المساءلة والشفافية من المنظور الاسلامي

د. عبد الحق دحمان

الوحدة السياسية- مركز المجدد للبحوث والدراسات 

 

مقـدمة:

أصبح موضوع الحكم الراشد خلال العقود الأخيرة أحد أبرز المطالب الأساسية لأي نظام سياسي، ومن بين أولويات اهتمامات صناع القرار في الكثير من الدول لأن تحقيقه بشكل صائب وسليم يساهم بشكل كبير في تحسين مختلف نواحي الحياة للشعوب ويعزز العملية الديمقراطية، ودور العدالة والقانون.

ورغم تحقيق بعض الدول خاصة في العالم المتقدم كالدول الإسكندنافية تطوراً وتقدماً ملحوظاً في تطبيقاته لتركيزها على كيفيات وآليات تحقيقه على أرض الواقع تماشياً مع ظروفها وطبيعة هياكلها المؤسساتية، فإنه في العالم الإسلامي هناك تطلع أيضاً للوصول إلى مراحل متقدمة من أجل تجسيده على أرض الواقع وفق متطلبات البيئة الإسلامية- محاولة التجسير بين البيئة الإسلامية وبين مقاربة الحكم الراشد-، ولتحقيق ذلك فلا بد من إعطاء اعتبار كبير وخاص لمعايير وركائز الحكم الراشد خاصة فيما يتعلق بالمساءلة والشفافية اللذان يعتبران بالدرجة الأولى عاملان أساسيان للحرص على سير النظام بطريقة سليمة وحريصة، وهما كمفهومين ليسا وليدا البيئة الغربية حديثاً، وإنما أيضاً نص عليهما الدين الإسلامي منذ عقود انطلاقاً من محاسبة ومساءلة وتقويم الحاكم والمسؤولين وفق أسس شرعية، ونظراً لأهميتهما فقد حث عليهما الدين الإسلامي بدءاً من الخلفاء الراشدين بحد ذاتهم. ورد عن أبي بكر الصديق قوله: “قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني”، ولقد روى أبوبكر الصديق رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: ” إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يضربوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب”، وهي دلالات على مدى الحرص الذي كان موجوداً من أجل التصدي لانحرافات السلطة والمسؤولين.

وعلى هذا الأساس فإن هذا المقال يأتي من أجل البحث في موضوع أو مسألة المساءلة والشفافية وفقاً للمقاربة الإسلامية، وانطلاقاً من البحث في أهم المستجدات التي مست آلياتها ووسائلها ومدى توافقها مع الشريعة والكيفية التي تسمح بتطبيقهما في واقعنا الجديد، فما هما المساءلة والشفافية؟ وكيف يمكن عبرهما القضاء على الفساد وتقويضه في العالم الإسلامي؟

 أولا: المساءلة والشفافية وفق المقاربة الإسلامية

حسب الكثير من الدراسات التي ورد فيها مفهوم الشفافية Transparency، فإن دلالة المفهوم العلمية تشير إلى الوضوح والتبيان والنزاهة في مجالات العمل المختلفة لا سيما منها الإدارية، بحيث تكون المعلومة متاحة بشكل عادي ممّا يؤدي إلى بناء الثقة واكتشاف ثغرات الفساد المختلفة، والشفافية ليست عبارة عن إجراء عملي فقط أو مفهوم بل هي فلسفة ومنهج (Philosophy and method) يقوم على العلنية والصراحة والانفتاح بما لا يتعارض مع مصالح الدولة والأمة الإسلامية، لذلك فهي تحمل قيمة عالية في ديننا الإسلامي الذي نص عليها من خلال الصدق والأمانة في تعاملات المجتمع اليومية وعلى مختلف الأصعدة بعيداً عن التعتيم والسرية [1].

ولقد اعتبر الإسلام الشفافية قيمة أخلاقية روحية قبل كل شيء يجب أن يتمتع بها الفرد ويتصف بها، مثلها مثل الأمانة والعدل والمساواة، فهي تجعل الفرد يترفع عن خطيئة الناس وخداعهم وتضليلهم، ولقد تركزت تشريعات الشفافية في الإسلام على المدخل الأخلاقي لا على العلاقة القهرية بين الحاكم والمحكوم أو القانون، بل اعتبرها الإسلام عبارة عن مكملات، وهي النقاط التي تؤطر الشفافية في الفكر الوضعي الغربي الحالي، فالموظف أو المسؤول في الإسلام منذ القدم يجب أن يعتقد وأن يؤمن بأن الشفافية هي قيمة أخلاقية روحية إسلامية تنبع من الصدق والعدل والأمانة والإخلاص والشفافية في التعامل مع الآخرين[2]، ومن حيث التعريف فلا بد من التأكيد أنه لا يوجد اختلاف أو فرق كبير بين تعريف الشفافية في الفكر الغربي والفكر الإسلامي من حيث المحددات والخصائص، لكن هناك فروقات عديدة حول طبيعة وأصل وانطلاقة المصطلح على النحو الآتي:

الجدول رقم 1: الفرق بين الشفافية في الفكر الإسلامي والفكر الغربي

ولقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أحاديث عديدة تبين شفافيته، فحينما دخل بستان أنصاري رأى فيه جملاً، فلما رأى النبي حن، ذرفت عيناه، فأقبل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ومسح ذفريه، وقال: “من صاحب هذا الجمل؟ فقالوا: فتى من الأنصار، قال: ائتوني به، فلما جاؤوا به، قال: أَفلا تَتَّق اللهَ في هذه البَهيمةِ التي مَلَّكَكَ اللهُ إِيَّاها؟ فَإِنَّهُ شَكا إِليَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ”.(أخرجه مالك في الموطأ)، وهناك أيضاً آية صريحة من سورة البقرة تدعو إلى الشفافية والتدوين بكل صدق وأمانة، وذلك في قوله تعالى في سورة البقرة:  ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.  الآية 282 من سورة البقرة.

إذن فالشفافية في الإسلام يمكن اعتبارها أنها قيمة خلقية ومنهاج يعني المكاشفة والوضوح والعدل والبيان بين أفراد المجتمع بغض النظر عن طبيعتهم (موظف أمام مواطن / حاكم أمام محكوم/ حكومة أمام شعب) إذ تعتبر أحد المحركات الأساسية لرؤية سلوكات وتصرف الأطراف مثلها مثل المادة الشفافة التي يمكن من خلالها رؤية تصرفات الآخرين، وهو ما يؤدي إلى زرع الثقة وتقويض الفساد، لأن المسؤولين ملزمين بنشر الوثائق والمعلومات والنتائج والتقارير بدقة، أي يصبحون مراقبون من طرف المجتمع [3].

أما عن مفهوم المساءلة Accountability إذا تم رصده كممارسة فهو جد قديم، حيث ارتبط بوظيفة المحاسب الذي يقوم بتدوين الغنائم، وكشف الحساب في عدة أعمال أخرى تجارية [4]، ومع مرور الوقت اتسعت مهامه لتشمل أيضاَ الرقابة والمحاسبة، ولم يقتصر على مجال واحد فقط بل أصبح شائعاً في الإدارة والتنمية وأخلاقيات المهنة والتحول الديمقراطي والإصلاح السياسي، ويعتبر هذا المفهوم أحد الركائز الأساسية للحكم الراشد وتقليداً كبيراً في العملية الديمقراطية، ومن بين التعريفات المقدمة حوله نجد أنه يعني مدى مسؤولية الأفراد عما يقترفونه من أفعال وسلوكيات وما يتبع ذلك من إجراءات لمساءلتهم وطرح الأسئلة حول تصرفاتهم وأعمالهم في حال إذا كانت غير مرغوب بها وتتنافى مع المعايير والأهداف.

ولمفهوم المساءلة تاريخ وتقليد طويل في العلوم السياسية والمحاسبة المالية، ففي العلوم السياسية، بناء على نظرية جون لوك Jhone Locke  فإن المساءلة هي عملية تتجسد في الديمقراطية التمثيلية انطلاقاً من فكرة مساءلة الممثلين عن الشعب للحكام[5] ، ولقد تطورت هذه الفكرة لتشمل مختلف مؤسسات الدولة.

 وربما المشكل الذي مس مصطلح المساءلة هو انتشار عدد لا يحصى من المعاني والأبعاد المرتبطة به، خصوصاً مع تسييس المصطلح وربطه بمجتمع المانحين الدوليين ومستشاريهم –سياسة المشروطية-  مما جعل المفهوم مؤدلجاً وفقاً للأطروحات الغربية دون إخضاعه للممارسات البحثية السليمة .[6]

أما عن المساءلة في الإسلام فيقصد بها عموماً أنها مراقبة ومحاسبة المسؤول والموظف مهما كانت رتبته في سلم المسؤولية، حيث تُعد المساءلة مفهوماً أساسياً في العلاقة بين الأشخاص، وتبدأ المساءلة من الالتزام المباشر بين العبد وخالقه قبل كل شيء، ومن ثم بين الأفراد فيما بينهم، ويبين الجدول الآتي أبرز الفروقات بين المساءلة في الفكر الإسلامي والفكر الغربي:

الجدول 2: الفرق بين المساءلة في الفكر الإسلامي والفكر الغربي

كما تتم عملية المساءلة في الإسلام عبر أربعة أركان أساسية كما يوضحها الشكل الآتي:

الشكل 1: أركان المساءلة في الإسلام

حيث يقوم السائل هنا بحسب قدراته والصلاحيات الممنوحة له بالأمر والنهي، وطرح عدة تساؤلات حول سلوكات وأفعال وبرنامج المسؤول الذي قام بالعمل المحظور (موضوع المسائلة)، وقد يكون السائل هنا هيئة رسمية أو شعبية أو غير ذلك، وهم بدورهم يحاولون عبر وسائل متعددة وفقاً لضوابط قانونية وشرعية بمساءلتهم[7]، وتجدر الإشارة إلى أن هذه العملية لا تقتصر فقط على العمليات الإدارية البسيطة، بل حتى على محاسبة الحكام والمسؤولين الكبار في الدولة كونهم موظفين وُكلت لهم أمور المسلمين وشؤونهم وتوجيهها إلى ما فيه الخير وحكمها بالعدل، فإذا كان هؤلاء عكس ذلك وجب مساءلتهم لردع انحرافهم، وعبر استخدام وسائل مؤسساتية رسمية مثل: القضاء، البرلمان، وغيره أو شعبية كالتظاهر والاعتصام[8].

ثانياً: أهمية المساءلة والشفافية

تظهر أهمية المساءلة والشفافية من خلال محاربة مختلف أنواع الفساد وسوء إدارة الموارد والشؤون العامة وسوء استغلال السلطة مع تعزيز ثقافة أخلاقيات العمل والسلوك على مختلف المستويات الإدارية في النظام الحكومي. فالشفافية والمساءلة هما بمثابة “الضابط” الذي يضمن أن المسؤولين يعملون للمصلحة العامة، فإذا كانا موجودين على أرض الواقع وتم فرضهما بفعالية فإن ذلك سيقوض الفساد، ومن هذا المنطلق فإن الكثير من الدول في إطار محاولتها لتثبيت الشفافية والنزاهة والمساءلة على المستوى الوطني قامت بتأسيس ما يسمى بــ: “نظام النزاهة الوطني”؛ وهو مزيج بين الأجهزة الحكومية والأنظمة والقوانين والسياسات والإجراءات التي توفر البيئة المثالية لاتخاذ القرارات الجيدة وتوفير الأدوات لتحديد مكامن سوء التصرف والسلوك بما في ذلك الفساد، ويتألف نظام النزاهة من عدة أجهزة وركائز تشمل السلطة التشريعية والقضائية وهيئات مكافحة الفساد والمحاكم، وغير ذلك، وتجد الإشارة بأن هيكلة وعمل نظام النزاهة يختلف من بلد إلى آخر حسب طبيعة النظام السياسي لديه[9]، وللتفصيل أكثر في نظام النزاهة انظر الشكل الآتي:

الشكل 2: هيكلة نظام النزاهة

 المصدر: تصميم انطلاقاً من المعلومات الواردة في مرجع الغامدي، 2014، ص11-12.

ويكون النظام الوطني فعالاً ومتيناً إذا تم تفعيل دور هذه المؤسسات بشكل جيد وإعطاء الصلاحيات الكاملة لها لأداء مهامها بكفاءة وبالتالي تقويض الفساد، أما إذا كان العكس وتميزت هذه المؤسسات بالضعف والعجز فإن الفساد سيزدهر ويؤثر على نوعية ومختلف مجالات الحياة.

أما عن الشفافية فلقد ازداد الاهتمام بها على مستوى المنظمات الدولية والهيئات الوطنية لدورها الكبير في تعزيز الثقة بين الحاكم والمحكوم، لذلك فقد أشار منصور إلى أن الشفافية تؤدي إلى الوضوح والنزاهة وتقلل الغموض والضبابية التي تكتنف الناس، وتساهم بالدرجة الأولى في القضاء على الفساد، وغموض التشريعات، حيث أن غيابها يؤدي إلى زيادة الغموض في التشريعات وملفات أخرى عديدة، وبالتالي السماح للمسؤولين بحرية التصرف وإساءة استخدام التشريعات في العديد من الأحيان[10] .

وتظهر أهمية الشفافية من خلال أنها تساهم في تمكين المواطنين من الحصول على المعلومة ومشاركتها والاطلاع على الخيارات المتاحة، وهو ما يزيد من عامل الثقة بين السلطة والشعب، ويساهم في مكافحة الفساد، فلقد أشارت العديد من الدراسات أن الدول التي لا تعطي أرقاماً أو بيانات حقيقية حول أدائها الحكومي أو تحاول إخفاءه تعاني من مشاكل كبيرة في انعدام الثقة بين مؤسساتها ومواطنيها [11].

     وتسمى عادة الحكومات التي تحاول الإفصاح ونشر المعلومات بدقة عبر عدة وسائل للمواطنين في الأدبيات السياسية بــ: “الحكومة المفتوحة”، إذ يعمل هذا النوع من الحكومات ليبرهن أنه يعمل لمصلحة مواطنيه وليزيد من الثقة في نشر القرارات والبيانات المختلفة حول المشاريع والموارد والميزانية ونتائج سياساتهم وأعمالهم وتوقعاتهم المستقبلية ومن ثم تشريعها، وفي حالة عدم الالتزام بها وتطبيقها بشكل جيد فسيتم المساءلة عنها وتقديم مجموعة من الإجراءات [12].

ومن جانب آخر فإن الكشف عن البيانات والمعلومات بالنسبة للدولة يعتبر أمراً مفيداً لها لأنه يعزز العملية الديمقراطية ويجعل المواطن يشعر بأن له دوراً نشطاً في الحكم متمثلاً في الاهتمام الإعلامي والمعرفة وتكوين الرأي العام والعضوية الفاعلة في مؤسسات المجتمع المدني. وفي المقابل فإن غياب الشفافية يؤدي إلى عدو مخاطر، من بينها فتح الباب لتبديد الموارد وإساءة توظيفها واستخدامها وتفشي الفساد بكل أنواعه في مختلف المجالات[13].

ثالثاً: واقع الشفافية والمساءلة في العالم الإسلامي

     يوجد اختلاف في الإحصائيات المقدمة من طرف الدول المتقدمة التي عادة ما تملك مراكز بحوث وإحصائيات ومؤسسات رقابية تقوم بدورها بفعالية، إضافة إلى وجود أنظمة حديثة لجمع وتنسيق وتحليل البيانات وتصنيفها ما يؤدي بالوصول إلى نتائج دقيقة. في حين أصبح لنقص الشفافية في العالم الإسلامي أثراً واضحاً في زيادة الأضرار وارتفاع المخاطر نتيجة لنقص الشفافية ما يصعب الوصول إلى المعلومات الحقيقية، وبالتالي نتائج غير صحيحة  في الغالب تكون مسيسة، حيث أبرز تقرير البنك الدولي الموسوم “كيف يمكن للشفافية أن تقيد بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” هذه المنطقة التي تنتمي كل دولها للعالم الإسلامي بما في ذلك فلسطين _ في ظل عدم الاعتراف بالكيان الصهيوني_ العديد من النقاط التي تعنى بها الشفافية في المنطقة، وخلال حساباته لتقديرات تكلفة أزمة فيروس كورونا على النمو خلال فترة 2019_2020 لم يدرج ليبيا وسوريا واليمن بسبب عدم قدرته للحصول على معلومات في تجسيد مثالي لغياب الشفافية [14] .

كما سجلت دول العالم الإسلامي مستوى منخفضاً في القدرات الإحصائية الكلية، فوفقاً للتقرير الدولي لمنظمة الشفافية حول مكافحة الفساد لسنة 2020  فإن  ترتيب أغلب  الدول الإسلامية يُصنف تحت درجة 50ـ أي أنها تعيش في حالة فساد باستثناء بعض الدول التي سجلت معدلات لا بأس بها كالإمارات العربية المتحدة وقطر وعمان والسعودية وماليزيا التي صنفت في درجات أعلى من 50، وهو ما يعني عموماً أن أغلب الدول الإسلامية تعاني من غياب النزاهة والشفافية، لا سيما إذا تحدثنا عن دول تحتل أدنى الترتيب كحال الصومال وسوريا واليمن والعراق والسودان، وهي دول تعاني من الفساد إضافة إلى أزمات سياسية وأمنية [15].

الجدول 3: تصنيف أغلب الدولة الإسلامية حسب المنظمة الدولية للشفافية سنة 2020

Source : Ibid, p 3_4.

ووفقاً للجدول فلقد جاءت الإمارات العربية المتحدة الأقل فساداً بــ 71 نقطة تليها قطر بــ 63 نقطة والبحرين بــ: 54 نقطة وعمان بــ 53 وماليزيا بـــ 51 نقطة، في حين تجاوزت كل من تونس والبحرين والأردن والسنغال الدرجة 40، وهي درجة أقل من المتوسط، بينما جاءت كل من ليبيا وسوريا واليمن في المراتب 17

و15و 14توالياً في أدني الترتيب على المستوى العالمي، والملاحظ أن الدول الأخيرة تشترك في دخولها حرباً منذ سنة2011 مما يؤدي إلى نتيجة مفادها كلما زاد الاستقرار السياسي انخفض مؤشر الفساد وارتفع معدل الشفافية. ترتبط الشفافية في العالم الإسلامي بالتنمية ارتباطاً وثيقاً، فاستخدام البيانات يمنح فرصة قراءة الأوضاع بدقة، ما يساعد على حسن الاختيار وتنوع البدائل ثم إنه كلما زادت الشفافية زادت دقة المعلومات والنتائج ما يزيح الضبابية عن السيناريوهات المستقبلية والاستشراف، إضافة أن تعتيم البيانات والإحصائيات وصعوبة الوصول إليها قد يؤدي إلى نتائج مغلوطة، وتطول لمدة ما قد يؤدي إلى وضع استراتيجية خاطئة تزيد الأوضاع سوءاً بدل تحقيق أرقام تنمية مقبولة. ولقد جاءت منطقة العالم الإسلامي خاصة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الأقل بين المناطق في مؤشرات القدرات الإحصائية، ويبين الشكل الآتي درجات القدرة الإحصائية خلال سنة 2018 [16] .

الشكل 3: مؤشرات القدرات الإحصائية (المتوسط العام) لبعض الدول الإسلامية سنة 2018

Source: Report BM sur région MOAO, Op,Cit, p18.

رابعاً: تأثير جائحة كورونا على الشفافية والمساءلة في العالم الإسلامي

إن ظهور وتطور فيروس كورونا كان أحد أهم العوامل المساعدة في تسارع الفساد، ولقد كان ذلك لافتاً خاصة في الدول التي عانت من هذه الجائحة بشكل كبير بما فيها الدول الإسلامية، فالوباء عزز الكثير من المخالفات التي ساهمت في غياب نوعي للمحاسبة والشفافية لا سيما في تلك الدول التي تعيش في حالة طوارئ، وتحاول بأي طريقة ولو كانت عشوائية، ولقد مثلت كورونا حجة أو غطاء لبعض الدول ذات المستوى الأعلى من الفساد في زيادة انتهاكات حقوق الإنسان والديمقراطية وعدم المحاسبة والرقابة والمساءلة والعدالة، فعلى سبيل المثال تعد بنغلادش ذات الرصيد 26 درجة واحدة من أسوء الدول أداءاً في مكافحة الفساد، وتشير التقارير الدولية والأبحاث بأن الفساد وعدم المساءلة ازدهر خلال فترة وباء كورونا [17].

كما حكم عدم اليقين والخوف على الشارع نتيجة لانعدام الثقة لدى المواطنين حيال شفافية الأداء الحكومي، لذلك ففي كثير من الأحيان يتعذر على الناس تصديق التقارير والبيانات، والملاحظة أن الاقتصاديات الإسلامية عانت أيضاً من هذا الأمر، لذلك طالبت العديد من المؤسسات الدولية في تقاريرها المختلفة مثل منظمة الشفافية الدولية و”هيومن رايتس ووتش” و”غلوبال وايتنس” بتاريخ 9 أفريل 2020 من ضرورة إدراج تدابير الشفافية ومكافحة الفساد في برنامج الإغاثة الطارئة لمواجهة وباء “كوفيد 19” لضمان أن الأموال التي تصرف لهذا الغرض تذهب فعلاً لمستحقيها والفئات الأكثر ضعفاً [18]، وذلك راجع لتداعيات الوباء على الاقتصاد الوطني للدول خاصة والعالمي عامة، لهذا السبب أنشأ صندوق النقد الدولي صندوقاً لتمويل مواجهة فيروس كورونا بقيمة 14 مليار دولار في ظل تعهد لوصول المبلغ إلى 160 مليار دولار حتى حدود 2022 لتمويل عمليات المساندة المصممة خصيصاً لاحتياجات كل دولة في المنطقة بصفة منفردة .[19]

أدى تفشي فيروس كورونا في العالم الإسلامي خاصة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى ارتفاع عدم اليقين والخوف جراء نقص الشفافية ما أدى إلى تناقض مصداقية حتى البيانات الرسمية المقدمة، ما أثر على قدرة الحكومات على السيطرة على الأوضاع الصحية للدول[20] ، وأصبحت الشفافية أكثر من ضرورية اليوم لأنها ترتبط مباشرة بحياة المواطن والأمن الصحي للدول وتعزز الثقة بين الحكام والمحكومين إضافة إلى أن المعلومات الشفافة تؤدي بيانات دقيقة تمكن من وضع استراتيجية للسيطرة على الوضع الصحي وتأمين صحة المواطنين.

ولا يمكن النظر إلى جائحة كورونا على أنها أزمة عالمية صحية واقتصادية فقط، بل يتعداه الأمر لتكون جائحة فساد أيضاً وغياب أو تغييب الشفافية خاصة في دول العالم الإسلامي التي تتميز بأنظمة سياسية خاصة على حد تعبير “ديليا فيريرا روبيو” رئيسة منظمة الشفافية الدولية: “إن كوفيد 19 ليس مجرد أزمة صحية واقتصادية، إنها أزمة فساد، وهو أمر نفشل حالياً في إدارته”[21] .

ومن ناحية أخرى فإن جائحة كورونا أيضاً زرعت الأمل لدى بعض الطبقات السياسية الحاكمة في عدد من الأنظمة بتمديد العمر الزمني لهم، فقد حمتهم من غضب الشارع وأعطتهم المبرر لقمع ومنع الاحتجاجات والتعبير عن الرأي، فعلى سبيل المثال استعملت بعض دول العالم الإسلامي والعربي الجائحة كمبرر لإيقاف ومنع التظاهرات والاحتجاجات في كل من العراق وسوريا ولبنان [22].

خاتمة:

لا يختلف مفهومي المساءلة والشفافية كثيراً في الفكر الإسلامي عن الفكر الغربي خاصة من حيث الخصائص والمحددات، إلا أن العالم الإسلامي مازال متأخراً في تفعيلهما داخل الأنظمة الإسلامية نظراً لتفاعل مجموعة من الأسباب والتراكمات السلبية التي ساهمت في تطور الفساد وانتشاره بشكل كبير في مختلف الميادين، لذلك نجد أن أغلب الدول الإسلامية تحتل مراتب متأخرة في مكافحة الفساد وتجسيد المساءلة الشفافية على النحو الذي يجعل هذه الدول تعاني كثيراً من عدة اختلالات اجتماعية وسياسية لاسيما في فترة كورونا.

 يمكن القول بأن الشفافية والمساءلة عاملان جد مساهمان في تقويض الفساد وكبحه خاصة في الدول الإسلامية والعربية، ولتفعليهما على أرض الواقع لا بد من اتخاذ مجموعة من الإجراءات على النحو الآتي:

  • تعزيز قوة المؤسسات الرقابية واستقلاليتها ومنحها صلاحيات كافية لأداء واجباتها.
  • تعزيز القضاء المدني ووسائل الإعلام وتهيئة الظروف المناسبة والمواتية لمحاسبة المسؤولين والحكام وفق ما تقتضيه الشريعة والقانون في حالة إخلالهم بالمعايير العامة وقواعد العمل أو مساهمتهم في الفساد.
  • نشر البيانات المفصلة والدقيقة بشكل دوري حول نشاط المؤسسات والحكومات وتوزيع الموارد.

 قائمة المراجع

[1] فلاق محمد، حدو سميرة أحلام، دور الشفافية والمساءلة في الحد من الفساد الإداري: تجارب دولية، مجلة الريادة لاقتصاديات الأعمال، المجلد 1، العدد1، جوان 2015، ص 11.

[2] سامية لحول، سعيدة بواطيف، حوكمة المؤسسات المالية من منظور الشريعة الإسلامية، الملتقى الدولي للصناعة المالية الإسلامية يومي 8 و 9 ديسمبر 2013، ص 17،19.

[3] Muhammet KIRILMA ve Filiz ATAK , KAMU MALİ YÖNETİMİNDE ŞEFFAFLIK VE HESAP VEREBİLİRLİK ARAÇLARI: FAALİYET RAPORLARI , Ombudsman Akademik Dergesi , S3 Temmuz-Aralik 2015, p191.

 [4]حركات محمد، دور المساءلة والرقابة المالية في تحقيق التنمية والوحدة، مجلة المستقبل العربي، العدد 12، المجلد 14، ص 56.

[5] Steffqn L. Lindberg, Accountability: The Core Concept and its subtypes, Africa power and politics, Working Paper, N 1 , Apr 2009, p1.

[6] Ibid, p2.

[7] عبد الرحمان توفيق محمد الهدفة، وسائل محاسبة الحاكم: دراسة فقهية معاصرة، غزة: الجامعة الإسلامية، 2017، ص 33.

[8] المرجع نفسه، ص 41،42.

[9] عبد الله ين سعد الغامدي، دور النزاهة والشفافية في محاربة الفساد، ورقة بحثية مقدمة في الملتقى العلمي حول الجرائم المستحدثة في ظل المتغيرات والتحولات الإقليمية والدولية خلال الفترة 7،9 نوفمبر 2014، ص ص 11، 14.

[10] فارس بن علوش بن بادي آل دبيان السبيعي، دور الشفافية والمساءلة  في الحد من الفساد الإداري في القطاعات الحكومية، أطروحة كقدمة للحصول على درجة دكتوراه فلسفة في العلوم الأمنية، الرياض 2010، ص 18.

[11] المرجع نفسه، ص 18، 19

[12] عبد الله ين سعد الغامدي، مرجع سابق، ص 12.

[13] عبير مصلح وآخرون، الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة: النزاهة والشفافية في مواجهة الفساد، رام الله، كولاج للإنتاج الفني، 2016، ص 62_63.

[14] Report sur  Importance de la transparence pour la région MO et la ‘ Afrique du Nord, 2020, p13.

[15] CPI 2020, Transparency international,Berlin: International Secrtariat, 2020, p3.

[16] Ibidem .

[17] فريد بلحاج، كيف يمكن للشفافية أن تساعد على مكافحة فيروس كورونا وبناء الأمل وتحقيق الرفاه الاقتصادي، انظر الرابط الالكتروني الآتي:

https://blogs.worldbank.org/fr/arabvoices/more-sunlight-mena-how-transparency-can-help-beat-coronavirus-build-hope-and-bring

[18] IMF : Make Covid 19 funds transparent accountable, Look at the site:  https://www.hrw. org/news/2020/04/09/imf-make-covid-19-funds-transparent-accountable.

[19] Plus de clarté dans la région MENA : Importance de la transparence pour faire échec au coronavirus, susciter l’espoir et apporter la prospérité à la région sur sit: https://blogs.worldbank.org/fr/arabvoices/more-sunlight-mena-how-transparency-can-help-beat-coronavirus-build-hope-and-bring

 [20]Ibid.

 [21]مؤشرات مدركات الفساد 2020: أبرز الملامح العالمية، مأخوذ عن الموقع الالكتروني:

https://www.transparency.org/ar/news/cpi-2020-global-highlights.

[22] حمزة عليان، الفساد السياسي تحت حماية كورونا، انظر الرابط الالكتروني الآتي:

https://www.aljarida.com/articles/1613316732481734400/.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks