مراجعة كتاب: الحرب على الأيغور: حملة الصين ضد مسلمي شينجيانغ

The War on the Uyghurs: China’s Campaign Against Xinjiang’s Muslims

إبراهيم كرثيو

مركز المجدد للبحوث والدراسات

 

في كتاب “الحرب على الأيغور: حملة الصين ضد مسلمي شينجيانج“، يقدم شون روبرتس روايةً جديدة لاستكشاف الطريقة التي استخدمتها الصين في حربها ضد قومية الأيغور المسلمة وهي نفس الحرب التي جندت لها الولايات المتحدة الأمريكية العالم لمواجهة الإرهاب. بالتالي يعتبر هذا الكتاب بمثابة توعية للرأي العام العالمي بحقيقة الأزمة الإنسانية في إقليم  شينجيانغ – تركستان الشرقية، لما يحتويه من معلومات وحقائق قد تساعد في فهم ما يحدث في هاته المنطقة.

بيانات الكتاب:

The War on the Uyghurs: China’s Campaign Against Xinjiang’s Muslims. Sean R. Roberts. Manchester University Press. 2020.

على حد تعبير شون روبرتس في كتابه الاستثنائي الجديد؛ ” الحرب على الأيغور: حملة الصين ضد مسلمي شينجيانغّ ” يرى أنه قبل سنوات من اكتشاف COVID-19 لأول مرة في مدينة ووهان الصينية، كانت الحكومة الصينية قد وضعت يدها على فيروس آخر زُعم أنه أكثر خطراً، وهو حسب تعبير المسؤولين الصينيين يتمثل في التطرف الإسلامي، الذي قالوا عنه أنه “أصاب” قومية الأيغور، وهم السكان الأصليون ذوي الغالبية المسلمة في منطقة شينجيانج – تركستان الشرقية- الواقعة شمال غرب الصين. وفي عامي 2014 و2015، بلغت السياسة الحيوية لهذا التهديد المزعوم في جمهورية الصين ذروتها، حينما أشار أمين لجنة الحزب التابعة لوزارة العدل في جمهورية الصين إلى أن نحو 30% من القرويين الأيغور “مصابون بفيروس التطرف الديني” مما يقتضي  “إعادة تأهيل مركزة”. وأضاف أمين لجنة الحزب: “عندما تتحول نسبة الـ 30% […] يتم تطهير القرية بشكل أساسي”. وقبل أن يعرف العالم مفهوم “الحجر الصحي” كتدبير لتجنب انتشار COVID-19، رأت جمهورية الصين  أن هذا الإجراء ضروري للتعامل مع قومية الأيغور، وهذا “لضمان عدم انتشار عدوى التطرف إلى الآخرين”.

ويبين روبرتس – الأستاذ المشارك في الشؤون الدولية التطبيقية ومدير برنامج الدراسات الإنمائية الدولية في جامعة جورج واشنطن – بشكل مقنع وعبر مقابلات مكثفة ومصادر لغوية أيغورية، أن ادعاءات ومزاعم  جمهورية الصين بوجود “تهديد إرهابي” واسع النطاق للأيغور، هي ادعاءات مخادعة إلى حد كبير. ومع ذلك فقد وجدوا الشرعية في أعقاب أحداث 11 سبتمبر ، الأمر الذي سمح لجمهورية الصين بإدراج قومية الأيغور ضمن أجندتها في “الحرب العالمية على الإرهاب” وذلك لأجل قمعهم. ومع ذلك، فقد خلق هذا “النبوءة المحققة لذاتها عن تشدد الأيغور”، والتي بدورها أعطت لجمهورية الصين مبرراً إضافياً لتضييق الخناق على الأيغور فيما أطلق عليه روبرتس وآخرون “ الإبادة الجماعية الثقافية “. وبالنسبة للذين يأملون في فهم الدوافع الكامنة وراء عمليات القمع الوحشية التي تشنها الصين، فإن كتاب روبرتس يشكل قراءة جريئة ومفيدة للغاية في هذا الصدد.

تقدم الحرب على الأيغور تاريخًا لما يسميه روبرتس الاستعمار الصيني، بحجة أن “علاقة الصين الحديثة بالأيغور ووطنهم كانت دائماً ولا تزال واحدة من أفضل العلاقات التي توصف بأنها استعمارية”. يذكر روبرتس: لم تنجح  الصين في السيطرة على منطقة شينجيانج – تركستان الشرقية-  التي تضم السكان الأصليين إليها فحسب ، ولكن  ” قومية الهان الذين يطرحون الفكرة الاستعمارية المتمثلة في “حضارة” المستعمر. ويتميز الأيغور وغيرهم من الشعوب التركية المحلية “على أنهم مختلفون اختلافاً جوهرياً عن قومية الهان المسيطرين وأقل شأناً منهم، وبالتالي غير قادرين على أن يصبحوا متساوين مع قومية الهان أو حتى معرفة أفضل الطرق لتأمين أنفسهم “. وقد استمر هذا الموقف تجاه الأيغور منذ غزو سلالة تشينغ الحاكمة للمنطقة في 1750م – والتي تم تغيير اسمها من تركستان الشرقية إلى اسم شينجيانغ أو “الإقليم الجديد” في عام 1884 وبقيت هذه التسمية مستمرة إلى يومنا هذا. وهو ما يفسر أيضاً السبب الذي جعل بكين تتأكد من أن الدولتين شبه إقليمين في جمهورية تركستان الشرقية؛ الأولى والثانية التي لم تدم طويلاً.

إن جمهورية تركستان الأولى، التي تأسست في عام 1933 على يد ” مثقفي الشعوب الأصلية التي استوحت فكرة تقرير المصير من مجموعات أيديولوجية متنوعة”، والتي سقطت عام 1934 على يد جيوش دونغان (هوي) ولكنها ما زالت تلقي بظلالها الطويلة على ذاكرة شينجيانج التاريخية مع أمل العديد من الأيغور في إعادة بناء عصر الحكم الذاتي. كانت جمهورية تركستان الثانية أطول عمراً نوعاً ما واستمرت من عام 1944 إلى عام 1949، وكان زوالها مرتبطًا بحادث تحطم طائرة في أغسطس/آب 1949 الذي أسفر عن مقتل خمسة من كبار زعماء جمهورية تركستان، الأمر الذي أنقذ كلا القوتين الإقليميتين آنذاك؛ الصين والاتحاد السوفييتي من الاضطرار إلى التعامل مع فكرة الأيغور المستقلين لعقود من الزمان. وقد مهد هذا الطريق لسيطرة جمهورية الصين على المنطقة. ومن الاستعمار، يأخذنا روبرتس إلى حقبة مكافحة الإرهاب مبيناً كيف استغل قادة جمهورية الصين دعوة جورج دبليو بوش في حربه العالمية على الإرهاب والعمل على توريط الأيغور داخلها، وبالتالي إضفاء الشرعية على القمع غير الليبرالي عليهم بوصفهم “إرهابيين”. بعد خمسة أسابيع فقط من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ذهب المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية إلى ما أسماه روبرتس بأنه ” إعلان تحريضي” ضد المؤتمر الوطني لتركستان الشرقية، وهي جماعة مناصرة للأويغور تتخذ من أوروبا مقراً لها، واصفاً إياهم دون أي إثبات على أنهم ” قوة إرهابية تسعى إلى تقسيم الصين” والتي “تواطأت مع تنظيمات إرهابية دولية للقيام بالعديد من الأعمال الإرهابية العنيفة”. بعد فترة وجيزة ادعى مسؤولو جمهورية الصين في الأمم المتحدة مرة أخرى ودون دليل أن الأيغور كانوا على صلة مباشرة بأسامة بن لادن، العدو الأول في استراتيجية الحرب العالمية على الإرهاب.

في حين أن العديد من صناع السياسة والعلماء الأمريكيين كانوا متشككين في مزاعم الصين بشأن حربها ضد الأيغور، إلا أن الولايات المتحدة في أغسطس 2002 اعتبرت ” حركة تركستان الشرقية الإسلامية “- وهي جماعة انفصالية من الأيغور يُزعم أنها تعمل في أفغانستان – منظمة إرهابية. وكان هذا على الرغم من حقيقة أن مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للديمقراطية والحقوق والعمل قال قبل أشهر فقط إن جمهورية الصين قد ” اختارت تصنيف كل أولئك الذين يدافعون عن حقوقهم [في شينجيانغ] على أنهم إرهابيين، ونحن لا نعتقد أن هذا صحيح”. إن ما تغير، كما يقترح روبرتس بأدلة وافية هو أن الولايات المتحدة منحت بكين رغبتها -تأكيد أمريكي على “إرهاب” الأيغور – في مقابل دعم الصين الأوسع للحرب العالمية ضد الإرهاب. وتتناول التعاريف مسألة ما إذا كان عنف الأيغور يشكل “إرهابًا” بالفعل.  إن روبرتس الذي يعترف بأن ضبط مفهوم “الإرهاب” يعتبر صعباً للغاية، بحيث يصفه بأنه فعل “عنيف وذو دوافع سياسية ويستهدف المدنيين عمداً”.

 وبناءً عليه يشير إلى أن الغالبية العظمى من هجمات الأيغور، رغم أنها عنيفة بالتأكيد إلا أنها لا تتناسب مع هذا التعريف، لأنها: “إما أنها لم تستهدف المدنيين أو لم تشكل حتى عنفًا سياسيًا مع سبق الإصرار”. وبدلاً من ذلك، استهدفوا مراكز الشرطة وغيرها من الأجهزة التابعة لهيئة إعادة التأهيل، لذلك يقول روبرتس بأنه من الأصح وصفها بدقة بحرب العصابات. من وجهة نظر روبرتس، هناك عدد قليل جدًا من الحوادث التي وقعت منذ 11 سبتمبر وينطبق عليها هذا مفهوم الإرهاب، بما في ذلك الهجمات بالسكاكين على محطة قطار كونمينغ (الصين) في عام 2014، والتي خلفت 31 قتيلاً مدنياً، وتفجيرين في أورومتشي في وقت لاحق من نفس العام، أدى الهجومان معاً إلى مقتل 45 شخصاً. لكن جمهورية الصين الشعبية توسع نطاق التسمية ‘الإرهابية’ لتشمل “أي فكر أو خطاب أو نشاط يهدف عن طريق العنف أو التخريب أو التهديد  إلى إثارة الذعر الاجتماعي والتأثير على صنع السياسة الوطنية وخلق الكراهية العرقية وتخريب سلطة الدولة “. في حين يرى روبرتس أن عنف الأيغور هو مقاومة وردة فعل إزاء القمع الممارس ضدهم، تصنف جمهورية الصين   مقاومة الأيغور ضدها على أنه إرهاب لأجل إضفاء الشرعية على عمليات وحملات القمع التي تقوم بها.

ولكن قمع جمهورية الصين لم يسفر إلا عن مزيد من العنف من قبل الأيغور، مما أدى إلى ظهور ما يسميه روبرتس “نبوءة تحقق ذاتها”. وعلى الرغم من أن أعداداً صغيرة من الأيغور قد شقوا طريقهم إلى الجماعات المتطرفة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى على مر السنين، إلا أنه بعد أن بدأت الصين حربها على الإرهاب في شينجيانغ زادت هذه الأعداد وهجمات الأيغور ضد جمهورية الصين. ويكتب روبرتس أن أولئك الذين سافروا إلى سوريا انتهى بهم المطاف إلى ‘القتال في حرب خارجية بعيدة عن وطنهم، إما على أمل استخدام خبرتهم يوماً في محاربة الصين أو لمجرد وسيلة للبقاء والشعور بالانتماء. ورد عدد من أولئك الذين بقوا في ديارهم في شينجيانغ على القمع المتزايد من خلال حمل أسلحة بسيطة ضد الصين. ومع ذلك، فإن التهديد الفعلي الذي تشكله مجموعات الأيغور على الأمن القومي الصيني هو بالفعل “وهمي وخيالي”على حسب تعبير روبرتس.

لقد كانت مقاومة الأيغور عنيفة في بعض الأحيان، لكن مجموعات الأيغور، سواء في الداخل أو في الخارج، ببساطة لا تملك الموارد الكافية لتشكل تهديدًا حقيقيًا للدولة الصينية. ومع ذلك، فإن هذا لم يمنع بكين من خلق الواقع المزعج – “الإبادة الجماعية الثقافية” للأيغور من خلال الاعتقال الجماعي والمراقبة والعمل القسري. ومن ناحية أخرى، لا يتمثل هدف الصين في إخماد تهديد إرهابي حقيقي ينبع من مجتمع الأيغور وحسب، بل كما قال أحد المسؤولين من الهان: “طمس نسبهم وجذورهم، وقطع صلاتهم، وكسر أصولهم. ويزعم روبرتس بأن جمهورية الصين الشعبية في تبنيها للحرب العالمية على الإرهاب قد أنتجت مأساة افتقرت إلى الاستجابة العالمية – وأنه إذا تم السماح لهذه الأزمة بالاستمرار بلا هوادة، فإن المنطق العنصري المتمثل في الاستعمار الاستيطاني، إلى جانب القمع الجماعي والسيطرة على السكان التي اتسمت بالطابع العرقي، سوف تجد قدراً كبيراً من الشجب والإستنكار من جميع دول العالم. كما يزعم بأن الغرب بفضل إخفاقاته في مجال حقوق الإنسان في حقبة الحرب العالمية على الإرهاب، قد فَقَدَ كل مبرراته الأخلاقية للضغط على الصين عبر توظيف ورقة حقوق الانسان. وهذا الأمر يعطى  نظرة متشائمة للغاية، بالنظر إلى أن الولايات المتحدة وغيرها لا تزال تحتفظ بقوة ناعمة كبيرة في مختلف أنحاء العالم الشرقي، والتي أصبحت أجزاء منها معادية للصين بشكل متزايد. ومع ذلك، فإن الاتجاهات الحالية تبعث بالفعل على التشاؤم. والواقع أن أغلب بلدان العالم ذات الأغلبية المسلمة في العالم، والعديد منها لديها علاقات وثيقة مع الصين، صامتة إلى حد كبير، في حين أن الغرب نفسه متورط بشدة اقتصادياً مع الصين، لم يقدم سوى القليل من الاستجابة الهادفة. زعم جون بولتون في كتابه الأخير؛ أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، من جانبه أخبر نظيره الصيني  شي جين بينغ، أنه يعتقد أن بناء معسكرات اعتقال للأويغور ” كان بالضبط الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله “. في المقابل من المتوقع أن يتخذ خليفة ترامب الرئيس جو بايدن، الذي قالت حملته إن قمع الصين للأيغور “إبادة جماعية” ومن المتوقع أن يتخذ موقفاً أشد صرامة بشأن هذه القضية.

ولكن في الوقت الذي تتزايد فيه الإدانة الدولية، فإن استجابة العالم لاتزال دون المستوى المطلوب. على سبيل المثال، عندما تحدث لاعب كرة القدم السابق في أرسنال مسعود أوزيل – وهو لاعب ألماني مسلم من أصل تركي – على وسائل التواصل الاجتماعي لدعم الأيغور بمنشور يحمل علم جمهورية تركستان الأولى، استسلم نادي أرسنال للنفوذ الاقتصادي الصيني ونشر على صفحته على Weibo ما يلي: لطالما التزم أرسنال دائمًا بمبدأ عدم المشاركة في السياسة. ومما يحسب لأوزيل  انه لم يتراجع عن موقفه  بينما انضم إليه لاعب كرة قدم مسلم محترف آخر وهو المهاجم السنغالي ديمبا با – الذي لعب سابقًا في الصين – متسائلاً  “متى سنرى بقية العالم يدافعون عن المسلمين؟ “.

من خلال إسماع صوت الأيغور للعالم ولفت الانتباه إلى أزمتهم، فإن الحرب المعلنة عليهم مدهشة وغنية بالمعلومات، من خلال تقديم التفاصيل التي لا يمكن أن يقدمها سوى خبير، يوثق روبرتس ما قد يكون أسوأ مأساة في تاريخ اليوم. في نهاية المطاف تعد مساهمة روبرتس بمثابة شهادة حية عن وحشية الحكومة الصينية واستراتيجيتها في إقليم شينجيانغ، والموقف الخطير للأيغور وفشل العالم في الوفاء بوعده أن الأمر “لن يتكرر أبدًا”.

One Comment

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks