دراسات وبحوث

الموقف الشرعي من تصريحات وأدبيات المجاهدين في فلسطين حركة حماس والجهاد الإسلامي فيما يخص دولة إيران

الموقف الشرعي من تصريحات وأدبيات المجاهدين في فلسطين حركة حماس والجهاد الإسلامي فيما يخص دولة إيران

إعداد: فائز شبيل

الوحدة الشرعية

مركز المجدد للبحوث والدراسات

مستخلص البحث

جاء هذا البحث في هذه الورقات بعنوان: “الموقف الشرعي من تصريحات المجاهدين حماس والجهاد الإسلامي فيما يخص دولة إيران” ليدرس الحكم الشرعي من تلك التصريحات والأدبيات الصادرة عن المجاهدين في فلسطين، وما هي الأسباب لتلك التصريحات، وما هو موقف المسلم المجاهد من أعدائه عندما يكون في حالة اضطرار، وما هي المنطلقات التي تعين على الوصول إلى حكم شرعي يتناسب مع الواقعة والنازلة، ودراسة كل ذلك من جوانب تأصيلية عدة؛ (الكتاب والسنة والإجماع والمقاصد والأصول والقواعد الفقهية وآراء الفقهاء وغيرها)، ثم التوسع في حكم تلك التصريحات وما يشابهها من أدبيات ومشاريع تخدم الجانب الإيراني، ودراسة الآثار والسلبيات الناتجة عن تلك التصريحات والأدبيات في الداخل الفلسطيني والخارج العربي والإسلامي، ومقارنة ذلك بالإيجابيات التي تحصَّلها المجاهدون في فلسطين من الدعم الإيراني، ثم الخروج بالحكم الشرعي بشروطه المعتبرة، والحلول والمقترحات التي تعالج هذه القضية وأمثالها.

الكلمات المفتاحية: الاستعانة – الضرورة – المجاهد – المبتدع – المفاسد والمصالح.

مقدمة

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. فقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١﴾[الأحزاب:71-72]. فمن هذا المنطلق وهو أن يتحرى المؤمن قوله السديد؛ ليصلح الله عمله ويغفر ذنبه، فإن ذلك من طاعة الله ورسوله، ومن يطع الله ورسوله فإن له الفوز العظيم والفلاح في الدنيا والآخرة، أُهدي هذا البحث لحماس والجهاد الإسلامي وغيرهم ممن يعمل في ساحات الجهاد والدعوة، ولغيرهم ممن ينتقدهم في مواقفهم وأدبياتهم، وأحرص في هذا البحث على إبراز الموقف الشرعي من تلك التصريحات، وإظهار الآثار المترتبة على الاستعانة بالدولة الإيرانية من جانب المصلحة والمنفعة ومن جانب المفاسد، والآثار المترتبة على تلك التصريحات والأدبيات. اللهم رب جبرائيل وميكائيل، فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه بإذنك؛ فإنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. وقد جعلت هذا البحث على قسمين: مطلب في المنطلقات والممهدات ومطلب في بيان الحكم الشرعي والحلول المقترحة:

المطلب الأول: منطلقات وممهدات:

بين يدي البحث منطلقات هامة لا بد من استيعابها وفهمها قبل الحديث عن الحكم الشرعي للنازلة، وهذه المنطلقات هي الأساس الذي من خلاله يمكن أن يصل الباحث والقارئ إلى الحق بإذن الله، وهي:

المنطلق الأول: وحدة القضية واتحاد الهدف ووجوب النصرة:

لا يختلف المؤمنون أن القضية الفلسطينية قضية أمة، حتى وإن كان المسجد الأقصى غير موجود في القضية؛ فالمسلمون هناك مظلومون، أرضهم مغتصبة، وديارهم تهدم وتُحتل، وأموالهم تُسرق وتنهب، ودماؤهم تسفك، وغير ذلك من أنواع الظلم المستمر من سنوات طوال، فلو طلبوا النصر وهم في هذه الحال لكان واجبا على الأمة النصر والجهاد بلا خلاف بين المسلمين([1])، بل لو أن امرأة صرخت في أرض فلسطين لكان واجب علينا نصرتها، فما بالك بالنساء والأطفال والكبار وغيرهم ينادوننا لعونهم ونصرتهم، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ٧٥﴾[النساء:75]. وإضافة إلى ذلك فإن فيها المسجد الأقصى المبارك، مسرى النبي ﷺ  وبوابة السماء يوم المعراج، وفضله معلوم عند المسلمين، فتحريره وإرجاعه للمظلة الإسلامية من الواجبات. فقضيتنا واحدة وهمنا واحد وهدفنا واحد، ولكن الفضل والمنزلة إنما يكون لمن جاهد بماله ونفسه ووقته هناك في تلك الأرض المقدسة، ويتلوه من ساندهم ودعمهم بالمال والكلمة، ودواليك.

المنطلق الثاني: بين الواقع والتنظير “الحلقة المفقودة بين العلماء والمجاهدين”:

أولاً: قسما الأمة:

في كل البلدان الإسلامية وغيرها لا بد من وجود جهة تُنظر وتخطط وتؤصل، وجهة أخرى تعمل وتنفذ، فالمسلمون لا بد لهم من جهة تؤصل وتنظر وهي موجودة وهم العلماء، وجهة أخرى وهي الجهة العاملة المجاهدة في كل الساحات الميدانية، ولكن قد يحصل بين الجهتين خلاف وتضاد وله أسباب.

القسم الأول: القسم التأصيلي العلمي:

وهذا القسم قسم ينتمي إلى الجانب العلمي التأصيلي التنظيري، وهم عاملون في المجتمع في التعليم والتدريس والتوجيه ورفع الجهل عن الأمة، وهم في ثغر عظيم، يعملون ليل نهار في التوعية والعلم والدعوة، ومدارسة العلم والتأصيل من جانب والقضايا المتجددة في الواقع الإسلامي من جانب آخر، فهؤلاء حصن الإسلام الحصين في الجانب الفكري والعلمي والتوعي لا يستهان بعملهم، ولا بما يقومون به، ومنهم من يعتكف السنوات الطويلة في التحصيل والنفع للأمة، ساهرا صابرا على قلة المال وزاهدا في الحياة، ناذرا نفسه في سبيل الله، وسبيل إرشاد الناس إلى طريق الله المستقيم.

القسم الثاني: القسم العملي الجهادي أو الحركي السياسي:

قسم عامل مجاهد يدافع عن الأمة مرابط في الثغور، ضحى بماله ونفسه ووقته في سبيل الله، لا يفتر ولا يكل ولا يمل، كلما قضى منهم رجل في سبيل الله قام غيره مكانه، ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا ٢٣﴾ [الأحزاب:23].

ثانياً: الحلقة المفقودة بين القسمين؛ العلمي الباحث المنظر والعملي المجاهد:

يقع المجاهدون في كثير من المسائل التي تحتاج إلى العلماء الشرعيين المتخصصين، ولكن العلماء قد تغيب عنهم بعض الجزئيات التي تتطلب السؤال والبحث وهي ما تعرف بحيثيات الواقعة والنازلة، فلا بد من تصور القضايا والمسائل تصورا تاما كاملا، فلا ينبغي للعلماء التشنيع على المجاهد ولا ينبغي للمجاهد أن يتجاهل قول العالم، فلذا كان من المهم التنبيه على هذا الأمر، فالمجاهد ليس معصوما من الخطأ، والعالم لديه من العلم ما يلزم الرجوع إليه قال تعالى: ﴿فَسۡ‍َٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٤٣﴾ [النحل:43]، ولكن تنقصه معلومات عن الواقعة والمسألة، فالعالم قد يُخطئ في الفتوى الميدانية العملية لقصور الاطلاع على الواقعة، التي بتصورها يصح تنزيل الدليل عليها، وهو ما يعرف بتحقيق المناط([2]).والمجاهد قد يخطئ في تكييف الدليل الشرعي لانشغاله عن العلم والنظر في الأدلة بالجهاد الميداني المستمر والعمل الدؤوب فيه، فلا يمكن الجمع بين الأمرين إلا لمن وفقه الله لذلك وبارك في وقته وهذا نادر حسب الواقع والتاريخ.فالكل يكمل بعضهم بعضا، ولا ينبغي أن يحصل النفور بين الفريقين، وعلى الجميع أن يقبل النصح والتوجيه، ولو كان الناصح له مخالفا له في المنهج أو الأسلوب أو التوجه أو الانتماء، قال ﷺ : «الدين النصيحة» قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة ‌المسلمين ‌وعامتهم»([3])، وقد قال جرير رضي الله عنه: «بايعت رسول الله ﷺ  على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم»([4]).فالواجب النصح والتكامل والتكافل والاستفسار، والتواصل وكسر الحواجز، والعذر وسلامة الصدر والتوحد، والتذلل للمسلمين، والحذر من مداخل الشيطان والشقاق والتنافر، فلن يصلح حال الأمة إلا بالاتحاد والتآزر والتفاهم والتآخي والإعذار.وقد تلجأ بعض الفصائل أو الأحزاب أو الجماعات في الميدان لاتخاذ عالم شرعي خاص بها، يسير حيث سارت ويدور حيث دارت، كاتخاذ الرؤساء والحاكم مفتين وشرعيين لا يتكلمون إلا فيما يملى عليهم، إما لكونهم يخافون على أنفسهم وأموالهم وهم علماء فعلا، أو لأنهم ضعفاء في الجانب الشرعي، أو كون بعضهم منافقا متعلقا بالمال والجاه، وله لسان يراوغ به، ومكانة يتخذها مطية للوصول إلى أهدافه ومآربه، وهذا شبيه أيضا ببعض البنوك التي تتخذ هيئة شرعية خاصة بها، تدور هذه الهيئة حيث يدور البنك لا حيث يكون الدليل.وقد يكون اتخاذ عالم للجماعة أمرا عفويا غير مقصود منه التهرب من المسؤولية، ولكن قد يعتريه بعض الخلل والتعصب والتمسك بالرأي وغير ذلك.وقد يلجأ بعض العلماء دون التواصل مع الجهات العاملة بالتشهير والنقد والتضليل، والتفسيق، بل وقد يتجاوز بعضهم إلى الاتهام بالمخابراتية والانحرافات العقدية وغير ذلك، وهذا نقص في الأخلاق من جانب، وسوء تقدير للموقف من جانب وما يترتب على هذا التشهير من إشكالات، فالواجب النصح والتواصل والاستفسار، وما أجمل ما يكون يصنعه العلامة سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله عندما يناصح الحكام والجماعات والعلماء وغيرهم، كان يرسل لهم الرسائل الخاصة والتوجيه بما يمليه عليه دينه وأمانته، والعلماء من أمثاله كثير.

المنطلق الثالث: مراعاة الخلاف:

ولكن هل يمكننا أن نتعامل مع القضايا والمسائل الواقعية والمجريات الحاصلة في الأمة اليوم تعاملا متزنا بغير تجاوز وتفريط، ونحدد محل النزاع ونعالج الإشكالات قدر الاستطاعة، حتى وإن بقيت بعض النقاط التي لم يتفق عليها، ألا يمكننا التعامل معها والإعذار فيها، لأنها مسائل اجتهادية داخلة تحت دائرة الخلاف المشروع والسائغ، فقول فلان صحيح يحتمل الخطأ، وقول فلان خطأ يحتمل الصواب، ومع ذلك يمكن متابعة النتائج لتلك القضايا حتى يظهر فيها القول الصحيح من الفاسد، بنظر مجرد حكيم منصف، ويمكن البحث عنما يشبه تلك القضايا، فمن ذلك ما حصل في أفغانستان وما حصل في الجزائرـ، والعراق وسوريا، كلها قضايا متشابهة استطاع العدو أن يستخدم الأساليب ذاتها مع اختلاف في كثير من الأدوات والأساليب، ولكن الأمة كانت تكرر نفس الأخطاء، ونفس النتائج، فكم من فتوى ظهر خطأها، وكم من عمل جهادي بان قصوره، وكم من تصرف سياسي جرف الأخضر واليابس، وكم من تحمس مع جهة صار لعنا عليها في الزمن المستقبل، فمن الصعب أن يجزم الإنسان بصحة قوله واجتهاده، ولكن كلما اقترب الشخص من تحليل الواقع مع مراعاة الظروف المحيطة، ومراعاة حال العدو، وسلامة الدليل وصحته وحسن تنزيله على تلك الواقعة، كان القول أقرب إلى الحق والصواب، إضاقة إلى الاهتمام والحرص على الفتاوى العامة الجماعية للعلماء، فهي أقرب للصواب من الفتاوى الفردية.

المنطلق الرابع: بين الغلو والتحقير والإنصاف: ينقسم الناس في مثل هذه القضايا إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: قسم يغالي في تصرفات جماعته وحزبه وفصيله، فكل ما يصدر عنهم حق واجتهاد صائب، وكل من يخالفهم حاقد جاهل لا معرفة له بالعلم الشرعي ولا الواقع ولا غيره.

والقسم الثاني: قسم يحتقر كل ما يصدر عن تلك الجهات والجماعات ويصفهم بأوصاف لا تليق.

والقسم الثالث: قسم توسط بين هؤلاء وهؤلاء، واجتهد في النصح والتوسط، فما كان حقا وقف معه ولو كان ذلك الموقف لمن يخالفهم، وما كان باطلا تبرأ منه ونصح من أخطأ باجتنابه، وأحسن في نصحه، واجتنب الخوض في الأعراض والاتهامات التي لا أساس لها إلا الظن والتخرص، وكان محلا للنصيحة والعدل والإنصاف وبيان الحق من الباطل.

المنطلق الخامس: حكم الاستعانة بالدول المحاربة للإسلام ولأهل السنة:

هذا المنطلق من أهم ما في هذا المقال، وهو ما حكم طلب وأخذ المساعدات من دولة مثل إيران وغيرها من الدول التي هي أشد كفرا وضررا على المسلمين، ولذلك فإن تحليل هذه المسألة وتفصيلها مما يساعد في وضوحها، ويساعد في معالجة حكم الثناء والإطراء والمدح والتبجيل للداعم للقضية، وعليه فلدينا هنا عدة قضايا يلزمنا أن نبينها في نقاش هذا المنطلق:

القضية الأولى: ضعف المسلمين وحكم الاستعانة بالكافر ماليا أو معنويا أو حماية:

وهذا له أسباب ليس هذه الورقة البحثية باباً لتعدادها والخوض في معالجتها؛ ولكنه أمر يحتاج إلى برامج ومشاريع للأمة؛ لتخرج من هوانها وخوفها للقيام بواجبها تجاه أفرادها وتجاه الأمم الأخرى.

ولكن الأمر الذي يهمنا هنا هو أن المسلم المستضعف له من الأحكام ما لا تكون لغيره فمنها:

أولاً: حكم الدخول في حماية الكافر:

فقد يدخل المسلم في حماية وجوار الكافر خوفا على نفسه وعرضه وماله([5])، كما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر والذين هاجروا إلى الحبشة وغيرهم من الصحابة([6])، فقد كانوا يستجيرون بالكفار في زمن الاستضعاف، وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين([7])، بل قد يحتمي المسلم من المسلم بالكافر، فكم من مسلم من الدول الإسلامية هرب إلى دول الكفار مُحتميا بهم خوفا على دينه وماله وعرضه من الظلمة من المسلمين، ولا حرمة في ذلك ولا عيب ولا عجب.

ثانياً: الاستعانة بسلاح ومال الكافر:

وقد يأخذ المسلم من الكفار السلاح والمال ونحوه حال قلته عنده، كما فعل النبي ﷺ   مع صفوان بن أمية يوم حُنين([8])، قال ابن القيم ¬: “وفيها: أن الإمام ‌له ‌أن ‌يستعير سلاح المشركين وعُدَّتهم لقتال عدوه، كما استعار النبي – صلى الله عليه وسلم – أدرع صفوان وهو يومئذ مشرك”([9]).قلت: ويُؤخذ أيضا من الحديث جواز الاستعانة بمال الكافر وشراء أسلحتهم على قتال كافر للمصلحة في إضعاف طرف وعدو للمسلمين وتقليل أعدادهم وكسر شوكتهم، وإن كان صفوان قد آذى عددا من المسلمين، والله أعلم.وروى النسائي ¬ تحت باب ‌‌الاستعانة بالفجار في الحرب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله – ﷺ : «إن الله ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم»([10])، وفي رواية أخرى (بالرجل الفاجر). قال ابن حزم ¬: “فهذا يبيح الاستعانة على ‌أهل ‌الحرب ‌بأمثالهم، وعلى أهل البغي بأمثالهم من المسلمين الفجار الذين لا خلاق لهم، وأيضا فإن الفاسق مفترض عليه من الجهاد، ومن دفع أهل البغي، كالذي افترض على المؤمن الفاضل، فلا يحل منعهم من ذلك، بل الفرض أن يدعو إلى ذلك – وبالله تعالى التوفيق([11]).

ثالثاً: التحالف مع الكفار وأهل البدع:

ولا خلاف بين المسلمين أن الصلح والهدنة والتحالفات السياسية والعلاقات الدولية كلها جائزة لما فيه مصلحة لعموم المسلمين([12])، والتحالفات التي أبرمها النبي ﷺ  خير دليل على ذلك ومن بعده من الصحابة والتابعون، وقد قال I: ﴿وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ ١٢٨﴾[النساء:128]، وقال: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡ‍ٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٤﴾[التوبة:4]. وأهل البدع في هذا الحكم كحكم أهل الكفر، فقد قاتل الخوارجُ مع علي رضي الله عنه، وقاتل الفاطميون مع صلاح الدين الأيوبي مع وجود العلماء في عصره، وقاتل ابن تيمية التتار ومعه أطياف من المسلمين من أهل الفرق المختلفة([13])، وقال الحنفية: “‌الخوارج ‌إذا ‌قاتلوا ‌الكفار مع أهل العدل يستحقون من الغنيمة مثل ما يستحقه غيرهم من المسلمين([14])، ويؤخذ من كلاهم أن مصالحتهم جائزة، والقاتل معهم جائز، ويستحقون الغنيمة على هذا القتال.

القضية الثانية: أصناف الكفار وأهل الأهواء والبدع ونظرة الشرع إليهم:

هم على مراتب منهم من يحارب الإسلام علانية، وهم الحربيون، ومنهم من يحارب الإسلام من خلف الستار، ولكنه يدعم ويخطط ويضر ويتآمر على المسلمين، ومنهم معاهدون لا يقاتلون المسلمين ولا يضرون بهم، فالفريق الأول وهو المحارب تجب معاداته ومقاطعته وإظهار البراءة منه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٩﴾ [الممتحنة:9]، فأمريكا وإيران وروسيا وبشار وأحزابهم قد قاتلونا في ديننا وأخرجونا من أرضنا وظاهروا على إخراجنا بنص الآية، ولكن هل يعني هذا ترك قبول الاستعانة منهم إذا كان في ذلك ضرر بأحد الأطراف، فالظاهر من الآية أن المنهي عنه إنما هو المولاة، إما ما فيه مصلحة للأمة وإضعاف لأحد الأطراف المعادية، فهذا مما لا شك فيه أنه ليس داخلا بل هو داخل في المصلحة الشرعية للأمة.

القضية الثالثة: حكم إظهار الموالاة باللسان دون الاعتقاد:

قال تعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨﴾[آل عمران:28]. الآية واضحة أن من يوالي أعداء الله من الكفرة وأهل البدع على حساب الإضرار بالمسلمين، قال الطبري ¬: “فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر، “إلا أن تتقوا منهم تقاة”، إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مُسلم بفعل([15]).

القضية الرابعة: أنواع الاستعانة من حيث النفع والضرر:

  1. استعانة المؤمن بالكافر مقابل كافر آخر ولا يضر الفعل ذلك بالمسلمين، بل ينفع المسلمين.
  2. استعانة المؤمن بالكافر على المسلم فهذا لا يجوز اتفاقا.
  3. استعانة المؤمن بالكافر على أهل البدع والضلال والبغاة، فهذا وقع الخلاف فيها بين المسلمين، وليس هناك نص قطعي في المنع أو الجواز، ولكن الظرف والمصلحة هي التي تحكم، وما حدث في ليبيا من تسلط لقوات القذافي حتى كادوا أن يبطشوا بالمسلمين في بن غازي خير مثال على هذا، فقد وصل الحال بالمسلمين في تلك الأيام إلى حد الهلاك، فليس من عاقل يقول بحرمة هذا التدخل، حيث لا مجال ولا خيار إلا ذاك، ومثله بشار الأسد وما معه من آلة إجرامية وجيوش ودول داعمة، فالاستعانة هنا لها مبرراتها ولها أحكامها، والله أعلم.
  4. استعانة بالكفار على الكفار، ولكن في هذه الاستعانة ضرر على المسلمين، فهنا ينظر في أخف الضررين فإن العلماء قرروا أن المفسدة الأعظم تدفع بالمفسدة الأقل، ويرتكب أقل المفاسد دفعا للمفسدة الكبرى. وهنا يجب على العلماء أن يقفوا وقفة واحدة جماعية ليبينوا الموقف من إيران، والموقف من تصريحات قادة المقاومة والنظر في مفاسد ومصالح ذلك ثم إصدار الحكم.

القضية الخامسة: التفريق بين العواطف وقضايا الأمة التي على المحك:

قصة الحديبية وموقف عمر تجاهها، كانت من أهم القضايا التي سُطرت وستظل إلى قيام الساعة، وأن المصلحة العامة للمسلمين تحتاج إلى تروٍ وصبر وسعة أفق، فقد يحصل أمر يجعلنا نحن الشباب نفور غضبا، والمصلحة فيه، فعلينا أن ننحي العواطف جانبا، ونلجأ إلى علمائنا وكتبنا ونستقرئ الأدلة، ففيها الهداية وفيها ضبط لعاطفتنا وأعمالنا وأقوالنا. وسأورد الحديث هنا باختصار شديد من باب التأمل فيه والنظر في المواقف الشرعية لمثل هذه القضايا السياسية الشرعية:  عن عروة بن الزبير وعن المسور بن مخرمة: خرج رسول الله ﷺ  زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ : «إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين»…، وقال ﷺ : «والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها»، …، وقال: “إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة، ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر: فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا، وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره”، فجاءه ثلاثة من رجال قريش على التوالي، فلما جاء سهيل بن عمرو، قال النبي ﷺ : «لقد سهل لكم من أمركم»، فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابا فدعا النبي ﷺ  الكاتب، فقال النبي ﷺ : «بسم الله الرحمن الرحيم»، قال سهيل: أما الرحمن، فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي ﷺ : «اكتب باسمك اللهم» ثم قال: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله»، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال النبي ﷺ : «والله إني لرسول الله، وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله»، فقال له النبي ﷺ : «على أن تخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به»، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي ﷺ : «إنا لم نقض الكتاب بعد»، قال: فوالله إذا لم أصالحك على شيء أبدا، قال النبي ﷺ : «فأجزه لي»، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: «بلى فافعل»، قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بل قد أجزناه لك، قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله، قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله ﷺ  فقلت: ألست نبي الله حقا، قال: «بلى»، قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل، قال: «بلى»، قلت: فلم نعطي ‌الدنية ‌في ‌ديننا إذا؟ قال: «إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري»، قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: «بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام»، قال: قلت: لا، قال: «فإنك آتيه ومطوف به»، قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي ‌الدنية ‌في ‌ديننا إذا؟ قال: أيها الرجل إنه لرسول الله ﷺ ، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به، قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله ﷺ  لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا»، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله، أتحب ذلك، اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا، فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما… الحديث”([16]).

المطلب الثاني: حكم تصريحات القيادات في فلسطين وأثر ذلك والحلول والمقترحات:

الفرع الأول: حكم تصريحات قيادات المجاهدين وثناؤهم لمن دعمهم:

ما صرحت به القيادات الجهادية في فلسطين، وما أطرت به دولة إيران المعتدية هو على قسمين:

القسم الأول: شكر عابر كشكر الكافر الذي أحسن إليك وكالسلام عليه والتحية.

القسم الثاني: إظهار المودة والموالاة والمحبة والتبجيل والتعظيم ورفع الشعارات والصور، بل وصنع صواريخ بأسماء قادة الإجرام في فيلق القدس التابع للحرس الثوري المجرم.

فالقسم الأول لا شك في جوازه وأنه داخل في رد التحية وإظهار الشكر لمن أحسن في ناحية من النواحي، وهذا ما نص عليه خالد مشعل، وأنه شكرٌ لما تقدمه هذه الدولة كائنة من كانت ولا نوافقها على ما تفعله في بلادنا العربية المسلمة، وليس فيه إظهار مودة ولا غيره، كالقوافل التي كسرت الحصار على غزة فيها من فرنسا ومن بريطانيا ومن كل الدول، فلا يسعنا إلا أن نشكرهم.

القسم الثاني وهو ما نص عليه بعض قادة حماس من أن علاقتنا مع إيران ليست علاقة ضرورة ولا علاقة تقية ولكنها علاقة محبة وعقيدة أو نحو هذا التعبير([17])، ونص على أن دمشق كانت عاصمة المقاومة وستعود، ومن ذلك توزيع الوجبات التي فيها صورة قاسم سليماني في غزة للمحتاجين، بل وتعليم الأطفال الهتافات الشيعية والترحم على سليماني([18])، وإقامة الحفلات والتعازي وغيرها.

 كل هذا مما لا يجوز، ولا ينبغي ففيه تأثير على عوام الناس، وفيه إغاضة للمسلمين من أهل السنة، وكفى به إثما وخطيئة.

الفرع الثاني: المفاسد المترتبة على تصريحات وأدبيات القيادات وغيرها والموازنة بينها وبين المصالح:

إن المبالغة الزائدة، وتلميع المجرمين بأنهم أهل القضية الفلسطينية، والغلو في قاسم سليماني ومن على شاكلته، وغير ذلك مما ذكرناه في الفرع الأول مما يسبب مفاسد كثيرة وكبيرة، منها على مستوى غزة ومستقبل أبنائها ومجاهديها، ومنها على المستوى الخارجي العربي والإسلامي، ويمكن أن نجعل هذا الفرع منقسما إلى فقرتين، فقرة فيها بيان لأهم المفاسد التي قد تحصل في قطاع غزة، وفقرة لأهم المفاسد التي قد تحصل في الخارج لا قدر الله.

الفقرة الأولى: المفاسد المترتبة على الأدبيات والتصريحات في الداخل الفلسطيني:

إن الاستمرار في عرض إيران على أنها حامية فلسطين والقدس والداعم الأول الرئيس وعرض قادتها على أنهم أهل الثورة الإسلامية، وأنهم أهل الجهاد والتضحية، وأهل العطاء والبذل كل ذلك له من المفاسد الداخلية في القطاع الشيء الكثير، وقد حصرت بعضها وهي:

المفسدة الأولى: تضليل الرأي العام في فلسطين:

قد تحصل في المجتمعات الفلسطينية التعلق بإيران والنظر إليها أنها صاحبة المنهج الحق، مما يسبب الفتنة في دين الناس وعقائدهم والحب لها ولمعتقداتها، وقد يتم التواصل ببعضهم ممن تظهر فيه تلك الأفكار والمعتقدات، وهذا الأمر ليس تخرصا ولا ظنا، فإن إيران على مر السنوات السابقة تتصيد من يواليها في كل الدول الإسلامية والعربية، فمن تجد منهم رائحة شيعية أو حبا وودا لهم يستميلونه ويجرفونه إلى صفهم بشتى الوسائل والبرامج والخطط، كما صنعوا في لبنان وفي العراق ولبنان واليمن وفي السعودية ودول الخليج وأخص منها البحرين والكويت، فإيران ليست دولة تافهة سطحية تتعامل مع الأطراف تعامل الإحسان المجرد.

المفسدة الثانية: ظهور قيادات موالية لإيران:

قد تظهر قيادات موالية لإيران في الأيام القادمة، فإن طول العهد والتساهل في التعامل مع هذه الدولة أمره خطير، بل قد تخترق القيادات والصفوف الأولى للحركات العسكرية الفلسطينية، وهذه المفسدة ليست مستبعدة، فقد كنا نرى قيادات إسلامية في حركات إسلامية حاملة الراية الواضحة الصافية، ولكن مع مرور الأيام خلفها قيادات هي إلى العلمانية أقرب منها للإسلام، وهنا كذلك قد تخلف هذه القيادات قيادات تميل للفكر الشيعي والرافضي عملا واعتقادا ومنهجا، وقد استمعت لأحد القيادات وهو يصرح تصريحا يقول فيه فإن قدوتي علي t وكرم الله وجهه، ثم يأتي بأقواله، وهذا لا شيء فيه من حيث الظاهر، فعلي t أمير المؤمنين وقائد من قادة هذه الأمة، وفضله لا يخفى، ولكن التصريح هذا والتبجيل لعلي بن أبي طالب دون غيره من الصحابة في معركة مع اليهود في هذا الوقت مع الثناء على إيران يجعلك تتوجس وتتخوف من حصول هذه المفسدة.

المفسدة الثالثة: نشوب الطائفية في فلسطين:

مع مرور الزمن في فلسطين وأخص منها غزة قد تتكون جماعات شيعية تدعو إلى محافلها وأدبياتها، وقد يحصل تصادم مع السواد الأعظم في فلسطين بسبب التباين بين المعتقدات والأفكار وغيرها، وهذا ما حصل في اليمن بسبب الإهمال من الدولة والتساهل في فتح مراكز لهم ومساجد وأحزاب.

الفقرة الثانية: المفاسد المترتبة على الأدبيات والتصريحات خارج فلسطين:

المفسدة الأولى: الفتنة العامة للناس:

يرى كثير من الغيورين من الأمة أن تصريحات قيادة المجاهدين في فلسطين هذه قد تكون فتنة للناس في دنيهم، وتعلقهم بدولة إيران، وقد تكون العواقب كارثية، بل عندما دخلت إلى تصريحات حماس في اليوتيوب قمت بعمل استقراء على تعليقات الناس من شتى البلدان الإسلامية، فكانت النتيجة صادمة بالنسبة لي، فكثير من التعليقات تمجد إيران وتثني عليها تبعا لثناء وتمجيد القيادات الجهادية في فلسطين.

المفسدة الثانية: فتح الباب للتعامل مع الظالمين:

إن المجاهدين في كل من سوريا واليمن والعراق وغيرها من البلدان يقاتلون من أجل أرضهم ودينهم ضد إيران، والمجاهدون في فلسطين كذلك يقاتلون لأجل نفس الهدف، فالدولتان ظالمتان مجرمتان، بل إجرام اليهود أقل ضررا من إجرام إيران فيما يخص الأمة جمعاء، فلا يجوز ترويجها في أوساط المسلمين أنها حامية ومدافعة عن الأقصى، وهي تسفك الدم المسلم في كل مكان، فدم المسلم أعظم عند الله من كل الأقصى. فقد يستعين أحدهم باليهود في ضرب بشار الأسد، وسيقول شكرا لليهود بناء على نفس المبرر الذي تتخذه القيادات في حماس، وكل من أراد أن يضرب جهة ما تعاون مع تلك الدول الظالمة محتجا بما يحتج به المخالفون له. وما حصل في العراق من الاستعانة بالأمريكان في قتالها خير دليل وشاهد على أن هذا الباب لو فتح لكان فيه شر مستطير وفساد عظيم، فوجب التمهل قبل الإفتاء في جواز الاستعانة، ووجب التمهل قبل إصدار أي قرار أو شكر، ولا بد للشكر أن يكون عاما أو شاملا لإيران مع غيرها بحديث عارض ولا تصاحبه تلك الإطراءات المتجاوزة للحدود.

المفسدة الثالثة: تثبيت الظالمين من أتباع إيران على ظلمهم وإغواء المتردد في إيران:

إن الثناء على إيران بصورة مركزة، وأنها شريكة النصر في فلسطين وحماية القدس، هو تثبيت لأولئك الظالمين في اليمن وفي سوريا وفي غيرها من الدول التي اكتوت بنار إيران وفتنها، وهي فتنة لمن هو متردد في الانخراط في تلك الجماعات الإيرانية والوقوف معها، فالقدس والأقصى وفلسطين كلها قضية الأمة والكل يتعاطف معها في كل الظروف والأحداث، فتصوير إيران بهذه الصورة يجعل من أولئك الظلمة أكثر قوة ويثبتهم على ما هم عليه، ويغوي من ليس معهم بالمصير إليهم والوقوف إلى جانبهم، ويكون من المبررات على بقائهم واستمرارهم في قتل شعبهم والتسلط عليهم، ويكون أداة لهم يصرخون بها في كل محفل أنهم حماة القدس وأعداء الأمريكان واليهود وهم أنصار الله والمقدس وحزب الله وفليق الأقصى المقدس، وما سواهم عملاء أعوان لليهود والأمريكان وغيرهم.

المفسدة الرابعة: خسارة الحاضنة الشعبية السنية:

خسارة الحاضنة الشعبية السنية ليس في صالح الحركات الجهادية السنية في فلسطين، وذلك أن الشعوب صارت واعية، وتعرف أعداءها جيدا، ولن تنسى كل من باع قضاياها لأي مبرر كان، فلن ينسى الشعب السوري كل من دمر بلده وقتل شبابه، وطرده من أرضه، ولن ينسى الشعب اليمني كل من تآمر عليه، ودمر بلده وأرضه وطرد شعبه، وكل من جرحه بكلمة تساهل فيها، وغيرها من الشعوب وأخص منهم الشعوب الخليجية، ولا أتكلم هنا عن الحكومات بشتى أصنافها، أتكلم عن أفراد الشعب من المصلحين والغيورين من أهل السنة، فخسارتهم ستكون عواقبها وخيمة في المستقبل.

المفسدة الخامسة: ردود الأفعال السلبية:

إهمال الحكومات الإسلامية والعربية للقضية الفلسطينية بسبب الضغوط الأمريكية المتتالية، ومحاولة التطبيع، وفتح باب الدعم للمقاومة الفلسطينية من قبل إيران شكل حنقا كبيرا عند كثير من القادة في فلسطين، وسبب له ردة فعل سلبية تجاه العرب، ويصرح بتصريحات مادحة لإيران من باب إغاضة واستفزاز السواد الأعظم من الشعوب العربية، وهذا الأمر ليس بالحسن وله تبعات لا تحمد، ففيه نسيان للدعم السخي من الشعوب العربية والإسلامية قبل أزماتها الأخيرة.

الفقرة الثالثة: الموازنة بين المفاسد والمصالح:

إذا ما تم النظر في المفاسد السابقة، وما تجنيه المقاومة في فلسطين من مصالح، فإننا أمام مصلحة تقوية الترسانة الصاروخية للفصائل والإضرار باليهود، ومفاسد كبيرة فيها احتمال راجح لتجذر الفكر والمعتقد والقوة الإيرانية في البلاد الإسلامية والعربية، وبالأخص في فلسطين وفي غزة. فلذا كان من اللازم على علماء الأمة أن يبينوا الموقف الحق من إيران، ومن تصريحات حماس، ويتم التواصل بهم والحديث معهم حول ما يترتب على ذلك من مفاسد كبيرة عظيمة وفتنة فوق الفتن.

الفرع الثالث: الحلول والمقترحات:

الحلول والمقترحات لهذه النازلة تتبلور في عدد من النقاط:

الفقرة الأولى: تفعيل دور الأمة للقيام بالواجب الشرعي تجاه المجاهدين:

فالمجاهد بحاجة ماسة للمال والدعم العسكري والتدريبي المستمر، فلا تكفي الفزاعات الآنية والأعمال المتقطعة، والتفاعل في أوقات الحروب وسفك دماء الفلسطينيين، فهم بحاجة للدعم في وقت حيث إنهم على ثغر، فالواجب على أهل السنة توفير الدعم المستمر للمقاتلين في فلسطين عسكريا وماليا ومعنويا وإعلاميا، وتوفير المال على مدار السنة، وإطعام الفقراء هناك في كل الأوقات.

الفقرة الثانية: تفعيل الاستثمار والاكتفاء الذاتي ماليا وعسكريا وغيره للفلسطينيين:

مما لا شك فيه أن المجاهدين على مدار السنوات الماضية يمضون في عمل وتنظيم للوصول إلى الاكتفاء الذاتي من كل النواحي، ولكن من باب التذكير والنصح فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبق مستعينا طيلة حياته بالكفار ولا غيرهم؛ لأنها حالة استثنائية وضرورة، بل وصل إلى حد الكمال الذاتي؛ لأنه الأصل في بناء الدول وبناء الإنسان وإخراج المحتل، وكذا من بعده من الصحابة y، فوجب علينا وضع الخطط طويلة وقصيرة الأمد للوصول إلى الاكتفاء والانتهاء من طلب العون، فمهما أعانك الناس فلا بد لتلك المعونات أن تنقطع والإغاثات أن تنتهي لأي سبب كان، فكم هس تلك المشاريع التي كانت شامخة عظيمة انتهت بانتهاء الدعم أو موت الداعم أو حسبه أو مراقبته، وهذا واجب على كل الأمة في كل التخصصات “الاكتفاء الذاتي”. فاليد العليا خير من اليد السفلى.

الفقرة الثالثة: بيان الأصل وخلاف الأصل:

الأصل وخلاف الأصل من القضايا الهامة في شرعنا وفي حياة الناس، فالأصل أن العدو والكافر لا يستعان به ما دام ألا ضرورة ولا حاجة للاستعانة به، والأصل أن المسلم يكون قويا قادرا على إمضاء حوائجه، والأصل أن المسلمين إخوة كالبنيان يشد بعضهم بعضا. وخلاف الأصل هو الضعف والاستعانة بالعدو والكافر، فهو حالة اضطرار كأكل الميتة، فمتى ما رفع الاضطرار وجب ترك الاستعانة، وعلى المسلم أن يسعى للخروج من دائرة الاضطرار وخلاف الأصل. ومن الأمور التي يخشى منها في هذا الموضوع هو اعتياد المسلم على حالة الاضطرار والركون إليها، وترك العمل والإعداد، والاتكال على المساعدات والمعونات الخارجية، ونسيان الأصل والواجب الشرعي علينا، والاعتياد على حالة من الحالات مع طول الزمن يجعلها واقعا وفرضا، كحال اللاجئين الذين يعيشون في الخيام، مع مرور الزمن يعتقدون أنهم لا يستطيعون الحياة إن قُطعت تلك المساعدات والسلَّات الغذائية التي يتحصلون عليها، فهم راغبون راهبون طيلة حياتهم، مع أن غيرهم ممن لم يرض أن يعيش تلك الحياة سارع للبحث عن عمل خاص، أو وظيفة وخرج من تلك الحالة ونفع نفسه وأهله وأفلح. فوجب التفريق بين الأصل وهو الواجب الذي يجب أن نصل إليه، وبين خلاف الأصل وهو الحالة الاضطرارية التي نحن فيها وواجب الخروج منها ودفعها. ويجب التنبيه والتحذير من التخدر والتقولب بقالب الواقع البائس والاستسلام للحدث المحيط والبيئة القاتلة للإبداع والابتكار والتميز والانطلاق.

الفقرة الرابعة: جواز الاستعانة بالكافر والمبتدع بشرطه:

في حال الضعف المستمر الذي عليه الأمة فإن القول بالجواز هو الأقرب بلا شك، ولكن بشرطه المقبول، من دون تجاوز في حد الاضطرار فالمضطر يجب عليه أن يأخذ مما حُرِّم عليه ما يدفع اضطراره، وينبغي عليه ألا يبغي ولا يتعدى، قال تعالى: ﵟ‌فَمَنِ ‌ٱضۡطُرَّ ‌غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ﵞ [البقرة: 173]، فلا يجوز التمادي في الاضطرار والتعدي فيه، بل يكتفي الإنسان بما يسد ويدفع الاضطرار والحاجة، ولذلك قعد علماء الفقه قاعدة مقيدة لقاعدة الاضطرار بقولهم: الضرورات تقدر بقدرها([19]).

المراجع

([1]) «نيل الأوطار» للشوكاني، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (ت ١٢٥٠هـ)، تحقيق: عصام الدين، الناشر: دار الحديث، مصر، الطبعة: الأولى، ١٤١٣هـ – ١٩٩٣م  (8/ 179).

([2]) «المستصفى»، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (ت ٥٠٥هـ)، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، ١٤١٣هـ – ١٩٩٣م (ص282).

([3]) مسلم: «صحيح مسلم»، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة (1/ 74)، برقم: (55).

([4]) البخاري: «صحيح البخاري»، كتاب الإيمان، ‌‌باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: “الدين النصيحة: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم” (1/ 21)، برقم: (57).

([5]) «التفسير والبيان لأحكام القرآن»، عبد العزيز بن مرزوق الطريفي، اعتنى به: عبد المجيد بن خالد المبارك، الناشر: مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، الرياض – المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٣٨ هـ (2/ 984).

([6]) ينظر: «جامع الأصول»، مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير (المتوفى : ٦٠٦هـ)، تحقيق : عبد القادر الأرنؤوط – التتمة تحقيق بشير عيون، الناشر : مكتبة الحلواني – مطبعة الملاح – مكتبة دار البيان، الطبعة : الأولى (12/ 119).

([7]) «الولاء والبراء والعداء في الإسلام»، الولاء والبراء والعداء في الإسلام، المؤلف: أبو فيصل البدراني (ص93).

([8]) ينظر: «السنن الكبرى للنسائي» (5/ 331)، برقم: (5744).

([9]) «زاد المعاد في هدي خير العباد» (3/ 595).

([10]) «السنن الكبرى للنسائي»، كتاب السير، ‌‌الاستعانة بالفجار في الحرب (8/ 147)، برقم: (8834).

([11]) «المحلى بالآثار» (11/ 356).

([12]) ابن القطان: «الإقناع في مسائل الإجماع ت الصعيدي» (1/ 360).

([13]) «شرح العقيدة الأصفهانية»، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت ٧٢٨هـ)، المحقق: محمد بن رياض الأحمد، الناشر: المكتبة العصرية – بيروت، الطبعة: الأولى – ١٤٢٥هـ (ص15).

([14]) «فتح القدير للكمال ابن الهمام وتكملته» (6/ 100).

([15]) «تفسير الطبري = جامع البيان ط دار التربية والتراث» (6/ 313).

([16]) البخاري: «صحيح البخاري»، كتاب الشروط، ‌‌باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط (3/ 193)، برقم: (2731).

([17]) كان المقطع عندي في الجوال ولكني فقدته، وعبرت بعبارات قريبة من المعنى، ولكنها تدور حول هذا، ولا أريد ذكر الشخص المتحدث لأن المناقشة هنا للفكرة فقط.

([18]) تتوفر المقاطع على اليوتيوب يمكن كتابة أطفال غزة وقاسم سليماني، وقد وجدت مقطعا في اليوتيوب للشيخ مجدي المغربي يتحدث فيه عن سبب ظهور هؤلاء الأطفال في هذه المقاطع، فقال إن جماعة من الناس أعطوهم هدايا من أجل هذه التصريحات والأطفال لا يعرفون قاسم سليماني ولا يعرفون إيران.

([19]) «الكافي شرح البزودي»، حسام الدين حسين بن علي بن حجاج بن علي السِّغْنَاقي (ت ٧١٤ هـ)، دراسة وتحقيق: فخر الدين سيد محمد قانت، أصل التحقيق: رسالة دكتوراه من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ – ٢٠٠١ م (3/ 1076).

‫2 تعليقات

  1. شيخنا الحبيب فايز شبيل قد وفقك الله في هذا الطرح المبارك فجزاك الله عنا خيرا
    لي تحفظ على وصف حركة الجهاد بالمجاهدين فقيادتها اقرب للشيعة من السنة و لو بحث عن تصريحاتهم لربما وجدت العجاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Enable Notifications    OK No thanks