الإخوان المسلمون والحداثة

أثر الانخراط في الدولة الحديثة على خطابهم

كرم الحفيان 

مسؤول الوحدة الثقافية – مركز المجدد للبحوث والدراسات

مقدمة

تباينت ردود الأفعال الإسلامية على انهيار الشرعية السياسية للمسلمين مع سقوط الخلافة العثمانية وقيام دول قومية علمانية حديثة. البعض اختار الانسحاب من المجالات الاجتماعية والسياسية العامة وحاول حفظ الهوية الإسلامية عبر إيجاد مجالات دينية خاصة، وهي التيارات الدينية المحافظة. والبعض الآخر نأى بنفسه أيضاً عن الانخراط في المجالات العامة إلا أنه كان ذا توجه ثوري فحاول الإطاحة عسكرياً بهذه الدول ونموذجها الحاكم، وهي التيارات الجهادية على تنوعها.

وهناك من سعى حثيثاً لاختراق جميع المجالات العامة ومنها المجال السياسي عبر المشاركة في العملية السياسية مع إنشاء ذراع أمنية عسكرية دورها تغيير هذه الأنظمة حين سنوح الفرصة المناسبة، وهو نموذج حركة الإخوان زمن المؤسس الشيخ حسن البنا. وأخيراً، هناك من جعل المشاركة السياسية السلمية خياراً استراتيجياً حصرياً، بل يمكننا أن نقول إن الأمر تطور ليصبح أيديولوجيا ثابتة، والمثال الأبرز هنا هو حركة الإخوان المسلمين بعد حقبتي المؤسس البنا والمنظر قطب؛ وقد غدت أكثر وضوحاً منذ سبعينيات القرن الماضي. ما يعنينا في هذا المقال، هو رصد انعكاسات هذا الخيار على خطاب الحركة فيما يخص القيم الأساسية للحداثة كالاشتراكية والليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والنسبية الأخلاقية والحريات وحقوق الإنسان.

  • أدبيات المؤسس حسن البنا

أولأ، لابد من العودة لأدبيات المؤسس الشيخ حسن البنا فيما يخص الخطاب الإسلامي تجاه الحداثة، ولنبدأ بموقفه من الحداثة الغربية، ففي إحدى أهم رسائله عام 1939 المعنونة ب “الإخوان تحت راية القرآن” قال حسن البنا في سياق مهاجمته لتقليد الغرب:

“من الحق أن نعترف بأن موجة قوية جارفةً وتياراً شديداً دفاقاً قد طغى على العقول والأفكار في غفلة من الزمان.. فقامت مبادئ ودعوات وظهرت نظم وفلسفات وتأسست حضارات ومدنيات، ونافست هذه كلها فكرة الإسلام في نفوس أبنائها، وغزت أممه في عقر دارها.. بل احتلت قلوبهم وعقولهم ومشاعرهم.. وانخدعت بها دول كانت في الصميم والذؤابة من دول الإسلام”، ثم بيّن أنه بالرغم من التقدم العلمي والفني والمادي لهذه الحضارة الغربية فإنها لم تجلب السعادة والطمأنينة للبشرية ولم تمنع الظلم والاعتداء والفقر، ليتساءل بعدها مستنكراً عن سر تفضيل هذه الحضارة على غيرها من الحضارات؟. ثم يقف بعدها متعجباً من وجود أنصار مضحين بالنفس والنفيس، ودول داعمة ومتبنية لجميع الاتجاهات الفكرية الاجتماعية والسياسية كالشيوعية والفاشية والنازية، مع غياب تام لأي حكومة تتبنى الإسلام وتدعو إليه.

من هذه المنطلقات، صاغ البنا مهمة الإخوان كمشروع إسلامي مضاد ومواجه لهذه الحضارة وتجلياتها الثقافية والاجتماعية والسياسية في البلاد الإسلامية وعلى رأسها أنظمة الحكم. وفي نهاية الرسالة أشار البنا  إلى فقده الأمل في جميع حكام مصر في تبني وتطبيق النظام الإسلامي، فقد طلب منهم ذلك كثيراً إلا أن تربيتهم على يد الأجانب أفقدتهم استقلالهم الفكري والعملي في نظره، ولذا دعا الإخوان إلى الاهتمام بدعوة وتكوين النشء الجديد[1].

وفي عامي 1942 و1944 قرر الإخوان المشاركة في الانتخابات البرلمانية من باب توسعة دائرة دعوتهم من المجال الشعبي للمجال السياسي، وقد شارك البنا بنفسه في المرتين عن دائرة الإسماعيلية ولم ينجح في كليهما لأسباب مختلفة. في الأولى، وبعد الضغط الكبير من الانجليز والحكومة المصرية عُقدت مقايضة بين الحكومة والبنا، انسحب بموجبها البنا من الانتخابات في مقابل مكاسب دعوية وإغلاق أماكن المنكرات. وفي الثانية، زوّرت الانتخابات بتسهيل وإشراف الجيش البريطاني، وعقب الخسارة الانتخابية خطب البنا في الجموع الغاضبة من الإخوان، ودعاهم للتهدئة والانصراف وحقن دمائهم في ذلك الوقت، والاستعداد ليوم الفصل الآتي لا محالة[2].

وبعدها بأربع سنوات، في عام 1948، كتب البنا أربع مقالات في جريدة الإخوان المسلمين اليومية في سياق ما أطلقت عليه الجماعة “معركة المصحف”[3]، هي من آخر ما كتب قبيل مقتله في فبراير 1949، دعا فيها السلطات إلى التمسك بنموذج الحكم الإسلامي المتمايز عن النماذج الحداثية شرقيها وغربيها على حد سواء فقال في أحدها: “في العالم دولة اسمها الاتحاد السوفيتي لها مبدأ معروف، ولون معروف ومذهب معروف نحن لا نأخذ به ولا ندعو إليه، ولكننا نقول إن هذه الدولة عرفت بلونها هذا بين الناس وفي المجامع الدولية، وهي ترتبط بمقتضايته في كل تصرفاتها وأقوالها وأعمالها، وقد أرادت إنجلترا وأمريكا تقليدها فادعتا أنهما تصطبغان بالدعوة إلى شيء اسمه الديمقراطية وإن اختلف مدلوله بمختلف المصالح والمطامع والظروف والحوادث، فلماذا لا تكون لمصر وهي دولة مستقلة ذات سيادة معروفة في المجامع الدولية بتمسكها بهذه الصبغة الإسلامية”. ثم حمل البنا بشدة على السلطات في مصر، وذيل مقاله الهام هذا بدعوة الأمة لمفاصلة حكامها ودخول ما أسماها معركة المصحف معهم[4]. وفي ختام المقالات الأربعة المتعلقة بحملة “معركة المصحف” أطلق البنا عبارته القوية “ليس بعد النصيحة أو البيان إلا المفاصلة أو الجهاد”[5]. ويرى البعض أن هذه العبارة أصبحت في ما بعد المنطلق والمرتكز الفكري لتنظيرات سيد قطب[6].

إذن، ففي حقبة البنا، لم تدخل الجماعة في السياسة المؤسسية ضمن نظام الدولة القومية الحديثة، ولم يلحظ أي تغير جوهري في الخطاب الأصلي للبنا وجماعته تجاه الحداثة، ذلك الخطاب الحريص على التمايز عن الحداثة وقيمها وأفكارها الرئيسة وكياناتها السياسية.

  • التجربة السورية

وفي المقابل، حدث أول تغير جذري في خطاب حركة الإخوان تجاه جملة من مفاهيم الحداثة على يد فرعه السوري زمن مؤسسه الشيخ الدكتور مصطفى السباعي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وهذا ما ستوضحه الورقة بعد قليل. والفرع السوري هو أول فرع لحركة الإخوان المسلمين خارج مصر.

والدكتور السباعي هو أول مراقب عام للإخوان السوريين، وهو من عائلة علمية مرموقة في مدينة حمص السورية، وذو سجل علمي ودعوي ونشاط اجتماعي وجهادي خلال مرحلة الاحتلال الفرنسي، إضافةً إلى قيادته الكتيبة السورية في قتال الإحتلال الصهيوني في القدس عام 1948.

أما في ما يتصل بنشاط الدكتور السباعي السياسي، وتحديداً ضمن الأطر الدستورية والقانوينة للدولة السورية في مرحلة ما بعد الاستعمار، فقد بدأ باكراً جداً ولم يدم طويلاً إلا أنه كان على مستويات عالية وأظهر أثر العمل ضمن هياكل الدولة القومية الحديثة في تغيير الخطاب الإسلامي تجاه قيم الحداثة الكبرى من وجهة نظر الباحث. فبعد رحيل الاستعمار الفرنسي بثلاث سنوات، أي في عام 1949، اُنتخب السباعي عضواً في البرلمان السوري عن محافظة دمشق رغم أنه حمصي، ثم أصبح نائباً لرئيس المجلس، وشارك أيضاً مع ثمانية آخرين في كتابة دستور 1950[7].

وسواءً خلال عمله البرلماني، أو في مرحلة التصنيف والتنظير التي تلتها، نستطيع أن نقول إن السباعي سعى حثيثاً للتقريب بين الإسلام ومفاهيم حداثية عديدة عبر التنقيب عن المشتركات بينها وبين الإسلام على صعيدي النظام السياسي والمذهب الاجتماعي، بخلاف البنا الذي دأب على إبراز تمايز منهج الإسلام عن مناهج الحداثة كما أسلفنا.

فعلى سبيل المثال، عند حديثه عن النظام السياسي، تجد تشديداً من السباعي وتشبثاً بالنظام الجمهوري الديمقراطي مستخدماً عبارات قاطعة دون التطرق للفوارق بينه وبين النظام الإسلامي، ودون اقتراح تعديلات تجعله متوافقاً مع النظام الإسلامي، قال السباعي: “إن هذه البلاد أحبت النظام الجمهوري، واعتنقته، واعتقدت بصلاحه، وإننا نعلن بكل إيمان وصراحة ووضوح بأننا لا نريد عن النظام الجمهوري بديلاً: إننا نريد لوطننا نظاماً شعبياً ديموقراطياً، يقوم على إرادة الشعب، وتتمثل فيه إرادة الشعب”.

وعندما اعترض بعض الحقوقيين على بند دين الدولة الإسلام في الدستور، وأن هذا الأمر يبطل القوانين الموجودة ويدفع لتطبيق الحدود، أجابهم السباعي بقوله “إننا لا نريد انقلاباً في قوانيننا الحالية، وإنما نريد التقريب بينها في التشريعات المدنية وبين نظريات الإسلام الموافقة لروح العصر، ولأصدق النظريات الحقوقية السائدة فيه، فإذا اتفق التشريع الإسلامي مع النظريات الحديثة، فهل تجدون حرجاً في الأخذ به تراثاً قومياً تعتزون به، وتفاخرون”[8].

وامتداداً لما سبق، وتماشياً مع مفهوم المواطنة على وفق النموذج الحداثي الغربي الذي يتيح لجميع المواطنين الوصول لأعلى المناصب بقطع النظر عن جنسه أو دينه، صرح السباعي أن المادة المقترحة في هذا الصدد تساوي بين المسلمين وغيرهم[9].

بيد أنه في النهاية، وبعد معارضة غالب الكتل السياسة في البرلمان لبند دين الدولة الإسلام في الدستور، تمت مقايضة، حُذف بموجبها بند دين الدولة الإسلام من الدستور، ليحل محلها دين رئيس الدولة الإسلام والفقه الإسلامي المصدر الرئيسي للتشريع[10].

وبعد سنوات، عندما بلغ المد الاشتراكي مدى بعيداً في سورية ومحيطها العربي عموماً، وبوجهيها الماركسي الشيوعي والقومي العربي، حاول السباعي التصدى له من خلال إظهار الجانب “الاشتراكي” المشترك بين الإسلام والاشتراكيات الأخرى وذلك لغايتين: إنقاذ المسلمين من الاشتراكيتين، الاشتراكية الشيوعية الماركسية الملحدة، والاشتراكية القومية العربية الصاعدة بقوة عبر حزب البعث العربي، والغاية الثانية: الحفاظ على مسافة من الرأسمالية والإمبريالية الغربية. وقد قام بهذا عبر صكه لمصطلح جدلي جديد، جعله عنواناً لأحد كتبه وهو “اشتراكية الإسلام” الصادر عام 1959[11].

  • الخطاب المناهض للحداثة (سيد قطب)

وفي الطرف المقابل، لم يرق هذا الخطاب التوافقي مع قيم الحداثة للمفكر الأكبر للإخوان المسلمين وأحد أكبر المؤثرين في الفكر الإسلامي المعاصر في القرن العشرين الأستاذ سيد قطب، فكتب من سجنه في مصر مستنكراً ومحذراً من ضرر وخطر هذا الخطاب الانهزامي والاعتذاري في تقديم وعرض الإسلام.

بدايةً، وضح قطب أن للإسلام تصوراً كاملاً مستقلاً عن الوجود والحياة، وأن هذا التصور له أصول مميزة مختلفة الجذور تماماً عن سائر التصورات الجاهلية القديمة والحديثة (ومنها الحداثة بمذاهبها المختلفة) وإن حدث التقاء في بعض الجزئيات والتفاصيل. وبالتالي فمنهج ونظام الحياة النابع عن هذا التصور يختلف تماماً عن المناهج والنظم الأخرى، وإن جمعتهما بعض التمظهرات الاجتماعية والسياسية[12].

بعدها هاجم قطب الخطاب الدعوي السياسي المركز على المشتركات بين الإسلام والحداثة “كما يقول بعضنا اليوم للناس وهو يقدم إليهم الإسلام مرة تحت عنوان: (ديمقراطية الإسلام) ومرة تحت عنوان (اشتراكية الإسلام) ومرة بأن الأوضاع الاقتصادية والسياسية والقانونية لا تحتاج من الإسلام إلا لتعديلات طفيفة!!! إلى آخر هذا التدسس الناعم والتربيت على الشهوات”[13].

ثم تحدث قطب عن آثار ونتائج هذا الخطاب الانهزامي كما وصفه على عملية التغيير المنشودة. وتساءل عن منطقية وجدوى دعوة الناس لاستبدال الأنظمة الحداثية القائمة بالنظام وطريقة الحياة الإسلامية إن كان لا يختلف عنها إلا بتفاصيل وتجميلات بسيطة هنا وهناك؟! وبعد أن صرح بضرورة تسليط الضوء على الفجوة العميقة بين المفاهيم والواقع الاجتماعي والسياسي الحداثي الجاهلي، وبين المنهج الإسلامي الرباني، أكد أن الخطاب الإسلامي الذي يبرز هذا الحقائق هو الصحيح المعقول الذي سيدفع المسلمين للعمل على تغيير الأفكار والأحوال والأنظمة الموجودة سواءً كانت أيديولوجيتها شرقيةً أو غربية. اللافت هنا، أنه بالرغم من تعرض قطب للتنكيل والتعذيب من نظام اشتراكي شمولي لم يجنح للنموذج الغربي الليبرالي[14].

إذن فالتحول النوعي الأول في خطاب وأدبيات حركة الإخوان المسلمين تجاه تقليل البون بين المفاهيم الإسلامية والقيم الحداثية كان من الفرع السوري وعلى لسان مسؤوله العام الدكتور مصطفى السباعي. ولكن المفارقة العجيبة هنا، أن أول جهة حملت فكر قطب المفاصل للحداثة والمعادي لقيمها الكبرى، وتحركت به في وجه السلطات الحاكمة كانت في سورية كذلك، وعبر أسماء بارزة في فرع الإخوان المسلمين هناك، وإن كانوا لا يمثلون التيار العام للحركة. على رأس هذه الأسماء شخصيتان، الأولى: القائد )الكاريزمي( الشيخ مروان حديد الذي ساهم بقوة بنقل فكر قطب إلى سورية بعد أن لقيه بمصر، خاصةً فيما يتصل بنظرته للحداثة ودعوته للثورة المسلحة على أهم تجلياتها: الدولة القومية الحديثة. والشخصية الثانية: الشيخ سعيد حوى العالم والمفكر الإسلامي صاحب التأثير والرؤية في هذا الاتجاه أيضاً[15].

لم يقف أثر أفكار قطب المضادة للحداثة عند الحدود السورية، إنما امتد ليصل إلى الفلبين شرقاً والمغرب غرباً وكثير مما بينهما في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وقد ألهم خطابه الكثير ممن أصبحوا لاحقاً قادة العمل الإسلامي في بلدانهم، بدءاً من سلامات هاشم مؤسس جبهة تحرير مورو الإسلامية في الفلبين، ومروراً بمؤسسي الأحزاب الإسلامية في أفغانستان كغُلب الدين حكمتيار، وقادة الثورة الإيرانية كخامنئي[16]، ومفجري الانتفاضة والمقاومة الإسلامية الفلسطينية كأحمد ياسين[17] وفتحي الشقاقي[18]، ورموز الجهاد العالمي كعبد الله عزام، وصولاً إلى خطيب جبهة الإنقاذ في الجزائر على بلحاج، وشخصيات كراشد الغنوشي في تونس وعبد الله بن كيران في المغرب وغيرهم الكثير[19]، على اختلاف وتموجات مساراتهم فيما بعد ذلك، ممن ومما لا تتسع هذه الورقة لذكرهم وذكرها.

  • التجربة المصرية

بيد أن سياسة الانفتاح الليبرالي التي اُتبعت من قبل السلطات في مصر منذ السبعينيات، واختيار الإخوان التوسع والتركيز على العمل السياسي ضمن القنوات الدستورية، ومشاركاتهم المتواصلة في الانتخابات البرلمانية دون انقطاع منذ عام1984، وتحقيقهم لبعض النجاحات فيها[20]، أحدث تغيراً كبيراً في خطاب الإخوان ومنظريهم.

أبرز ملامح هذا التغيير هو التقليل من معاداة الغرب وثقافته، والانتقال الجزئي من التركيز على أخذ الدولة إلى بناء اقتصاد وصرافة إسلامية[21]، والبدء بالتنظير والتقعيد الشرعي لحزمة من المفاهيم الحداثية الغربية في محاولة لأسلمتها كالتعددية السياسية والديمقراطية والمواطنة[22].

 تم هذا على يد مجموعة من الشيوخ والمثقفين أطلق عليهم الباحث Raymond baker مصطلح الإسلاميين الجدد، في مقدمتهم الشيخان الشهيران محمد الغزالي ويوسف القرضاوي، إضافةً إلى مجموعة من المثقفين أبرزهم محمد عمارة ومحمد سليم العوا وفهمي هويدي وطارق البشري.

في عام 1993، أصدر الشيخ يوسف القرضاوي المرجعية الشرعية الأهم لحركة الإخوان المسلمين وأحد أكثر العلماء تأثيراً على المستوى العالمي في العصر الحالي، فتوىً استنكر فيها تشكيك بعض المسلمين بالديمقراطية، واصفاً إياها بالأداة المحايدة التي قد تستخدم في الخير كما في الشر، وواصماً جميع رافضيها بالجهل وضيق الأفق والمثالية. وفقاً للشيخ القرضاوي فإن جوهر الديمقراطية هو جزء من جوهر الإسلام نفسه، وهي مضادة لاستبداد الفرد أو النخبة الحاكمة وليست نقيضاً لحكم الله، وهو الرأي الذي أخذت به وسارت عليه حركة الإخوان المسلمين[23]، وهو تصور مخالف لما كان عليه البنا وقطب كما مر معنا.

في الجهة المقابلة، وقفت تيارات ورموز أخرى تقليدية وسلفية وصوفية موقفاً مغايراً، مقررةً أن قيم العلمانية والليبرالية والفردية، بل حتى مبدأ النسبية الأخلاقية، جميع القيم السابقة هي مكونات تأسيسية في مفهوم الديمقراطية وتطبيقاتها، لا يمكن عزلها عنها. وعلى الرغم من اتفاق الاتجاهين (التيار المؤيد للديمقراطية والتيار المعارض لها) على أن الغرب هو مصدر هذه القيم المضادة للإسلام، فإن المؤيدين يرون أنه لا تلازم بينها وبين الديمقراطية، بدليل انتشارها في بلاد المسلمين دون أن يكون هناك أنظمة حكم ديمقراطية[24].

وبقطع النظر عن هذا الجدل التنظيري، إذا انتقلنا إلى الواقع الميداني التطبيقي، لاسيما مع حقبة الانفتاح الثاني في مصر، عقب سقوط حسني مبارك وحكومته، وبدء تشكيل أحزاب سياسية، فإنه ربما ينضج لدينا تصور أوضح عن أثر الانتظام بالعمل السياسي ضمن نظام الدولة القومية الحديثة على الخطاب الإسلامي.

جاء في برنامج حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لحركة الإخوان المسلمين في مصر عند استعراضهم لرؤيتهم في ما يتعلق بخصائص الدولة ما نصه:

“يرى الحزب أن الشورى (الديمقراطية) مبدأ أساسي تقوم عليه الدولة بكل مؤسساتها فهي ليست مجرد مبدأ سياسي يحكم أشكال العلاقات السياسية فحسب.. بل هي نمط سلوك ومنهج عام لإدارة مختلف جوانب الحياة في الدولة.. بالإضافة إلى كونه قيمة إيمانية وخلقية توجه سلوك الأفراد وعلاقاتهم الاجتماعية، يتربى عليها الفرد والأسرة والمجتمع والحكام لتصبح جزءاً من مكونات الشخصية الوطنية وأحد مقوماتها، ويصطبغ بها كل المواطنين”[25].

الديباجة السابقة توضح التغير الجديد، فالديمقراطية لم تعد آلية سياسية محايدة، إنما أصبحت قيمة ثابتة في كآفة مجالات الحياة في الخطاب الإخواني.

وعند تقليب صفحات البرنامج، وبالرغم من تكرر ذكر مرجعية الشريعة الإسلامية مسبوقة بعبارات متنوعة: مبادئ، مقاصد، قواعد، فإن كلمة أحكام الشريعة الإسلامية لم ترد إلا في سياق الكلام عن قوانين الأسرة مع نظرة سلبية لوضع المرأة لاسيما في الريف، والدعوة لمساوتها بالرجل، والإقرار بحق الزوجة في العمل في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية العامة.

وفي المقابل، لن تجد إجابات واضحة لطرق معالجة الآثار المدمرة للحداثة على الفرد والأسرة والمجتمع لاسيما في المدن الكبرى والعواصم، كالرأسمالية بما فيها من انحياز صارخ لطبقة رجال الأعمال، وكالعلمانية العملية، والليبرالية الفردية، والنسبية الأخلاقية وغيرها[26].

هنا يلفت نظرنا عويمر أنجوم  Ovamir Anjum الأستاذ الباكستاني في جامعة توليدو الأمريكية (وهو متخصص في التراث الإسلامي وفي الفكر الإسلامي المعاصر كذلك) إلى أمرين هامين أحسب أنهما من آثار العمل السياسي ضمن الدول القومية الحديثة خاصةً في عالمنا العربي، وهما:

أولاً: نزوع الإسلاميين السياسيين، وحديثنا هنا عن الخط العام للإخوان المسلمين، إلى غض الطرف وعدم التعرض للفوارق الجوهرية بين القيم والتقاليد الإسلامية وبين الالتزامات العلمانية والليبرالية للديمقراطية الحديثة، مما يترك الكثيرين من أتباع هذا التيار في حالة من الشلل العملي والتيه المعرفي بالخطوات التي ينبغي أن تتخذ في مواجهة المخاطر التي جلبتها الحداثة كعدم المساواة الاقتصادية والتحديات البيئية[27].

ثانياً: التعامل بانتقائية شديدة مع التراث الإسلامي ومحاولة العودة إليه لتعديله ليتوافق مع الحداثة والنموذج الغربي للعدالة الاجتماعية والسياسية، بدلاً من الانطلاق منه لإصلاح الواقع الديني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي الحالي[28].

  • التجربة التونسية

أما في النموذج المغاربي لاسيما حالة حزب النهضة التونسي ومنظّره راشد الغنوشي، فإن الانخراط في نظام الدولة الحديثة والتمسك بالعمل السياسي من خلالها خاصةً مع هبوب رياح الثورة المضادة في تونس عام 2014، أفرز تحولاً راديكالياً أو ما قد نطلق عليه انقلاباً خطابياً كاملاً عن جميع الأدبيات السابقة، فقد أعلن حزب النهضة في ختام أحد اجتماعاته الحزبية القطيعة مع ماضيه ضمن “الإسلام السياسي”، وأن هدفه هو إنشاء اتجاه واسع من “المسلمين الديمقراطيين” الرافضين لوجود أي تناقض بين قيم الإسلام وقيم الحداثة[29].

وإذا ما تتبعنا مراحل خطاب الغنوشي والنهضة على مدار العقود السابقة. فسنجد أنه في البدايات كان يزخر بالحنين لحكم الخلافة الإسلامية ويحمل تصوراً إيجابياً عنها، حتى حقب الملك العضوض، إذ كانت الشريعة تحد من سلطة الحاكم لاسيما في المجال التشريعي، كما عبر الغنوشي. وقد وصف سقوطها بالفاجعة والزلزال رغم ما شابها من انحرافات. وكان يفضلها بجميع مراحلها على حكم الدولة الحديثة “الذي يتميز بسيطرة طابع الفردية والقومية واللادينية والشكلانية” بتعبير الغنوشي. في نفس السياق يعدد رفيق عبد السلام القيادي الهام في حزب النهضة مظاهر استبداد الدولة الحديثة “المتمثلة في تدجين المواطن، وجعله عجيناً طيعاً في يد الدولة، يسير وفق توجهاتها وإرادتها؛ إذ هي التي تشكل هوية الأفراد والمجموعات، وهي التي تخطط هندسة النظام الاجتماعي، وهي التي تحدد أنظمة التعليم وأدوات صياغة الوعي العام، وهي التي ترسم الحدود الفاصلة بين دائرة المشروع وغير المشروع”، فالدولة الحديثة أو الدولة الإله كما كان يصفها الغنوشي نفسه تمارس “الإكراه الخفي”[30].

بيد أنه في مرحلة لاحقة وعند تنظيره لما أسماه “الديمقراطية الإسلامية” من منفاه بلندن اعتبر الغنوشي الدولة الديمقراطية العلمانية الحديثة ثاني أفضل نظام وأنها مبنية على قيم إنسانية وبإمكانها حماية كرامة الإنسان[31]، في انقلاب كامل على حكمه السابق عليها.

 وفي نموذجه “الديمقراطي الإسلامي” المنشود استعار الغنوشي المفاهيم السياسية الكبرى التي عليها مدار الدولة الحديثة وخاصةً مفهوم السيادة الشعبية وما يلحق به من مبادئ الحكم الدستوري والديمقراطية والعقد الاجتماعي والمساوة المدنية والتداول السلمي على السلطة على وفق حكم الأغلبية. ثم حاول إعادة فلسفة مفهوم خلافة الإنسان وفقاً لها، بغرض إزالة أي تعارض بين النموذجين المعرفيين، ولكن مع الحفاظ على السيادة الإلهية أو مرجعية حاكمية الشريعة فوق السيادة الشعبية[32].

وبالتزامن مع ذلك، تغيرت قراءته للتاريخ السياسي الإسلامي ونظام الخلافة الذي ساد بعد حقبة الراشدين، قال الغنوشي عن نموذج الخلافة الإسلامية التاريخية: “ليس فيه ما يسوغ التبشير به مجدداً على ما كان عليه سلطاناً فردياً لا يتورع عن البطش بمعارضيه”[33].

يرى بعض الباحثين أن هذا التحول الخطابي لم يبدأ مع وصول النهضة للحكم في أعقاب إطاحة الثورة التونسية بحكومة زين العابدين بن علي عام 2011، إنما تعود جذوره إلى عام 1984 حين قرر الحزب دخول العملية السياسية، ثم أخذ يتطور تدريجياً كما سردنا منذ قليل، بدءاً من تجربة قادة الحزب في المنفي في الغرب، ثم في الحكم بعد الثورة التونسية، إلى أن وصل إلى القطيعة الكاملة مع موروثهم الخطابي السياسي الإسلامي وتبني الخطاب الحداثي بكامل أبعاده[34].

خاتمة

باختصار، فإن اختيار التيار العام للإخوان المسلمين التزام العمل السياسي ضمن نظام الدولة القومية الحديثة، قد أدى إلى تحولات عميقة جداً في خطابها تجاه الحداثة وفي تقييمها لقيمها الكبرى، على خلاف نمط خطاب المؤسس حسن البنا، الذي كان حريصاً على التمايز الهوياتي للثقافة الإسلامية. بدأ الأمر مع التجربة السياسية السورية مطلع الخمسينيات إذ اتسم خطاب قيادة إخوان سورية بالتنقيب عن المشتركات بين الإسلام والحداثة وإبرازها في محاولة لتوفيق قيم الإسلام مع قيم الحداثة في مجالي العدالة الاجتماعية والسياسية وفي هذا السياق ظهرت مصطلحات “اشتراكية الإسلام” و”ديمقراطية الإسلام”. ثم امتد هذا النهج وترسخ في الحالة المصرية بدءاً مما سمي عهد الانفتاح الليبرالي في السبعينيات وما تلاها من مشاركات سياسية، وفي أثناء معايشة النظام والواقع الاجتماعي والسياسي الحداثي تم الرجوع إلى التراث الإسلامي لا من أجل الاستلهام منه في إصلاح وتغيير الواقع بما يتوافق مع الهوية والقيم الإسلامية، إنما لتعديله بما يتوافق مع الواقع الحداثي. في هذا السياق، روج الخطاب الإسلامي الحركي للكثير من مفاهيم الليبرالية الغربية، حتى وصل الأمر إلى منتهاه مع الحالة المغاربية وتحديداً التونسية إذ صرح حزب النهضة التونسي أن هدفه هو إزالة أي تعارض بين القيم الإسلامية وقيم الحداثة.

وللحديث بقية في دراسات قادمة إن يسر الله ذلك.

[1]  حسن البنا، الإخوان تحت راية القرآن، موقع إخوان- ويكي، 4 أبريل 1939.

[2]  عبده مصطفى الدسوقي- محمد موسى، أول انتخابات شارك فيها الإخوان المسلمين، موقع إخوان- ويكي.

[3]  شفيق شقير، منهج حركة الإخوان المسلمين ورؤاها الفكرية، الجزيرة نت، 3 أكتوبر 2004.

[4]  حسن البنا، معركة المصحف.. أين حكم الله؟، إخوان-ويكي، 16 مايو 1948.

[5]  منهج حركة الإخوان المسلمين ورؤاها الفكرية، مصدر سابق.

[6]  علاء ممدوح، سيد قطب والقيادة الفكرية لتنظيم 65، إخوان -ويكي.

[7]  عمر العبسو، التجربة السياسية للحركة الإسلامية في سورية: د. مصطفى حسني السباعي أنموذجاً، مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية، 3 مارس 2018.

[8]  المصدر نفسه.

[9]  المصدر نفسه.

[10] Raphael lefevre, Ashes of Hama, (New York: oxford university press, 2013), 31.

[11] Ibid, 33-40.

[12]  سيد قطب، معالم في الطريق، الطبعة الشرعية االسادسة، )القاهرة: دار الشروق، (1979، 154.

[13]  نفسه، 154.

[14]  نفسه، 148-162.

[15] Raphael lefevre, Ashes of Hama, 97-102.

[16]  المجموعة اللبنانية للإعلام قناة المنار، ترجمة السيد على خامنئي لكتاب سيد قطب “في ظلال القرآن” طرحت في الأسواق، 15 يونيو 2019.

 قناة الجزيرة، شاهد على العصر – أحمد ياسين- الجزء الثالث، الدقيقة الحادية والعشرين. [17]

[18]  ساري عرابي، سيد قطب وفتحي الشقاقي ومؤتمر غروزني، عربي 21، 6 سبتمبر 2016.

[19] John Calvert, “Sayyid Qutb and origins of Radical Islamism”,(Oxford: oxford university press, 2013), 3-4, 265, 290

[20]  محمد مهدي عاكف، لماذا خاض الإخوان الانتخابات؟، إخوان- ويكي.

[21] Ovamir Anjum, Do Islamists have an intellectual deficit, Brookings, rethinking political Islam series, April 20 2016. 6.

[22] Raymond W. Baker, “Islam without Fear: Egypt and the New Islamists, (Harvard University Press, 2003), 108,173-174,

[23] Ovamir Anjum, Salafis and Democracy: Doctrine and context, the Muslim world 106:3 (448-473), July 2016.

[24] Ibid.

[25]  برنامج حزب الحرية والعدالة، 14.

[26]  نفسه،

[27] Ovamir Anjum, Do Islamists have an intellectual deficit, Brookings, rethinking political Islam series, April 20 2016, 7.

[28] Ibid, 5.

[29] Andrew March, the Caliphate of man: popular sovereignty in modern Islamic thought, (Belknap Press/Harvard University Press, 2019), 210.

[30]  فوزية طلحا، صورة الدولة الحديثة في مخيال الحركات الإسلامية: المغرب وتونس أنموذجاً، مركز الجزيرة للدراسات، النسخة الأولى، سبتمبر 2020، 59،73-74.

[31] The Caliphate of man: popular sovereignty in modern Islamic thought, 173.

[32] Ibid, 174.

[33]  صورة الدولة الحديثة في مخيال الحركات الإسلامية، 63.

[34]  نفسه، 71.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks