مقالات رأي

الأمن في الإسلام

الأمن في الإسلام

الدكتور جارش عادل

باحث في  العلاقات الدولية

 

بالرغم من وجود كتابات كثيرة في العالم الغربي حول الأمن، إلا أن الإسلام دعا منذ بداياته إلى ضرورة استتباب الأمن، واعتبره ركيزة أساسية في حياة المسلمين، فالأمن يؤدي إلى الاستقرار وبناء الأمة والحفاظ على أعراض الناس وأموالهم، وانعدامه يعني الخوف ونشر الفوضى وغياب التنمية، لذلك فمن الأهمية تحقيقه وتسبيقه على كثير من القطاعات الأخرى كونه ضرورة إنسانية.

إن موضوع الأمن في الإسلام ورد بمفهومه الشامل منذ البداية وانطلق من النفس البشرية وربط أمنها بأمن شخصه وحقوقه وحماية عرضه وماله ومعاملاته مع الآخرين، وطالب بمعالجة العلل والآفات التي تؤذي النفس البشرية والأمة وتضعفها، وبالتالي فلقد انطلق من الفرد  The Individual كوحدة تحليل أساسية فحرم المساس بحرماته، وهو ما رواه الإمام مسلم عن الرسول صل الله عليه وسلم في قوله: “كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه”، وهو الأمر نفسه الذي تحدثت عنه الدراسات الغربية الحديثة حيث اعتبرت في وقت متأخر بأن الأمن ينطلق من الفرد بعدما كان جل تركيزها على الدولة والنظام The State and Order كوحدة مركزية أو أساسية يمكن من خلالها معالجة المشاكل الأمنية و تحليل مختلف الظواهر الأمنية، فلقد أثبت العديد من المفكرين على شاكلة محبوب الحق وأمارتيا سان Amartya Sen عبر مساهمتهما في تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة (UN) سنة 1994 تحت عنوان “التحرر من الخوف، والتحرر من الفقر”[1] بمحورية الفرد وضرورة توفير الحاجات التي يريدها حتى يمكن تحقيق أفضل مسار للأمن العام  انطلاقاً مما سمياه “بالأمن الإنساني” Human Security، والذي يقوم على محورين أساسيين : أولاً  السلامة من التهديدات المزمنة مثل الجوع والأمراض والقمع، ثم ثانياً الحماية من الاحتلال المفاجئ للحياة البشرية وأنماطها خوفاً من انعدام الأمن [2].

وربما هذا الأمر الذي يطرح تساؤلات عديدة حول الواقع الأمني في المنطقة الإسلامية، فعدم انطلاق العديد من الدول الإسلامية من الفرد كمحور أساسي للأمن وتركيزها فقط على متغير الأمن العسكري وأمن النظام الحاكم جعل العديد من هذه الدول تعيش حالة اللاستقرار الاجتماعي والاقتصادي رغم غنائها، فغياب الحاجات الأساسية والفردية للأفراد هو نتيجة لسوء الإدراك الأمني للحاجات التي يريدونها للتخلص من عقدة الخوف المادية والمعنوية، بل وإن ما عانوه من اضطهاد لحقوقهم وغياب للعديد من الحاجات كان مبرراً استغلته القوى الدولية للتدخل في شؤونهم  باسم الديمقراطية والحرية والإنسانية، ولقد حدث ذلك أثناء الغزو الأمريكي للعراق وخلال تدخلات بعض القوى الدولية في المنطقة العربية  منذ سنة 2011 بعد ما شهدته من تظاهرات وحراك شعبي تطالب بالتغيير وتحسين مستويات المعيشة في مختلف المجالات.

إن التصور الإسلامي للأمن كنظام عندما نقارنه برؤى الأنظمة والقوانين الوضعية والفلسفة التي تحدثت عنه فيمكن القول بأنه استطاع توصيف الأمن بدقة وبكل أشكاله وبمختلف مستوياته منذ أربعة عشر قرناً، حيث لا أساليب وتقنيات أمنية وعسكرية، ولا تكنولوجيا متطورة مثل ما يشهده هذا العصر، ولقد استطاع آنذاك أن يوحد وجهات النظر بين القبائل المتقاتلة ويؤسس للسلام بينها وينشر الإسلام، ويُخضع القوى الأخرى كالفرس والروم تحت سيطرته، وأن يقلل من ظواهر إجرامية عديدة كالقتل والسرقة والاعتداء على الآخرين بدون حق وغير ذلك.

لكن اليوم  نلاحظ ضعف الأمن في الدول الإسلامية سواء كان على مستوى الأفراد أو الدول، فالمتمعن في أحوالها جيداً سيجدها تعيش تدهوراً خطيراً خاصة وأن التصور الأمني لديها مازال ضيقاً يقتصر فقط على الجانب العسكري، وهو ما يرفضه الإسلام الذي ينادي بتحقيق الأمن على عدة مستويات، وفي عدة قطاعات حتى يتحقق ما يسمى بـــ: ” الإشباع في الحاجات الأمنية الأساسية” Satisfying Basic Needs for Security الذي يؤدي إلى الاستقرار وتقوية الداخل، ومن أجل تحقيقه فلقد حدد  الإسلام عدة شروط وإجراءات لتحقيقه أبرزها : العدل، نشر التسامح، عدم التفرقة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تقوية أواصر الجماعة وتماسكها، والأمن على الكليات الخمس.

وفيما يخص الأمن الخارجي – علاقة المسلمين بغيرهم- وهو ما يسمى في الأدبيات السياسية بالعلاقات الدولية- فإنّ الشريعة الإسلامية فصلت فيه في حالتي والسلم والحرب لضمان الأمن الداخلي الذي يكتمل بدعم الأمن الخارجي، لذلك فإن الإسلام يبني علاقته مع الخارج انطلاقاً من المبادئ والأخلاق والقيم الإسلامية، وهو أمر أصبح تقريباً مفقود في العلاقات الدولية المعاصرة التي أصبحت تُسيرها المصلحة والقوة حتى ولو كان على حساب أمن الدول الأخرى، وهو عكس ما روجت له  أيضاً بعض المدارس الغربية الحديثة في العلاقات الدولية كأنصار الفكر الواقعي الذين يعتبرون أن العلاقات الدولية هي صراع من أجل القوة، حيث تسعى كل دولة إلى حماية وضمان أكبر قدر من المصالح لضمان بقاءها، في حين تعتبر أن القيم والأخلاق من السياسات الدنيا التي لا تهتم بها الدول كثيراً في علاقاتها وتعاملاتها اليومية مع العالم الخارجي، وعلى عكس الرؤية الغربية  فإن الإسلام يرى بأن القيم الإسلامية مثل التسامح والعدل وعدم الاعتداء على الغير  هي عناصر مهمة جداً في بناء العلاقات مع الشعوب والدول الأخرى ليس فقط المسلمين، بل مع غير المسلمين، وحتى  مع الشعوب والدول الفقيرة والضعيفة، أما عن مسألة الحرب التي تعتبر استثناء فهي ضرورة لمحاربة الشر وحماية الدين وممتلكات الناس وثوابت الأمة ضد الأعداء، لذلك يجوز للدول المسلمة حالياً الدفاع عن نفسها ومساندة بعضها البعض ضد أي تدخل أو عدوان خارجي يمسها ويمس ثوابت الأمة الإسلامية، ويربط الإسلام أيضاً الحرب بنصرة الشعوب والدول المظلومة، ويرى أنه من الواجب إيقاف الظلم والعدوان ضدها.

ولا يعني الأمن في الإسلام ذلك التصور الخاطئ الذي يروج له بعض المتطرفين أو المتأسلمين حول أن الإسلام يجب أن يحمل لواء القتال والجهاد ما دام أن هناك كفار على وجه الأرض، ولا بد من قتالهم وإبادتهم والاستيلاء على ممتلكاتهم وخيراتهم وثرواتهم، بل بالعكس يدعوا الإسلام إلى التسامح والتعايش ونبذ العنف ضد الآخرين إلا في حالات معينة.

إن التصور الكلاني من الناحية الجيوسياسية (التصور الإقليمي) لأمن المنطقة الإسلامية كانت آخر مراحله هي الحقبة العثمانية رغم وجود عدة محاولات من الدول الإسلامية في تأسيس تكتلات أو منظمات تؤسس للأمن الجماعي (جامعة الدول العربية، مجلس التعاون الخليجي …)، غير أنها لم تكن فعالة أو لم تجسد على أرض الواقع سواء كان من حيث الدفاع المشترك أو المواجهة الجماعية، لذلك فلقد وجدت الدول الإسلامية نفسها متفرقة وضعيفة أمام أعداء متحدين ومتفقين فتعرضت للاستعمار والتقسيم (سايكس بيكو)، والأكثر من ذلك أن الاستعمار أسس لما يسمى سياسة فرق تسد (Divide and Rule) في العالم الإسلامي، والتي عمل فيها التحالف الأنجلوفرنسي على هندسة حدود وهمية للمنطقة بطريقة تساهم في استمرار الصراعات  مستقبلاً داخل الأمة الإسلامية أو في حدودها مع الحضارات الأخرى، فقام هذا التحالف بتوزيع أقليات وإثنيات على عدة دول كالأكراد والتوارق ورسم ما سماه صامويل هنغتنتون بخطوط الصدع أو الدم في نقاط تلاقي حدود الدول الإسلامية مع الحضارات الأخرى في أوروبا الشرقية وآسيا وإفريقيا.

إن إعادة استتباب الأمن في المنطقة الإسلامية  كمعنى إقليمي – أمن إقليمي- يتطلب إعادة النظر والتركيز على ثلاثة عناصر أساسية؛ الأول يتعلق بالاهتمام بالأبعاد الداخلية للأمن، والثاني بمجابهة كل تهديد خارجي والثالث هو ضرورة تأسيس تحالف مشترك فعال يعمل على مواجهة التهديدات التقليدية والمستجدة من الأخطار العسكرية والنزاعات الداخلية المسلحة والجريمة المنظمة والأوبئة، ويتم ذلك عبر بعث مشاريع لإعادة هيكلة الأمن الإقليمي وبنائه وفق متطلبات البيئة الأمنية الإسلامية من خلال شبكة إقليمية إسلامية تتكون من مسؤولين وضباط ساميين وخبراء وناشطين يدركون جيداً حجم التهديدات والتحديات التي تمس المنطقة الإسلامية.

ولكي يتحقق الأمن في المجتمع فلقد أقر الإسلام بمجموعة من الأعمال التي تؤدي إلى تحقيق الاستقرار والسلم في المجتمع، ومن بينها الآتية:

التعايش مع الآخرين: بمعنى عدم عيش الأفراد أو الكيانات والدول منعزلة، بلا لا بد من التعايش مع الآخرين واحترام ثقافتهم وتأسيس علاقات اقتصادية وسياسية وثقافية معهم تزيد من نسبة الأمان والاستقرار وتساهم في خلق جو من الثقة المتبادلة، وبالتالي فإن الأفراد سيشعرون بطمأنينة مستقرين لا تنتابهم الكثير من المخاوف.

نبذ التطرف والعنف: إن الإسلام يتصف بالوسطية والسماحة، وهو بريء من السلوكيات والانحرافات عن الوسطية التي تنسب إليه من الغرب خاصة فيما يتعلق بالتطرف، فهذا الأخير بالنسبة للإسلام هو بمثابة شجرة خبيثة إذا نمت في المجتمع فإنها تؤدي إلى الإرهاب والعنف وسفك الدماء، ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم منه، ففي حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من قبلكم الغلو في الدين” رواه أحمد النسائي وابن ماجه.

التكافل والتضامن الجماعي: أي أنه لا بد من تكاثف الناس جميعاً لتحقيق الأهداف والغايات التي تعود عليهم بالنفع حتى يتمكنوا من خلق مجتمع متماسك ومترابط أكثر أمناً يصعب تفكيكه والسيطرة عليه.

وجود هيئة قوية تتحمل مسؤولية الأمن العام: بمعنى أنه لا بد من توفر كل الوسائل والسبل والإجراءات المادية والبشرية اللازمة من أجل السهر على الحفاظ على الأمن العام من المخاطر المحدقة به من الداخل أو الخارج.

أمن الأفراد في أحواله: أي ضرورة السهر على حماية الناس في أجسادهم وأعراضهم وممتلكاتهم ومحاسبة كل معتدي عليهم أو مسيء إليهم لكي يتحسسوا بالأمن والسلام.

نصرة المظلوم: ينطلق التصور الإسلامي بأنه على المسلمين والقادة نصرة المظلوم ومنع الظلم بأنواعه ضده، وهي حاجة ملحة في هذا العصر أكثر من أي وقت لكف الأذى بمختلف أنواعه عن الأمة الإسلامية.

وكخلاصة أعتقد أنه على الدول الإسلامية بناء تصور أمني شامل وهوية استراتيجية إسلامية لردع مختلف التهديدات الداخلية والخارجية لها خصوصاً في هذه الفترة التي تشهد فيها هذه المنطقة تدهوراً كبيراً في الأمن على عدة مستويات، كما يجب على المفكرين والخبراء الالتفات للإسلام والرجوع إليه في الكثير من النقاط حول الأمن بدل الاعتماد على الغرب كقاعدة معرفية لحل المشاكل الأمنية في بيئة إسلامية تختلف من حيث عدة متغيرات عنه.

 هوامش 

[1]وولفانج أماديوس برولهارت ومارك بروبرست، الأمن الانساني دور القطاع الخاص في تعزيز أمن الأفراد، مركز الإمارات والبحوث الاستراتيجية، 2009، ص5، سلسلة كحاضرات الإمارات -128-

[2]حسين باسم عبد الأمير، الأمن الانساني وعلاقته بالتنمية البشرية، مجلة أهل البيت عليهم السلام، العدد 24، أفريل 2019، ص 536.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Enable Notifications    OK No thanks