الحكم الراشد: رهانات التطبيق بين الرؤية الغربية والإسلامية

د. عبد الحق دحمان 

مسؤول الوحدة السياسية – مركز المجدد للبحوث والدراسات

 

     يمثل مفهوم الحكم الراشد مقاربة سياسية حديثة نتجت عن التوجهات والتغيرات الجديدة التي حصلت في المنظومة الدولية خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي، وهو عبارة عن فلسفة أو نهج لتحسين إدارة الدولة والمؤسسات من زاوية الحكامة والترشيد، إذ يستهدف التركيز على الاستثمار العادل والأمثل للموارد، وإقرار سيادة القانون وتفعيل آليات المساءلة، والسعي لتحقيق الشفافية وتكافؤ الفرص، لذلك فلقد أخذ هذا الموضوع حيزاً كبيراً من الأهمية لدى المؤسسات الدولية، وكذلك الأدبيات السياسية والاقتصادية، وأصبح يشكل ضامناً أساسياً  للدول لتحقيق التنمية في كل المجالات بما يتوافق مع تطلعات المجتمع، وبما يضمن الكفاءة الحكومية والجودة في الأداء، غير أن الإشكال الموجود يتعلق بحيثيات تطبيقه على أرض الواقع خاصة في دول العالم الإسلامي، فكثيراً ما يُطرح فيها هذا الإشكال نتيجة لغياب رؤية ذاتية تعكس تطلعات المجتمعات الإسلامية، وتهدف إلى الإدارة الجيدة للموارد المادية والبشرية، والتسيير الدقيق للأملاك والثروة، فانتشار سلوكيات مثل الفساد والانحراف وغياب بيانات نزيهة جعلت منها تحتل مراكز متأخرة في الترتيب العالمي حول الشفافية والنزاهة لا تعكس حقيقة ما نص عليه الدين من محاربة هذه الآفات السيئة، والتي يمكن تشبيها بالورم الخبيث الذي يمتد إلى مختلف مستويات ومجالات الحياة.

هذا الإشكال قد يكون منبعه من أن فكرة الحكم الرشيد ليست بفكرة محلية، بل هي نابعة من الآخر القوي – الغرب- الذي أفرزه انطلاقاً من سيطرته على النظام العالمي، فلقد أنتج وصدر الفكرة، وحولها إلى واقع لم يحافظ فيه على خصوصية الشعوب المسلمة، ولم يحترم معايير جاهزيتها الديمقراطية من أجل تطبيقها، بل فرضت على أنظمتها تطبيقها وفقاً لمبدأ “خذ وطالب” Take and demand أو ما يسمى بسياسة المشروطية من خلال الهيئات الدولية التي تسطير عليها، إذ أن هذه الأخيرة تربط قيم الديمقراطية والحكم الراشد بالمشروطية مقابل استفادة  الدول النامية والإسلامية من المعونة والقروض الدولية، وذلك نظراً لأن القوى المهيمنة داخلها هي التي فرضت ذلك، فعلى الدول التي تريد الاستفادة من القروض أن تقوم بحزمة من السياسات والإجراءات على مدى فترات زمنية مختلفة مثل: التحرير الاقتصادي، التوجه نحو القطاع الخاص، السماح بالتعددية الحزبية، إجراء انتخابات حرة نزيهة وتعزيز آليات مكافحة الفساد، وفي حالة لم تقم هذه الدول بذلك فإن المؤسسات الدولية لديها سلطة منع وكبح تقديم القروض والمعونات المالية لهذه الدول، وفي الحقيقة فإن سياسات المشروطية التي فرضتها المؤسسات الاقتصادية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ترتبط بخيارات إيدلوجية ومصلحية لصالح القوى المهيمنة التي تحاول تنميط العالم وفقاً للنموذج الليبرالي الرأسمالي دون احترام أو إعطاء أي اعتبار لخصوصيات الدول، لذلك يرى إسماعيل صبري عبد الله بأنه لا بد من الانطلاق من الذات في بناء المصطلح للتخلص من الخيارات الأيدلوجية التي تُفرض على العالم العربي والإسلامي، حيث يقول:  “ربما يحق لنا أن نفتخر كدول عالم ثالثية بأننا أول من طرح مفهوم *Governance، لكن يبقى هذا غير كاف، إذ أنه لا بد من المقاومة  وإثبات الذات، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال عناصر المعرفة ودراسة الواقع جيداً [1].

          يتقاطع الحكم الرشيد الذي تبرز دلالته في التاريخ الإسلامي مع كثير من المعايير والمؤشرات الموجودة اليوم في التقارير الغربية، ولو أن هذه الأخيرة عرفت تطوراً خصوصاً فيما يتعلق بتحديد المؤشرات بدقة ورقمنتها، ومن بين أوجه التقاطع البعد السياسي، فعناصر مثل العدل وتمكين أصحاب الحقوق بحقوقهم ومشاركة الرعية في تقديم النصائح للحاكم ومراقبة الأعمال الحكومية حتى لا يحدث انحراف داخل الدولة، وتعزيز الحريات والمساواة هي أمور متفق عليها كخطوط عريضة، لذلك فإنه من المفيد أن نرجع إلى تاريخنا وقيمنا ونقوم بتحديد النقاط الإيجابية ونفصلها عن السلبية، ثم نبحث فيها أكثر ونعمل على تكييفها مع الواقع المعاش، لأن المعادلة الغربية في مسألة الحكم الراشد لا تعطي نتائج إيجابية كثيرة كون البيئة التي طبقت فيها الديمقراطية والحكم الراشد هي بيئة غربية، وليست هي نفسها البيئة الإسلامية والعربية، فهناك من الدول العربية والإسلامية مازالوا لحد الآن يعيشون في مراحل جد متأخرة مقارنة بالعالم المتقدم كالصومال ومالي وتشاد، كما أن الملاحظة الدقيقة تثبت بأن أغلب الدول التي حاولت تطبيق الحوكمة ثبت بأنها شكلية، ولم تمس الجوهر.

          وعند الحديث عن الاتجاهات والمقاربات المعاصرة حول الحكم الراشد فإنها تتقارب مع الفكر الإسلامي والممارسة العملية له في عدد من المسائل المتعلقة بتحقيق الجزاء ضد الفاسدين ومحاربة الفساد في جميع صوره وأشكاله، لكن المميز أن الإسلام أوجد وركز على الوقاية الذاتية وتزكية النفوس عن الفساد قبل حدوثه، وذلك عبر تربية النفس على الأعمال الصالحة والتشبث بالدين وتنمية الوازع الديني من خلال رقابة المولى تبارك وتعالى، والحث على الفضائل ونبذ الفساد والمنكرات، إلى جانب ذلك أوجد الشرع الحكيم الضوابط والعقوبات الشرعية الرادعة لكبح النفوس عن التفكير في الفساد عكس التوجهات الغربية التي تواجه الفساد بعد حدوثه، ولا تركز كثيراً على الإجراءات الوقائية[2].

          قد يرى البعض أيضاً بأن المشكل الأخر بالنسبة للعالم العربي والإسلامي مازال إلى غاية اليوم يخوض في جدلية وطبيعة نظام الحكم، فهل يجب أن يتمحور حول شخصية الحاكم مثلما تصوره الأدبيات الدينية والإسلامية الأصيلة، أم أنه لا بد أن يرتكز على فكرة الإرادة الشعبية، وتفعيل مختلف المؤسسات، بمعنى الخروج من فكرة دولة الحاكم إلى فكرة دولة المؤسسات، فإذا كانت هذه الفكرة مستمدة كمقاربة أو كوصفة غربية – الانتقال من الدولة الدينية إلى الدولة العلمانية-، تعتبر سببا رئيسياً لإحراز التقدم وتهيئة الأرضية المناسبة لتجسيد الحكم الراشد، فإن العلماء المسلمين يرونها أنها ليست بمشكل، وإنما المشكل المطروح هو غياب ميكانيزمات وآليات واقعية عصرية تتماشى مع الفكر والبيئة الإسلامية والعربية، لأن الاختلاف على المستوى الأنظمة هو أمر طبيعي ناتج عن تراكمات تاريخية واجتماعية وسياسية [3].

          إن سياسية الباب المفتوح Open Door  لتطبيق كل ما هو غربي دون التأمل فيه ودراسته بدقة ليس بالأمر الناجع، لذلك لا بد من الرجوع إلى صميم الرؤية الإسلامية، وإلى المصطلحات مثل مصطلح “الخلافة الراشدة”؛ والتي لا تعني فقط الحكم الرشيد، فهي تعبير عن مجمل القواعد والسنن والخصائص والسمات التي تميزه عن غيره من النظم التي تتعلق بالحكم وإدارة العلاقات بين الدولة والمجتمع، وقد مثل عصر الرسول صل الله عليه وسلم، ومن بعده الخلفاء الراشدون أبرز مثال على رشادة الحكم وصلاحه [4].

وإذا تم تتبع أسس ومقومات الحكم الراشد في الإسلام فسنجد أنها نابعة من القرآن الكريم الذي قدم لنا نماذج عديدة للحكم، كالحكم الفرعوني المضاد للحكم الراشد والصالح، وهو نظام مستبد يقوم على تخريب العلاقات بين الحاكم والمحكوم والعلاقات الاجتماعية والسياسية، ولقد نهى عنه الله سبحانه وتعالى، وأيضاً هناك السنة النبوية التي تقدم لنا مؤشرات عديدة حول الحكم الصالح من نصائح وأحاديث وتأسيس رشيد للعلاقات الاجتماعية والسياسية، ومن أهم نماذجها “وثيقة المدينة”، ثم الخلفاء الراشدين الذي كان حكمهم قائم على الرشد والاستقامة [5].

و يعتبر نموذج الخلافة الراشدة ذروة سنام الفكر السياسي الإسلامي، وثمرة بناء الفرد والمجتمع والحاكم الرشيد الذي يوازن بين العقل والدين والواقع من أجل الوصول إلى غاية بناء وحماية الوطن وتوفير المناخ المناسب لتثبيت أحسن السياسات وقضاء حاجات الناس، وللوصول إلى ذلك لا بد من توفر مجموعة من المتطلبات، فما هي إذن أبرز متطلبات التحول إلى نظام الحكم الراشد في العالم الإسلامي والعربي؟

لمعرفة ذلك لا بد أولاً من معرفة رهانات تطبيق الحكم الراشد بين المقاربة التصورين الإسلامي والغربي، ولماذا يُفضل تطبيق التصور الإسلامي من حيث عدة متغيرات كالسياق الثقافي والغاية وكيفية سريانه والنموذج الأقرب إليه، وهذا ما يفصل فيه الجدول الآتي:

رهانات تطبيق الحكم الراشد بين التصور الإسلامي والرؤية الغربية في العالم الإسلامي 

عند ملاحظة والتدقيق في الفروقات الموجودة والمفصلة في الجدول حول رهانت تطبيق الحكم الراشد في العالم الإسلامي بين الرؤية الغربية والإسلامية يتبن لنا أن الرؤية الإسلامية تعكس خصوصيات المنطقة وسياقها الثقافي والسياسي والاجتماعي، وأن إشكالية الدول المسلمة والعربية لا تكمن في الجوانب التقنية لمصطلح الحكم الراشد، بل تكمن في الإسقاطات العملية للحكم الراشد المستورد على واقعنا من باب تقليد الآخر، لذلك وُجب إعادة تأهيله وضبطه كممارسة عملية وفقاً لثقافتنا بدل الانسياق وراء المركز – العالم الغربي- أو كما يسميه المفكر الجزائري مالك بن نبي القابلية للاستعمار أي تقبل ما هو غربي، وللوصول إلى ذلك لا بد من توفر مجموعة من المتطلبات على النحو الآتي:

  • العناية بالنظم التعليمية في الدول الإسلامية، وتحديث المناهج والمقررات الدراسية، وتطوير برامج إعداد المعلم، لأن الحكم الرشيد يحتاج إلى المواطن الواعي بحقوقه وواجباته ومسؤولياته تجاه وطنه.
  • إعداد خطط وبرامج تكوينية وإعلامية للتوعية بأهمية الحكم الرشيد المتمثلة في دولة المدينة المنورة، وعصور الخلافة الإسلامية الزاهرة ومآثرها، وما حقققته من إنجازات وإسهامات باقية إلى غاية يومنا الحالي وأدت بالنهوض الحضاري بالدولة الإسلامية.
  • الإيمان بأن الحكم الراشد هو غابة الإسلام، وغابة أي دين سماوي هو نشر العدل في الأرض وتحقيق صالح البشرية، فلا يوجد تعارض بينها، ولا يوجد تعارض بين الدين ونظم الحكم، فالدين يحدد الغايات والأهداف والخطوط العامة، أما الإجراءات والأساليب فتترك فيها الحرية للبشر بما يتعارض مع التوجهات والخطوط العامة، فالإسلام لم يحدد أسلوباً بعينه لانتقال الحكم ةتعيين الحكام، لكن وضع قواعد ومبادئ عامة، كما حدث في تولية الخلفاء الراشدين الخلافة.
  • تطوير السياسات والقوانين بما يدعم التحول نحو آليات الحكم الرشيد في الدول الإسلامية.
  • الحرص على تطبيق الجزاء دون استثناء على الفاسدين، وذلك بتفعيل دور هياكل مكافحة الفساد، وإعطائها صلاحيات واسعة.
  • إعادة النظر في العديد من المسائل كالرقابة والمساءلة كآليات تدفع الشخص إلى الشعور بالمسؤولية تجاه صلاح الأمة دون تقصير أو تسويف، فإذا كان عكس ذلك فسيتم اتخاذ الإجراءات المناسبة ضده.
  • إيجاد حالة من الحوار المجتمعي الهادف بين مختلف فئات المجتمع حول الحكم الرشيد وأهمية التحول نحوه، والاستماع لآراءه، و تفعيل مشاركته في الحياة السياسية[6].

          ختاماً يمكن القول بأنه لا بد من الاستفادة من مبادئ الحكم الراشد لإدارة شؤون الدول الإسلامية والعربية، وحل العديد من مشاكلها، وكذلك فمن الضروري العودة إلى التاريخ الإسلامي عبر الاستفادة من تجاربه في هذا الجانب وتكييف بعض النقاط بما بتوافق مع عصرنا وقيمنا حتى نتمكن من فهم ذاتنا ومجتمعنا ثم نقوم بحل مشاكله المختلفة.

قائمة المراجع

* يعد الفيلسوف الأندونيسي “سوتجا توموكو” المنحدر من عائلة مسلمة أول من استخدم هذا المصطلح، لكن كفكر استفادت منه الدول الغربية، وحاولت تطبيقه بما يتوافق مع أهدافها ومصالحها.

[1] كمال بلخيري، دور الجامعة في مواجهة تحديات التنمية، مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، العدد15، ديسمبر 2016، ص 226.

[2] عبد العظيم بن محسن الحمدي، الحكم الرشيد في الإسلام والديمقراطية مقارنة عامة، انظر الرابط الالكتروني الآتي:

https://www.rawafidpost.com/archives/14307.

[3] ابرادشة فريد، التحول الديمقراطي والحكم الرشيد؛ أي علاقة جدل المقاربات بين التكامل والتناقض في الواقع العربي والإسلامي، العدد 2، جوان 2016، ص 105-106.

[4] خالد صلاح حنفي محمد، الحكم الرشيد من المنظور الإسلامي: قراءة تحليلية لتجارب الماضي ورؤية المستقبل، مجلة آفاق فكرية، المجلد 4، العدد4، مارس 2018، ص 5-6.

[5] المرجع نفسه، ص 18.

[6] المرجع نفسه، ص 26-28.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks