إشكالية المطلوب وغير المطلوب لدى الأحزاب الإسلامية

 

د. عبد الحق دحمان

الوحدة السياسية- مركز المجدد للبحوث والدراسات

 

تعتبر الدولة الحديثة أداء موضوعية للتداول على السلطة، بحيث يمكن استخدامها لتنفيذ استراتيجيات محددة سلفاً طبقاً لضرورات الحاكمين، بما في ذلك إمكانية التطبيق السليم للقيم النابعة من القرآن الكريم والسنة النبوية وبدون المساس بمقتضيات الدولة المعاصرة.

ولا يخفى على دارسي الحركات الاسلامية أنه في سعي هذه الحركات للاشتباك السياسي الداخلي، تبنت العديد من المراجعات الفكرية التي انصب اهتمامها في المناداة بالديمقراطية والتعددية السياسية، وإلى ضرورة النظر في الواقع ومشاكله ومختلف أزماته بعدسة واقية على عكس التفكير الرغبوي لبعض رواد الحركة التقليديين. إلا أنه بالرغم من هذه المراجعات ومجريات الأحداث بعد عقد من الربيع العربي، يبدو أن الإسلاميين فشلوا في الاستفادة من  مراجعاتهم السابقة  تلك، فأداؤهم واستجابتهم كشفت عن افتقارهم للتفكير الاستراتيجي في التعامل مع اللحظات الفارقة. حيث أدت التطلعات لدمج الإسلاميين ضمن المجال السياسي إلى نهايات متعارضة من حيث عدم قدرة الإسلاميين على الاستدامة مع ما تبعه من إعادة انتاج الأنظمة السلطوية نفسها. شكل هذا تحديات حول المسار الجديد الذي يمكن للإسلاميين العمل ضمنه في ظل بيئة سياسية مقيدة لعمل الإسلاميين، وفي سياق أصبح فيه كل من الإسلام السياسي والساحة الحزبية غير موثوقتين بشكل متزايد لدى شريحة كبيرة من المواطنين.

       لاشك أن منطق الحكم يؤثر على كيفية تفاعل الناخبين مع المواقف السياسية المتطرفة مقابل المعتدلة. فالتواجد في الحكومة قد يدفع الأحزاب السياسية إلى تقديم تنازلات والقبول بخيارات قد تكون غير جذابة من الناحية الأيديولوجية لكنها الأفضل من بين البدائل المتاحة. مما يؤدي إلي انكشافها المستمر أمام ناخبيها مما قد يعطي الفرصة لجهات لها اتجاهات أيديولوجية مختلفة.

       بالنظر إلى ثنائية “ماكس فيبر” فيما يتعلق بثنائية” أخلاق القناعة” مقابل “أخلاق المسؤولية”[1] فإن تداعيات وصول الإسلاميين الى السلطة ستدفع بهم تدريجياً نحو شكل جديد وواقعي في اتجاه أخلاق المسؤولية التي تعطي الأولوية إلى مآلات الأفعال حتى وإن كانت في اتجاه مضاد لقناعاتها، أي التركيز على ممارسة السياسة بدلاً من طرح الأسئلة من قبيل موقف الإسلام من السياسة. وهم في هذا يتوافقون مع ما يشير إليه محمد المختار الشنقيطي فيما يخص إعطاء الأولوية لقيم الأداء السياسي بدلاً من قيم البناء السياسي[2]. هذا الاتجاه الجديد يعكس “وجهة النظر السياقية” حسب” أوليفييه روا Olivier Roy ” التي ترى أن سلوك الحركات الإسلامية ليس بدافع الأيديولوجيا وإنما تفاعلات الأحداث، بالتالي فهي تفاعلية وقابلة للتكيف، على عكس من ذلك ترى “وجهة النظر الجوهرية” أن سلوك الإسلاميين توجهه الأيديولوجية في الأساس وأن أي تنازلات تجاه إكراهات الواقع هي بمثابة تنازلات تكتيكية[3].

إن إعادة التفكير  في تحولات الإسلاميين بعد عقد من الربيع العربي في اتجاه تبني المنظور السياقي قد أثار جدلاً مفاده أن تبني هذا الطرح عكس في حقيقة الأمر تنازلاً من قبل الإسلاميين لضغوط الخصوم وليس كنتيجة لتأصيل علمي ووعي عميق من داخل بنية الحركة. مما أدى إلى تآكل الأحزاب الإسلامية داخلياً كما أضر بوعائها الانتخابي نتيجة ضرب مصداقيتها لدى الناخبين؛ ذلك ان الأسباب التي أدت الى ترجيح هذه الأحزاب مع بداية الربيع العربي هو أنها طرحت القضايا الاقتصادية والاجتماعية بإلحاح، وفي ظل غياب بديل حقيقي غير الأنظمة البالية، إلا أنه وبعد وصولها للحكم لم تأخذ بعين الاعتبار المدخلات المجتمعية وسعت بدلاً من ذلك إلى الاندماج مع السلطة.

      في هذا السياق، نشر مركز المجدد للبحوث والدراسات دراستين استشرافيتين، ركزتا على اتجاهات عمل الأحزاب الإسلامية الهادفة للعمل ضمن الحدود المؤسساتية انطلاقاً مما هو مطلوب وما هو غير مطلوب القيام به. جاءت الدراسة الأولى بعنوان “استراتيجية عمل الأحزاب الإسلامية: قراءة نقدية في المنظور السياقي”، في حين الدراسة الثانية بعنوان ” السياسة الخارجية للأحزاب الإسلامية: قراءة في موقف حزب العدالة والتنمية المغربي من قضية التطبيع”. بالنسبة للأولى تناولت افتراضاً أساسياً مفاده أن الأحزاب الإسلامية تسير في إطار دورة سياقية مكتملة (العمل ضمن المعارضة، العمل ضمن النسق السياسي). وبالتركيز على حالات كل من تونس الجزائر والمغرب تحديداً، أمكن استنتاج ثلاثة اتجاهات: أولاً؛ ناحية استراتيجية العمل التي يمكن أن تسير عليها هذه الأحزاب في حالة الوصول الى الحكم (المنهج). ثانياً؛ ناحية المصير الذي يمكن أن تصل إليه في حالة تبنت أجندات ثورية (المآلات). ثالثاً؛ النتائج المتوخاة في حالة تبني النموذج السياقي (النتائج). أضحت هذه الاتجاهات الثلاثة أكثر وضوحاً خاصة بعد تحييد حركة النهضة من المشهد السياسي في تونس، وبعد أن سجل حزب العدالة والتنمية في المغرب هزيمة قاسية في الانتخابات الأخيرة. في حين أن الحركة الإسلامية في الجزائر وتحديداً حركة حمس يبدو أنها قد حسمت الكثير من الخيارات منذ بداية التسعينات.

أما بالنسبة للدراسة الثانية؛ فقد انطلقت من فكرة أساسية مفادها أن صعود الإسلاميين للمجال السياسي في خضم الديناميات الثورية التي ميزت العالم العربي عام 2011 فتح الآمال بشأن احتمالية تطبيق وتطوير أجندات لسياسة خارجية خاصة بالإسلاميين، إلا أنه بالنظر إلى هيمنة معيار لا يسهل في ظله استدعاء الممارسات الديمقراطية، والمتمثل في الطابع الاستبدادي لنظم الحكم، الذي عمل كقيد قانوني ومؤسسي، فقد عرقل استدعاء أي عمل إسلامي ذو طابع أيديولوجي. نتيجة ذلك دفع الفاعل الإسلامي ضريبة التكيف ضمن المجال الذي طلب منه ضبط أسلوب عمله. والحديث هنا عن حزب العدالة والتنمية المغربي الذي تمحور دوره في إضفاء الشرعية على خطوات الملك حتى ولو تناقضت مع أيديولوجية الحزب.

لا شك أن الدورة السياقية المكتملة قد حددت وستحدد الخط السياسي المسموح به للأحزاب الإسلامية بالسير فيه (ما هو مطلوب وما هو غير مطلوب). إلا أنها تطرح إشكالاً حول استراتيجية العمل بالنسبة للأحزاب الإسلامية التي تبنت المنظور السياقي، فتبني هذا الاتجاه ترتبت عليه نتائج ليست بالضرورة في صالح الأحزاب الإسلامية، نظراً لسعي منطق الحكم إلى تعزيز تواجده ومنع أي بديل حقيقي من الوصول للسلطة. بالتالي تعطي مشاركة الأحزاب الإسلامية في السلطة الشرعية لهذا الأخير وفي نفس الوقت تستنزف من إرثها كأحزاب معارضة حقيقية. أمام هذا الوضع أصبحت الأحزاب الإسلامية بين فكي كماشة؛ إما تبني المنظور الجوهراني Essentialist approach مما يعني بقاؤها على هامش النظام وربما استئصالها جذرياً، وإما تبني المنظور السياقي  Contextualist approachمما يجعلها ملحقة بالنظام.  لذا فإن الاتجاه البحثي الذي يحتاج  التركيز  مستقبلاً  هو كيف يمكن لهذه الأحزاب أن تحافظ على تواجدها المستدام كقوة طرح بديلة ضمن الاتجاه السياقي وبما يحافظ على خصوصيتها  كأحزاب اسلامية؟

[1] . إكرام عدنني، سوسيولوجيا الدين والسياسة عند ماكس فيبر، بيروت: منتدى المعارف، 2013، ص 127.

[2] . محمد مخار الشنقيطي، الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية، مدونات الجزيرة، 2018/06/ 05 موجود على الرابط: https://www.aljazeera.net/blogs/2018/6/5

[3] . Olivier Roy, Political Islam After the Arab Spring: Between Jihad and Democracy, Nov/ Dec 2017, available from; https://www.foreignaffairs.com/reviews/review-essay/2017-10-16/political-islam-after-arab-spring

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks