فلسفة وضوابط الحرب في الفقه الإسلامي مع الشعوب الأخرى 

د. عبد الحق دحمان

الوحدة السياسية- مركز المجدد للبحوث والدراسات

 

      لا يختلف اثنان بأن الحرب كلها قذرة لما تحدثه من أضرار وخيمة مادية وبشرية كبيرة، لكنها في الكثير من الأحيان قد تكون حاجة ملحة من أجل الدفاع عن الأوطان وردع الاعتداء عليها بغض النظر عن طبيعة الحرب أو الأهداف التي يضعها القادة العسكريون وصناع القرار من أجل شنها.

لذلك فإن الحرب بجانب السلم تعد من أحد السمات التي تميز سير العلاقات البشرية والدولية منذ نشأتها، ولقد حرصت الشريعة الإسلامية على تنظيمها من خلال تبني مجموعة من القوانين والضوابط، والتي تعرف بــ: أحكام الحرب”، فمن المتعارف عليه أنه قبل مجيء الإسلام لم تكن الحروب في الغالب تراعي حقوق الإنسان والأسرى، وإنما كانت وحشية وعنيفة حيال الجميع، في حين كان لظهور الإسلام أثر واضح وكبير في إرساء ضوابط وقوانين الحرب على أساس الرحمة والرأفة ومراعاة كبار السن والنساء والصغار ودور العبادة، وكل من لم يساهم في الحرب قولاً أو فعلاً، وهي أحكام وقواعد أصبحت سارية في القوانين الدولية الوضعية بعد عدة قرون في اتفاقيات جنيف المتعلقة بالأسرى منتصف القرن العشرين.

ورغم ذلك فإن هناك نقاشاً بحثياً، كثيراً ما يتم فتحه حول فلسفة الحرب في الإسلام وطبيعتها ومقتضياتها، بمعنى هل هي الأصل في الإسلام بدل السلم، مثلها مثل الطرح الذي ينادي به أنصار التيار الواقعي  في العلاقات الدولية لا سيما وأن التاريخ الإسلامي يحمل في طياته الكثير من الوقائع والحروب التي دارت بين المسلمين والمشركين منذ بداية الدعوة كموقعة بدر وأحد والخندق ومعركة القادسية ضد الفرس واليرموك ضد الروم، وغيرها من الحروب التي كان هدفها نشر الدعوة الإسلامية في مختلف الأمصار،  أم أن الحرب هي عبارة عن استثناء يتم اللجوء إليها في فترات زمنية معينة لردع العدوان الذي يقع من أعداء الإسلام على البلاد الإسلامية، وبالتالي فهي واجب أو ضرورة ملحة في بعض الظروف والحالات كالفتنة أو المساس بأعراض وأموال المسلمين أو في حالة الإغاثة، وعلى هذا الأساس تسعى هذه الورقة البحثية إلى محاولة البحث في هذا الموضوع انطلاقاً من مجموعة من  التساؤلات ستوجه تحليلنا؛ ما هي فلسفة الحرب في الإسلام؟ وهل هي استثناء أم أنها أمر لصيق بالإسلام كما يراها بعض المستشرقين الغربيين؟ وهل تقتصر فقط الحرب في الإسلام  على النشاط العسكري أم تتعداه إلى مجالات أخرى؟ وهل تنطوي الحرب على أيديولوجية معينة؟

أولاً: لمحة عامة عن فلسفة الحرب في الإسلام

إن الحرب أمر طبيعي في البشر لا تخلو منه أمة أو جيل، فمنذ القدم وبنو آدم في نزاع مستمر ودائم إلى غاية الآن، ففي دراسة أجرتها مؤسسة كارنجي للسلام بين سنة 1940 عن حروب العالم في التاريخ ذكرت بأنه منذ 1469 ق.م إلى غاية 1861، أي ما يقدر بــ: 3357 سنة شهدت البشرية 227 سنة من السلام في مقابل 3130 سنة من الحروب، بمعنى آخر هناك 13 سنة من الحرب مقابل كل سنة من السلام، ومعنى ذلك أن البشرية تواجه مرة كل خمس أشهر على وجه التقريب نزاعاً مسلحاً عنيفاً في مكان ما من العالم، وغالباً ما ينجم عن هذا النزاع كوارث إنسانية ومادية مروعة، وربما يفسر كثرة الحروب  طبيعة الإنسان القلقة وفطرته المحبة للتملك والمتحفزة إلى العدوان من أجل تغيير واقعة[1].

وتعرف الحرب  Guerre بالفرنسية و War بالانجليزية على أنها قتال  أو صراع مسلح بين طرفين أو أكثر  في ساحة النزال، بحيث يسعى كل طرف إلى تدمير وهزيمة الآخر[2]، وهي بذلك بمثابة اختراع أو حاجة يقوم بها البشر لتحقيق أهدافهم  التي سطروها أثناء شنهم للحرب، هذا من منظور عام، أما من المنظور الإسلامي فإن الحرب تأتي بمعنى القتال ، وهو أحد وسائل الجهاد في الإسلام[3]، والغاية من الحرب في الإسلام ليست استعماراً أو سلباً لخيارات الشعوب وممتلكاتهم وأموالهم وخيراتهم، أو لفتح الأسواق أمام المنتجات والصادرات أو لنزعة عنصرية عرقية، بل هي حرب عادلة ليس غرضها التسلط على الأمم والشعوب الأخرى، لأن ذلك ظلم والظلم حرام[4].

والحروب حسب التصور الإسلامي ليست حروب اضطهاد أو تعصب ضد الأديان السماوية الأخرى، بل هي مشروعة في الإسلام بقصد نشر الدعوة الإسلامية، وحماية الحق والعدل، والفضيلة والقيم السامية العليا التي تؤسس للمجتمع الفاضل، وتصحح أوضاع الناس وأنظمة الحياة العامة، لذلك شرعت اضطراراً لدفع العدوان عن  الذين يقاتلون المسلمين وديارهم وأموالهم، ولمحاربة الظلم ونصرة المظلومين، واضطهاد الأقليات المسلمة [5]، ويبرز ذلك من خلال قوله تعالى: ” وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)” سورة البقرة الآية 190،  ولقوله أيضاً: و”َمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا” سورة النساء الآية 75.

ولقد تم الإشارة إليها بعديد من المسميات أبرزها : القتال، الجهاد، وهما مصطلحان تم استخدامهما في الكثير من المواضع في القرآن الكريم والأحاديث النبوية مقارنة بالحرب التي لم تستخدم كثيراً.

وعلى غرار ما يروج له الغرب فإن الحرب في الإسلام ليست سمة لصيقة به، وإنما هي ضرورة ملحة يلجأ إليها في حدود العقل والعدل، ولردع العدوان ضد الأمة الإسلامية، وقد تكون وقائية أو بمبادرة من المسلمين إذا اقتضت ظروف الحرب ذلك، وإذا رأت أن هناك تهديداً وشيكاً  وحقيقياً سيمسها، ورغم ذلك فإن الإسلام يؤسس للعلاقات بين الشعوب انطلاقاً من متغيري السلم والعدل، فالحرب أمر طارئ على تلك العلاقات البشرية، لأن الإسلام دين سلام وتسامح ورحمة، ويحرص دائماً على السلام المستقر الدائم القائم على التعاهد والتوادد والعدل كما قال تعالى: “وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” سورة الأنفال الآية  61.

كما أن الباعث على القتال أو الجهاد في الإسلام ليس غرضه الإكراه في الدين أو المخالفة في العقيدة، أو إراقة الدماء وأسر الناس، فهذا ممنوع في التشريع الإسلامي، وإنما تم تشريع الجهاد للدفاع عن الناس وحماية الإسلام ونصرة المظلومين وهو مكروه للنفس بطبعها[6] كما قال تعالى: “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” سورة البقرة 216، كما صرح فقهاء الإسلام بأن مناط القتال هو الحرابة والمقاتلة والاعتداء، لا المخالفة في الدين، لأن غير المقاتلين من المدنيين لا يقتلون ولا يقاتلون، وإنما يسالمون وتحمى أنفسهم ودمائهم من ويلات الحرب، فحرم قتلهم شرعاً[7]، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً، ولا امرأةً، ولا تغلوا”، وبالتالي فالحرب في الإسلام تكون أيضاً محصورة النطاق أي أنها لا تتجاوز الجيوش المحاربة، حيث حرم المساس بالمسالمين والمدنيين والعلماء والرهبان وكبار السن والصغار، وهو جانب جد مهم دلالة عم سماحة الإسلام وإنسانيته في هذا الجانب.

ومن جانب آخر فإن الحرب أو الجهاد –الصيغة الإسلامية- منذ القدم في الإسلام لم تقتصر فقط على البعد العسكري أو جهاد السلاح، وإنما الجهاد يعني البذل والعطاء والكدح في المجالات كافة من أجل نصرة الدين وحماية الأمة الإسلامية  كلُ على مستواه، فالذي يذل ماله من أجل العقيدة فهو مجاهد، والذي يوظف عقله وقلمه أيضاً يعتبر مجاهد، وغير ذلك [8].

وحول محدودية الحرب في الإسلام، فلقد شرعت في إطار ضيق وفق ضابطين مهمين؛ الأول يتعلق بأن أعمال القتال يجب أن لا تتجاوز أهدافها، والتي تتمثل في دفع العدوان فقط، وفي حالة تجاوز عن هذا العدوان والقيام بأعمال سلبية يصبح دفع العدوان عدواناً في حد ذاته، لذلك فإن الله سبحانه وتعالى قال: “قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا”، أما الضابط الثاني فيتعلق بأن الحرب العدوانية ضد القيم التي تهدف إلى التدمير والخراب هي إفساد وحرام شرعاً [9].

لقد أرسى القرآن الكريم الشكل العادل والشرعي الوحيد للحرب، وأدخله وفق تصور معين للوجود البشري على أساس أنه نضال مستمر ضد الأعداء لرفع الاعتداء دون مبررات تعسفية أخرى، ومع ذلك فإن اختلاط الإسلام وامتزاجه بالأيديولوجية جعل الكثير من القادة والجماعات تؤسس لأفكار وفق سياقات تؤدلج الفكر الإسلامي لتحقيق رغبتهم مع إغفال عمدي وتشويه لحقيقة ما ينص عليه القرآن حول مشروعية الحرب[10]، فعلى سبيل المثال يتبرأ الإسلام من الأفعال والنشاطات الإرهابية التي تقوم بها جماعات منظمات تدعي الإسلام في الوقت الراهن من أجل تحقيق أهدافها السياسية مرتكبة بذلك جرائم بشرية وتخريب للعمران والاقتصاد.

ثانياً: دار الحرب واستراتيجيات القتال في الإسلام

         وردت تسمية دار الحرب في كتب الفقه الإسلامي بعد تقسيم العالم إلى دار سلم ودار حرب، مع إضافة دار الصلح، أو دار العهد، أو كما يسميها البعض الآخر دار الموادعة؛ وهي مستقلة بذاتها عن الدارين، وتعني دار الحرب دار الكفار حيث تكون السلطة والمنعة والأمن فيها للكفار، وبينها وبين المسلمين حالة حرب فعلية أو متوقعة، وللتوضيح أكثر انظر الشكل الآتي:

الشكل 1: ديار الإسلام والفرق بين دار الحرب والديار الأخرى في الإسلام

ووفقاً لما يراه أبو حنيفة، إذا تحققت ثلاثة شروط مجتمعة فإن هذه الدار دار حرب، وإذا تخلف أحدها لم تعد كذلك، والشروط هي:

  • أن يسري على حكم أهلها قانون مخالف للإسلام، يبيح ما حرمه الإسلام من خمر وربا وغير ذلك.
  • أن يكون إقليم هذه الدار متاخماً أو مجاوراً للديار الإسلامية، متوقع منه العداء، ويكون ممنوعاً على المسلمين.
  • ألا ينعم المسلم ولا الذمي فيها بحكم الحرب[11].

وبالتالي فإن دار الحرب هو مصطلح يطلق على بلاد المشركين الذين لا صلح بينهم وبين المسلمين بغض النظر عن جغرافيتهم، بحيث ينوون الاعتداء على البلاد المسلمة، لأنهم يرون فيها تهديداً وجودياً لهم، وهي تختلف عن دار السلم ودار العهد.

أما عن استراتيجيات القتال في الحرب، فيتفق الكثير من المؤرخين العسكريين على أن المسلمين أسهموا في تطوير فن الحرب، وقد يكون دورهم في تطوير هذا الفن أكثر أهمية من التطور في مختلف المجالات الأخرى من علوم إنسانية وطبيعية وكيمياء، كما أشار بسام العسلي في موسوعته حول “فن الحرب الإسلامي”، وهذا الرأي قائم على حقيقة دهشة الكثير من المؤرخين في الشأن العسكري والحربي حول كيفية إزالة الجيوش الإسلامية أكبر دولتين عرفهما التاريخ،بيزنطة وبلاد فارس، وكيف تمكنت قوات المسلمين أيضاً من الانتشار وتوسيع حدودها ووصول قواتها إلى فرنسا وإسبانيا غرباً، وإلى الصين شرقاً، مع فرض السيطرة على عدة بحار أهمها البحر الأبيض المتوسط [12]، ومن بين أهم المفكرين الذين تحدثوا عن استراتيجيات وطرق القتال في الفكر الإسلامي نجد العلامة  ابن خلدون الذي يعتبر من بين أبرز الذين نظروا للحرب وفصلوا فيها في الفكر الإسلامي، فلقد كانت حاضرة في كتاباته، فتناولها من زاويتين: زاوية المنظّر وزاوية المؤّرخ. كمنظّر، تناول ابن خلدون الحرب في كتابه المقدمة في فصل عنوانه: في الحروب ومذاهب الأمم في ترتيبها ، شرح فيه دواعي الحروب، وحلّل استراتيجياتها، ودرس أسباب الظّفر فيها، وانطلق ابن خلدون، في كل هذا، من حقيقة مطلقة تفرضها الملاحظة والنظر في تاريخ الإنسانية منذ نشأتها،  وهي أن الحرب أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل. ولا ندري  هنا إن كان ابن خلدون يقصد بالطبيعي أن غريزة العدوان متأصلة في البشر، مثل سائر الحيوانات، أم أنه يعني أن الحرب أمر اعتاده البشر منذ بدء ظهورهم، حتى غدا طبيعة فيهم.

وأصل الحرب، حسب ابن خلدون، هو إرادة انتقام بعض البشر من بعض، وأسباب هذا الانتقام في رأيه أربعة، وهي بالتفصيل:

  • الغيرة والمنافسة، ويتم ذلك في أغلب الأحيان بين القبائل المتجاورة والعشائر المتناظرة ، فهي حروب الجور على الأرض وخيرات الطبيعة، أو من أجل فرض السيطرة وتوسيع النفوذ.
  • العدوان، وأكثر ما يكون في الأمم الوحشية الساكنين بالقفر لأنهم جعلوا أرزاقهم في رماحهم ، فهم لا يبحثون من خلال الحرب عن رتبة ولا ملك ، ولكن عن انتزاع ما في أيدي الناس بالقوة، لأن في ذلك وسيلة عيشهم.
  • الغضب لله ودينه، وهو المسمى في الشريعة بــــ: “الجهاد”، ويمكن أن يشمل، بصفة أعم، كل أصناف الحروب الدينية، أو التي تتخذ من الدين ذريعة.
  • الغضب للملك والسعي في تمهيده ، وهو حروب الدول مع الخارجين عليها والمانعين لطاعتها، وكذلك الحروب المؤسسة لإقامة الدول وفرضها.

ثم يوجز ابن خلدون الأصناف الأربعة السابقة في صنفين فقط، وهي حروب بغي وفتنة، ويدرج فيها حروب الغيرة والمنافسة وحروب العدوان؛ و حروب جهاد وعدل، ويضمنها الحروب الجهادية وحروب الدول مع الخارجين عليها. فهل نفهم من هذا أن ابن خلدون يبرر أخلاقياً حروباً دون أخرى، ويرى في بعضها نزعة شر: (بغي وفتنة)، وفي البعض الآخر نزعة خير: (جهاد وعدل)؟ المهم أن ابن خلدون انتهى بشأن الحرب إلى تصنيف واضح المعايير يقوم في جانبه الأول على غايات الحرب، ويستند في جانبه الثاني على رؤية أخلاقية تقابل بين الخير والشر، رغم ما يمكن أن يقال طبعاً في هذه المعايير وفي مشروعية الحروب عموماً. وفي الفصل نفسه،  ينتقل ابن خلدون إلى تناول بعض جوانب الحرب التي تعرف في لغة عصرنا بالاستراتيجيات والخطط الحربية وتنظيم الجيوش، والعوامل المرجّحة للانتصار في الحرب. في حديثه عن الاستراتيجيات الحربية السائدة في زمانه، يفرق ابن خلدون بين نوعين من العمل العسكري الميداني: الزحف صفوفاً من ناحية، والكر والفر من ناحية أخرى، مشيراً إلى أن النوع الأول هو قتال العجم كلهم على تعاقب أجيالهم، في حين أن الكر والفر هو قتال العرب والبربر من أهل المغرب[13].

وينطلق ابن خلدون من هذا التصنيف إلى مقارنة بين هذين النوعين في القتال تبرز إحاطته بالموضوع وتمكنه من الأدوات التي يستعملها في المقارنة، وهي تاريخية في أغلبها تستعرض الموضوع عبر عدة حقبات ومن خلال أمم كثيرة كالعرب، والروم، والفرس، والقوط.

ويعلن ابن خلدون نتيجة هذه المقارنة منذ الوهلة الأولى: قتال الزحف أوثق وأشد من قتال الكر والفر، وذلك لأن قتال الزحف ترتب فيه الصفوف وتسوى كما تسوى القداح أو صفوف الصلاة، ويمشون بصفوفهم قدماً. لذلك تكون أثبت عند المصارع وأصدق في القتال وأرهب للعدو، لأنه كالحائط الممتد والقصر المشيد، لا يطمع في إزالته”، وأما قتال الكر والفر “فليس فيه من الشدة والأمن من الهزيمة ما في قتال الزحف. ويفضل ابن خلدون قتال الزحف إذن[14]، ويجد له ما يدعمه في القرآن: ” إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ ” سورة الصف الآية 4.

ويتناول ابن خلدون ظاهرة أخرى من ظواهر التكتيك الحربي، يشترك فيها أهل الكر والفر مع أهل الزحف، وهي “ضرب المصافّ وراء العسكر”، وتتمثل في وضع جمادات وحيوانات وراء الجنود، يتخذها الفريق الأول ملجأ للفرسان في كرّهم وفرّهم، بينما يضعها الفريق الثاني في مؤخرة الجيش فتقوى بذلك نفوسهم ويزداد وثوقهم [15].

ويتحدث أيضاً ابن خلدون عن معياري السرعة والعدد في الحروب، إذ يرى أن التثاقل في الحرب أولى من الخوف، حتى يتبين حال تلك الحرب، ويناقش مسألة العدد في الجيوش منتقداً كلام”الطرطوشي” في أن الغلب في الحروب يكون لصاحب العدد الأوفر كلام غير صحيح، لأنه مبني على الأسباب الظاهرة.

إذ يبقى المحدد الأقوى الصحيح والمعتبر في الغلب كما يرى ابن خلدون هو ما يتعلق بالعصبية، حيث يقول “أن يكون في أحد الجانبين عصبية واحدة جامعة لكلهم، وفي الجانب الآخر عصائب متعددة؛ لأن العصائب إذا كانت متعددة يقع بينها من التخاذل ما يقع في الوحدان المتفرقين الفاقدين للعصبية. إذ تنزل كل عصابة منهم منزلة الواحد، ويكون الجانب الذي عصابته متعددة لا يقاوم الجانب الذي عصبيته واحدة”[16].

وحول مسألة الخداع والاتفاق في ميدان المعركة ، يرى ابن خلدون أن لا وثوق في الحرب قبل الغلب، ويجب التنبه جيداً أثناء القتال انطلاقاً من رصد الأمور الظاهرة والخفية، فالأمور الظاهرة تتمثل في الجيوش، ووفورها وكمال أسلحتها واستبعادها وكثرة الشجعان، وترتيب المصاف، أما عن الأمور الخفية فهي خدع البشر وحيلهم في الحرب كالتقدم إلى الأماكن المرتفعة ليكون الحرب من أعلى فيتوهم المنخفض أنهم كثر، وهو ضعيف، والدوران حول الجبال لخداع الخصم وغيرها، وحسب ابن خلدون، فإن أكثر ما تقع الهزائم عن هذه الأسباب الخفية لكثرة ما يعتمل لكل واحد من الفريقين فيها حرصاً على الغلب، فلابد من وقوع التأثير في ذلك لأحدهما ضرورة، ولذلك فإن الحرب خدعة حسب التصور الخلدوني[17].

ولقد أشار أيضاً ابن خلدون القوة البحرية، واعتبر في المراحل الزمنية التي سبقته بأن العرب لا يهتمون بركوب البحر للتجارة أو للحرب… لأن السفر في البحر بعيد ويحتاج إلى إمكانيات بشرية ومادية معتبرة؛ ويعتبر أن الإفرنج هم الذين يعرفون البحر جيداً من خلال خبرتهم في إنشاء الأساطيل، أما العرب فلم يكونوا أهل بحر، ولقد استفادوا من خبرة الأعاجم في أمور البحر وصناعته، واعتبر ابن خلدون القوة البحرية من أهم الأسس التي تبنى عليها الدولة قوتها، فتحدث عن قيادة الأساطيل، واشترط فيها أيضاً أن تكون تحت رئاسة صاحب السيف وحكمه، ويأتي حديثه هنا من باب التأريخ للبحرية العسكرية في حوض البحر الأبيض المتوسط أو كما يسمى بحر الروم، ومن هذا التأريخ يرى أن السيطرة البحرية انتقلت من الضفة الشمالية إلى الضفة الجنوبية (ضفة البربر والعرب والمسلمين) في زمن مجدهم، ثم عادت السيطرة إلى أهل الشمال (الإسبان خصوصاً)، وذلك في قوله: “عندما تراجعت قوة المسلمين في الأساطيل، لضعف الدولة ونسيان عوائد البحر، بكثرة العوائد البدوية بالمغرب وانقطاع العوائد الأندلسية”[18].

ولقد تحدث أيضاً الفارابي عن مسألة الحرب في حديثه عن الحرب العادلة وساير أفلاطون في العديد من الأفكار، واعتبر أن الحرب تكون إما لدفع عدو ورد المدينة من الخارج، وإما لاكتساب خير تستأهله المدينة من الخارج، ويعتقد أنه لا بد أن تكون الحرب هي الأداة الأخيرة التي تلجأ إليها الدولة، بعد استنفاد كل الآليات السلمية الأخرى لتحقيق أهدافها، بحيث تكون مكاسبها أكثر من خسائرها، وأن تكون هادفة لتحقيق العدالة وتحسين حياة الشعوب، وهو ما يسميه بـ: السلام العادل”، ولقد نبذ الفارابي حروب الجور التي عادة ما تكون غايتها إخضاع الناس واستعبادهم، ومحاولة تحقيق المجد والعظمة للملك والقائد لإشباع لذته في الانتصار والحصول على الغنائم[19].

ثالثاً: أحكام الحرب في الإسلام وضوابطها

          ترتبط مشروعية الحرب وشنها في الإسلام بالإنسان، ومراعاة آدميته وكرامته، لذلك فلقد أرسى الشرع مجموعة من الضوابط التي يعد السباق فيها حول كيفية الحد من بأس الحرب وشدتها، وما تحدثه من أضرار ودمار وذلك من أجل تهذيب السلوك الإنساني أثناء الحرب وتفادي أكبر قدر من الخسائر خاصة في الأرواح، وكذلك المادية وآثار الحرب النفسية على المستوى البعيد، ومن بين هذه الضوابط نجد ما يلي:

  • الرحمة والتمسك بالأخلاق والفضيلة أثناء الحرب: لقد مثلت مبادئ الرحمة والوفاء والعدالة الثالوث المقدس في تصرفات المسلمين العرب مع بعضهم البعض أو في علاقاتهم مع الشعوب الأخرى في الحروب، لذلك فلقد سنوا مجموعة من الضوابط والأحكام من أجل حرب نظيفة تعكس تعاليم الإسلام السمحة[20]، فلقد نهت الشريعة الإسلامية عن قتل الرسل أو ما يسمى اليوم بالوسطاء والسفراء وأصحاب المساعي الحميدة، وقتل الأسرى والجرحى ، ونهت أيضاً عن التعذيب بمختلف أشكاله ومنعت التمثيل بجثث الأعداء أو الافتخار بهم[21].
  • اطلاع العدو بالحرب: وجب على المسلمين إعلام الخصم بالحرب قبل شنها وإنذارهم، فلا يؤخذ الناس بحرب لا يعلمون غرض المسلمين منها، وعلى المسلمين هنا إخبارهم وتحديد ما المطلوب من الأعداء على وجه الدقة، ولا يجوز الغدر أو الخيانة هنا لقوله صلى الله عليه وسلم في حديثه مع سراياه[22]: “اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا..”
  • النهي عن هتك الأعراض: يعتبر هتك الأعراض جريمة شنعاء حرمها الشرع الإسلامي، فإذا دخل المسلمون حرباً ضد الأعداء أياً منهم كانوا، فلا يجوز لهم القيام بهتك أعراض الآخرين خاصة النساء، وعلى الجندي أن لا يأتي بهذا الفعل مهما كان، حتى يغرس صورة الإسلام السمحة والاطمئنان لدى الأقاليم أو الأمصار المفتوحة[23]، عكس حروب الأقوام الأخرى السابقة التي كان يفتك فيها أعراض النساء والناس بكثرة مما أعطى صورة جد سيئة عنهم في هذا الجانب.
  • منع التخريب: جاء في وصايا أبى بكر رضي الله عنه العشر أو ما يعرف “بقوانين المعركة السمحة” عند إرساله الجيوش إلى الشام، ويزيد بن أبي سفيان أميراً قوله ما يلي: ” إنك ستجد قوماً زعموا أنهم حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما زعموا، وستجد قوماً قد فحصوا أوساط رؤوسهم من الشعر، وتركوا منها أمثال العصائب، فاضربوا ما فحصوا بالسيف، وإني موصيك بعشر؛ لا تقتلن امرأة، ولا صبياً، ولا كبيراً هرماً، ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا نخلاً ولا تحرقها، ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شاةً ولا بقرة إلا لمأكلة، ولا تجبُن، ولا تغلُل”[24]، وهي وصايا تتجاوز البعد الإنساني لتتحدث عن البيئة ،وعدم الإضرار بالحيوانات، وعدم تخريب العمران عمداً عند مواجهة العدو أو الانتصار عليه إلا في حالات معينة[25]*، وهو جانب لا يتواجد حتى في الحروب المعاصرة التي غالباً لا تفرق فيها الدول الكبرى عند شن حروبها بين صغير أو كبير، وتعتمد فيها على التخريب المتعدد الأنواع لشل قدرات خصمها.
  • المعاملة بالمثل مع التقوى: إن الباعث في الإسلام على القتال هو ردع الاعتداء المسلح بمثله ولحماية الحريات الدينية، لذلك فإن تحركات المقاتلين في الإسلام أو الجند مرهونة ومقيدة بما يسلكه العدو في محاربته، فهو يعامله بالمثل، فإن استرق الأسرى وسجنهم، استرق مثلهم وسجنهم، وإذا استعمل سلاحاً في الميدان استعمل مثله، وهكذا كل ما يسلكه العدو من وسائل الاعتداء يسلكه المسلمين، وإذا كان الأعداء مثلاً يقتلون الكبار والصغار ويهتكون أعراض النساء، ويعذبون الأسرى بالجوع والعطش وغير ذلك، فإنه لا يباح للمسلمين أن يقوموا بمثله[26]، ذلك لأن الإسلام يمنع المساس بكرامة بني آدم.
  • حماية رعايا الأعداء وأموالهم: إن الحروب الإسلامية ليست حروباً ضد شعوب، وإنما هي حروب ضد فئة معينة مسيطرة اتخذت من القوى المسلحة أداة للاعتداء على الحق، ولذلك فإن الحرب هي حرب ميدان محدودة لا تشمل الرعايا، فلا تقوم الدولة أو الجيش بما تفعل بعض الجيوش الأخرى من اعتقال وتعسف في حق الرعايا ومنعهم من أرضهم وممارسة حياتهم العادية ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم، فالإسلام لا يرتضى بذلك وبمن يصنعها، بل يقرر ضوابط لتنظيم العلاقة من أجل زرع الطمأنينة والأمن لديهم، لذلك فهو يقر مثلاً بأن التجار مستأمنين في تجارتهم وأموالهم، وإن كانوا منتمين لدولة معتدية وفق عهد وشروط معينة ليست بالثقيلة، كما لا يمكن الاستيلاء على ممتلكات وأموال الرعايا ومصادرتها [27].
  • احترام العقد في حالة نهاية الحرب مع العدو: عادة ما تنتهي الحرب وفق معاهدة أو عقد بين الطرفين المسلم والعدو، حيث يتفقان فيها على ضرورة إنهاء القتال بينهما، وذلك لأن القصد أو الهدف من القتال قد تم تحقيقه، وهنا يجب على المسلمين وقف الاقتتال واحترام العهد [28]لقوله تعالى: “وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً”، ويشترط في العهد أو المعاهدة توفر شرط العدالة لكي لا تكون هناك سلطة للغالب على المغلوب من خلال فرض غرامات حربية ترهق الشعوب، وتضيق في القوت وفق شروط مذلة، بل يجب أن يكون على أساس التساوي في الحقوق والواجبات بين الطرفين[29]، وهذا الجانب يميز الإسلام والدين عن القوانين الوضعية والاتفاقيات الحربية التي عادة ما يسطر فيها المغلوب بنود وشروط المعاهدة لحسابه، ومن ناحية أخرى فإن هناك عدة أشكال لوقف القتال مثل الصلح والهدنة.

خاتمة:

وفي الأخير يمكن القول أن الإسلام هندس وأسس لعدة ضوابط وأحكام وأُطرٍ فكرية فيما يتعلق بالحرب، رغم أنها كره بالنسبة للمسلمين، فلقد أنجز ما لم تنجزه حضارات وقوانين وضعية في قضايا وجوانب عديدة أثناء القتال خاصة فيما يتعلق بملف الأسرى والجانب الإنساني وقواعد المعركة والعدل والوفاء بالعهد، والتي تم نسبها فيما بعد إلى الحضارة الغربية.

ومما سلف ذكره يمكن القول أيضاً أنه لا بد من الاستفادة والاستعانة بالفقه والفكر الإسلامي حول الحرب، لأنه يعكس حقيقة وسماحة الأمة الإسلامية، ولما لا جعله دليلاً ومنهاجاً يدرس للقوات والجيوش الإسلامية لما يحمله من ضوابط أخلاقية وأفكار جيدة في ميدان القتال،  ولأنه أيضاً  يعكس حقيقة الواقع المعاش للإسلام، فهو وليد بيئتها، وليس بفكر مستورد.

 

 قائمة المراجع:

[1]. لحرش أسعد المحاسن، قريقير فتيحة، مجلة أنثربولوجيا الأديان، المجلد 9، العدد 1، جانفي 2013.ص 103

[2] Jhon Muller, “War has almost Cased to Exsit: An Assesment”, Political Science Quarterly, V124, N 2, 2009, P 298.

[3]. ضو مفتاح عمق، نظرية الحرب في الإسلام وأثرها على القانون الدولي، بنغازي: دار الكتب الوطنية، 2005، ص 46.

[4] . وهبة الزحيلي، أحكام الحرب في الإسلام وخصائصها الانسانية، دمشق: دار المكتبي للطباعة والنشر والتوزيع، 2000، ص 7-8.

[5]. نفس المرجع ، ص 6-9.

[6] . نفس المرجع، ص 11.

[7] . نفس المرجع ، ص 15-17.

[8].  سلاط قدور، حرب الإسلام حرب عادلة واعية، مجلة الإحياء، العدد 14، 2013، ص 578.

[9]. دليلة مباركي، ضوابط العلاقات الدولية في الإسلام زمن الحرب، مجلة الصراط، العدد 9، جويلية 2004، ص 198-199.

[10] Akram Abbes, Guerre et paix en islam : naissance et évolution d’une « théorie », Les discours de la guerre, n° 73, novembre 2003, p 56-57.

[11]. محمد بزيز، اللجوء إلى الحرب في الإسلام، مجلة التراث، المجلد 3، العدد 15،  2015، ص 150.

[12]. أحمد إبراهيم، كيف أسس النبي جيشاً عالمياً من رحم التشرذم، انظر الرابط الالكتروني الآتي:

https://www.aljazeera.net/midan/intellect/history.

[13] . ابن خلدون منظراً للحرب… الخة وأسباب النصر والهزيمة، انظر الرابط الالكتروني الآتي:

https://blogs.icrc.org/alinsani/2018/11/22/2256/.

[14].  نفس المرجع.

[15]  . نفس المرجع.

[16] . هشام عابد، فكرة الحرب عند ابن خلدون من خلال المقدمة، انظر الرابط الالكتروني الآتي:

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=283878

[17]. نفس المرجع.

[18] . ا.بن خلدون منظراً للحرب، نفس المرجع.

[19]. سعيد الجابلي، نظرية الحرب العادلة عند الفارابي، يونبيا أم واقع، وجهات نظر، التفاهم، ص 419-422.

[20]. دليلة مباركي، نفس المرجع ، ص 203.

[21] .ضوء مفتاح غمق، نفس المرجع ، ص 207-212.

[22] . نفس المرجع ، ص 216-217.

[23] . نفس المرجع ، ص 220.

[24]. محمد أبو زهرة، نظرية الحرب في الإسلام، دراسات إسلامية، العدد 160، 2008، ص 58.

[25]*يرجع بعض العلماء والفقهاء أنه يجوز قطع الشجر وهدم البناء في حالات معينة إذا كان ذلك ضرورة حربية لا مناص منها، كأن يتستر العدو بها، ويتخذ منها وسيلة لإيذاء الجيش الإسلامي. للمزيد انظر المرجع نفسه، ص 63-67.

[26] . نفس المرجع ، ص 69-71.

[27] . نفس المرجع ، ص 89-91.

[28] . نفس المرجع ، ص 95.

[29] . نفس المرجع ، ص 97.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks