أهل الحل والعقد بين التنظير والممارسة

د. عبد الحق دحمان

مسؤول الوحدة السياسية – مركز المجدد للبحوث والدراسات

يعد موضوع أهل الحل والعقد أحد أبرز المواضيع المطروحة في نظام الحكم بالإسلام في شقيه التقليدي والحديث نظراً لمدى قيمته وأهميته في تنظيم الشأن السياسي، ولقد ظهرت هذه الفكرة نتيجة لبروز إشكالات تتعلق ببناء السلطة وتمثيل المجتمع أثناء وبعد زمن النبوة لتعكس بذلك أحد البدايات الواعية المؤطرة لنظام الحكم في الإسلام مثلها مثل تلك البدايات المتعلقة بالديمقراطية والتمثيل النيابي في العالم الغربي، إلا أن مبدأ أهل الحل والعقد يعكس ويعبر عن أوضاع وظروف اجتماعية وسياسية إسلامية لا غربية. ويمكن القول بأن أهل الحل والعقد يؤسس لما يسمى اليوم بالطبقة والصفوة السياسية؛ والتي يُفترض أن تتوفر فيها مجموعة من الخصائص والشروط والمقومات حتى تتمكن من خدمة المجتمع والصالح العام، وتساهم في حل العديد من مشاكله، إلا أن المتتبع لأحوال الأمة الإسلامية سيجد فجوة كبيرة Big Gap بين ما تم تأصيله نظرياً ومعرفياً حول أهل الحل والعقد ، وبين ممارساتها على أرض الواقع، وذلك لانتهاجها وتتبعها مناهج وضعية غربية يُرى فيها بأنها تساير العصر الحالي.

ومن هنا قد أُريد بهذه الورقة الوقوف على قضية أهل الحل والعقد، والذي يعتبر قضية جوهرية تتعلق بأحوال الراعي والرعية – الحاكم والمحكوم-، وذلك بالتركيز على أبرز المحاولات والاجتهادات المعرفية والنظرية الجديدة وواقع ممارساتها، إذن فما المقصود بأهل الحل والعقد؟ وما هي حقيقة ممارسته في ظل وجود عدة اجتهادات نظرية وبحثية تحاول تطبيقه كبديل أو كنهج لمعالجة عيوب النظام الديمقراطي وتعزيز أنماط التمثيل الحديث؟

      عند استقراء العديد من التعريفات حول أهل الحل والعقد نستنتج أن هناك توجه عام حول اعتبار أن هذا المصطلح هو مصطلح اجتهادي؛ أي أنه لم يرد في كتاب الله ولا سنة رسوله؛ ويقصد به مجموعة من الأشخاص تمثل اتجاهاً لعدد من الفئات المختلفة (العلماء، الفقهاء، شيوخ القبائل، السياسيين، وغير ذلك) التي تحاول في النهاية تشكيل ثلاث سلطات أساسية، هي: العلمية والاجتماعية والسياسية، ويُشترط فيها أن تمثل المكونات المختلفة للأمة، وتعبر عن طموحاتها وخياراتها.

أما عن غموض هذا المفهوم فهو نابع عن عدة إشكالات مفاهيمية يمكن ذكر نقطتين مهمتين منهما؛ الأولى تتعلق بطبيعة الفئة المقصود بها أهل الحل والعقد، أي من هم؟ ففي هذه النقطة هناك تساؤل مشروع حول من هم أهل الحل والعقد؟ فهناك من يرى أن أهل الحل والعقد * هم علماء الشريعة وأولو العلم والخبرة والرأي السديد في كل مجالات الحياة، وهناك من يعتقد أنهم أهل الشوكة كابن تيمية، وهناك من يظن أنه لا بد أن تتوفر فيهم شروط العصبية للقيام بمهامها كابن خلدون، ومنهم أيضاً من يرى أنهم لا بد أن يكونوا مزيجاً بين مختلف الفئات، وهو الرأي الراجح والأفضل حسب وجهة نظري، ولتجنب هذا الإشكال ربما وجب تشكيل هيئة أو مؤسسة مختصة تعمل على تحديدهم بدقة وفقاً لاحتياجات ومتطلبات المجتمع.

أما الثانية فهي مرتبطة بالخلط بين مفهومي أهل الشورى وأهل الحل والعقد: فكثيراً ما يطلق على أهل الحل والعقد بأهل الشورى، لكن هل هذا صحيح فعلا أم لا؟ في الحقيقة يعتبر أهل الشورى أقدم من أهل الحل والعقد ، ففكرة أهل الحل والعقد في التراث الإسلامي هي فكرة مستحدثة بوصفها إطاراً نظرياً في الصياغة السياسية بيد أنها نشأت ومورست بصورة عفوية وعرفية بوصفها أداة لتمثيل الاجتماع الانساني في أبعاده المختلفة، فلقد نشأ مبدأ الحل والعقد تاريخياً من داخل مبدأ نظام الشورى، والمتعارف على هذه الأخيرة أنها نهج يعتمد عليه نظام الحكم في الإسلام في عدة مجالات للخروج برأي سليم وصائب يمكن من خلاله حل المشاكل المختلفة للأمة الإسلامية، ولحد الآن مازال هناك خلط بينهما لدى الباحثين، غير أن الحاجة تطلبت تمييز هذه الجماعة عن أهل الشورى ، لذلك فلقد فصل فيها الفقهاء من حيث الوظائف على أساس أن أهل الشورى مهمتها استشارية، وقد تكون قراراتها ملزمة أو غير ملزمة، لكن أهل الحل والعقد تحظى بالقرار الملزم، وهي ذات طابع سياسي وعبارة عن تعبير وفلسفة إسلامية تنظيمية مبتكرة ظهرت بوصفها نتاجاً لتطوير نظام أهل الشورى في أبعاده الاجتماعية والسياسية، ومن استلهام الممارسة السياسية وطرق التغير الاجتماعي في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن تجربة الخلفاء الراشدين في الشأن السياسي والتمثيل المناسب للمجتمع .

      يجب التأكيد أولاً هنا بأن فكرة أهل الحل والعقد لم تأخذ حقها كثيراً في التنظير الفقهي، وقد تعطلت ممارساتها في الكثير من الأحيان أو لم يوجه لها اهتمام كبير بسبب انحراف السياسيين عن الشريعة الإسلامية وتشبثهم بالأفكار الغربية حول نظام الحكم؛ ورغم ذلك فإن هناك العديد من المحاولات والاجتهادات لتطوير هذه الفكرة نظرياً ومعرفياً وتكييفها مع المستجدات والتطورات الحاصلة في الواقع الإسلامي، ولقد أشار إليها العديد من المفكرين من خلال طرح ونقد التصور التقليدي لفكرة أهل الحل والعقد ومحاولة استحداث رؤى جديدة حولها، وتتمثل الرؤية الأولى في عدم حصر مفهوم أهل الحل والعقد ودلالاته ومحاولة توسيعه وضرورة الوعي أكثر بمركباته ومضامينه الأخرى، فمفهوم أهل الحل والعقد تشكل من عدة مفاهيم قرآنية ظلت تلازمه تاريخياً، وتوجه ممارساته على أرض الواقع إلى يومنا هذا، لذلك نجد أن العديد من الفقهاء والعلماء حصروا هذا المضمون في معاني معينة مثل: أهل الشورى، أولي الأمر، أهل الاختيار لكن دون الغوص في مضامينه ومركباته أكثر، لذلك فإن التوجهات والاجتهادات الجديدة تحاول توسيع هذه الهيئة على عكس العصور السابقة، فليست تلك المعايير الموجودة في عهد الخلفاء لاختيار أهل الحل والعقد هي نفسها اليوم، بل اتسعت لتشمل الولاة والأمراء والسياسيين والقضاة والمستشارين وفقهاء الدين والخبراء وأهل الخبرة والاختصاص والمسؤولين، وغير ذلك، لذلك فإن وهبة الزحيلي في وصفه لأهل الحل والعقد في محاولة منه لتتجاوز هذا الاختلاف تقول ما يلي: ” لا يقتصر أهل الحل والعقد في السياسة على المجتهدين الذين يتبوؤون مهمة استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها، وإنما قد تشمل فئات أخرى حسب خصوصياتها في المجتمع.

وحول مكانة فكرة أهل الحل والعقد في الدولة الحديثة وعلاقتها بها، فبدون شك فإن لها دور كبير في معالجة عيوبها حول التمثيل النيابي وإدارة الشأن السياسي والقضايا العامة؛ فهي تمنح أبعاداً جديدة للدولة، وتعمل على تحسين أداء مؤسساتها وخلق التوازن بين مطالب المجتمع وعمل السلطة، وذلك من خلال ما يلي:

  • على مستوى النخبة في الدولة: تُعرف النخبة عادة على أنها صفوة المجتمع؛ أي أنها فئة أو طبقة صغيرة من المجتمع لديها مؤشرات واختلافات مميزة عن الأفراد الآخرين في أي مجال من مجالات الحياة، فإذا كانت مثلاً سياسية، فإن ذلك يعني أنها هي تلك الفئة التي تمارس الحكم نظراً لامتلاكها خصائص عديدة تميزها عن الفئات الأخرى مثل القوة والنفوذ، عكس الفئات الأخرى التي لا تمتلك وزناً سياسياً، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن أهل الحل والعقد أشمل وأعمق من مفهوم النخبة –المنتوج الغربي- خاصة من حيث الأداء وعلاقته مع المجتمع والسلطة، فأهل الحل والعقد يمثلون سلطة سياسية واجتماعية وتشريعية حقيقية، تمتد أفقياً إلى كل بنى الدولة ومؤسساتها بما في ذلك مؤسسة الرئيس، وتشمل المجتمع من خلال تمثيل مختلف القوى التابعة له، كما أنها تحظى بالاهتمام ورضا الآخرين لا سيما إذا كانت مختارة ومنتقاة بدقة خلافاً للنخبة التي قد تكون محدودة من حيث الأداء والقبول، ولا تعير اهتماماً للأمة والجماهير، ولا تخضع في الكثير من الأحيان للمراقبة والمحاسبة خاصة إذا كان اختيارها فوقي من قبل الرئيس.
  • أهل الحل والعقد كمؤسسة جديدة: يتحدث الباحث المختار أحمر عن هذه النقطة، ويعتبر أنه لا بد من خلق تنظير مؤسساتي حول هذه الفكرة، وتطبيقها على أرض الواقع كأهم مؤسسة دستورية في البلاد، بحيث تحظى بدعم شعبي ورسمي، وتمنح لها صلاحيات واسعة حتى تجمع بين أصالة المفهوم وإبداعات العقل البشري في مجال إدارة الدولة وشؤون الناس، وتكون بمثابة عقل الدولة الذي يؤسس لمشروع مجتمعي إسلامي يجمع بين مختلف الفئات والقوى الممثلة للشعب، وبحيث لا تكون هذه المؤسسة بديلاً عن المؤسسات الأخرى، بل مكملاً ومعيناً لها، وأن تتخذ مهامها في تقديم النصائح والرقابة على المسؤولين والحكام ومحاسبتهم في حالة مخالفة القوانين الدستورية للدولة.
  • إعادة بعث محتوى ومركبات هذا المفهوم في الدولة الحديثة: يعتبر غموض المحتوى أحد الإشكالات الكبرى في مجال التنظير حول أهل الحل والعقد عبر التاريخ، فلحد الآن لم يتم شرحه وتفسيره وتوضيحه بطريقة جد دقيقة أو بشكل جيد، بل حتى استدراجه في الفرق الإسلامية الحديثة كان مشحوناً بالخلافات الفكرية بدل تطويره فكرياً، فالملاحظ أن اغلب الدراسات المتخصصة حوله أسهبت في البحث عن شروط وخصائص أهل الحل والعقد ، بدل البحث في حيثيات أخرى خاصة فيما يتعلق بكيفية تنظيمه ومأسسته، لذلك فإن البعض يقول أن فكرة أهل الحل والعقد بقت حبيسة في الإطار الفكري للأشاعرة، ورغم ذلك فإن هناك بعض الاجتهادات الجديدة في هذا المجال تزامناً مع تطور الفكر الحداثي؛ ومن بين الاجتهادات الفكرية مثلاً ضرورة إدماج العنصر النسوي في أهل الحل والعقد بدل التركيز فقط على الذكور.

       صحيح أن فكرة أهل الحل والعقد من المفروض أن تكون أحد الركائز الأساسية التي تقوم عليها الأمة كما سوقها الفاروق عمر والخلفاء الراشدين، إلا أنها كفكرة حدودها نظرية ضيقة لا تتلاءم كثيراً مع المستجدات الحالية، وعملياً هي شبه غائبة أو بالكاد لا توجد في واقع المسلمين اليوم رغم إلحاح العديد من العلماء والفقهاء بضرورة تطويرها ومأسستها، ويعود ذلك لتفاعل مجموعة من الأسباب من بينها صعوبة اختيار أهل الحل والعقد في هذا الزمن حسب الطرق التي نص عليها العلماء والفقهاء، فإذا كانت تعيينهم من طرف الحاكم، فربما سيكون محاباة لفئة معينة وإقصاء لأخرى، وإذا كان بواسطة الانتخاب فإن ذلك يعني مصاحبة عملية اختيارهم عمليات الغش والتزوير وشراء الذمم في حالة لم يوجد وعي حقيقي من طرف المجتمع وإرادة سياسية حقيقية لمحاربة هذه الظواهر السلبية التي أضرت بالأمة الإسلامية، كما أن تشبث الأنظمة الإسلامية بالفكر والديمقراطية الغربية جعلها تنحرف شيئاً فشيئاً عن نظام الحكم الإسلامي، وعن هذه الفكرة التي هي في الحقيقة فلسفة تنظيمية إسلامية تعكس الكثير من الظروف الاجتماعية والسياسية.

الإشكال الآخر هنا أيضاً يتعلق بعامل المؤثرات الخارجية والقوى الكبرى في النظام الدولي التي تحاول فرض الفكر الليبرالي والديمقراطي بمقاسها على الأنظمة الإسلامية، وبذلك فهم يضمنون إحباط الإصلاح ويساهمون في الحفاظ على الأوضاع التي تناسبهم وتمن مصالحهم، وهي تصرفات من شأنها أن تكبح الأفكار الإسلامية التي يرى فيها الغرب تهديداً لها، ومن جانب آخر فإن غياب إرادة سياسية حقيقية، وفهم لمكونات فكرة الحل والعقد ونظام الحكم في الإسلام لدى الحكام والمسؤولين، وتشبعهم بالثقافة الغربية يجعل هذه الفكرة غير مطلوبة ومرغوب فيها كممارسة.

وختاماً يمكن القول بأن إعادة بعث فكرة أهل الحل والعقد وتجديدها في أنظمة الحكم الإسلامية هو مشروع يحتاج إلى تجاوز العديد من التحديات والعقبات، وإلى مزيد من الأفكار والتصورات الرصينة الهادفة التي من شأنها أن تفيد الأمة الإسلامية، وتعمل على تحسين إدارة شؤونها وحل مشاكلها، كما يجب على المفكرين والخبراء والسياسيين الالتفات أكثر إليها، والإقرار بها كنهج ديناميكي تطوري يحتاج إلى عدة استحداثات وفقاً لما تتطلبه الظروف ومتغيرات البيئة الإسلامية، ويجب التنويه أيضاً بأن الاعتماد على فكرة الحل والعقد كمؤسسة في الدولة ليس معناه الإخلال بعمل المؤسسات الأخرى أو حلها، وإنما معناه تمكين هذه المؤسسة للقيام بمهام رئيسية في الدولة لأنها تضم صفوة المجتمع في مختلف المجالات، وهو ما يعني أن قراراتها تكون في الكثير من الأحيان رشيدة ومدروسة.

ويجدر التنويه أيضاً بأن تحديث فكرة أهل الحل والعقد من حيث المحتوى المعرفي والنظري يعني تجاوز نقطة البداية لأن العالم تغير كثيراً، ويجب أن يكون ذلك من رحم الفقه الإسلامي، وليس بالاعتماد على التحديث الغربي فقط.

* المتعارف عليه أنها سميت أهل الحل والعقد، لكن من المفروض أن تسمى العقد والحل، لأن العقد يأتي أولاً ثم يأتي الحل إذا استدعت الضرورة.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks