أهل الحل والعقد: مقاربات مختلفة

د. عبد الحق دحمان

الوحدة السياسة مركز المجدد للبحوث والدراسات

 

مقدمة:

       إن المجتمعات اليوم لاسيما العربية على وجه التحديد صارت تتجاذبها العديد من المشاريع بين مؤيد للحكم الإسلاميِّ ومعارض له، وكل يستحضر أدلته في ذلك. ولاشك أن الإمامة هي فرض شرع بالنقل والعقل، ولا يصح شرعاً ولا عقلاً أن تبقى الأمة بدون حاكم يرعى شؤونها ويدير مصالحها، حيث اعتبر ذلك من الواجبات الشرعية والضرورات التي لابد منها لإدارة شؤون الدولة والمجتمع على السواء. وكما أنه يجب أن تتوفر في الحاكم شروط معينة، فإن معرفة وإدراك هذه الشروط هي محل فئة معينة لها الدراية اللازمة بهذه الشروط لمعرفة مدى تحققها في الحاكم المؤهل للحكم. هذه الفئة اصطلح عليها ” أهل الحل والعقد”، والتي تعد في الحقيقة تطويراً لمبدأ الشورى، التي أرسى أركانها ومعالمها الخليفة عمر الفاروق رضى الله عنه. إلا أن فكرة أهل الحل والعقد من حيث عملها وتنظيمها وطرق اختيارها ظلت في حدود ضيقة وبالكاد قد لا يكون لها وجود في واقعنا المعاصر بعد أن استأثر الحاكم السلطة واستبد بها في مقابل تراجع أهل الحل والعقد في عملية الاختيار وصنع القرار، فضلاً عن فتح نقاش مع الحاكم في قراراته.

ومن هنا فلقد أُريد بهذه الورقة الوقوف على قضية أهل الحل والعقد، والذي يعتبر قضية جوهرية تتعلق بأحوال الراعي والرعية – الحاكم والمحكوم-، وذلك بالتركيز على أبرز  المقاربات المعرفية والنظرية، الهادفة إلى تناول دور أهل الحل والعقد ضمن سياقها السياسي كمقاربة مؤسسية والانتقال بها من الإطار النظري وكذا الصيرورة التاريخية والتأويلات المصاحبة لها إلى البعد الوظيفي لها وكل ما يرتبط بالحوكمة المؤسساتية. وفي إطار هذا السعي فمن شأن التجربة التاريخية والمعيارية للمفهوم من جهة وكذا ما توفره أدبيات النظم السياسية الحديثة من جهة أخرى المساعدة في اقتراح نموذج مؤسسي حديث لأهل الحل والعقد والذي بإمكانه معالجة عيوب نظام الدولة الحديثة وخاصة فيما يتعلق بالديمقراطية التمثيلية.

  1. تعريف بأهل الحل والعقد

      عند استقراء العديد من التعريفات حول أهل الحل والعقد نستنتج أن هناك توجه عام حول اعتبار أن هذا المصطلح هو مصطلح اجتهادي؛ أي أنه لم يرد في كتاب الله ولا سنة رسوله[1]؛ ويقصد به مجموعة من الأشخاص تمثل اتجاهاً لعدد من الفئات المختلفة (العلماء، الفقهاء، شيوخ القبائل، السياسيين، وغير ذلك) التي تحاول في النهاية تشكيل ثلاث سلطات أساسية، هي: العلمية والاجتماعية والسياسية، ويُشترط فيها أن تمثل المكونات المختلفة للأمة، وتعبر عن طموحاتها وخياراتها[2].

أما عن غموض هذا المفهوم فهو نابع عن عدة إشكالات مفاهيمية يمكن ذكر نقطتين مهمتين منهما؛ الأولى تتعلق بطبيعة الفئة المقصود بها أهل الحل والعقد، أي من هم؟ ففي هذه النقطة هناك تساؤل مشروع حول من هم أهل الحل والعقد؟

 هناك من يرى أن أهل الحل والعقد هم علماء الشريعة وأولو العلم والخبرة والرأي السديد في كل مجالات الحياة، وهناك من يعتقد أنهم أهل الشوكة كابن تيمية، وهناك من يظن أنه لا بد أن تتوفر فيهم شروط العصبية للقيام بمهامها كابن خلدون، ومنهم أيضاً من يرى أنهم لا بد أن يكونوا مزيجاً بين مختلف الفئات[3]. ولتجنب هذا الإشكال وجب تشكيل هيئة أو مؤسسة مختصة تعمل على تحديدهم بدقة وفقاً لاحتياجات ومتطلبات المجتمع.

أما الثانية فهي مرتبطة بالخلط بين مفهومي أهل الشورى وأهل الحل والعقد: فكثيراً ما يطلق على أهل الحل والعقد بأهل الشورى، لكن هل هذا صحيح فعلاً أم لا؟ في الحقيقة يعتبر أهل الشورى أقدم من أهل الحل والعقد، ففكرة أهل الحل والعقد في التراث الإسلامي هي فكرة مستحدثة بوصفها إطاراً نظرياً في الصياغة السياسية بيد أنها نشأت ومورست بصورة عفوية وعرفية بوصفها أداة لتمثيل الاجتماع الانساني في أبعاده المختلفة، فلقد نشأ مبدأ الحل والعقد تاريخياً من داخل مبدأ نظام الشورى، والمتعارف على هذه الأخيرة أنها نهج يعتمد عليه نظام الحكم في الإسلام في عدة مجالات للخروج برأي سليم وصائب يمكن من خلاله حل المشاكل المختلفة للأمة الإسلامية، ولحد الآن مازال هناك خلط بينهما لدى الباحثين، غير أن الحاجة تطلبت تمييز هذه الجماعة عن أهل الشورى ، لذلك فلقد فصل فيها الفقهاء من حيث الوظائف على أساس أن أهل الشورى مهمتها استشارية، وقد تكون قراراتها ملزمة أو غير ملزمة، لكن أهل الحل والعقد تحظى بالقرار الملزم، وهي ذات طابع سياسي وعبارة عن تعبير وفلسفة إسلامية تنظيمية مبتكرة ظهرت بوصفها نتاجاً لتطوير نظام أهل الشورى في أبعاده الاجتماعية والسياسية، ومن استلهام الممارسة السياسية وطرق التغير الاجتماعي في زمن الرسول صل الله عليه وسلم ومن تجربة الخلفاء الراشدين في الشأن السياسي والتمثيل المناسب للمجتمع [4].

      يجب التأكيد أولاً هنا بأن فكرة أهل الحل والعقد لم تأخذ حقها كثيراً في التنظير الفقهي، ولقد تعطلت ممارساتها في الكثير من الأحيان أو لم يوجه لها اهتمام كبير بسبب انحراف السياسيين عن الشريعة الإسلامية وتشبثهم بالأفكار الغربية حول نظام الحكم؛ ورغم ذلك فإن هناك العديد من المحاولات والاجتهادات لتطوير هذه الفكرة نظرياً ومعرفياً وتكييفها مع المستجدات والتطورات الحاصلة في الواقع الإسلامي، ولقد أشار إليها العديد من المفكرين من خلال طرح ونقد التصور التقليدي لفكرة أهل الحل والعقد ومحاولة استحداث رؤى جديدة حولها، وتتمثل الرؤية الأولى في عدم حصر مفهوم أهل الحل والعقد ودلالاته ومحاولة توسيعه وضرورة الوعي أكثر بمركباته ومضامينه الأخرى، فمفهوم الحل والعقد تشكل من عدة مفاهيم قرآنية ظلت تلازمه تاريخياً، وتوجه ممارساته على أرض الواقع إلى يومنا هذا، لذلك نجد أن العديد من الفقهاء والعلماء حصروا هذا المضمون في معاني معينة مثل: أهل الشورى، أولي الأمر، أهل الاختيار لكن دون الغوص في مضامينه ومركباته أكثر [5]، لذلك فإن التوجهات والاجتهادات الجديدة تحاول توسيع هذه الهيئة على عكس العصور السابقة، فليست تلك المعايير الموجودة في عهد الخلفاء لاختيار أهل الحل والعقد هي نفسها اليوم، بل اتسعت لتشمل الولاة والأمراء والسياسيين والقضاة والمستشارين وفقهاء الدين والخبراء وأهل الخبرة والاختصاص والمسؤولين، وغير ذلك، لذلك فإن وهبة الزحيلي في وصفه لأهل الحل والعقد في محاولة منه لتجاوز هذا الاختلاف يقول ما يلي: ” لا يقتصر أهل الحل والعقد في السياسة على المجتهدين الذين يتبوؤون مهمة استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها، وإنما قد تشمل فئات أخرى حسب خصوصياتها في المجتمع[6].

يمكن القول بأنَ مصطلح أهل الحل والعقد لم يكن موجودًا بالمفهوم اللغوي للمصطلح، وإنما كان يشار إليهم بمعنى أهلُ المشورة أو وجهاء القوم أو الوزراء، وهذا الأخير كانَ أكثرَ انتشارًا من غيرهِ إلا أنه حمل في مضامينه مفهوم أهل الحل والعقدِ بشكلٍ أو بآخرٍ.

  1. أهل الحل والعقد: مقاربة سوسيو تاريخية

 أهل الحل والعقد، هم أولئك الأشخاص المخولون بتعيين حاكم للدولة بعد وفاة أو تنازل الحاكم الأول؛ فهم بذلكَ بمفهومنا المعاصرِ مجلس الشعب أو مجلس الشيوخ، أو مجلس الشورى. ولقد تطور هذا المفهوم عبر التاريخ تطورًا واضحًا وكان له تأثير في تنصيب الولاةِ أو عزلهم. والدارس للتاريخ يرى أن هذا المفهوم ليس حكراً على الإسلام وحده، وإنّما كانَ موجوداً حتى قبل الإسلام، إلا أن الإسلام أعاد صياغتَهُ من جديد في يوم السقيفة وفي عهد عمر وما بعده.

جاءت آيات القرآن بالعديد من القصص والأحداث المعبرة والمؤكدة لمبدأ الشورى (قانون أهل الحلّ والعقد)، ففي مملكة سبأ، قال الله تعالى على لسان بلقيس (يا أيّها الملأ أفتوني في أمري ماكنت قاطعة أمراً حتى تشهدون).  مما يدل على إقرار بأنه يوجد شيئ شبيه بمجلس الشورى. كما يستدل عن الإمام القرطبي في تفسيره للآية: الملأ بأنهم أشراف القوم.

ويستدل عن قتادة أنه ذكر بأنه كان معها ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً هم أهل مشورتها. كما نجد في شريعة فرعون قوله تعالى على لسانه:(وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربّه)، فعلى الرغم من كونه حاكماً مطلقاً على الأقباط وبني اسرائيل لكنه استند إلى مشورة أهل الرأي منهم ولم يتعداها حسب تفسير الإمام البغوي، لأنه كان بين قوم فرعون من يمنعه من قتله خوفاً من الهلاك.

 كان مفهوم الشورى أيضاً قائماً حتى قبيل الإسلام في الشام عند هرقل؛ فعندما أتاه دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم جمع صفوته واستشارهم في الإسلام. كما جاء في صحيح البخاري “فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي، فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت. فلما رأى هرقل نفرتهم وآيس من الإيمان قال: ردوهم علي وقال: إني قلت مقالتي آنفاً اختبر بها شدّتكم على دينكم”.  بالتالي يظهر لنا من قوله: (فأذن هرقل لعظماء الروم) أن أهل المشورة لديه هم نخبة من قومه، ويظهر كذلك أنه لا يجاوز قولهم ورأيهم.

المتأمل في هذا السياق، يرى أن هذه الأهمية مقتصرة على المشورة في أمور الدولة المهمة ولم تكن بمفهومها الواسع التي أشار إليها الدين فيما يتعلق بتنصيب خليفة ونزع آخر، فنرى في مملكة سبأ أن الحكم ملكي مستمد من الدين الذي كانوا يدينون به، كذلك في دولة فرعون كان الحكم كله بيد فرعون ولم يكن لأهل المشورة إلا الإدلاء برأيهم في بعض الأمور، هذا وإن توسع المفهوم قليلاً في عهد الروم. إلا أنه عند هرقل لم يتعد إلى تنصيب وعزل الخليفة.

لكن كيف كان تأثير هؤلاء الفئة على السياسة  في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وما بعده إلى يومنا هذا؟ كيف ساهموا في حلّ النزاعات التي كانت قد تحصل كالتي حصلت يوم السقيفة وكيف تغيبوا أو ربما همشوا أو تفرقوا يوم مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه على سبيل المثال.

  1. أهل الحل والعقد: مقاربة سياسية

يعد موضوع أهل الحل والعقد أحد أبرز المواضيع المطروحة في نظام الحكم بالإسلام في شقيه التقليدي والحديث نظراً لمدى قيمته وأهميته في تنظيم الشأن السياسي، ولقد ظهرت هذه الفكرة نتيجة لبروز إشكالات تتعلق ببناء السلطة وتمثيل المجتمع أثناء وبعد زمن النبوة لتعكس بذلك أحد البدايات الواعية المؤطرة لنظم الحكم في الإسلام مثلها مثل تلك البدايات المتعلقة بالديمقراطية والتمثيل النيابي في العالم الغربي، إلا أن مبدأ أهل الحل والعقد يعكس ويعبر عن أوضاع وظروف اجتماعية وسياسية إسلامية لا غربية.

ويمكن القول بأن أهل الحل والعقد يؤسس لما يسمى اليوم بالطبقة والصفوة السياسية[7]؛ والتي يُفترض أن تتوفر فيها مجموعة من الخصائص والشروط والمقومات حتى تتمكن من خدمة المجتمع والصالح العام، وتساهم في حل العديد من مشاكله، إلا أن المتتبع لأحوال الأمة الإسلامية سيجد فجوة كبيرة Big Gap بين ما تم تأصيله نظرياً ومعرفياً حول أهل الحل والعقد، وبين ممارساتها على أرض الواقع، وذلك لانتهاج وتتبع مناهج وضعية غربية يُرى فيها بأنها تساير العصر الحالي.

لقد تبين لنا بنظرة سريعة عبر التاريخ وجود مفهوم أهل الحل والعقد في مختلف الحكومات السياسية السابقة وتبين مدى دورهم في تغيير القرارات وتصحيحها وفرضها، ولكن ماذا عن الإسلام كيف شرع هذه القوانين لصالحه؟ كيف استعان بفئة أهل الحلّ والعقد في تنصيب ونزع الخلفاء؟ وهل كان هذا المصطلح سائداً آنذاك أم غيب عن الساحة السياسية؟

من خلال إلقاء نظرة على نصوص الأحاديث وكلام الصحابة لن نجد هذا المصطلح في تلك النصوص، ولكن يوجد تطبيق جلي له، لذا قبل الحديث عن هذه التجليات لابد من تبيان مدى اهتمام الدين بالسياسية، فبإلقاء نظرة على سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالدعوة؛ فهو عندما بعث الوفد إلى الحبشة مهاجرين كان الهدف من ذلك هو معرفة مدى صلاحية البيئة لإقامة دولة إسلامية عليه، وعندما هاجر للطائف هاجر أيضاً للبحث عن مكان مناسب ينطلق منه إلى العالم فما وجد تلك البيئة إلا في يثرب التي سميت لاحقاً المدينة المنورة. في هذا الصدد يقول عبد الغفار عزيز في كتابه الدين والسياسة في الأديان الثلاثة: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم عمل على تأسيس دولة منذ أول يوم بعثه الله فيه حيث كانت ضرورة من الضرورات وجزءاً من رسالته كما كانت جزءاً من الرسالات السابقة)[8]  فالدولة والإمامة أمر سعى له الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعده الصحابة، في هذا الصدد كان من الضروري وجود مبدأ أهل الحلّ والقعد في النظام السياسيّ الإسلاميّ، فهو ما غاب عن الواقع السياسيّ ولكنّه لم يكن منضبطاً انضباطاً تاماً، وربما يعود ذلك لعدم حاجة الناس إلى تعقيد القوانين السياسية فضلاً عن التفكير بها فالدولة كانت على بساطتها عكس التعقيد الحالي، وكان هذا سائداً في النظام السياسيّ بالجاهلية؛ إذ كان العرف والعادات هي مكان أهل الحلّ والعقد أمّا بعد الخلفاء الأربعة فقد تغيّب هذا المفهوم وازداد غموضاً بشأنه،  حيث لم يرد ذكرهم في النصوص الشريفة، كما أكدنا، لكنّ فكرة تشكّلهم مستلهمة من مفاهيم قرآنية، وأحاديث نبوية، وتجارب إسلامية تاريخية في بعدها الاجتماعيّ والسياسيّ؛ حيث تشكل يوم السقيفة أول التمثلات الحقيقية لأهل الحل والعقد ولكن بمفهوم ضيق نوعاً ما. فعن عائشة رضي الله تعالى عنها: (أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وأبو بكر بالسنح . واجتمعت الأنصار إلى سعد ابن عبادة في سقيفة بني ساعدة فقالوا: منّا أمير ومنكم أمير فذهب إليهم أبو بكر وعمر ابن الخطاب وأبو عبيدة ابن الجرّاح فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر ….. فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال: حبّاب ابن المنذر لا والله لانفعل منا أمير ومنكم أمير، فقال: أبو بكر لا، ولكنّا الأمراء وأنتم الوزراء هم أوسط العرب داراً وأعربهم حسباً فبايعوا عمر أو أبا عبيدة، فقال: عمر بل نبايعك فأخذ بيده فبايعه وبايعه الناس)[9]  من هذا نستنتج أن نظام التشاور كان قائماً حتى بعد النبي صلى الله عليه وسلم فأهل الحلّ والعقد هم المجتمعون في السقيفة وعلى رأسهم أبو بكر و عمر ابن الخطاب  وأبو عبيدة فهم وإن أسرعوا إلى الأمر وأرغموا عليه بعض الأنصار بداية، ولكن لنص لديهم ألا وهو “الأئمة من قريش”[10]  وتجنباً لاحتمالية أن تقام حرب بين المهاجرين والأنصار ولمعرفة غالبية الناس بفضل أبي بكر عليهم وبأسبقيّته للإسلام، وعلى الرغم من ذلك كله كان مفهوم أهل الحلّ والعقد عشوائياً نوعاً ما ولم تتضح معالمه وتتبلور بعد، ولم يتحدد ضمن فئة محددة أو بأوصاف ثابتة مما شكل نقطة خلاف محتملة، وازداد الأمر تعقيداً بعد وفاة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه و استخلافه لعمر من بعده، فهذا وإن ظهر لعامة الناس أنّه استخلاف وليس شورى، ولكنّ المدقق في كتب التاريخ والحديث يعلم بأنه كان استخلافاً وشورى في آن واحد، وما كان استخلاف أبي بكر لعمر إلا لعلمه به ولخبرته، إضافة إلى أنّه كان يمثل الوزير الثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أبي بكر؛ فقد روى ابن سعد في الطبقات: (أنّ أبا بكر الصديق لما استعزّ به  دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال عبد الرحمن: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني، فقال أبو بكر: وإن، فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم دعا عثمان بن عفان فقال: أخبرني عن عمر، فقال: أنت أخبرنا به فقال: على ذلك يا أبا عبد الله فقال: عثمان: اللهمّ علمي به أنّ سريرته خير من علانيّته وأنّه ليس فينا مثله، وشاور معهما سعيد بن زيد وأسيد بن الحضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار[11].

فمن هذا كله يظهر أثر الشورى في تنصيب عمر خليفة للمسلمين وتظهر كذلك بصمة الاستخلاف من أبي بكر رضي الله تعالى، ولعلّ نظام أهل الحلّ والعقد مختلف عمّا فعله أبو بكر الصديق رضي الله تعالى كونه لم تتبلور معالمه إلا في عهد عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه فهو ليس كالصدّيق اختار شخصاً وبايع الناس عليه؛ بل هو أول من بيّن المفهوم الصحيح والواضح لنظام أهل الحلّ والعقد بشكل عملي ولعلّ السبب في ذلك هو بعد زمن الناس في عهده عن زمن النبوة حيث كثرت الكثير من الشبهات فأراد أن يقطع شبهة جديدة على الأمة باختيار أهل الحلّ والعقد وهم: (عثمان ابن عفان وعليّ ابن أبي طالب وطلحة ابن عبيد الله والزبير ابن العوام وعبد الرحمن ابن عوف وسعد ابن أبي وقاص) هؤلاء الستة كانوا أوّل تجلي لأهل حل وعقد في الإسلام بشكل واضح، وقد علّل عمر اختياره لهؤلاء الستة هو أنّهم (مات عنهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض)  ولكن المتمحص لهذا التعليل يجده غير كاف فقد كان الكثير غيرهم ممن مات عنهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، ولكن لهؤلاء مزايا أخرى استشفّ العلماء من خلالها شروط أهل الحلّ والعقد منها؛ الذكاء والدهاء والحنكة، العفة، القوة والصلابة، اختار عمر هؤلاء الفئة ليختاروا بعد وفاته أحداً منهم ولكن هل من اختيار عمر نستنتج أنّ الإمام هو من يختار أهل الحلّ والعقد؟

تنصّ المصادر على أنّ عمر وضع مجموعة من الضوابط والقيود لتنظيم عمل أهل الحلّ والعقد منها أن يكون الاختيار بالأغلبية، فإذا اتفق أربعة من الرجال الستة على واحد منهم وجب تنصيبه خليفة حتى لو رفض الاثنان الباقيان، وفي حالة انقسام الرجال الستة إلى فريقين متساويين عدداً، فلا بدّ من تحكيم عبد الله بن عمر لاختيار الخليفة دون أن يكون له فرصة في الترشح، وفي حالة رفض الرجال الستة تحكيم ابن عمر، يضطلع عبد الرحمن بن عوف باختيار الخليفة. رتّب عمر مجموعة من الأنصار ليتأكدوا من تنفيذ البنود التي حددها بكل دقة وينفذوها بصرامة، حتى لو اقتضى ذلك اللجوء إلى السلاح والقوة، وأمر أن يتولّى صهيب الروميّ إمامة صلاة الجماعة حتى اختيار الخليفة الجديد .

بحسب ما تذكره المصادر التاريخية، اختلف المرشحون الستة لمنصب الخلافة فيما بينهم على تعيين الخليفة الجديد، ولعب عبد الرحمن بن عوف دوراً محوريّاً في اختيار المرشّح الفائز بالمنصب، وذلك عندما تنازل عن حقه في الترشّح، وعمل على توجيه بعض الأسئلة لكل من علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، وتعرّف إلى رأي عامّة المسلمين وخاصتهم، ليتخذ في نهاية الأمر قراراً حاسماً باختيار عثمان خليفة ثالثة للمسلمين، وسط مشاعر متباينة للمسلمين، ظهر فيها الترحيب الأمويّ مترافقاً مع الامتعاض الهاشمي.

هذا وقد طلب منه أن يستخلف أحداً من الناس، فعن ابن عمر رضي الله عنه عن عمر (أنّه قيل له: ألا تستخلف؟ فقال: إن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبا بكر، فأثنى عليه. وقال: إني وددت أن أتخلّص منها لا عليّ ولا لي) ، بالتالي فهو رفض الاستخلاف وقعّد قانون أهل الحلّ والعقد، ثمّ قال عمر: (ما أجد أحقّ من هذا الأمر من هؤلاء النفر)  وذكر الستة، (وبعد وفاته اجتمع النفر فقال: عبد الرحمن ابن عوف اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم فقال الزبير: جعلت أمري لعليّ، وقال طلحة: جعلت أمري لعثمان، وقال سعد: جعلت أمري لعبد الرحمن ابن عوف، فقال عبد الرحمن أيّكم تبرّأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرنّ إلى أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان فقال عبد الرحمن أفتجعلونه إلي والله عليّ ألّا آلو عن أفضلكم قالا: نعم فأخذ بيد أحدهما (عليّا) فقال: لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم في الإسلام ما قد علمت فالله عليك لإن أمّرتك لتعدلنّ و لإن أمّرت عثمان لتسمعنّ وتطيعنّ، ثم خلا بالآخر فقال: مثل ذلك فلمّا أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان فبايعه وبايع له عليّ وولج أهل الدار فبايعوه).

وبذلك انحسم الخلاف وتعيّن عثمان تعيّن أهل الحلّ والعقد له؛ حيث أنّ كل واحد اختار واحدا، فالزبير اختار عليا وطلحة اختار عثمان وسعد اختار عبد الرحمن ثم تنازل عبد الرحمن وجعل حكما بين عثمان وعليّ فبذلك كان لعثمان صوتين مقابل صوت واحد لعليّ رضي الله تعالى عنهما وكل من سعد والزبير وطلحة تنازلا عن حقهم في الترشّح لكل من الثلاثة الباقيين. لذلك نجد في خلافة عليّ اجتماع طلحة والزبير على عليّ لأنّهما كانا من أهل الحلّ والعقد زمن عثمان فاجتماعهما عليه مبرر، واجتمع كذلك عائشة ومعاوية رضي الله تعالى عنه أما سعد فقد اعتزل وأما عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه فقد مات قبل حادثة الفتنة.

وبعد الخلفاء الأربعة أخذت الأمور منحى آخر فقد تنازل الحسن ابن علي عن الخلافة لمعاوية ابن أبي سفيان وعيّن معاوية ابنه يزيد من بعده على كره من الصحابة فكان أوّل من سنّ سنة الحكم الوراثيّ وعين يزيد معاوية الأصغر حتى صار كل إمام يعين الذي قبله وبذلك يكون قانون أهل الحلّ والعقد قد ظهر على السطح مدة زمنية قصيرة وغاب بعد ذلك. وهذا الظهور الخفيف سمح للعلماء أن يستشفوا مجموعة من شروط أهل الحلّ والعقد.

  1. شروط ومعايير اختيار أهل الحلّ والعقد

إنّ الدراسات التي قام بها العلماء على التاريخ الإنسانيّ والإسلاميّ بشكل خاص لم تعط صورة كاملة للشروط التي يجب توافرها في أهل الحلّ والعقد، فالتاريخ المتواتر في سبأ ومصر وغيرها يعطي صورة مبتورة نوعاً ما عن صفات أهل الحلّ والعقد كونها لم تكن مصبوغة بصبغة دينية أو قانونية، على عكس النظرة الدينية متواجدة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده.

إذا اقتضى حصر أهل الحلّ والعقد يوم السقيفة بعمر ابن الخطاب وأبي عبيدة ابن الجراح يمكن القول أنّ اختيارهم تشوبه الصدفة وتخيّم عليه العفوية هذا لأنّه تم اختيارهم ليس من قبل أحد وليس بتدبير أحد إنّما ذهبوا مع أبي بكر ليروا ما الخطب وبعدها انتخبوا أبا بكر وبايعوه، ففي هذه الحالة لن نستطيع أن نستشفّ من هذا صفات أهل الحلّ والعقد.

أمّا في زمن عمر رضي الله عنه فحتما اختياره للستة ليس اختياراً عفوياً، بل هو اختيار مدروس منتقى من بين كلّ الصحابة فإذا سألنا عمر رضي الله تعالى عنه عن سبب اختياره للستة نجد سبباً غير مشبع ألا وهو (مات الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض)  وهذا السبب وإن كان سبباً منطقياً لكنّه ليس واضحا نستطيع أن نتخذه قاعدة ثابتة، ففي هذه الحالة قام الباحثون بالبحث عن أسباب أخرى دفعت الفاروق إلى اختيار هؤلاء الستة، كأسباب يمكن الاستناد عليها، فبحثوا في صفاتهم المشتركة واستخلصوا ما قاله الماورديّ في كتابه الأحكام السلطانية حيث قال فيه: (فصل فإذا ثبت وجوب الإمامة ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم فإذا قام بها من هو من أهلها سقط فرضها على الكفاية، وإن لم يقم بها أحد خرج من الناس فريقان أحدهما: أهل الاختيار حتى يختاروا إماماً للأمة، والثاني أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة، وليس على من  عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم وإذا تميز هذان الفريقان من الأمة في فرض الإمامة وجب أن يعتبر كلّ فريق منهما بالشروط المعتبرة فيه فأمّا أهل الاختيار فالشروط المعتبرة فيهم ثلاثة أحدهما العدالة الجامعة لشروطها والثاني العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحقّ الإمامة على الشروط المعتبرة فيها والثالث الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح وبتدبير المصالح أقوم وأعرف) .  بالتالي فهو  فقد ضبط ثلاث شروط معتبرة في أهل الحلّ والعقد وهي:

  • العدالة
  • العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة
  • الرأي والحكمة
  1. المقاربات الحديثة لأهل الحلِّ والعقد

وحول مكانة فكرة أهل الحل والعقد في الدولة الحديثة وعلاقتها بها، فبدون شك فإن لها دور كبير في معالجة عيوبها حول التمثيل النيابي وإدارة الشأن السياسي والقضايا العامة؛ فهي تمنح أبعاداً جديدة للدولة، وتعمل على تحسين أداء مؤسساتها وخلق التوازن بين مطالب المجتمع وعمل السلطة، وذلك من خلال ما يلي:

  • على مستوى النخبة في الدولة: تُعرف النخبة عادة على أنها صفوة المجتمع؛ أي أنها فئة أو طبقة صغيرة من المجتمع لديها مؤشرات واختلافات مميزة عن الأفراد الآخرين في أي مجال من مجالات الحياة، فإذا كانت مثلاً سياسية، فإن ذلك يعني أنها هي تلك الفئة التي تمارس الحكم نظراً لامتلاكها خصائص عديدة تميزها عن الفئات الأخرى مثل القوة والنفوذ، عكس الفئات الأخرى الذين لا يمتلكون وزن سياسي[12]، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن أهل الحل والعقد أشمل وأعمق من مفهوم النخبة –المنتوج الغربي- خاصة من حيث الأداء وعلاقته مع المجتمع والسلطة، فأهل الحل والعقد يمثلون سلطة سياسية واجتماعية وتشريعية حقيقية، تمتد أفقياً إلى كل بنى الدولة ومؤسساتها بما في ذلك مؤسسة الرئيس، وتشمل المجتمع من خلال تمثيل مختلف القوى التابعة له، كما أنها تحظى بالاهتمام ورضا الآخرين لا سيما إذا كانت مختارة ومنتقاة بدقة خلافاً للنخبة التي قد تكون محدودة من حيث الأداء والقبول، ولا تعير اهتماماً للأمة والجماهير، ولا تخضع في الكثير من الأحيان للمراقبة والمحاسبة خاصة إذا كان اختيارها فوقي من قبل الرئيس[13].
  • أهل الحل والعقد كمؤسسة جديدة: يتحدث الباحث المختار أحمر عن هذه النقطة، ويعتبر أنه لا بد من خلق تنظير مؤسساتي حول هذه الفكرة، وتطبيقها على أرض الواقع كأهم مؤسسة دستورية في البلاد، بحيث تحظى بدعم شعبي ورسمي، وتمنح لها صلاحيات واسعة حتى تجمع بين أصالة المفهوم وإبداعات العقل البشري في مجال إدارة الدولة وشؤون الناس، وتكون بمثابة عقل الدولة الذي يؤسس لمشروع مجتمعي إسلامي يجمع بين مختلف الفئات والقوى الممثلة للشعب، وبحيث لا تكون هذه المؤسسة بديلاً عن المؤسسات الاخرى، بل مكملاً ومعيناً لها، وأن تتخذ مهامها في تقديم النصائح والرقابة على المسؤولين والحكام ومحاسبتهم في حالة مخالفة القوانين الدستورية للدولة[14].
  • إعادة بعث محتوى ومركبات هذا المفهوم في الدولة الحديثة: يعتبر غموض المحتوى أحد الإشكالات الكبرى في مجال التنظير حول أهل الحل والعقد عبر التاريخ، فلحد الآن لم يتم شرحه وتفسيره وتوضيحه بطريقة جد دقيقة أو بشكل جيد، بل أن حتى استدراجه في الفرق الإسلامية الحديثة كان مشحوناً بالخلافات الفكرية بدل تطويره فكرياً، فالملاحظ أن اغلب الدراسات المتخصصة حوله أسهبت في البحث عن شروط وخصائص أهل الحل والعقد، بدل البحث في حيثيات أخرى خاصة فيما يتعلق بكيفية تنظيمه ومأسسته، لذلك فإن البعض يقول أن فكرة أهل الحل والعقد بقت حبيسة في الإطار الفكري للأشاعرة، ورغم ذلك فإن هناك بعض الاجتهادات الجديدة في هذا المجال تزامناً مع تطور الفكر الحداثي؛ ومن بين الاجتهادات الفكرية مثلاً ضرورة إدماج العنصر النسوي في أهل الحل والعقد بدل التركيز فقط على الذكور.

       صحيح أن فكرة أهل الحل والعقد من المفروض أن تكون أحد الركائز الأساسية التي تقوم عليها الأمة كما سوقها الفاروق عمر والخلفاء الراشدين، إلا أنها كفكرة حدودها نظرية ضيقة لا تتلاءم كثيراً مع المستجدات الحالية، وعملياً هي شبه غائبة أو بالكاد لا توجد في واقع المسلمين اليوم رغم إلحاح العديد من العلماء والفقهاء بضرورة تطويرها ومأسستها، ويعود ذلك لتفاعل مجموعة من الأسباب من بينها صعوبة اختيار أهل الحل والعقد في هذا الزمن حسب الطرق التي نص عليها العلماء والفقهاء، فإذا كانت تعيينهم من طرف الحاكم، فربما سيكون محاباة لفئة معينة وإقصاء لأخرى، وإذا كان بواسطة الانتخاب فإن ذلك يعني مصاحبة عملية اختيارهم عمليات الغش والتزوير وشراء الذمم في حالة لم يوجد وعي حقيقي من طرف المجتمع وإرادة سياسية حقيقية لمحاربة هذه الظواهر السلبية التي أضرت بالأمة الإسلامية[15]، كما أن تشبث الأنظمة الإسلامية بالفكر والديمقراطية الغربية جعلها تنحرف شيئاً فشيئاً عن نظام الحكم الإسلامي، وعن هذه الفكرة التي هي في الحقيقة فلسفة تنظيمية إسلامية تعكس الكثير من الظروف الاجتماعية والسياسية.

الإشكال الآخر هنا أيضاً يتعلق بعامل المؤثرات الخارجية والقوى الكبرى في النظام الدولي التي تحاول فرض الفكر الليبرالي والديمقراطي بمقاسها على الأنظمة الإسلامية، وبذلك فهم يضمنون إحباط الإصلاح ويساهمون في الحفاظ على الأوضاع التي تناسبهم وتمن مصالحهم، وهي تصرفات من شأنها أن تكبح الأفكار الإسلامية التي يرى فيها الغرب تهديداً لها، ومن جانب آخر فإن غياب إرادة سياسية حقيقية، وفهم لمكونات فكرة الحل والعقد ونظام الحكم في الإسلام لدى الحكام والمسؤولين، وتشبعهم بالثقافة الغربية يجعل هذه الفكرة غير مطلوبة ومرغوب فيها كممارسة.

المتأمل في سياسة حكومات الدول في وقتنا الراهن يجد أنّ نظام أهل الحلّ والعقد يظهر في بعض الدول ويختفي في أخرى وهناك بعض الدول التي يوجد فيها صورة لأهل الحل والعقد

على سبيل المثال في الولايات المتحدة الأمريّكية وخلافا لما يعتقده الكثيرون فإنّ الناخبين الأمريكيين لا يقومون بانتخاب رئيسهم مباشرة، بل يتم حسم الانتخابات عن طريق هيئات انتخابية أو مجمع انتخابي (Electoral College) الذي يتكون من 538 مندوبا. وهذا العدد يوازي عدد أعضاء الكونغرس الأمريكي بمجلسيه النواب والشيوخ، علاوة على ثلاثة أعضاء من مقاطعة كولومبيا التي توجد بها العاصمة واشنطن، على الرغم من أنّها لا تملك أيّ تمثيل انتخابيّ في الكونغرس حيث يكون لكلّ ولاية أمريكية داخل هذا المجمع الانتخابيّ عدد معين من الأصوات بحسب عدد سكانها وعدد النواب الذين يمثلونها في الكونغرس، ويحتاج الفائز بمنصب الرئيس من بين المرشحين إلى الحصول على 270 صوتا على الأقلّ من مجموع أصوات أعضاء الهيئات الانتخابية أو المجمع الانتخابيّ، ويجرى الانتخاب وفقا لقاعدة أنّ الولاية تعتبر دائرة انتخابية واحدة، بحيث أنّ المرشح الذي يحصل على أغلبية أصوات الناخبين في إحدى الولايات يحصل على جميع أصوات أعضاء المجمع الانتخابيّ الممثلين لهذه الولاية بغض النظر عن نسبة الأصوات الشعبية التي حصل عليها في تلك الولاية، فعلى سبيل المثال: إذا حصل أحد المرشحين على أغلبية بسيطة في ولاية كاليفورنيا، فإنّه يفوز بجميع أصوات المجمع الانتخابيّ للولاية البالغ عددها 55.

هذا هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكيّة فسياستها قريبة جدا من سياسة أهل الحلّ والعقد ولكن رغم ذلك كله فالإطلاع على شروط اختيار أهل الحلّ والعقد وصلاحيّتهم فيها فسابقا –أعني في عصر الصحابة- كانت صلاحية أهل الحلّ والعقد مطلقة في تنصيب الخليفة ونزعه على السواء. هذه الشروط لا تنطبق في وقتنا نظرا لمستوى التعقيد داخل المجتمعات الدول.

أمّا في مصر فنجد ما يلي: ينتخب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع السريّ العام المباشر من الناخبين المقيدة أسماؤهم في قاعدة بيانات الناخبين وعلى كل ناخب أن يباشر بنفسه هذا الحق ويلزم لقبول الترشح لرئاسة الجمهورية أن يزكي المرشّح عشرون عضوا على الأقل من أعضاء مجلس النواب أو أن يؤيده ما لا يقل عن خمسة وعشرين ألف مواطن ممن لهم حق الانتخاب في خمس عشرة محافظة على الأقلّ وبحد أدنى يقدر بألف مؤيّد من كل محافظة منها، فبذلك يتعدّى سياسة أهل الحلّ والعقد إلى الانتخاب من معظم أفراد الشعب وهو أمر قد يكون خارج نطاق المنطق لعدم القدرة على إحصاء آراء كل الشعب.

وفي تركيّا على سبيل المثال كان  أعضاء البرلمان التركيّ هم الذين ينتخبون الرئيس، ولكن ووفقا لتعديل تم صياغته في عام 2007، ينتخب المواطنين الرؤساء المقبلون من خلال تصويت الجمهور فهو كان أولا يعمل بسياسة أهل الحلّ والعقد ولكنّه عدّلها فيما بعد.

اما في المغرب فينتخب اعضاء مجلس النوّاب المغربيّ بالاقتراع العامّ المباشر لمدة خمس سنوات ومجلس النواب يمثل مجلس الشورى أو أهل الحل والعقد.

وفي السودان هناك ما يسمّى بمجلس السيادة السودانيّ أو المجلس السياديّ السودانيّ وهو الجهة المنوط بها الإشراف على مرحلة انتقاليّة في السودان تستمر 39 شهرا، والمجلس جاء عقب اتفاق بين المجلس العسكريّ الانتقاليّ وتحالف قوى إعلان الحرية والتغيّير السودانيّ، واتفق الجانبان على أن يتكون المجلس من أحد عشر شخصا، خمسة عسكريين يختارهم المجلس الانتقاليّ وخمسة مدنيين يختارهم تحالف قوى التغيير بالإضافة إلى مدنيّ يتفق الجانبان على اختياره، والمجلس هو برئاسة عبد الفتاح البرهانيّ الذي أدّى القسم الدستوريّ أمام مجلس القضاء السودانيّ.

وفي السعودية يتمّ انتخاب الرئيس الوزراء من قبل مجلس الشورى بعد عقد الجلسات والتداولات الكافية لاختيار رئيس والتدخل في حالة إخفاق الرئيس في الأعمال الموكلة إليه، ينتخب ثلثا أعضاء مجلس الشورى من الشعب الفاعلين المؤهلين لذلك من نخبة القوم من أهل الحلّ والعقد ويكون لكل حزب أو بلد ناخب يمثلهم في أهليّة انتخاب أعضاء مجلس الشورى وبهذا يكون اختيار رئيس الوزراء من الشعب، تبقى أهليّة الملك في إقالة رئيس الوزراء في أيّ وقت رأى أنّه غير مجدي في تسيير العمل بعد مشاورات مع مجلس الشورى بحيث يمثل رأي الملك ثلث الرأي العامّ للمجلس لكونه السلطة العليا في الدولة.

وبهذا يتضح أنّ هناك العديد من الدول تستخدم منطق أهل الحلّ والعقد في اختيار نخبها كما هو منصوص عليه في الدين الإسلامي، لكنها لا تستخدم هذا المنطق بحقه؛ حيث يوجد في كثير من الدول سابقة الذكر وغيرها ما يستلزم عزل رئيس أو وضع آخر ولا يتمّ ذلك، ذلك لأنّه لم تتمثل الدولة تمثلا  كليّا به أو ربّما لديها شروطها الخاصة في تنصيب وعزل الرؤساء وعلى الرغم من ذلك كلّه تبقى روح تلك السياسة – سياسة أهل الحل والعقد – قائمة في تلك الدول ولكنّها أكثر ما تكون – تسمية – في المملكة العربية السعودية حيث الاسم هناك حاضر بلفظه والمعنى قائم بفعله.

الدعوة إلى تفعيل دور أهل الحل والعقد بالشروط التي ذكرها الماورديّ في كتابه يعتبر ذا اهمية كونه يضمن حقوق الشعب ومصالحه والأكثر مصداقية فيما يتعلق بانتخاب الرؤساء أوعزلهم، والأهم من ذلك هو أنّ سياسة أهل الحلّ والعقد هي الألية الضامنة لعدم حدود قلاقل واضطرابات للفتنة. بالتالي التثقيف بهذه الآلية يعتبر ضرورة ملحة. فعندما يكون أهل الحل والعقد من علماء الأمة ونخبتها، من شأن الشعوب ان تنصاع لكلامهم لما فيه من المصداقية داخل المجتمع.

خاتمة :

       يمكن القول بأن إعادة بعث فكرة أهل الحل والعقد وتجديدها في أنظمة الحكم الإسلامية هو مشروع يحتاج إلى تجاوز العديد من التحديات والعقبات، وإلى مزيد من الأفكار والتصورات الرصينة الهادفة التي من شأنها أن تفيد الأمة الإسلامية، وتعمل على تحسين إدارة شؤونها وحل مشاكلها، كما يجب على المفكرين والخبراء والسياسيين الالتفات أكثر إليها، والإقرار بها كنهج ديناميكي تطوري يحتاج إلى عدة استحداثات وفقاً لما تتطلبه الظروف ومتغيرات البيئة الإسلامية، ويجب التنويه أيضاً بأن الاعتماد على فكرة الحل والعقد كمؤسسة في الدولة ليس معناه الإخلال بعمل المؤسسات الأخرى أو حلها، وإنما معناه تمكين هذه المؤسسة للقيام بمهام رئيسية في الدولة لأنها تضم صفوة المجتمع في مختلف المجالات، وهو ما يعني أن قراراتها تكون في الكثير من الأحيان رشيدة ومدروسة.

ويجدر التنويه أيضا بأن تحديث فكرة أهل الحل والعقد من حيث المحتوى المعرفي والنظري يعني تجاوز نقطة البداية لأن العالم تغير كثيرا، ويجب أن يكون ذلك من رحم الفقه الإسلامي، وليس بالاعتماد على التحديث الغربي فقط. في هذا الصدد تفعيل دور اهل الحل والعقد بالشروط الذي ذكرها الماوردي في كتابه يعتبر ذا أهمية كونه يضمن حقوق الشعب ومصالحه والأكثر مصداقية فيما يتعلق بانتخاب الرؤساء أوعزلهم، والأهم من ذلك هو أنّ سياسة أهل الحلّ والعقد هي الألية الضامنة لعدم حدود قلاقل واضطرابات للفتنة. بالتالي التثقيف بهذه الآلية يعتبر ضرورة ملحة. فعندما يكون أهل الحل والعقد من علماء الأمة ونخبتها، من شأن الشعوب ان تنصاع لكلامهم لما فيه من المصداقية داخل المجتمع.

[1] . عبد الكريم بكار، أساسيات نظام الحكم في الإسلام، دمشق: دار القلم، 2015، ص 53.

[2] . المختار الأحمر، أهل الحل والعقد: دراسة في المفهوم والنشأة وإمكانات التطبيق في العصر الحديث، بحوث ودراسات، العدد 88، 2017، ص 46

[3] . عبد الكريم بكار، مرجع سابق، ص 54

[4] . المختار الأحمر، مرجع سابق، ص ص. 48. 45.

[5] . نفس المرجع، ص 54.

[6] . سالم حمزة أمين مدني، هيئة العقد الحل: دراسة فقهية مقارنة، مجلة جامعة الملك عبد العزيز الأداب والعلوم الإنسانية، المجلد 18، العدد1، 2010،  ص 408.

[7] . عبد الكريم بكار، مرجع سابق، ص 53.

[8] . عبد الغفار عزيز، الدين والسياسة في الأديان الثلاثة، القاهرة: الحقيقة للإعلام الدولي، 1989، ص 11.

[9] . صحيح البخاري، 3667

[10] . “الفصل في الملل و الأهواء والنحل”، 4/89

[11] . ” طريقة تولي عمر الخلافة”، موجود على الرابط: https://dorar.net/aqadia/3808/%3Cbr/%3E%D8%A3%D9%88%D9%84%D8%A7:-%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D8%AA%D9%88%D9%84%D9%8A-%D8%B9%D9%85%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%A9

[12] . Berch Berberoglu, An Introduction to calssical and contemporary social theory perspective, USA: Rawmand and littlefield published, 2005, pp. 29. 30.

[13] . المختار الأحمر، مرجع سابق، ص ص 29. 30.

[14] . نفس المرجع، ص ص 30. 29.

[15] . عادل إبراهيم المحروق، أهل الحل والعقد بين الأصالة والمعاصرة، مجلة العلوم الشرعية، العدد 5، أفريل 2018.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks