تجديد الفعل السلفي

بقلم عبد الرحمن عبد الله جميعان

تجديد الخطاب وتجديد الفعل:

اخترت هذا العنوان، مقارنة بالعنوان المعهود في تجديد الخطاب، في رأيي أن تجديد الفعل أقوى، ومنه يكون تجديد الخطاب!

هذا الخطاب -المقال- ليس لمن يتسمون بالسلفية اليوم، المنتظمين في التنظيمات أيا كان نمطها ونوعها، فالتنظيم تأطير الفعل والعقل، وحجز حريات الانطلاق وحبس الكفاءات في الغالب، ولكنه لمن تحرر من كل التسميات، وانطلق في أرض الله الواسعة بدينه الشامل العام، يبلغ الناس ويعدل سلوكهم وعقائدهم، ويشحذ هممهم للعمل الجاد الحر.

هذا الخطاب لمن يحمل المنهج السلفي المنتمي للقرون الثلاثة الأولى المباركة، ولكتلة سلفية أرى أنها اليوم هي البديل الصالح لكثير من التوجهات والتيارات، التي ورَّطت الأمة في كثير من المنزلقات العقدية والفكرية والسياسية! ولم تعد هناك إمكانية الخروج من هذه الورطات والكوارث، إلا بالاستبدال أو الاستمرار بالتيه السياسي والدولي العام. لذلك نريد منها الانتباه ؛ والتجرد والارتقاء،  وإن كان ينقصها بعض الوعي ونقص الخبرة، فهي أمور تستدرك بالقراءة والحوارات واللقاءات.

إن الذي ألجأني إلى هذا المقال، هو قراءتي وعيشي مع ابن القيم في كتابيه: الروح والمدارج، فلقد رأيت فيهما العجب العجاب، ورأيت فيهما مخالفات لما درجنا عليه من تربية وأقوال في تلك البيئة والمحيط، فبتنا وبإلحاح للحاجة إلى تفكيك الفهم السلفي الصحيح للدين والحياة، وإعادة تركيبه، لفهمه على حقيقته ونصاعته، لا كما فهمناه بكل طوباوية وانفصال وتمايز!!!

لماذا التجديد؟

سؤال مهم جدا، نسأله نحن ومن يرصد الحركة الإسلامية برمتها اليوم، لماذا التجديد؟ وكيف يكون؟ وهل نحن اليوم بحاجة إلى التجديد؟ وخاصة مما نرى ونسمع ونقرأ حول إشكاليات التجديد، مما شكل في عقولنا التوجس من هذا الفعل وهذه الكلمة!!! ولكن مع ذلك، ومع الصعوبات الكثيرة والاشكاليات المترابطة والمعقدة، فنحن بحاجة ماسة إلى التجديد، وهذه هي الأسباب الضرورية والملحة لتجديد الفعل السلفي.

1-جنايات بعض الكبار، والراحلين منهم، على المنهج السلفي، وعلى طلابه، كمثل الانغماس في تصنيف الناس وفرزهم، والانفصال عنهم، ومحاربة أي جهد دعوي لا ينطلق من المنهج السلفي-كما يرونه-وتوسيع مجال البدع، والتقليل من شأن السلوك والتربية الصالحة، التي كان السلف يعتني بها أي عناية!

2-الانفصال عن الأمة، بالتسمية المعروفة (أنا سلفي)، أو (نحن السلفيون)، مما شكل تصورا عاما لهم وللناس حولهم بالتمايز والانفصال، بل والمحاربة والترصد.

3-عدم الرجوع إلى الفهم الحقيقي للسلف في بعض المسائل والتوجهات، بل الاعتماد على ما يقوله المعاصرون في كثير من المسائل دون تمحيص ولا دراسة ولا فحص، ولا مراجعة! بل إن هناك من متبعي المنهج السلفي من يرى أن اتفاق الثلاثة ابن باز وابن عثيمين والألباني رحمهم الله هو حجة وإجماع!!! فالخير كل الخير والبركة في تراث السلف، مع عدم إهمال المعاصرين ففيهم كذلك الخير والبركة.

4-تصدير نوعيات سلفية عاجزة عن التعليم والتعلم والعلم، فتصدر كنماذج للتيار السلفي، مما أثر كثيرا على هذا المنهج النقي الذي يعني فهم الإسلام الصحيح، وأصابه في مقتل، خاصة أولئك المسيؤون المتطاولون.

6-ضياع الكثير من أقوال السلف وفهمهم في صراعات فكرية عقيمة، واختلافات وتجيير كل فريق لفهمه المراد، مع أن القضايا لا تؤخذ هكذا، بل السعة في الاختلافات، والتباين في الفهوم، وسعة الصدر للمخالف والحوارات النافعة المراد بها تبيان الحقيقة هي الأصل في سلوك السلف رحمهم الله تعالى!

7- ما تفعله بعض التنظيمات السلفية باسم الدين وسلامة المنهج ونقائه، مع المجتمع والناس بل والجماعات العاملة معها في الساحة، بل وأقولها بكل صراحة امتطاء الكثيرين ركاب الدعوة للوصول إلى سطوة الدنيا، وبهرجة الدين، فالدنيا والتصدر بالدين باتت من مستلزمات عمل اليوم لكثير من الدعاة والمشايخ من هذه المدرسة.

أصول التجديد:

1-التركيز على العقيدة، ليس من خلال الكتب فحسب، وليس من خلال النهج الجاف، بل بربطها بالواقع والحياة والكتاب والسنة، وهذا نهج مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهم الله تعالى، ورأيته ناصعا في خصائص التصور الإسلامي ومقوماته لسيد قطب، وكتاب د سعود العريفي الأدلة العقلية والنقلية على أصول الاعتقاد، وشيء مما كتب الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق رحمه الله، إلى غير ذلك من الكتابات.

2-فهم العلوم العقلية التي باتت من الأهمية بمكان، بخاصة عندما يتولاها الآخر، ويحارب فيها، بل ويتبناها الملحدون ويعبثون بأصولها، كمثل المنطق وعلم الكلام والفلسفة والمذاهب الفكرية المعاصرة، وغيرها من الأفكار والمذاهب المنتشرة اليوم، حتى لو قصرها السلفيون على فئة دون أخرى.

3-الاشتغال بالعلوم الشرعية الصحيحة ونشرها بين الناس، وفي المجتمعات العربية أولا، والإسلامية ثانيا، كمثل الفروع الفقهية، وعلوم الحديث والسنة، والتفسير والمعتقد الصحيح، ودراسة ونشر الكتب الستة على سبيل المثال، ففيها الخير والبركة والنماء.

4-إعطاء منهج ودراسة “السياسة الشرعية” الأولوية التي تحتاجها، لما لها من أهمية قصوى اليوم، ونشرها مع التدريب والتنمية والتعليم، بين من يتصدى للعمل السياسي، والدعوي والاجتماعي، حتى لا تخرج لنا تلك الأجيال التي دمرت الدعوة من خلال السياسة، وأذهبت رونق الدعوة وصفاءها بدنس السياسة وتلوثاتها.

5-الاهتمام بنشر كتب السلف تحقيقا وتدقيقا وتعليما وتفهيما، كمثل كتب المذاهب الأربعة المتقدمة، وبخاصة كتب الأئمة، والنووي وكتب ابن تيمية ومدرسته، وابن حجر وغيرهم، وبخاصة المخطوطات التي لم تخرج إلى النور، والكتابة حول كتبهم ومنهجيتهم في التأليف والفهم والفقه، مع الشرح المبسط لتآليف مهمة باتت صعبة الفهم على الكثيرين، مثل منهاج السنة، ودرء تعارض العقل والنقل وشرح الأصفهانية، بل وشرح وتبسيط كتاب سيبويه في النحو والصرف، وما على شاكلته، مع تخريج دفعات تُتقن التحقيق والفهم وقراءة المخطوط قراءة حسنة.

6-التواصل المستمر بين الأفراد والتعاون في الدعوة والحركة والعمل، ثم فتح أبواب التنسيق مع العاملين والمخلصين من هذه الأمة فهم كثر، ولكن لا راية تجمعهم اليوم.

فتلك هي الأفعال التي أراها واجبة اليوم، ولا يجوز تعطيلها، أو التقليل من شأن بعضها، فهذه قدرتي وفهمي، والأمر قابل للحوار والاستمرار!

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks