة”المستقبل العربي”(1978-2008). الطبعة الأولى، بيروت، لبنان منتدى المعارف. 2013. ص ص 274-275.

[2]) (عبد الإله بلقزيز:نهاية الداعية:الممكن والممتنع في أدوار المثقفين. الطبعة الأولى، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2000. ص 50.

(3) Abdallah Laroui : La crise des intellectuels arabes, traditionalisme ou historicisme?, Paris, Maspéro,1974.

 (4) Carlos Altamirano :Intelectuales: notas de investigación.

Bogotá: Grupo Editorial Norma, 2006 ; p 17.

[5]) (المصدر نفسه. ص 20.

[6] المصدر نفسه. ص 20.

(7) Josep Picó Y Juan Pecourt : El estudio de los intelectuales: una reflexión. Revista Española de Investigaciones Sociológicas (Reis), Madrid. N 123,2008.p 25.

(8) Etienne Barilier Qu’est-ce qu’un intellectuel?. in : Les Intellectuels: déclin ou essor. VIe colloque annuel du Groupe d’étude “Pratiques Sociales et Théories”

RESS (CVP), T. XXVIII, n°87.1990.P21.

(9) Max Weber : Le judaïsme antique. Traduction de l’allemand par Isabelle Kalinowski. Paris , Champs-Flammarion, 2010,p 466.

[10] المصدر نفسه ، ص 618.

 (11) Josep Picó.p 26

(12) Christophe Charle : L’histoire comparée des intellectuels en Europe. Quelques points de méthode et propositions de recherche.In : Michel Trebitsch,Marie-Christine Granjon(cordination) : Pour une histoire comparée des intellectuels.Paris ; Editions Complexe , 1998.p 39.

 (13) هشام شرابي: المثقفون العرب والغرب.الطبعة الثالثة، بيروت، دار النهار للنشر،1981.ص25.

 (14) Daniel Panzac :Révolution française et Méditerranée musulmane

 Deux siècles d’ambiguïté. Revue du monde musulman et de la Méditerranée, Année 1989, Volume 52, Numéro 1. p10 – 18.

([15]) ترجع لفظة باراديغم paradeigma إلى الأصل اليوناني أي مثال ونموذج، ونحن نعتمد هنا على تعريف توماس كون الذي يعرفه بأنه”الالتزام الجمعي أو المشترك بمعتقدات معينة”. ينظر: ـ توماس كون: بنية الثورات العلمية. ترجمة شوقي جلال. الكويت، سلسلة”عالم المعرفة”168، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. ديسمبر/كانون أول 1992. ص 155.

([16] ) علي أومليل: السلطة الثقافية والسلطة السياسية.مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان. الطبعة الثالثة 2011. ص 25.

([17])محمد رشيد رضا: مجلة المنار. طبعة 2002، المجلد الرابع، الجزء الأول والثاني. المنصورة، مصر، دار الوفاء للطباعة والنشر، ص ص 406-407.

 In : Kosugi Yasushi : Al Manar Revisited ;“lighthouse” of the Islamic revival. ([18])

 Intellectuals in the Modern Islamic World ;Transmission, transformation ,communication. London/New York, Routledge,2006. p p. 5-7.

 Ali OUMLIL : Islam et État national. Casablanca, Editions le fennec,1992. Pp 66-67([19])

 Laroui : La crise,pp145-146. ([20])

([21])المصدر نفسه. ص 149.

(22)يمثل الإصلاحي المغربي محمد بلحسن الحجوي (1874ـ1956) حالة نموذجية لهذا الصدام بين التقليديين والإصلاحيين، فقد جوبه مشروعه الإصلاحي للقرويين في فاس بحرب شرسة. ويصف ذلك هو بنفسه قائلا:”فبينما نحن نبني ونصلح ونرمم بفاس، قد شرعوا في الهدم والتخريب في الرباط بغير فأس”. واضح أن فاس تشير إلى مركز السلطة الدينية، بينما تشير الرباط إلى مركز السلطة السياسية. ومعروف أن الحجوي عندما توفي دفن سرا حتى لا ينبش قبره من طرف المتعصبين، ولم يعد له الاعتبار إلا في ثمانينيات القرن الماضي بالمغرب، بوصفه رائد الإصلاح الديني. ينظر:

 ـ حسن أحمد الحجوي:العقل والنقل في الفكر الإصلاحي المغربي(1912ـ1956). الطبعة الأولى ، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2003. ص 200.

(23) حول المشكلات التي واجهها الإصلاحيون الأوائل مع السلطة السياسية، ينظر:

 ـ ألبرت حوراني:الفكر العربي في عصر النهضة(1798ـ1939). ترجمة:كريم حزقول.الطبعة الأولى، بيروت، دار النهار للنشر، 1977

([24]) شرابي. ص 70.

 (25) Jacques Berque :”Une affaire Dreyfus de la philologie arabe”, in J.-P. Charnay : Normes et valeurs dans l’islam contemporain, Paris (Payot) 1966,pp :266-267.

 (26) VERMEREN Pierre: Ecole, élite et pouvoir au Maroc et en Tunisie au XXème siècle, Rabat, Alizés, 2002. Pp :55-56.

([27])المصدر نفسه. ص 219.

(28)Jacques Berque :Les Arabes d’hier à demain.Paris, Edition du Seuil , Buenos Aires;1969.p66.

 (29) Carlos Altamirano(director) : Historia de los intelectuales en América Latina.Volumen 1 ; , Buenos Aires , Katz Editores,2008. P16-17.

 Laroui : La crise. p149 (30)

(31) Ibrahim M. Abu-Rabi’ :Contemporary Arab Thought: Studies in Post-1967 Arab Intellectual History. London,Pluto Press ; 2004. P74.

 

([32]) حسن حنفي: ما الذي يمنع المثقف العربي من التفكير في المستقبل؟. مجلة الفكر العربي المعاصر. مركز الإنماء القومي، بيروت. عدد مزدوج 90/91، يوليو/أغسطس 1991. ص 41.

([33]) علي الدين هلال:أزمة الفكر الليبرالي في الوطن العربي.مجلة عالم الفكر. المجلس القومي للثقافة والفنون والآداب، دولة الكويت. المجلد السادس والعشرون، العددان الثالث والرابع، يناير/مارس ـ أبريل/يونيو 1998. ص 115.

([34]) عزمي بشارة:المثقف والثورة. الطبعة الأولى، الرباط، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، أكدال. سلسلة”كراسات الكلية”، رقم 6. 2013. ص 30.

([35]) هذا ما قام به عباس العقاد مثلا، في بداية الأربعينيات من القرن الماضي، حين كتب عبقرياته المعروفة، كنوع من البحث عن البطل المخلص في الماضي، أمام انسداد الحاضر.

([36]) نقلا عن:

 ـ محمد جابر الأنصاري: الحركات الفكرية والسياسية في المشرق العربي 1930ـ1970. سلسلة عالم المعرفة، نوفمبر 1980، دولة الكويت،المجلس القومي للثقافة والفنون والآداب، ص 103

(37) Abdellah Laroui : Islam et modernité. Centre culturel Arabe, Casablanca ,3me édition, 2009. p 82.

 (38) Mohammed Arkoun :Quelques tâches de l’intellectuel musulman aujourd’hui. Cahiers de la Méditerranée, Année 1988, Volume 37 Num37. Pp :1-34.

([39]) العروي: الإيديولوجيا العربية المعاصرة. ترجمة محمد عيتاني، الطبعة الثالثة ، بيروت، دار الحقيقة، 1979، ص57.

([40])برهان غليون: اغتيال العقل، محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية. الطبعة الثانية، بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر، 1979. ص 99.

([41]) بلقزيز. ص 81.

([42]) الفضل شلق: الأمة والدولة، جدليات الجماعة والسلطة في المجال العربي الإسلامي. الطبعة الأولى، بيروت، دار المنتخب العربي، 1993. ص ص 112-115.

([43])يرى أنور عبد الملك أن الأنتلجانسيا الماركسية في مصر، التي أيدت النظام العسكري، بررت ذلك بأن دورها في إطار”الدولة الوطنية المستقلة” هو أن تكون “أداة بناء” لا أن تطرح نفسها”بديلا ثوريا للسلطة التي عادت أخيرا إلى الشعب”، وأن تكون”أفضل الأطر”، استعدادا للاشتراكية على المدى البعيد. ينظر: -Anouar Abdel-Malek : Problématique du socialisme dans le monde arabe.

 L homme et la société, N. 2, 1966. pp 139.

p 10. .Ibrahim M. Abu-Rabi (44)

([45]) غليون. ص 312.

([46]) محمد وقيدي: كتابة التاريخ الوطني. الطبعة الأولى، الرباط، دار الأمان، 1990. ص 32.

Laroui : La crise.p191. (47)

([48]) ياسين الحافظ: الأعمال الكاملة.الطبعة الأولى، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،2005، 4/877.

([49]) منير شفيق: مجتمعان تحت سقف واحد. مجلة المستقبل العربي. السنة الثالثة، العدد 21(تشرين الثاني/نوفمبر1980)، ص 100.

([50]) عبد الله العروي: العرب والفكر التاريخي، الطبعة الأولى، بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر، 1983، ص ص 148-149.

([51])على سبيل المثال، خلال المؤتمر الثاني لرابطة علماء المغرب، عام 1968، قال رئيس الرابطة الشيخ عبد الله كنون في كلمته عن العلماء:”..إن التقدير يرتكز فيهم لأنهم المثقفون الوحيدون في البلاد”. أنظر:

 ـالحاج أحمد بن شقرون:مواقف وآراء رابطة علماء المغرب من التأسيس إلى المؤتمر العاشر(1960ـ1987).منشورات رابطة علماء المغرب.د،ت. ص 162.

 ([52]) بشارة، ص 13.

([53]) يعد الشاعر السوري أدونيس مثالا نموذجيا، فقد كتب قصيدة تحت عنوان”تحية لثورة إيران” في صحيفة”السفير” اللبنانية ثم مجلة”مواقف” التي كان يصدرها، في تمجيد الثورة.

([54]) بشارة، ص 32.

([55]) كمال عبد اللطيف:تجليات الثقافي في الربيع العربي. الطبعة الأولى، رؤية للنشر والتوزيع، 2014. ص ص 196-197.

(56) Rémy Leveau :Les intellectuels arabes. Matériaux pour l’histoire de notre temps, 1997, N. 48. pp. 41.

([57])المصدر نفسه ، ص 42.

([58]) أومليل: السلطة الثقافية والسلطة السياسية. ص 256.

 

([59]) نمثل لهذا الاتجاه بالدكتور محمد عابد الجابري. ينظر كتابه: العقل السياسي العربي، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1990.

([60]) نمثل لهذا الاتجاه بالدكتور كمال عبد اللطيف. ينظر كتابه: في تشريح أصول الاستبداد: قراءة في نظام الآداب السلطانية، الطبعة الأولى، بيروت، دار الطليعة، 1999.

([61]) العروي:ثقافتنا في ضوء التاريخ.الطبعة الأولى، بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر، 1983. ص 176.

([62]) شرابي. ص 17.

(63) Marina Ottaway :DEMOCRACY AND CONSTITUENCIES IN THE ARAB WORLD. Carnegie Endowment for International Peace ; 2004. P4. In :

http://carnegieendowment.org/files/CP48.Ottaway.final.pdf

 ([64]) كمال عبد اللطيف: تجليات الثقافي. ص 48.

(65) Mathieu Guidère :Le printemps islamiste : démocratie et charia.Paris ;Edition Ellipses, 2012. P 218.

 ([66]) بشارة. ص 28.

([67]) عبد اللطيف: تجليات الثقافي. ص 135.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Enable Notifications    OK No thanks