هل أجندة الحكم الراشد محايدة سياسياً ؟

Was the Good Governance Agenda Politically Neutral?

ترجمة إبراهيم كرثيو 

مركز المجدد للبحوث والدراسات

 

يعتمد خطاب التنمية على تصور دائم لوجود ما يصفه هوت بوجود “ثغرات” محددة. (Hout wil, 2007, p.11). اعتماداً على الخلفيات التخصصية والمعرفية، سيسلط صانعو السياسات والمحللون الضوء على الفجوات المختلفة التي تحول دون تقدم التنمية في دول العالم الثالث. يرى الاقتصاديون على سبيل المثال، بأن نقص رأس المال والبنية التحتية في البلدان النامية يمثل مشكلة رئيسية. في حين يشير البعض الآخر إلى الافتقار إلى المؤسسات الديمقراطية، بينما يشدد البعض الآخر على نقص التعليم. وعلى الرغم من الاختلافات في الرأي حول أسباب هذه الفجوات، يبدو أن هناك إجماعاً واسعاً على أن الحاجة إلى إدارة أفضل هي مطلب أساسي لتعزيز فعالية المساعدات (نفس المرجع، ص 12).

الحوكمة، كما عرّفها البنك الدولي في الأصل هي “ممارسة السلطة السياسية في إدارة شؤون الأمة”، كانت منذ التسعينيات محورية في النقاشات حول الإصلاح السياسي والاقتصادي في البلدان النامية. (البنك الدولي ، 1989 ، ص 60 ؛ دورنبوس ، 2001 ، ص 93 ؛ كونزيلمان ، 2003 ، ص 468) إن النتائج السلبية لبرامج التكيف الهيكلي في الثمانينيات تميزت بعدم قدرة الدول الأفريقية على الإنجاز والربح من الإصلاحات الاقتصادية، مما أدى إلى وضع تصور لعجز الحكم باعتباره عائقاً أساسياً أمام التنمية الناجحة. وهكذا، أصبح الافتقار إلى الحكم الراشد هو الفجوة الجديدة التي تعيق التطبيق الفعال لبرامج التكيف الهيكلي. فتم بناء الحكم الراشد كنهج تكنوقراطي لحل مشاكل التنمية ، وبالتالي ، فإن “الرشيد” في الحكم الراشد القصد منه هو الفعالية والكفاءة (Konigs in Demmers, 2005, p.266)

صور هذا المنظور الحكم الرشيد كمفهوم يسعى إلى تجاوز نموذج اللبيرالي للأسواق المفتوحة الذي ميز أجندة التكيف الهيكلي ، واتخاذه مقاربة غير مسيسة تجاه التنمية. (المرجع نفسه ، ص 267) إن الحياد الظاهري، مقرونًا بحساسية سياسية ثقافية واضحة، ومعززاً بالقوة الفعلية لخطابات التنمية، فيما يتعلق بالاعتقاد بالقضاء على الفقر ، قد أثرى خيال صانعي السياسات ومنظري التنمية على حد سواء (Doornbos, 2001, p.95-97)  (وهكذا استمر الاعتقاد المغري للغاية ب “فعل الخير” في البقاء ، نظرًا لقوته الأخلاقية الجوهرية الواضحة. وبالتالي، يمكن للمرء أن يستنتج بأن الحكم الراشد كمفهوم أعاد هيكلة خطاب التنمية من أجل الاستمرار في إرضاء رغبة المانحين في “فعل الخير”، خاصة بعد التجارب الواقعية لسياسات التكيف الهيكلي.

ومع ذلك، فإن سياسة “فعل الخير”، في حين أنها تبدو محايدة، فقد كانت مكلفة سياسياً(Harrison, 2005 p.1)     فأجندة الحكم الراشد الموضحة في تقرير البنك الدولي ، أفريقيا جنوب الصحراء: من الأزمة إلى النمو المستدام ، لديها مجموعة واسعة من الوصفات السياسية، والتي تعكس نفس نموذج الليبرالية الجديدة للأسواق المفتوحة لبرامج التكيف الهيكلي. (المرجع نفسه، ص 3) وبالتالي، فإن الخصخصة والإصلاح الديمقراطي، مع التركيز القوي على تمكين المجتمع المدني، كلها سمات رئيسية مترابطة لأجندة الحكم الراشد. مع التأكيد على الوعي بالتقاليد والثقافة المحلية، يعمل الخطاب ببساطة نحو تبرير استمرارية سياسات التكيف الهيكلي. ستحدد الأقسام الثلاثة التالية الخطوط العريضة للمكونات السياسية لأجندة الحكم الرشيد وتقييمها.

الوعي الثقافي والدولة الفيبيرية “الفاسدة        

سيكون تقرير البنك الدولي لعام 1989 “أفريقيا جنوب الصحراء: من الأزمة إلى النمو المستدام” محوريًا في تحليلي. هذا التقرير المحدد مثير للاهتمام بشكل خاص في كونه لا يحتوي على أي اقتراحات مباشرة للإصلاح السياسي. تتراوح مضامين التقرير مثل “الاستدامة مع الإنصاف” و “الاستثمار في الأفراد” إلى فصول عملية للغاية تتناول سياسات الزراعة والتعدين والطاقة. (World Bank, 1989, p.v) ومع ذلك، لا يتضمن التقرير مباحث عن الديمقراطية أو الشفافية أو سيادة القانون. وبالتالي، يبدو للوهلة الأولى أنه تكنوقراطي للغاية، وليس إلزاماً سياسيًا. ومع ذلك، كما سيتضح، فإن اللغة والحجج التي يستخدمها البنك الدولي في هذا التقرير لها تداعيات سياسية بعيدة المدى.

تبتدأ حجة البنك الدولي من خلال تحديد قضايا وجهود التنمية لما بعد الاستقلال، من خلال المحاججة بأن السبب الرئيسي لفشل التنمية هو الافتقار إلى الوعي السياسي والثقافي للأجهزة الحكومية. وهكذا، على حد توصيف البنك الدولي ، “تم دمج الحكومات الأفريقية بالمجتمعات التقليدية والتي كانت غالباً غريبة عن ثقافات السكان الأصليين”. (البنك الدولي ، 1989 ، ص 38). حجة مماثلة قدمها لانديل ميلز ، أحد كبار مستشاري صنع السياسة في البنك الدولي ، الذي أكد أن “(…) كلاً من المانحين والعديد من القادة الأفارقة الذين درسوا في الغرب تبنوا قرارات كما لو كانوا مقتنعين أن التنمية يمكن أن تتحقق من خلال التطبيق المنهجي للأدوات والمفاهيم “الحديثة” العقلانية ، باستخدام مؤسسات الدولة القائمة على مبادئ بيروقراطية الويبيرية التي لم تكن متناسقة مع الممارسات الثقافية للمجتمعات الأفريقية ” (Landell-Mills, 1992, p.543)  .    بسبب عدم التناسق هذا ، كان واقع الدولة أمرًا لا مفر منه ، مما تسبب في تناقض شديد بين الشعوب الأفريقية وحكوماتها. (Forrest in, Villalon and Huxtable, 1998, p.45)  ، لذا كانت دولة ما بعد الاستعمار بمثابة “مقاربة من أعلى إلى أسفل” ، مما نتج عنها ” تغييب  إرادة الأفراد العاديين ، الذين كانت طاقاتهم في أمس الحاجة إلى التعبئة ضمن جهود التنمية. ” (World Bank, 1989, p.3) لذا فشلت جهود التنمية التي تقودها الدولة كون أن استراتيجيات التنمية “لم تبنى على قوة المجتمعات التقليدية”. (Ibid., p.60)  نتيجة ذلك، أدرك جدول أعمال الحكم الرشد هذا الانفصال وادعى أنه طرح استراتيجية إنمائية جديدة وأكثر ملاءمة. حيث جادل Landell-Mills بأن الأجهزة الحكومية بحاجة إلى التوافق مع “تقاليد ومعتقدات وهياكل المجتمعات المكونة لها  (Landell-Mills, 1992, p.545)، فكانت الحجة المنطقية هي أنه يجب على البرامج وسياسات التنمية أن تعكس القيم والمعايير الثقافية والمجتمعية وأن تكون متجذرة بعمق محلياً. (البنك الدولي ، 1989 ، ص 193(

ففي الوقت الذي يعترف البنك الدولي بأن نموذج الدولة الغربية “دخيل” على ثقافة المجتمعات الأفريقية، وأن هذه الأخيرة يجب أن تنظم فعلياً بطريقة تعكس قيمها وتقاليدها، فإن حجة البنك الدولي تفي بوظيفتي، التسييس الشديد لأجندة الحكم الراشد ذات البعد التكنوقراطي البحت. فبادئ ذي بدء، فهو يفصل بين أجندة الحكم الراشد واستراتيجيات التنمية السابقة التي أبانت عن نقاط قصور. وبالتالي، يحتفظ البنك الدولي وأجندته الخاصة للحكم الراشد بالالتزام الأخلاقي في مواصلة تبني خطابات التنمية. بالتالي لم يتم الانفصال عن التفكير الهيراركي الذي بدى جوهريًا في خطابه المتعلق بالتنمية ، كما أن طريقة التفكير في تطوير النماذج التي تعاني من مشاكل تنموية يعتمد على مقاربات تكنوقراطية في مساعدة مثل هذه الحالات، حيث تدعي أجندة الحكم الراشد توفير المعرفة الفنية اللازمة لحل مشاكل التنمية. والأهم من ذلك ، أنها لا ترسم فقط صورة للدولة الفيبيرية على أنها متعارضة مع المجتمع الأفريقي ، ولكنها تعمل على رفض نهج التنمية التي تقودها الدولة. ومن ثم فإن ملكية الدولة للمؤسسات أو سياسات إعادة التوزيع ، أو التعريفات التجارية التي تفرضها الدولة تحمل تلقائيًا دلالات سلبية ، بل ومحكوم عليها بالفشل كونها لا تتوافق مع العادات والقيم الأصلية لمختلف المجتمعات. على العكس من ذلك، فإن أجندة الحكم الراشد تتلاءم مع هذه القيم، بالتالي فهي الحل الحقيقي لتخلف أفريقيا.

الرجل الاقتصادي الافريقي

في حين أن نموذج الدولة الغربي مبني على أساس أنه معيق للتنمية ، فإن الرأسمالية “بشكل مفاجئ” لا تبدو كذلك. حيث يصور القسم الخاص بتنمية المشاريع الأفريقية في تقرير البنك الدولي تقليد ريادة الأعمال الأفريقية(World Bank, 1989, p.136-138).  وتم تقديم العديد من الأمثلة في هذا الصدد، مثل تجارة “الأسماك وزيت النخيل والسلع المحلية الأخرى” في غرب إفريقيا التي يديرها تجار ناجحون، وخاصة في فئة النساء، الذين يشار إليهم باسم “ملكات السوق “؛ تقليد تسويق المنسوجات في توغو؛ ريادة الأعمال الزراعية في كوت ديفوار والشركات الصغيرة في كينيا(Ibid., p.136) . باختصار، يتم تصوير الأفارقة على أنهم يمتلكون تاريخاً رأسمالياً ثرياً وكانوا ناجحين للغاية كرواد أعمال. ومع ذلك، شكلت دولة ما بعد الاستعمار عائقاً أمام ذلك، حيث حدت من طاقة ريادة الأعمال ودفعت بهم إلى القطاع غير الرسمي. (Ibid., p.136-138)  فنتج عنه فشل الشركات التابعة للدولة ، في مقابل ازدهار الأعمال التجارية في القطاع غير الرسمي (Ibid., p.136-138) .  فكون أن السبب الرئيسي لنجاح القطاع غير الرسمي هو أنه حافظ على “روابط وثيقة مع المؤسسات الشعبية” و “مدعومة بالقيم والتقاليد المحلية”(Ibid., p.138, 140) . على سبيل المثال ، غالباً ما يتم تنظيم التمويل حول الصناديق الدورية غير الرسمية التي تسمى tonties أو susus ،  بالاتفاق على المعاملات المالية “بين العائلة والأصدقاء”. (Ibid., p.140).

تشكل حجة رائد الأعمال الأفريقي الناجح والدولة بمفهومها الغربي العناصر الرئيسية في خطاب الحكم الرشيد حول التنمية. كانت إدارة دولة ما بعد الاستعمار تضطهد رواد الأعمال الأفريقيين، وبالتالي أصبح تقليص تدخل الدولة استراتيجية من شأنها أن تمكن الأفارقة العاديين (Abrahamsen, 2000, p.51).   بذلك يصبح أخلاقياً “تراجع” الدولة، يتوافق مع استراتيجيات التعديلات الهيكلية (Konigs in Demmers, 2005, p.267) إلا أن العواقب المترتبة على هذا المنطق بعيدة المدى. ضمن هذا الإطار الجدلي ، تبرز الليبرالية الاقتصادية كعنصر رئيسي لحل مشكلة التخلف في إفريقيا. بالإضافة إلى ذلك ، فإن أجندة الحكم الرشيد تبني اندماجًا مترابطًا بين الليبرالية الاقتصادية والديمقراطية والمجتمع المدني(Abrahamsen, 2000, p.51) .

في سياق أجندة الحكم الراشد، تصبح الليبرالية الاقتصادية ضرورة ليس فقط للاقتصاد، ولكن أيضًا للتنمية الديمقراطية. تستند هذه الحجة إلى افتراض أن التحرير الاقتصادي يخلق ميادين قوة بديلة، وبالتالي غياب مركزية التأثير الاقتصادي والسياسي(Harrison, 2004, p.103). ومن ثم ، يجب أن تعمل الليبرالية الاقتصادية على حل الشبكات  الجديدة الموروثة والخصخصة المفرطة لجهاز الدولة التي أعاقت التنويع الاقتصادي والتنمية. (World Bank, 1989, p.60) بالإضافة إلى ذلك ، يجب أن تؤدي هذه العملية إلى مجتمع مدني يمكنه موازنة الدولة وتوفير سياسات أكثر ديمقراطية.

دور المجتمع المدني الأفريقي في إطار أجندة الحكم الراشد

تقر خطابات الحكم الصالح بوضوح على أنه لكي تنجح التنمية، يجب القيام “بجهد منظم لبناء هيكل مؤسسي متعدد”(World Bank, 1989, p.61) . وبالتالي ، يبرز دور فعالية المجتمع المدني في هذا الصدد، الذي من المفترض أن “يخلق روابط فوقية وتحتية داخل المجتمع”(Ibid.).  وهذا من شأنه أن يجعل عملية السياسية أكثر سهولة في الوصول إلى تنوع أوسع في القيم والأفكار(Ibid.).  وفي الوقت نفسه، يمكن للمنظمات الوسيطة أن تمارس بعض الضغط على المسؤولين وتجعل عملية صنع السياسة أكثر عرضة للمساءلة(Ibid.) . هذا يجب أن يخلق مجتمعاً أكثر ديمقراطية بشكل عام ضمن الإطار الجدلي لخطاب الحكم الراشد ، من شأنه تقليص دور الدولة ومؤسساتها وتحرير قوى السوق، وأن يعزز بشكل افتراضي عمل المجتمع المدني ، لأن مثل هذه العملية ستؤدي إلى عدم تركز السلطة السياسية و إلى خلق فرص أفضل للمنظمات الأهلية. يجادل Landell-Mills بأن مثل هذه الديناميكية من شأنها أن تخلق تلقائيًا “سياسات أكثر تشاركية ، ومساءلة واسعة، وبالتالي ديمقراطية ممأسسة (Landell-Mills, 1992, p.563) “. تصوّر أجندة الحكم الصالح مؤسسات الدولة على أنها المانع الوحيد للسلطة القمعية ، في حين يُنظر إلى المجتمع المدني على أنه ليبرالي وديمقراطي أساسًا. ضمن هذه التوليفة، يمثل أي تقليص لدور الدولة تلقائيًا تعزيزًا للديمقراطية. وهكذا تظهر الليبرالية الاقتصادية كأداة لإرساء الديمقراطية. لكن لسوء الحظ ، فإن هذا التصور يبالغ في تبسيط طابع المجتمع المدني الأفريقي وبالتالي فهو مقلق إلى حد ما.

لا شك في أن المجتمع المدني قد ساهم في عملية التحول الديمقراطي، لكنه عارضها أيضاً. مثل أي مكان آخر في العالم ، أما في الحالة الافريقية، ” فالمجتمع المدني ليس متجانسًا ولا متحررًا بالكامل” Fatton, 1995, p.93) .  بالإضافة إلى ذلك، فإنه يستلزم إمكانية الأشكال العنيفة للخصوصيات(Ibid., p.93)  .   لذلك يجب أن يُنظر إلى المجتمع المدني على أنه فضاء سياسي متعدد وغير موحد بل وأحيانًا غير سياسي. يقترح مؤلفون مثل فاتون أن المجتمع المدني الأفريقي يعكس في الواقع هياكل السلطة الوراثية الجديدة للمجتمعات الأفريقية(Ibid., p.93).   يميز فاتون بين ثلاثة “نماذج” للمجتمع المدني؛ المجتمع المدني المفترس ، وشبه البرجوازي ، والشعبوي، وتمكين هذا الأخير حصراً من شأنه تحسين النظرة إلى التحول الديمقراطي. ومع ذلك، فإن “هذا التمكين يواجه صعوبات هائلة”، مما يجعل مستقبل الديمقراطية في القارة غير مؤكد بدرجة كبيرة(Ibid., p.93) .

ليس فقط سوء فهم طبيعة المجتمع المدني في أفريقيا، بل إن أجندة الحكم الراشد تسيء تفسير نمو الجمعيات الأهلية. إذا كانت خدمات الدولة تتقلص، تتشكل مجموعات عديدة من أجل استبدال الخدمات العامة التي لم تعد الدولة توفرها. (World Bank, 2002, p.2; Diouf, 1996, p.243) مثل هذه العملية منطقية فقط ، ولا ينبغي مساواة الاستعداد للقيام بمثل هذه المشاريع بالقدرة على دعم التحول الديمقراطي. غالبًا ما تكونت هذه المجموعات لأسباب عملية بحتة، دون ارتباطها بأحزاب السياسية أو أيديولوجية   (Diouf, 1996) .  علاوة على ذلك ، غالبًا ما كانت هذه الجمعيات لا تثق في الدولة ، والتي كان يُنظر إليها على أنها مفترسة أو غير ذات صلة. (فاتون ، 1995) يمكن في الواقع النظر إلى التضارب في العلاقة بين المجتمع المدني والدولة على أنها عائق أمام التحول الديمقراطي ، حيث يجب أن يتعامل المجتمع المدني مع الدولة بشكل طبيعي وبالتالي تأكيدها(Abrahamsen, 2000, p.55) .

على الرغم من هذا الالتباس، فإن أجندة الحكم الراشد تؤكد أن المجتمع المدني هو “عامل قوة مضاعف” للمشروع الديمقراطي. إن الجمع بين المفاهيم الثلاثة، الدولة الدخيلة، والرأسمالية الأفريقي الأصلي، وأهمية المجتمع المدني ، ينتج عنه الصيغة التالية شديدة التسييس. الدولة الدخيلة قمعية لأنها لا تتوافق مع القيم والتقاليد المحلية ، وتعيق نشاط الإنسان الاقتصادي الأفريقي. وبالتالي، فإن أي تقليص لدور الدولة يُنظر إليه على أنه تمكين للأفارقة العاديين. إن الليبرالية الاقتصادية، التي تقلل من نشاط الدولة وتؤدي إلى نمو المجتمع المدني ، يتم تصورها على أنها أداة لإرساء الديمقراطية. هذا في جوهره نفس الاستنتاج الذي توصلت إليه المحللة الإفريقية ومحللة التنمية ريتا أبراهامسن، التي تنص على أن خطاب الحكم الصالح يستمر في إضفاء الشرعية على برامج التكيف الهيكلي ، بينما “ينزع الشرعية في الوقت نفسه عن المزيد من الاستراتيجيات التدخلية والاشتراكية ، والتي تصبح ضمنيًا أمثلة عن سوء الإدارة”(Abrahamsen, 2000, p.65).

الخاتمة: أربع عناصر للنقد

تحاول أجندة الحكم الراشد أن تنأى بنفسها عن مشاريع التنمية السابقة التي فشلت، وهي تبرر ذلك من خلال التركيز  بشكل خاص على حساسيتها السياسية والثقافية مدعية أنها تأخذ الأطر والتقاليد المحلية بعين الاعتبار. يبدو أن خطاب الحكم الراشد يمتلك ميزة لمواجهة التصورات الأوروبية المركزية للعوامل السياسية وتضمين العناصر التقليدية للمجتمعات في البلدان النامية ضمن خطاب التنمية (Adam, 2000, p.3) . ومع ذلك ، فإن المهمة الرئيسية التي تسعى أجندة الحكم الصالح لتحقيقها هي السعي لاستمرار سياسات التعديل الهيكلي كأداة لبناء الديمقراطية. ويبدو للوهلة الأولى أن “الرشادة” في الحكم الصالح محايدة سياسياً، إلا أنه جدلياً، لا يمكن تحقيق الحكم الراشد بدون ليبرالية اقتصادية. وهكذا يظل تقليص دور الدولة ومؤسساتها هدفًا مركزيًا، بالتالي تضمن خطابات ترشيد الحكم بمفهوم ديمقراطي.

بدون التفصيل أكثر في النظرية الاقتصادية، يتم استبعاد الاعتبارات القائلة بأن السياسات الاقتصادية الليبرالية قد تضر باقتصاد البلاد.  فمن المقبول على نطاق واسع أن الفكر الكلاسيكي الجديد الخاص بالأسواق المفتوحة والميزة النسبية لا يعملان بمرونة في الواقع الحقيقي مقاربة بما هو الحال في النظرية (Kotte, 2010, p.17) . حيث أثبتت التجارب التجارية السلبية التي واجهتها العديد من البلدان النامية في الثمانينيات والتسعينيات بعد تحرير أسواقها وفقًا لسياسات التكيف الهيكلي أنها كافية. (المرجع نفسه ، ص 18) في هذا السياق ، من المبرر أن العديد من الحكومات الأفريقية تتحسر على فقدان “مجالها السياسة” من أجل متابعة استراتيجيات تنموية ذات بعد وطني. (Ibid., p.21).

ارتباطاً بهذه المعضلة، فإن خطاب الحوكمة ينطوي على بعض الاتجاهات الغير الديمقراطية إلى حد ما. بحيث يمكن للمانحين ، وخاصة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ، أن يوجهوا بعض السياسات المحلية المتعلقة بالبلدان النامية، والتي تهدد إلى حد كبير بتقليل قدرة الحكم الذاتي وتقرير المصير. مما يتم “إضعاف” هذا النوع من الديمقراطية سياسيًا، حيث لا يمكن تعديل السياسات المفروضة خارجيًا إلا بشكل طفيف ويتم “تغييب المعارضة السياسية بشكل مستمر في مقابل مساءلة الحكومة أمام مانحيها الماليين”.(Konings in Demmers, 2005, p.270) ، من خلال ربط الحكم الراشد بالليبرالية الاقتصادية ، فإن خطاب الحكم الصالح من شأنه أن يعزز هذا التوجه. حقيقة أن الحكم الراشد لا يمكن أن ينتج إلا من الليبرالية الاقتصادية هو في الواقع شرط غير ديمقراطي لأنه يحد من اختيار الاستراتيجيات الاقتصادية. نتيجة ذلك، أشارت ثانديكا ماكانداوير Thandika Mkandawire   أن البلدان الأفريقية هي “ديمقراطيات غير تمثيلية” ، حيث يكون فرض الليبرالية الاقتصادية هو الإستراتيجية الوحيدة المتوفرة (Ibid., p.270).

إن تصور القارة الإفريقية على أنها بيئة للتأثيرات السلبية هو أمر شائع. ومع ذلك ، غالبًا ما يتم الاستهانة بها في التفاعلات المتعلقة بالسياسية الدولية. ترسم ثانديكا مكانداوير صورة سلبية للبيئة الأفريقية إلى حد ما ، في المقابل يسلط جان فرانسوا بايارد الضوء على التأثير القوي لأفريقيا(Bayart, 1999)  . فكان من الممكن أن يكون منطق وخطاب الحكم الراشد الذي نجح بسلاسة في البيئة الغربية أن يسري بنفس الآثار في أفريقيا، إلا أنه في هذه الأخيرة فقد تم أفرقة سياسات التكيف الهيكلي

مراجع المقال:

  1. Abrahamsen, Rita. 2000. Disciplining Democracy: Development Discourse and Good Governance in Africa. New York: Zed Books Ltd
  2. Adam, Markus. 2000. Die Entwicklung des Goverance-Konzepts. The Development of the Governance-Concept. (transl.) Hamburg: Entwicklung und Zusammenarbeit
  3. Bayart, Jean-Francois, Stephen Ellis and Béatrice Hibou. 1999. The Criminalization of the State in Africa. Bloomington: Indiana University Press
  4. Conzelmann, Thomas. 2003. Auf der Suche nach einem Phänomen: Was bedeutet Good Governance in der europäischen Entwicklungspolitik?- The Search for a Phenomenon: What does Governance mean in European Development Policy?(tranl.) Nord-Süd aktuell, Vol. 3
  5. Demmers (ed.), Jolle. 2005. Good Governance in the Era of Global Neoliberalism Conflict and depolitisation in Latin America, Eastern Europe, Asia and Africa. New York: Routledge
  6. Diouf, Mamadou. 1996. Urban Youth and Senegalese Politics: Dakar 1988- I994. Public Culture, Vol.8, p.225-249
  7. Doornbos, Martin. 2001. “Good Governance”: The Rise and Decline of a Policy Methaphor? Journal of Development Studies, Vol. 37(6), p.93-108
  8. Fatton, Robert. 1995. Africa in the Age of Democratization: The Civic Limitations of Civil Society. African Studies Review, Vol. 38(2), p.67-99
  9. Harrison, Graham. 2004. The World Bank and Africa. The Construction of Governance States. New York: Routledge
  10. Harrison, Graham. 2005. The World Bank, Governance and Theories of Political Action in Africa. The British Journal of Politics and International Relations, Vol. 7(2), p.240-260
  11. Hout, Wil. 2007. The Politics of Aid Selectivity – Good Governance Criteria in World Bank, US and Dutch Development Assistance. New York: Routledge
  12. Kotte, Detlef. 2010. Entwicklung durch Handel. Development through Trade? (transl.) Frankfurt: Frankfurter Societäts-Druckerei GmbH
  13. Landell-Mills, Pierre. 1992. Governance, Cultural Change, and Empowerment. The Journal of Modern African Studies, Vol. 30(4), p.543-567
  14. Villalon, Leonard and Philip Huxtable. 1998. The African State at a Critical Juncture: between disintegration and reconfiguration. Colorado: Lynne Rienner
  15. World Bank. 1989. Sub-Saharan Africa. From Crisis to Sustainable Growth. A Long-Term Perspective Study. Washington: The International Bank for Reconstruction and Development/The World Bank
  16. World Bank. 2002. Africa and Decentralization. Washington: The International Bank for Reconstruction and Development/The World Bank
  17. Ziai, Aram. 2010. Zur Kritik des Enwicklungsdiskurses. A Critique on the Discourse of Development. (transl.) Frankfurt: Frankfurter Societäts-Druckerei GmbH

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks