دور مراكز الفكر في إعادة بناء المشروع الحضاري الإسلامي بين الواقع والتحديات

د. جارش عادل

باحث في الدراسات الاستراتيجية

 

أصبح لمراكز الأبحاث أو ما يسمى بعلب التفكير Think Tank دوراً جد مهم خلال العقود الأخيرة خاصة في الدول المتقدمة لما توفره من معلومات ومعطيات وتصورات عميقة حول العديد من القضايا والمشكلات التي تواجه المجتمع حتى أنها غدت تمثل “قاعدة معرفية” Knowledge Baseينطلق منها صناع القرار والمسؤولين لصناعة السياسات أو إنتاج معرفة يتم تسخيرها لأهداف معينة.

وعلى خلاف العالم المتقدم فإننا كمسلمين في الوقت الحاضر مازلنا نعيش في مراحل يمكن تسميتها بـــ: “الجينية” رغم أن الحضارة الإسلامية تحتوي على شواهد عديدة حول أسبقية وجود هذه المراكز بها  عندما نقارنها بالعالم الغربي، لكن المقصد المهم في هذا الموضوع هو واقع  هذه المراكز في العالم الإسلامي في الزمن الحالي  ومدى إمكانيتها في تذليل العديد من العقبات التي تواجه عملية بناء النموذج الحضاري الإسلامي المناسب وفقاً لتصورنا الخاص بدل تصور الغرب، فلهذه المراكز دور جد مهم في الترويج للقيم الإسلامية وإعطاء الصورة الحسنة عن الإسلام وتطوير سياسات واستراتيجيات الدول الإسلامية إذا كان تمركزها جيداً فيها، خاصة وأن عالم اليوم هو عالم تتسارع وترتفع فيه صروع المعرفة والتطور التكنولوجي، فالمعرفة والعلم أصبحا مفتاحين أساسيين للسيطرة والتحكم في الآخر قمن يملكهما يمتلك الرؤية والأدوات الفعالة لهندسة وبناء أي نموذج حضاري.

ومن هذا المنطق فإن هذه الورقة البحثية تحاول تسليط الضوء على مدى قدرة هذه المراكز في التأسيس لمشروع حضاري إسلامي متكامل عبر إسهامات النخب المثقفة فيها يمكن من خلالها حل الكثير من القضايا والمشاكل التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية.

وتتضمن الدراسة العناصر الآتية:

  • أولاً: لمحة عامة حول مراكز الفكر في العالم الإسلامي
  • ثانياً: دور مراكز الفكر في هندسة المشروع الحضاري الإسلامي
  • ثالثاً: أهمية مراكز الأبحاث في حل أزمات العالم الإسلامي
  • رابعاً: التحديات التي تواجه المراكز البحثية في العالم الإسلامي لبناء النموذج الحضاري الإسلامي.

 

أولاً: لمحة عامة حول مراكز الفكر في العالم الإسلامي 

عند البحث عن مصدر مصطلح “مراكز الفكر”  في اللغة الانجليزية التي تعتبر البيئة الأصلية التي انبثق منها، فإن هذا المصطلح استخدم في المجال العسكري للدلالة على القاعة أو الغرفة المحصنة يتم فيها عقد اجتماعات قيادة الأركان المشتركة في وزارة الدفاع الأمريكية  (البنتاغون /Pentagon)، والتي تسمى (Tank)، وهي عبارة عن موقع جد آمن ومحصن ضد الهجمات، ومعزول عن الخارج عزلاً الكترونياً نظراً لحساسية المعلومات الاستراتيجية والعسكرية التي يتم تداولها فيها (بسمة، 2009، ص138).

وكان التوجه الأول عند تعريب المصطلح استخدام مفردتي “دبابة فكر”  كمقابل لـــــ:  Think Tank استناداً إلى ركن الوصف الصوري للمكان في أصل ومصدر المصطلح، وتم ترجمته فيما بعد بصور مختلفة للدلالة على الجماعة الفكرية المنظمة تحت عدة مسميات منها: مراكز الأبحاث والدراسات، خزانات الفكر، علب التفكير، مختبرات الفكر، وغيرها (سلمى، 2016 ص ص129-130.).

وتعرف مؤسسة “راند”  RAND  الأمريكية للأبحاث مراكز الفكر بأنها تلك الجماعات أو المعاهد المنظمة التي تهدف إلى إجراء بحوث مركزة ومكثفة من أجل تقديم الحلول والمقترحات للمشاكل في المجالات التكنولوجية والاجتماعية والسياسية والاستراتيجية وشؤون التسلح، وما يلاحظ على هذا التعريف أنه عام ولا يتميز بالدقة أو النظرة المعمقة لهذه المراكز فهو لا يفصل في نوع هذه المراكز أو من هم الأشخاص المنظمين إليها (خالد ، 2013  ص4).

أما الفرنسيان “ستيفن بوشيه” و”مارتين رويو” Stephen Boche and Martin Ruyot  فيران أن التصور الفرنسي ينظر لخزانات الفكر على أنها نصف نواد سياسية ونصف مراكز أبحاث أكاديمية حيث يلتقي فيها مسؤولون سياسيون، وخبراء وفاعلون في المجتمع المدني (Acteurs de la Société Civile)، وهي حسبهم مؤسسات قادرة على إنتاج فكر (Réflexion) سياسي مغاير وقادر على النظر في العديد من المشاكل، وتسمى في فرنسا بمختبرات الأفكار (Les Laboratoires à idées)، ولكن كتعقيب يبدو أن هذا التعريف أهمل مراكز الأبحاث المستقلة وأعطى للمراكز بعد سياسي (ستيف ، ورويو، 2009 ص7-11).

ويعتبرها المعهد الياباني المسمى بالمعهد الوطني لبحوث التقدم (The National for Research Advancement NIRA) على أنها أحد “الفواعل المهمة في المجتمعات التي تشهد انفتاح ديمقراطي”، وبالتالي فإن الرؤية اليابانية تؤكد على ضرورة توفر عامل التعددية والشفافية في النظام السياسي حتى يتسنى لمراكز الفكر المساهمة في المشورة والتقييم وصناعة القرار الصحيح (بسمة، 2009 ص 134).

أما عن التصور الإسلامي حول مراكز الفكر فيعتبرها أنها عبارة مؤسسات جد مهمة وضرورية في الحياة البشرية لأنها تحاول قدر الإمكان الوصول إلى الحقيقة، وتقديم المعلومات الدقيقة انطلاقاً من اجتهادات وأبحاث يقدمها علماء وخبراء ليس فقط في مجال واحد، وإنما في عدة مجالات، مثلها مثل الغيث النافع فإذا أدت دورها بكل شفافية ومصداقية وفعالية فإن ذلك سيعود بالفائدة على الأمة الإسلامية ويساهم في حل مشاكلها وقضاياها الكبرى، ولم تختلف الرؤية الإسلامية كثيراً عن الرؤية الغربية حول مراكز الفكر فيما يتعلق بالتعريفات والأدوار، غير أنه في الواقع هناك اهتمام كبير بالمراكز البحثية سواء كان من حيث الكم أو النوع من طرف الغرب مقارنة بالعالم الإسلامي الذي مازال يعيش لحد مراحل جينية حول أدوار هذه المراكز نظراً لتفاعل مجموعة من الأسباب.

أحد التعريفات المهمة التي تعبر عن الرؤية الإسلامية حول هذه المراكز هو تعريف خالد وليد محمود الذي يعرفها بأنها عبارة عن مؤسسات بحثية دورها الرئيسي يتمثل في إنتاج الأبحاث والدراسات في مجالات أو قطاعات متعددة، وهو ما من شأنه أن يخدم السياسات العامة للدولة ويساعد على تقديم رؤى مستقبلية تهم الفرد والمجتمع. ( العرداوي، وسامر، 2016، ص 259 )، أما الباحثة عبير عبد الرحمان ثابت فترى أن مراكز الأبحاث أو الدراسات هي تجمع أو تنظيم يضم نخبة مميزة من الباحثين الذي يقومون بدراسات معمقة ومستفيضة من أجل تقديم استشارات أو سيناريوهات مستقبلية لصناع القرار تساعدهم في تعديل أو رسم سياساتهم انطلاقاً من المقرحات التي قدموها في قطاعات مختلفة (عبير، 2009، ص 49 ).

وعلى العموم  فإنه من الناحية المفاهيمية لا تختلف كثيراً تعريفات الباحثين المسلمين عن الغرب، فهم متفقين حول أن هذه المراكز تتكون من مجموعات بحثية أو خبراء تهدف إلى تقديم المعلومة الدقيقة أو الصحيحة لصناع القرار و المؤسسات الكبرى.

إن المراكز البحثية في العالم الإسلامي رغم تأخر تأسيسها إلا أنه يمكن القول بأن هناك بوادر جيدة من طرف الأنظمة في السنوات الأخيرة بالتوجه إليها نظراً لحاجتهم لها بشكل كبير خاصة في بعض الدول المسلمة كإيران وتركيا وباكستان وأفغانستان والعراق وإندونيسيا والأردن والمغرب، فهناك عدد لابأس به من المراكز البحثية في هذه الدول بحيث تأتي إيران في المرتبة الثامنة عالمياً في عدد مراكز الفكر بتعداد قدره 87 مركزاً متجاوزةً بذلك دول متقدمة كبلجيكا ونيوزيلندا وكندا واستراليا، في حين يبلغ عدد المراكز البحثية في تركيا 53 مركز، ونيجيريا 52 مركز، ومصر 47 مركز، وأفغانستان 46 مركز، بينما لا يتعدى عددها 11 في كل من الجزائر والصومال ومالي، وهناك دول فقيرة لا يتعدى فيها عدد المراكز البحثية 3 مثل مالي وتشاد، وللتوضيح أكثر فإن هذا الجدول يمثل عدد المراكز البحثية في أغلب الدول الإسلامية حسب تقرير بنسلفانيا لسنة 2020:

الجدول 1: عدد المراكز البحثية في الدول المركزية لسنة 2020

الدولة عدد المراكز ألبانيا 20
إيران 87 الإمارات العربية المتحدة 16
تركيا 53 الكويت 16
نيجيريا 52 البحرين 15
مصر 47 قطر 15
أفغانستان 46 المملكة العربية السعودية 13
كازخستان 43 أوزباكستان 13
فلسطين 39 الجزائر 11
أندونيسيا 37 الصومال 11
العراق 35 مالي 11
لبنان 35 سوريا 10
باكستان 33 موريتانيا 10
الأردن 32 السودان 6
اليمن 29 ليبيا 4
المغرب 29 غينيا 4
ماليزيا 27 عمان 3
السنغال 25 تشاد 3
تونس 24 النيجر 2
أذربيجان 20 غينيا بيساو 1

Source: James G, McGann, 2021. 44-47

أما من حيث كفاءة المراكز البحثية الإسلامية وامتيازها على المستوى العالمي، فلقد أشار تقرير بنسلفانيا إلى عدة مراكز إسلامية رائدة ضمن قائمة أفضل 174 مركز  في العالم لعام 2020، حيث بلغ عددها 12 مركزاً ، وبذلك فإن الدول الإسلامية مجتمعة تأتي في المرتبة الثانية مناصفة مع ألمانيا بعد الولايات المتحدة التي بلغ فيها عدد المراكز البحثية الرائدة حوالي 26 مركزاً، يليهما كل من الصين بــــ: 10 مراكز والمملكة المتحدة  بــــ: 9 مراكز رائدة، ويبين الجدول الآتي قائمة المراكز التي صنفت على أنها رائدة لسنة 2020 حسب الدولة:

الجدول2: قائمة أفضل مراكز الفكر الرائدة لسنة 2020

الدولة عدد المراكز الرائدة بلجيكا 7
الولايات المتحدة الأمريكية 26 إيطاليا وكوريا الجنوبية كل دولة 5 مراكز فكر
ألمانيا 12 إسبانيا، اليابان، جنوب إفريقيا كل دولة 4 مراكز فكر
الدول الإسلامية (أذربيجان، السعودية، ماليزيا، بنغلادش، تركيا، مصر، أندونيسيا، لبنان، السنغال) 12 روسيا، فرنسا، سنغافورة، غينيا، الأرجنتين، المكسيك، ليتوانيا، واستراليا كل دولة 3 مراكز فكر
الصين 10 كندا، إثيوبيا، غانا، البرازيل، بولندا، السويد، جنوب إفريقيا، إسرائيل، ، التشيلي والدنمارك كل دولة تمتلك مركزان للبحث
المملكة المتحدة

 

الهند

9

 

8

أوكرانيا، النرويج، كولومبيا، هولندا، غواتيمالا، اليونان، فنزويلا، سويسرا، جورجيا، جمهورية التشيك، أوغندا، فلندا، سريلانكا، أوروغواي، المجر، كوستاريكاـ، الاكوادور، كمبوديا كل دولة مركز بحث

Source : James G, McGann, 2021, 64-74

وحول مكانة وامتياز المراكز البحثية الإسلامية  فهي تأتي ما بين المرتبة 21 إلى المرتبة 151 وفقاً لجودة ونوعية الأبحاث وتأثيرها، إذ يأتي مركز كارنيغي للشرق الأوسط في لبنان بمقدمة الترتيب في المركز 21 عالمياً وكأفضل مركز بحثي في العالم الإسلامي، يليه المعهد الدولي للدراسات الإيرانية بالمملكة العربية السعودية في المرتبة 52 ثم مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في المرتبة 59 عالميا، وفيما يلي قائمة المراكز البحثية في العالم الإسلامي لسنة 2020ـ المصنفة كمراكز رائدة عالمية ضمن 174 مركز عالمي تم تصنيفه.

الجدول 3: قائمة أفضل المراكز البحثية في الدول الإسلامية حسب تقرير بنسلفانيا لسنة 2020

إسم المركز الدولة الترتيب العالمي
مركز كارنيغي لدراسات الشرق الأوسط (CEIPMEC) لبنان 21
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية (IIRS) السعودية 52
مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية (ACPSS) مصر 59
مؤسسة الدراسات الاقتصادية والاجتماعية التركية (TESEV) تركيا 79
مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أندونيسيا 86
جمعية التفكير الليبرالي (ALT) تركيا 90
معهد بنغلادش لدراسات التنمية   (BIDS) بنغلادش 94
مركز السياسات العامة (CPSS) ماليزيا 102
مجلس تنمية أبحاث العلوم الاجتماعية في إفريقيا (CODESRIA) السنغال 125
مركز الدراسات الاستراتيجية (SAM) أذربيجان 133
مركز الخليج للأبحاث (GRC) المملكة العربية السعودية 139
مركز التنمية الاقتصادية والاجتماعية (CESD) أذربيجان 151

Source : James G, McGann. (2021), 64-74

والملاحظة المهمة هي أن أغلب المراكز البحثية الإسلامية الرائدة تختص وتركز بشكل كبير على الجانب الاستراتيجي والسياسي، فمن مجموع 12 مركز بحثي إسلامي رائد هناك حوالي 5 مراكز تختص وتهتم بالجانب الاستراتيجي والسياسي، في حين تعتبرهما مراكز أخرى فروع مهمة في مجال البحث كمركز الخليج للأبحاث أو جمعية التفكير الليبرالي.

ثانياً: دور المراكز البحثية في هندسة المشروع الحضاري الإسلامي:

لا بد من التأكيد أولاً بأن أنظمة الحكم والدول ليست عبارة فقط عن هياكل مادية أو مؤسسات رسمية، وإنما تتضمن أيضاً الجانب الثقافي الحضاري الذي يتضمن الدين والهوية والتاريخ والعادات والتقاليد، وهي أيضاً أجزاء من نظام الحكم، والانطلاق من هذا الفهم يعني بأن هناك نموذج حضاري لدى أي نظام بما فيها الأنظمة الإسلامية، والتي تحتاج إلى النظر في منظومتها القيمية ومرجعيتها الثقافية والتاريخية، وهي مسائل جد مهمة  للنقاش والحديث عنها خاصة في عصرنا الحالي، وبطبيعة الحال فإن حل هذه المسائل لا تقع ضمن مسؤولية عامة الناس، بل تقع ضمن مسؤولية المؤسسات النخبوية ذات التركيز العلمي العالي لتحديد المشكلة بدقة وتوصيفها ومعالجتها مثلها مثل الطبيب الذي يحاول توصيف داء المريض في عدة جلسات قصد إيجاد العلاج والدواء المناسب له، وتأتي في مقدمة هذه المؤسسات مراكز الأبحاث والدراسات التي يمكن تشبيهها بالقاعدة المعرفية كونها تساهم بشكل كبير في معالجة مسائل ومواضيع تقع في صلب المشروع الحضاري الإسلامي كمسائل الفكر والمعرفة والتطرف والإرهاب والعولمة والثقافة والعلوم والفنون، والجوانب المادية أيضاً من الحضارة.

يحتاج المشروع الإسلامي أكثر من أي وقت مضى إلى مراكز دراسات وتفكير في نقل معرفته الأخلاقية والقيمية ونشر مفاهيمه النظرية وترجمتها على أرض الواقع، فقلة فعاليتهم ودورهم من الأسباب التي جعلت صناع القرار في العالم الإسلامي ينتج قرارات وسياسات غير مدروسة تخضع لعدة اعتبارات أخرى كالأيدلوجيا والخبرة والانطباع النفسي، وهو ما ولدى عدة مشاكل لدى المجتمعات الإسلامية.

إن هندسة المشروع الحضاري في العالم الإسلامي عبر مراكز الفكر يحتاج إلى رؤية عميقة ودقيقة من الباحثين للتخطيط وإعادة بعث المعرفة الإسلامية الأخلاقية والقيمية لدى الأمة الإسلامية، والنهوض بعدة قطاعات أخرى تساهم في تطور الأمة الإسلامية، ويتضمن ذلك المرور بأربع مراحل أساسية:

  • المرحلة الأولى: يتم في هذه المرحلة تشخيص الواقع، بمعنى أنه لا بد من هذه المراكز أن تدرك حقيقة الواقع للشروع في تهيئة الأرضية المعرفية المناسبة لبناء النموذج الحضاري الإسلامي بمجالاته المختلفة، وهي مرحلة تتطلب وقت وجهود قوى بشرية متميزة ومتمكنة قادرة على استقراء الواقع لفهمه جيداً.
  • المرحلة الثانية: وهي مرحلة تخطيط وبناء الأفكار، إذ يتم فيها تصحيح الأفكار المغلوطة المنتشرة لدى المجتمع الإسلامي، كتلك الأفكار التي تربط الإرهاب والتطرف والعنف بالإسلام، وتقتصي هذه المرحلة أيضاً إعداد خطط عمل، وإعداد برامج وتقارير علمية جديدة بكثرة  بعد معرفة ورصد واقع الأمة الإسلامية في عدة قطاعات كالبيئة والثقافية والاقتصاد والأمن والسياسة.
  • المرحلة الثالثة: وهي أهم خطوة، وتعتبر المفتاح الرئيسي لنجاح عمل هذه المراكز، وتتضمن عملية التجسير بينها وبين مؤسسات الدولة وصنع القرار لكي تكون هذه الأبحاث فعالة على أرض الواقع، وهي عملية صعبة نوعاً ما تحتاج ربما إلى وقت طويل وترتبط بعدة تحديات.
  • المرحلة الرابعة: تتضمن مسايرة ما توصلت له الأبحاث بعد تحويلها إلى تجربة عملية، وهي مرحلة يركز فيها الباحثون على تقويم أفكارهم وتقديم رؤى مستقبلية حولها .

إن توفر هذه المراحل الأربع العملية يعزز بشكل كبير عمل مراكز البحث ويساهم في تقريبها من صناع القرار على نحو كبير، وبالتالي زيادة أدوارها خصوصاً فيما يتعلق بتزويدهم بالمعلومة الدقيقة والصحيحة المرتبطة بالواقع بدلاً من الاعتماد على مراكز الأبحاث الغربية التي تتعاطى في الكثير  من الأحيان معلومات لا تعكس الواقع الإسلامي.

ويحتاج بناء المشروع الحضاري الإسلامي إلى بناء روح جديدة، واستحداث الكثير من الأمور وفقاً لما يقتضيه الواقع مع المحافظة مع القيم  الإسلامية الحضارية، ومجابهة التوغل العميق الغربي السلبي في ثقافتنا وحضارتنا، لذلك فإنه لا بد على مراكز الفكر القيام بعدة أدوار  لبناء المشروع الإسلامي على النحو الآتي:

  • إنتاج معرفة مرتبطة بالواقع الإسلامي، والانطلاق منها لبناء الاستراتيجيات وتطوير المقاربات والرؤى والمناهج للتعاطي مع قضايا ومشاكل الأمة الإسلامية.
  • تقديم الأفكار الجديدة والرؤى الابداعية، والمساهمة في ترشيد السياسات العامة للحكومات
  • تقويم السياسات واستقراء المستقبل، فهي بمثابة مجسات لاستشعار المخاطر المستقبلية التي قد تحيط بالأمة الإسلامية، وذلك من خلال اعتمادها على تقنيات الدراسات المستقبلية.
  • معرفة التوجه العام للرأي العام عبر استطلاعات الرأي المختلفة (طارق، والخزندار، 2012، ص13 ).

ثالثاً: أهمية مراكز الأبحاث في حل أزمات العالم الإسلامي

هناك مجموعة من التساؤلات التي يجب التوقف عندها حول أهمية مراكز البحوث والدراسات في بناء المشروع الحضاري الإسلامي وإعادة بعثه بشكل عام، فلماذا تعتبر مراكز الفكر مهمة لبناء المشروع الحضاري الإسلامي؟ وفيما يتجلى ذلك؟

إن أهم شيء يجعل مراكز الأبحاث والدراسات مهمة هو امتلاكها للأفكار وإنتاجها، لأن كل سياسة أو حضارة تنطلق من أفكار يتم ترجمتها على أرض الواقع، فإذا كانت جيدة ودقيقة وتم تطبيقها على نحو صحيح وملائم، فإن ذلك سيساهم في الحصول على نتائج جيدة،  ومن هنا فإن مراكز الفكر هي المحرك الرئيسي الذي يمكن من خلاله بعث الأفكار وتحويلها إلى تجربة عملية تعود بالفائدة على الحضارة الإسلامية، وتتجلى أهمية مراكز الفكر في إعادة بناء المشروع الإسلامي من خلال ما يلي:

  1. تحسين صورة الإسلام التي روج إليها العالم الغربي: تكاد لا تنقطع المؤتمرات والملتقيات والأبحاث في العالم الغربي حول الإسلام حيث استطاع نظراً لامتلاكه الإمكانات والمراكز البحثية أن يروج بشكل سلبي عن الإسلام فيصفه في الكثير من الأحيان بمقاس غير موضوعي ومنصف، فيشكك في طبيعة نظامه ومنظومته القيمية وعدالته، وموقع المرأة داخل المجتمع، ويروج كذلك بأنه مصدر للعنف والتطرف والإرهاب. (نبيل شبيب، 2007، ص 69).، ولذلك يتوجب على المراكز البحثية الإسلامية تكثيف جهودها بغرض تصحيح المفاهيم والتصورات المغلوطة عن الإسلام والمسلمين انطلاقاً من الحجة والحكمة والمعرفة، وهذا الأمر يتطلب وجود علماء وخبراء متمكنين على مستوى عال من الثقافة الإسلامية وعدة تخصصات أخرى، ويقدسون العمل ويعلمون على إنجاز بحوث ومشاريع علمية إسلامية وملتقيات ودورات تكوينية في عدة مجالات، ويعملون على تأسيس جسور روابط بينها وبين علب التفكير الموجودة في الغرب لكي يتسنى لهذه الأخيرة استشارتها حول قضايا الأمة الإسلامية. (خالد. 2019. المراكز البحثية ودورها في تحسين صورة الإسلام، https://democraticac.de/?p=59974).
  2. النظر في مشاكل العالم الإسلامي واقتراح حلول عديدة للنزاعات والمشاكل التي تعرقل النهوض الحضاري: بإمكان مراكز الفكر لا سيما تلك المختصة في السياسة والأمن والاستراتيجية والسلام المساهمة في إدارة وحل الصراعات الموجودة في العالم الإسلامي من خلال تقديم اقتراحات واستراتيجيات عملية تضبط بها حركية النزاع وتطوره، كما يمكن لها تدريب أشخاص ومسؤولين على تقنيات التفاوض والدبلوماسية لإدارة الصراع وحل القضايا الشائكة بين الدول، مثلما يقوم به المعهد الأمريكي للسلام، ويتجاوز الأمر ذلك بتقديم آليات وخطط عديدة لمعالجة الكثير من المشاكل التي يعاني منها العالم الإسلامي كالفقر والبطالة ونقص المياه والتخلف. (دنيا، 2016، دور وأهمية المراكز البحثية في صنع السياسة الخارجية، https://democraticac.de/?p=39438).

3.توفير المواهب وسياسة الباب الدوار (Revolving Doorفي المناصب العليا للدولة: إن الكثير من الخبراء والباحثين في مراكز البحث يجب أن يمتلكوا علاقات مباشرة أو سهولة في التواصل مع صناع القرار ومختلف المؤسسات في مجالات عديدة، وهذا ما من شأنه أن يسهل من قدرتهم في التأثير عليهم وإقناعهم لا سيما إذا حاولوا معالجة المسائل المهمة التي يحتاجونها، الأمر الذي يساعد على بناء جسور التقارب بينهم، والأهم من ذلك لما لا خلق سياسة “الباب الدوار”، أي التبادل في المواقع بين متخذي القرار وبين الخبراء على شاكلة الدول المتقدمة، وهي خاصية جد مميزة إذا أتيحت للمراكز الإسلامية لترشيد السياسات وعقلنتها في الكثير من القطاعات والمساهمة في بعث المشروع الحضاري الإسلامي الذي يعاني من عدة عراقيل وصعوبات لتطبيقه (جميل، محمد زين العابدين، 2019، ص 265)

رابعاً: التحديات التي تواجه المراكز البحثية في العالم الإسلامي لبناء النموذج الحضاري الإسلامي

لا يزال الاهتمام بالبحث العلمي ومراكز الفكر في العالم الإسلامي يعيش مراحل جينية سواء كان من حث فعاليتها في الواقع ومدى تسخيرها لخدمة قضايا الأمة الإسلامية أو من حيث تعداد هذه المراكز التي تحتل فيها الدول العربية والإسلامية مراتب متأخرة، إضافة إلى ذلك فإن مراكز الفكر في العالم الإسلامي تعاني من مجموعة من التحديات والمشكلات التي تؤثر على دورها وفعاليتها في بناء النموذج الحضاري الإسلامي، وهي:

  • التمويل : يعتبر مشكل التمويل من أهم التحديات والإشكاليات التي تواجهها مراكز الأبحاث والدراسات، فهذه الإشكالية تلعب دوراً محورياً في سياسات المركز واستقلاليتها العلمية والسياسية، وكذلك في تحديد أجندتها البحثية، وأحياناً كذلك في اختيار مستوى ونوعية الباحثين والخبراء والدراسات في البحث العلمي وصنع السياسات العامة، وهذا المشكل يعتبر من أهم المشاكل التي تواجه المراكز في العالم الإسلامي، فاستقطاب الكفاءات والباحثين يحتاج إلى قدرة مالية كبيرة، وكذلك إلى تنظيم تظاهرات وملتقيات ونقاشات علمية أكاديمية تُنتفع بها الأمة الإسلامية (طارق، والخزندار، ص 21).
  • الاستقلالية البحثة والحرية في تقديم المعلومات: وهو تحدي تواجهه أغلب المراكز البحثية في العالم الإسلامي، وتعني الاستقلالية هنا الحرية في اختيار الموضوع والموضوعية في تناول البحوث العلمية دون أي تدخل من أطراف أخرى سواء كانت حكومية أو أطراف أخرى تقدم التمويل لها، وحرصاً على عامل الاستقلالية فإن بعض المراكز البحثية العالمية تعمل على عدم قبول التبرعات المشروطة، وتقوم بتحديد نسبة معينة في الغالب لا تزيد عن 15 % فقط من ميزانيتها (طارق، والخزندار، ص 22).
  • ضعف الشراكة التفاعلية بين مراكز الأبحاث مع مختلف القطاعات الحكومية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أو حتى في القطاع الخاص؛ ويرجع ذلك في بعض الأحيان إلى عدم وجود ثقة حيال هذه المراكز، ورغم أن المراكز الإسلامية والعربية أصبحت تعتمد على باحثين وخبراء متمكنين في إعداد البحوث والدراسات، إلا أن المؤسسات الكبرى الموجودة في الدول الإسلامية تميل في الغالب إلى الاعتماد على إجراء الدراسات والبحوث والتقارير التي تحتاجها على مراكز البحوث الغربية الأوروبية والأمريكية. (طارق، والخزندار، ص24)، فعلى سبيل المثال يعتمد العديد من الباحثين والسياسيين في دراساتهم ومواقفهم حيال موضوع الإرهاب على المراكز الغربية التي شوه صورة الإسلام وتربطه الإرهاب فقط بالجماعات الإسلامية، انطلاقاً من بحوث ودراسات مناطقية تركز على منطقة الشرق الأوسط .
  • ما يلاحظ أيضاً أن مراكز الدراسات الإسلامية عادة ما تهتم بالقضايا الفكرية العلمية دون تقديم توصيات وآليات تنفيذية تساعد المدراء التنفيذيين والمسؤولين في ممارسة أنشطتهم وبرامجهم البحثية، ومن ناحية أخرى فإن هناك تحدي آخر يتضمن الأفكار والأبحاث التي تعتبر في الغالب أفكار ليست إبداعية، وإنما ينقلها من مراجع ومصادر أخرى، وهذا إشكال كبير لأن مهمة هذه المراكز في الحقيقة هي “إنتاج الأفكار” الذي يساعد صانع القرار الإسلامي في رسم مشاريعه وتطوير خططه. (حمير، 2018 . مراكز الدراسات الإسلامية: القوة الفكرية الغائبة، https://www.ida2at.com/islamic-studies-centers-absent-intellectual-power/).
  • القناعة بدور مراكز الأبحاث والدراسات: إن قناعة المجتمع والطبقة السياسية بدور وأهمية هذه المراكز يعتبر عاملاً أساسياً يساهم ويحفز استمرار عمل المراكز البحثية، فهذه الجهات هي بمثابة التغذية العكسية Feed Bake لجميع النتائج التي وصلت إليها المراكز، فتشجيع صناع القرار والمسؤولين لعمل هذه المراكز وعملها من شأنه أن يبني الثقة في عمل هذه المراكز ويحفزها على تقديم الأفضل، لكن في العالم الإسلامي ليست هناك قناعة كبيرة لدى أغلب السياسيين والمسؤولين حول أهمية هذه المراكز خاصة وأننا نعيش اليوم في عالم يركز على “قيمة الأفكار” (سلمى، ومحمود 2020، ص224).

الخاتمة

إن نجاح مراكز البحوث في العالم الإسلامي يحتاج إلى دعم معنوي ومادي لكي تقوم بأدوارها البحثية والعملية بشكل جيد وتستطيع من خلالها النهوض بالعالم الإسلامي وحل المشاكل التي عاني منها في العديد من القطاعات، لذلك فيجب أن تحظى هذه المراكز باهتمام كبير مثل الاهتمام الذي تحظى به مراكز الأبحاث في العالم الغربي، فمراكز الأبحاث أصبحت أحد المؤشرات المهمة التي تدل على أن الدول لديها مشروع ومخطط حضاري تسعى من خلاله إلى تجاوز الاختلالات والنقائص الحضارية والقيمية، ومن ناحية أخرى أعتقد كرأي شخصي أنه لا بد من زيادة إنشاء هذه المراكز في الدول الإسلامية، ودعمها وتحسين أدائها بمختلف الطرق حتى تصبح مراكز إنتاج فكر فعالة وقوة فكرية يمكن من خلالها ضبط سلوك المؤسسات الإسلامية وتقويمها.

قائمة المراجع

أولا: باللغة العربية

بسمة، خليل نامق. (2009). “مؤسسات مخازن الفكر ودورها في صياغة السياسة الخارجية للدولة الحديثة النموذج الأمريكي”. مجلة القادسية للقانون والعلوم السياسية، 2 (2)، 138.

جميلة، طيب، ومحمد زين العابدين، دايد. (2019)، دور مؤسسات البحوث في صناعة القرار السياسي في الولايات المتحدة”. مجلة العلوم الاجتماعية والانسانية (26)، 265.

حمير الحوري. (2018). مركز الدراسات الإسلامية: القوة الفكرية الغائبة، تم استرجاعها من https://www.ida2at.com/islamic-studies-centers-absent-intellectual-power/

خالد عليوي، العرداوي، وسامر، مؤيد عبد اللطيف، دور مراكز الأبحاث في بناء النموذج الحضاري الإسلامي، مجلة الكوفة للدراسات 1(40)، 2016، ص 257-303.

خالد، الشرقاوي السموني. (2019). المراكز البحثية ودورها في تحسين صورة الإسلام، المركز العربي الديمقراطي تم استرجاعها من https://democraticac.de/?p=59974

خالد، وليد محمود. (2013) “دور مراكز الأبحاث في الوطن العربي: الواقع الراهن وشروط الانتقال إلى فاعلية أكثر”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (ACRPS). قطر: الدوحة، ص4.

خميسة، عقابي، وفوزي، نورالدين. (2017). ” دور مراكز التفكير في صناعة السياسة الخارجية الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. مجلة العلوم القانونية والسياسية (16)، 192-193.

دنيا شيرين، محمد شفيق إبراهيم (2016). دور وأهمية المراكز البحثية في صنع السياسة الخارجية، المركز العربي الديمقراطي، تم استرجاعها من  https://democraticac.de/?p=39438

سلمى، بلخير، وشرفي، محمود. (2020). “واقع مراكز الفكر والدراسات في الجزائر بين الضرورة الاستراتيجية ورهانات المستقبل”. مجلة الأبحاث القانونية والسياسية، (2)، 224.

سلمى، بورياح. (2016). “مراكز البحث وآليات تأثيرها على صنع السياسات العامة”. المجلة الجزائرية للدراسات السياسية (6)،  129-130.

طارق الأسعد، وسامي الخزندار. (2012).  مراكز الفكر والدراسات في البحث العلمي وصنع السياسات العامة، مجلة دفاتر السياسة والقانون (6).

عبد الله ،أبو ابراهيم. (أفريل 2020). “مراكز الفكر والمؤسسات البحثية ودورها في الهيمنة على العالم والحرب على الإعلام والمسلمين”، مجلة الوعي.)  202،203،204(، 110.

عبير، عبد الرحمان ثابت. (2009). “دور مراكز الفكر والدراسات في صناعة القرار الإسرائيلي مركز جافا كنموذج”، رسالة دكتوراه، قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية، كلية العلوم السياسية والإعلام، جامعة الجزائر3، الجزائر.

ثانياً: باللغة الانجليزية

Source: James G, McGann .(2021) .2020 Global Go ti Think Tank Index Report, Index Repports 18,  The Lauder Institute, University of Pennsylavania.

 

 

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks