الإسلاميون والتطبيع… جدل الضرورة والاختيار

عبد الغني مزوز

باحث في علم اجتماع الثورة- المغرب

تحميل pdf

مقدمة

احتل موضوع التطبيع مكانة مركزية في الخطاب السياسي والشرعي للحركات الإسلامية منذ عقود، وكان عاملاً أساسياً من عوامل امتدادها وانتشار أفكارها في المجتمعات الإسلامية واستقطابها لشرائح واسعة من الناس، ورافداً من روافد مشروعها السياسي التحرري، خصوصاً بعد توقيع مصر ثم الأردن ثم منظمة التحرير الفلسطينية معاهدة السلام مع إسرائيل وتراجع تأثير التيارات القومية واليسارية في الوطن العربي. وظل الحديث عن التطبيع موضوعاً يثير سجالاً لدى التيارات الإسلامية بمختلف مشاربها وتوجهاتها حتى اغتنت المكتبة الإسلامية بآلاف المواد المقروءة والسمعية والمرئية التي تناولت التطبيع إما تأصيلاً لحرمته الشرعية أو تنظيراً لخطورته السياسية والحضارية. فضلاً عن عدد لا يحصى من المؤتمرات الجماهيرية والملتقيات الطلابية التي اعتادت الحركات الإسلامية تنظيمها في مختلف الأقطار العربية حول ذات الموضوع.

في الفترة الأخيرة وفي سياق التدهور المريع للفعل السياسي الإسلامي، وتراجع أداء الحركات الإسلامية، ونتيجة لاستفراد قوى الثورة المضادة بالقرار العربي ذي الصلة بالقضايا المصيرية، دفعت هذه القوى مستغلة جموح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحماسه الشديد لخدمة المشروع الصهيوني في المنطقة باتجاه تدشين مرحلة جديدة في الصراع العربي الإسرائيلي يكون فيها الاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها على كافة المستويات والصعد أولوية أساسية.

بما أن الحركة الإسلامية صدرت نفسها تاريخياً باعتبارها حائط صد في وجه المحاولات التي تسعى للنيل من القضية الفلسطينية، واعتبرت نفسها تجلياً من تجليات المقاومة في أبعادها السياسية والحضارية، وصوتاً مدوياً ضد التطبيع بكافة أشكاله فإنها معنية قبل غيرها بالتطورات الجديدة التي مست أم القضايا الإسلامية. وقد كانت المفاجأة كبيرة عندما عبرت مكونات إسلامية وازنة (شخصيات وحركات) عن مواقف لا تبتعد كثيراً عن مواقف القوى المؤيدة للتطبيع، وبدا واضحاً أن لغة سياسية جديدة آخذة في التبلور تنزع إلى تسويغ التطبيع وشرعنته.

تسعى هذه الورقة إلى استجلاء خلفيات ومحددات موقف الحركة الإسلامية الجديد تجاه قضية التطبيع على ضوء الأسئلة الآتية:

هل جنحت الحركة الإسلامية إلى التطبيع مدفوعة بضغوط تفوق قدرتها على التحمل أم أن لديها قابلية مسبقة للانخراط في مشاريع تتعارض تماماً مع مسلمات خطابها الشرعي والسياسي؟

هل تسويغ التطبيع وتبريره يعبر عن أزمة خطاب أم أزمة أخلاق؟

هل موقف الإسلاميين الراهن من التطبيع موقفاً طارئاً أملته حساسية اللحظة وإكراهاتها أم أنه امتداد لمواقف ملتبسة تجاه قضايا الشعوب العادلة؟

ماهي مآلات الفعل السياسي الإسلامي في ظل نازلة التطبيع وتداعياتها؟

التطبيع في أدبيات الإسلاميين

يعرف عبد الوهاب المسيري التطبيع بأنه:” تغيير ظاهرة ما بحيث تتفق في بنيتها وشكلها واتجاهها مع ما يعده البعض طبيعياً”[1]، وإذا تعلق الأمر بظاهرة يطبعها الشذوذ البنيوي، فإن محاولات تطبيعها أو التطبيع معها يعد ضرباً من ضروب التواطؤ، وأزمة أخلاقية مستحكمة. وقد وجدت الحركة الإسلامية في “القضية الفلسطينية” منذ عقود حقلاً خصباً لتكرير المقولات والسرديات المؤيدة لمشروعها السياسي، ومناسبة لتكريس مشروعيتها باعتبارها بديلاً واعداً لكل الأفكار والتيارات المنافسة لها، خصوصاً وقد أبدت كثير من هذه التيارات قبولها أو على الأقل تفهمها لوجود “دولة إسرائيلية” على حدود السابع من حزيران يونيو 1967.

الأدبيات التي راكمتها الحركات الإسلامية على مدار العقود الماضية، وتقديمها للقضية الفلسطينية باعتبارها قضية عقدية مغلقة، وامتداداً للمعركة الإيمانية الأزلية بين المسلمين واليهود، كل ذلك لم يكن ليدع هامشاً ولو ضئيلاً لما قد يستجد من مواقف تنازلية مهما بدت دواعيها وجيهة. ففلسطين هي فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر، والكيان الصهيوني هو كيان غاصب؛ التطبيع معه بأي شكل من الأشكال وعلى أي صعيد هو خيانة غير مبررة، بل وإبادة حضارة[2].

لم يكن ليشكك أحد في نضال الحركات الإسلامية من أجل القضية الفلسطينية، أو يتبادر إلى ذهنه أن ذلك قد يكون في أكثره مجرد استثمار في مشروع آمن ذي مردود مجزي، ومناسبة لممارسة أقصى ما يمكن من المزايدات ضد خصوم السياسة والأيديولوجيا. وأن القضية التي كانت يوماً قضية عقدية، ستتحول في لحظة ما إلى عبء مزعج يُتوسل بكل ما هو متاح من المبررات من أجل التحرر من تبعاتها.

تطبيع الإسلاميين.. سياق وخلفيات

لقد ظل الإسلاميون أوفياء للقضية الفلسطينية ولم يكفوا عن التلويح بحرمة التطبيع وخطورته ووسم المطبعين بالخيانة حتى اللحظة الأخيرة التي سبقت توقيع سعد الدين العثماني اتفاقية التطبيع بين المغرب وإسرائيل، حيث تغير فجأة خطاب بعض الشخصيات والأحزاب المحسوبة على الحركة الإسلامية، بل إن سعد الدين العثماني نفسه قبل أسابيع فقط من توقيعه اتفاق التطبيع صرح بلغة واضحة ومباشرة أن: “المغرب يرفض أي تطبيع مع الكيان الصهيوني لأن ذلك يعزز موقفه في مواصلة انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني.” [3] كما أكد حزب العدالة والتنمية في بلاغ صادر عنه في ذكرى إحراق المسجد الأقصى في 21/08/2010 أي قبل ثلاثة أشهر فقط من توقيع العثماني اتفاق التطبيع أن:” التطبيع مع الكيان الصهيوني، دعم لعدوانه على الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، ومعاكسة لوحدة الصف الفلسطيني ضد محاولات تصفية القضية الفلسطينية”[4]. ونستذكر في هذا السياق الحملة الإعلامية الواسعة التي أطلقتها مؤسسات إعلامية إما تابعة بشكل مباشر للأحزاب الإسلامية أو مقربة منها ضد إقدام الإمارات والبحرين على تطبيع علاقتهما مع إسرائيل حيث سارعت مثلاً حركة النهضة التونسية إلى إصدار بيان فوري نددت فيه بالخطوة معتبرة إياها:” خطوة استفزازية للشعب الفلسطيني، وللأمتين العربية والإسلامية، والشعوب المناصرة لقضية فلسطين” ومؤكدة” دعمها وتضامنها مع الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية التي أجمعت على إدانة هذا الموقف (الإماراتي)، واعتبرته عدواناً على الشعب الفلسطيني وعلى كل محب للحرية”.[5]

في 22/12/2020 وقع سعد الدين العثماني الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي اتفاق تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل في حدث أثار جدلاً واسعاً حول مدى اقتناع الحزب الإسلامي الذي يقود الحكومة بمسار التطبيع الذي انخرط فيه المغرب. دافع حزب العدالة والتنمية عن أمينه العام وشدد على أهمية الخطوة التي رآها ضرورية من أجل تعزيز وصيانة الوحدة الترابية للمغرب. موقف الحزب الإسلامي في المغرب الذي تحول في ظرف قياسي من اعتبار التطبيع “جريمة وخيانة” إلى المشاركة الفعلية في إبرامه وتسويغه، يدل على أن مواقف بعض الحركات الإسلامية لا تصدر بالضرورة عن إرادة حرة ووعي مسبق مؤطر بمرجعية الحركة الإسلامية وأدبياتها السياسية والشرعية وتراثها الفكري، وإنما تنزع في أغلبها إلى التكيف مع معطيات الواقع وسياقات اللحظة بما يخدم مصلحة الحزب أو الحركة وإن بدا ذلك مخالفاً لقطعيات الخطاب الحركي الإسلامي، ما يعطي للنظرية السياقية في مقاربة الفعل الإسلامي مزيداً من المصداقية.[6]

القفز من الأطروحة إلى نقيضها بشكل حاد وفوري دون مقدمات منطقية أو إبداء أسباب مقنعة ودون الدخول في صيرورة من الحوار والجدل وتداول الأفكار يعطي انطباعاً صريحاً بأن الخلفيات الأيديولوجية للحركات الإسلامية لا تلعب أي دور يذكر في صياغة مواقفها ورسم توجهاتها، وأن الأبعاد البرغماتية في سلوكها وخياراتها فاقت الأبعاد الأخرى. فمواقف الإسلاميين مؤطرة بسياسات الدولة القطرية التي هم جزء من نسيجها. والحفاظ على امتيازاتها السياسية أهم من “تعاليم” خطابها الشرعي.

تطبيع الإسلاميين بين الجبر والاختيار

ساق الإسلاميون مبررات كثيرة لتسويغ انخراطهم في مشاريع التطبيع، ولو أن الوقت لم يسعفهم لتأصيلها وحشد الأدلة على صحتها من الناحية الدينية، فبقيت في إطار المقولات المرتجلة إلى حين، لكن المبرر الأساسي الذي رفعوه في وجه منتقديهم هو أنهم كانوا مضطرين على التوقيع وهم في ذلك في حكم المكره الذي يرتفع عنه التكليف. النقطة التي لم ينتبه إليها الكثيرون هو أن التطبيع لم يكن الخطوة الوحيدة التي أقدم عليها الإسلاميون وخالفوا في ذلك جوهر الخطاب الأيديولوجي الذي قامت عليه حركتهم، لقد جاء التطبيع كتتويج لمسار حافل بالمواقف والسياسات التي تتعارض مع خطابهم وشعاراتهم الدينية والسياسية. ولأن موضوع فلسطين ينطوي على حساسية خاصة، فإن أي تطور يرتبط بها سيكون بالضرورة مثار جدل واسع. لذلك سنجد أن هناك خطوات أخرى أقدم عليها الإسلاميون لكن لم تلق الاهتمام نفسه الذي لقيته قضية التوقيع على اتفاقية التطبيع.

في23/07/2019 صوت نواب حزب العدالة والتنمية في البرلمان المغربي لصالح “قانون الإطار” رقم 17-51 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وهو القانون الذي خلف نقاشاً حاداً بين مختلف الفرقاء السياسيين وجمعيات المجتمع المدني والمهتمين بالحقل العلمي والتربوي في المغرب، واعتبر خبراء وأكاديميون هذا التصويت بمثابة “خيانة لتاريخ المغرب ومستقبل المدرسة الوطنية”، و”انقلاب على الدستور المغربي” الذي ينص في فصله الخامس على أن “تظل العربية اللغة الرسمية للدولة، وتعمل الدولة على حمايتها وتطويرها وتنمية استعمالها”.[7] واعتبر فؤاد بوعلي رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية تمرير قانون الإطار من قبل بعض الأحزاب في البرلمان ومن بينهم حزب العدالة والتنمية أنه:” خيانة للشعب الذي صوت على هذه الأحزاب انطلاقاً من مرجعياتها وقيمها ومبادئها، وهي اليوم تمرر مشروعاً ضد هذه القيم، ينسف كل النضالات من أجل التخلص من الهيمنة الفرنسية سياسياً وعسكرياً وثقافياً وفكرياً وتربوياً.”[8] لقد كان حزب العدالة والتنمية قبل وصوله إلى السلطة من أشد المدافعين عن اللغة العربية وداعماً لتعزيز مكانتها في المنظومة التربوية للملكة وفي المجتمع بشكل عام، وسجل مواقف متقدمة ضد التيارات الفرنكوفونية في المغرب، واعتبر الحزب اللغة العربية مكوناً أصيلاً من مكونات الهوية المغربية التي لا ينبغي التفريط فيها بأي حال من الأحوال. ودخل المعترك الانتخابي ببرنامج سياسي يعلي من شأن اللغة العربية وينادي بتعريب المناهج المدرسية وتفعيل طابعها الرسمي في الوثائق والمعاملات الإدارية. لكن عندما جرى تداول ما عرف في المغرب بقانون الإطار 17-51 الذي رفضته أحزاب وشخصيات ومنظمات مختلفة لم يجد حزب العدالة والتنمية حرجاً في التصويت لصالحه في البرلمان، وكان بإمكانه وهو صاحب الأغلبية أن يعرقل هذا المشروع أو على الأقل أن يفرض تعديلات على بنوده، لكنه لم يفعل وفضل الاصطفاف إلى جانب الأصوات المناهضة للغة العربية.

يتفهم البعض أن يوقع حزب العدالة التنمية على اتفاق التطبيع مع إسرائيل على أساس أن قضايا الشؤون الخارجية هي من أعمال السيادة التي تدخل حصراً ضمن اختصاص المؤسسة الملكية، وأن حضور سعد الدين العثماني مراسم التوقيع هو حضور بروتوكولي بحت، وأن ملف الوحدة الترابية للملكة عابر للشعارات والأيديولوجيا، ولا يقبل الخضوع للعبة المزايدات بين السياسيين، وبالتالي فلا يسع العثماني سوى الحضور باعتباره رئيساً للحكومة، وثاني أهم شخصية سياسية في المغرب بعد الملك محمد السادس. لكن إذا كان هذا حال الحزب في مسألة التوقيع على استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية، فكيف يمكن تفسير موقفه من قانون الإطار الذي ساهم في تمريره دون أن يكون مضطراً إلى ذلك. ولم تكن وثيقة هذا القانون هي الوحيدة التي بصم عليها حزب العدالة والتنمية بل قام الحزب أيضاً بالتصويت لصالح البرتوكول الاختياري الإضافي الأول المرتبط باتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو”،[9] وهي الاتفاقية التي ظل الحزب والإسلاميون عموماً مناهضين لها، لأنها تتضمن مواداً تخالف قطعيات الشريعة الإسلامية وأحكامها الصريحة المتعلقة بالمرأة والأسرة، واعبرها حزب العدالة والتنمية عندما كان في المعارضة” مساً خطيراً بالمرجعية الإسلامية للدولة المغربية”[10] واستعرض مصطفى الرميد القيادي في الحزب ما اعتبره تناقضاً بين الشريعة الإسلامية وبين بعض مواد الاتفاقية، خصوصاً المادتين 9 و 16.[11] لكن في سنة 2015 صوت نواب حزب العدالة والتنمية لصالح الاتفاقية متجاهلاً تحفظات المغرب السابقة على بعض بنودها.

الجدير بالملاحظة في موقف حزب العدالة والتنمية من قانون الإطار 17-51 ومشروع القانون المتعلق باتفاقية “سيداو” هو أن رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران كان قد حث فريق حزبه في البرلمان حين كان أميناً عاماً له ورئيساً للحكومة في 2015 على التصويت لصالح اتفاقية “سيداو”، لكن عندما تم استبعاده من رئاسة الحكومة بعد أزمة سياسية شهدها المغرب عقب انتخابات 2016 وتم تعيين سعد الدين العثماني بديلاً له، وجاء التصويت على قانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين في ولاية هذا الأخير، خرج عبد الإله بنكيران مستنكراً تمرير القانون بلهجة تصعيدية وصلت حد تهديده بترك الحزب، واستغرب كيف يصوت حزب ذو مرجعية إسلامية يحتفي باللغة العربية في خطابه وأدبياته، لصالح قانون يهمش اللغة العربية ويحاصرها[12]. لكن بنكيران نسي كيف دافع عن اتفاقية “سيداو” عندما كان على رأس الحكومة، وحث نواب حزبه على التصويت لصالحها، متجاهلاً مقولات ” الهوية” و”الأصالة” و”المرجعية الإسلامية” التي ما فتئ معارضو الاتفاقية يذكرونه بها دون جدوى.

متغير السلطة

مواقف عبد الإله بكيران هي مجرد عينة أو نموذج يظهر مدى الدور الكبير الذي يلعبه “متغير” السلطة في تحديد مواقف الإسلاميين، لقد راكم الإسلاميون تراثاً فقهياً وعقدياً ضخماً ينظر للدولة الإسلامية المأمولة و المجتمع الإسلامي المنشود وعلقوا تطبيقه بوصولهم إلى سدة السلطة، وروجوا سردياتهم الخلاصية بناء على ذلك. وقد وصلوا فعلاً إلى السلطة في أكثر من قطر وبمختلف الطرق (الانقلاب في السودان، والثورة الشعبية في تونس، والانتخابات الديمقراطية في المغرب) وفي كل مرة يصلون فيها إلى السلطة يتراجع خطاب الهوية والمرجعية الإسلامية في سلوكهم السياسي وأدائهم التدبيري لحساب نزعة برغماتية تسوغ كل فعل ذي مردود على الحزب والتنظيم، مهما بدا هذا الفعل متناقضاً مع بديهيات الفكرة الإسلامية.

نستذكر هنا – إنصافاً للعثماني- أن هذا الأخير لم يكن أول إسلامي ركب قطار التطبيع، بل ثمة مواقف يمكن اعتبارها تطبيعاً مع التطبيع سجلتها قيادات إسلامية أخرى عقب الربيع العربي، وتبدو حينها بالنسبة لهم ضرورية قبل الدخول في معترك السلطة، إنها بمثابة إشعار مسبق لمن يهمهم الأمر في الغرب إلى أنهم جديرون بالسلطة وأن موقفهم من إسرائيل قابل للتغير، ففي 2011 حل راشد الغنوشي ضيفاً على ” معهد سياسيات الشرق الأدنى” معقل المحافظين الجدد والداعمين لإسرائيل في الولايات المتحدة الأمريكية، وما تردد عن اتصاله بمنظمة “أيباك” AIPAC الداعمة لإسرائيل بعد أن كان ممنوعاً من دخول أمريكا، وكذلك إدلاؤه هو ورئيس الوزراء المغربي آنذاك عبد الإله بنكيران بتصريحات لإذاعة “صوت إسرائيل” على هامش منتدى دافوس2012 [13]. إنها إشارات مبكرة برق بها إسلاميو السلطة إلى أهل الحل والعقد في العالم، من القوى الدولية المؤثرة التي لن تقبل بوجود كيانات راديكالية في مواقع صنع القرار تنكر حق إسرائيل في الوجود.

إن للسلطة منطقها الخاص، وميكانيزماتها الفريدة، وقد وقع الإسلاميون ضحية تصورهم الساذج والبدائي لها. لقد اعتقدوا لسنوات طويلة أن الإسلام هو الحل، وبالتالي فكل ما عليهم أن يفعلوه هو أن يقنعوا الناس بالتصويت عليهم ليصلوا إلى السلطة ويطبقوا فوراً نظرياتهم في القانون والاقتصاد والاجتماع، ويحولوا الجاهلية السائدة بتعبير سيد قطب إلى حاضر إسلامي مشرق. السلطة هنا عبارة عن مُركب سلبي، يستطيع من يصل إليه أن يطوعه طبقاً لرغباته وتصوراته. بينما السلطة في حقيقتها عبارة عن بنية معقدة من الميكانيزمات أو التروس التي تعمل وفق منطق خاص بها. الكثيرون ممن راهنوا على تغيير السلطة فور الوصول إليها تحولوا إلى ترس يدور كما تدور تروس السلطة الأخرى. إن للسلطة قدرة هائلة على ترويض أشرس الأيديولوجيات وأصلبها. هكذا فعلت مع الإسلاميين الذين وصلوا إلى السلطة واعتقدوا أنهم أمسكوا بزمامها، بينما السلطة هي التي أمسكت بزمامهم، أرادوا أسلمتها فعلمنتهم. هل هذا يعني التسليم بنزعة جبرية لا ترى انعتاقاً من راهن التخلف، أو تسفيها لمشروع إسلامي تحرري واعد؟ بالطبع لا. إنما هو تقريع لمثالية مكلفة وسذاجة أهدرت أجيالاً.

حركة المقاومة الإسلامية حماس، حركة أصيلة من ثمار دعوة الإخوان المسلمين، وهي بتاريخها النضالي الطويل، عصية على المزايدات، صاغت ميثاقها في بداية تأسيسها عام 1988، واعتمدته لما يقارب الثلاثين سنة، والميثاق مكتوب بلغة دينية واضحة، يُعرف حماس كامتداد للحركة الإسلامية، ويرى حدود فلسطين من النهر إلى البحر.  في 2017 أعلنت حركة حماس إلغاء ميثاقها واستبداله بما سمته “وثيقة المبادئ والسياسات العامة”، وهي وثيقة سياسية تخلت بموجبها حماس عن الكثير من مواقفها ذات الطابع الديني، كالموقف من اليهود مثلاً، كما أعلنت فيها قبولها بدولة فلسطينية على حدود السابع من حزيران يونيو 1967، وهو ما يعني استعدادها الاعتراف بإسرائيل، وهذا موقف بأهمية ومحورية موقف حزب العدالة والتنمية الجديد من إسرائيل. لكن خطوة حركة حماس لم تثر الامتعاض نفسه الذي أثارته خطوة حزب العدالة والتنمية، حتى إن الإسلامي البارز عزام التميمي دافع عن حركة حماس فيما ذهبت إليه من تغيير لميثاقها، وبرر بطريقته الخاصة المادة التي تنص على قبول حماس بدولة فلسطينية على حدود 1967، واعتبر أن ” ما ورد في الوثيقة السياسية الجديدة صحح كثيراً مما عاب الميثاق القديم، وكان سبباً في استمرار تشويه صورة الحركة لدى الرأي العام وسلاحاً في يد أعدائها، لما احتواه من معاداة للسامية واعتماد على التحليل التآمري لأحداث التاريخ.. واستخدامه لغة يغلب عليها الطابع الديني العاطفي بدلاً من السياسي المركز”.[14] مقابل تبريره هذا لموقف حركة حماس الجديد شن التميمي هجوماً شرساً على حزب العدالة والتنمية وأمينه العام سعد الدين العثماني في مقال اختار له عنوان ” العثماني رئيس وزراء البلاط.. إننا منك براء”[15]. ويؤكد هذا الرأي المزدوج طابع الانتقاء لمواقف الإسلاميين من مسألة العلاقة مع إسرائيل والاعتراف بها، حيث تلعب القرابة الأيديولوجية دوراً أساسياً في تحديد مستوى النقد الذي ينبغي أن يوجه لهذه الظاهرة أو تلك، فتطبيع الإمارات والبحرين مثلاً خصصت له مقالات وعرائض وساعات بث متواصلة، أما تطبيع العدالة والتنمية فأقل من ذلك بكثير.

الإسلاميون ومشاريع الاحتلال

هل يجب على الشعوب العربية، ومن علقوا آمالهم على المشروع الإسلامي المخَلّص أن ينتظروا لغاية توقيع الإسلاميين على اتفاق التطبيع مع إسرائيل ليعبروا عن خيبة أملهم في الإسلاميين، وينعوا بالتالي المشروع النهضوي الذي طرحته حركات الإسلام السياسي، كلا فقد كانت هناك علامات مبكرة، نبهت إلى إخفاق هذه الحركات في اختبار السلطة تماماً كما أخفقت في اختبار المعارضة. أما توقيعها على اتفاق التطبيع فهو تحصيل حاصل.

خطورة التطبيع تكمن في كونه تسويغ وشرعنة لحركة امبريالية توسعية، استولت على أراضي وممتلكات الغير بقوة الحديد والنار، ورفض جرائم هذه الحركة هو موقف أخلاقي بحت، لا يحتاج إلى نصوص دينية أو قانونية ليتصف بالحجية والوجاهة اللازمتين. وما يقال عن الاحتلال الإسرائيلي ينسحب على كل القوى الاستعمارية التوسعية الأخرى. لكن طائفة من الحركات الإسلامية ورموزها وعلى مدار عقود مرت اختارت أن تنظر إلى قضايا الشعوب المحتلة من زاوية المردودية السياسية، تنادي بتحرير فلسطين في مهرجاناتها الانتخابية الصاخبة بينما تغض الطرف عن أقطار أخرى ترزح تحت نيران الاحتلال، أو ربما ساهمت في احتلالها.

عقب الغزو الأمريكي للعراق وسقوط نظام صدام حسين، عمدت سلطة الاحتلال الأمريكي إلى إنشاء مجلس حكم انتقالي تحت إشرافها، وبرعاية حاكمها المدني هناك بول بريمر. ولم تمنع جريمة حصار العراق وتدميره واحتلاله الحزب الإسلامي وهو ممثل جماعة الإخوان المسلمين في العراق من المشاركة في هذا المجلس، والمساهمة في إضفاء مسحة مدنية على قرارات الاحتلال، ثم شارك الحزب في العملية السياسية التي وضعت العراق في عهدة جماعات طائفية دموية، وتبوأ زعماء الحزب مقابل ذلك مناصب رفيعة في عراق الاحتلال. وعندما استحكمت القوى الطائفية بمساعدة من القوات الأجنبية على مقدرات العراق وانتفت الحاجة إلى الوجوه السنية الشكلية، انقلبت عليها ولاحقتها وحكمت عليها بالإعدام، ومُحض العراق للقوى الطائفية. وخلال سنوات انخراط الحزب الإسلامي العراقي في مشروع الاحتلال لم يصدر عن جماعة الإخوان المسلمين بيان واحد يندد بموقف فرعها العراقي من الاحتلال. هذا ليس تطبيعاً فقط؛ هذا رفد لقوى الاحتلال واشتغال في خطوطه المتقدمة.

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، واستعدادات الجيش الأمريكي لغزو أفغانستان، راجت فتوى مثيرة للجدل وقع عليها كبار رموز العمل الإسلامي مثل يوسف القرضاوي وطه جابر العلواني وفهمي هويدي ومحمد سليم العوا وهيتم الخياط وطارق البشري، الفتوى تنص على جواز مشاركة المسلمين في الجيش الأمريكي في غزو أفغانستان وحرمة استقالتهم منه لأن ذلك يشكك في ولائهم ووطنيتهم. رد الكثير من علماء ووجهاء العالم الإسلامي على الفتوى واعتبروها تسويغاً غريباً لاحتلال بلد مسلم. وقد انتشرت الفتوى حينها بعد إجراء القرضاوي تنقيحات عليها حتى تبدو ملائمة للتداول. وقد اعتذر يوسف القرضاوي لاحقاً عن الفتوى وأقر بخطأ اعتمادها والتوقيع عليها.[16]

كان ذلك موقف بعض الحركات الإسلامية وقادة العمل الإسلامي من حدثين بارزين كان لهما دوراً رئيسياً في صياغة حاضر العالم العربي والإسلامي، أما موقف هذه الحركات من الهبات والانتفاضات الشعبية فهو معروف؛ تراجعٌ في البداية ثم ركوب لموجة التغيير، ووصول إلى السلطة، فسقوط منها، بعد صفقات وتفاهمات مع القوى المناهضة للثورة.

مآل الحركات الإسلامية زمن التطبيع

يصلح مفهوم “التنافر المعرفي” الذي قدمه عالم النفس الاجتماعي ليون فيستنغر أن يكون مدخلاً لتفسير وفهم سلوك الإسلاميين بعد انخراطهم في مشاريع التطبيع. ويمكن تعريف التنافر المعرفي cognitive dissonance بأنه حالة من التوتر أو الإجهاد العقلي أو عدم الراحة التي يعاني منها الفرد الذي يتبنى اثنين أو أكثر من المعتقدات أو الأفكار أو القيم المتناقضة في نفس الوقت، أو يقوم بسلوك يتعارض مع معتقداته وأفكاره وقيمه، أو يواجه بمعلومات جديدة تتعارض مع المعتقدات والأفكار والقيم الموجودة لديه.[17] فالكثير من الإسلاميين اليوم ممن وجدوا أنفسهم مضطرين لتبرير الدخول في مشاريع التطبيع وقد كانوا قبل ذلك من أشد المعارضين لها هم في واقع الأمر يعيشون حالة من “التنافر المعرفي”. وللخروج من وضع التوتر الناجم عن هذا التنافر سيتوصل الإسلاميون إلى مجموعة الآليات لإضفاء بعض التوافق والانسجام على خطابهم، ومن هذه الآليات:

آلية اللغة: تتيح اللغة ومفرداتها وصيغها اللامحدوة قدراً كبيراً من الإمكانات التعبيرية، وبإمكان المتمرس عليها أن يتعسف بواسطة التراكيب اللغوية في جمع أشد الظواهر تناقضاً. وهكذا سيطمس الخطاب اللغوي الحدود بين التناقضات ويقدمها باعتبارها كلاً منسجماً ومتماسكاً. قراءة في بيانات حزب العدالة والتنمية وتصريحات قيادية بعد توقيعهم على اتفاقية التطبيع ستكشف جانباً من عمل هذه الآلية.

الحيل الأصولية: نسجاً على منوال “الحيل الفقهية” المعروفة في حقل الفقه الإسلامي، والحيل الأصولية أقصد بها الاستعانة بالمعجم المقاصدي في تبرير التطبيع. وكما هو معلوم فإن مجال المقاصد مجال خصب لتأسيس الشرعيات المتهافتة عن طريق التوظيف المخل للقواعد الأصولية.

تجنب الخوض في القضايا الجوهرية التي تعزز الشعور بالتنافر، والاستعاضة عنها بقضايا هي محل إجماع، كما يفعل حزب العدالة والتنمية عند أي نقاش حول التطبيع إذ يعمد الى استدعاء قضية الوحدة الترابية للمملكة.

لذلك فخطاب الحركات الإسلامية التي دخلت نفق التطبيع، هو خطاب أزمة، خطاب البحث عن الانسجام والتوازن المفقود. ولعل فصلها بين الدعوي والسياسي أسعفها لتصريف أصواتها الداخلية المنددة بما اقترفته قيادتها السياسية من خطيئة التطبيع. وقد تكون هذه الخطيئة أولى العلامات الكبرى على النبوءة التي تنبأت بأفول الإسلام السياسي.

خاتمة

لقد خسرت الحركات الإسلامية الكثير من رصيدها الشعبي، وباتت شرعيتها محل سؤال من قواعدها نفسها. وإذا كان الحديث عن ترميم شرعية متداعية قبل انخراطها في مشاريع التطبيع أمراً مستساغاً فإن الحديث عن ذلك زمن التطبيع يعد أمراً مستبعداً تماماً. إذ كيف يمكن إقناع أجيال احتلت القضية الفلسطينية وعيها ووجدانها بالولاء لحركات تعاطت التطبيع ممارسة وتسويغاً.

[1] عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، المجلد السابع، دار الشروق، الطبعة الأولى 1999، ص:13

[2] مقال للعثماني يرفض التطبيع قبل 25 عاما، عربي21، 23/12/2020، https://cutt.us/UYHS5

[3] العثماني: المغرب يرفض تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، القدس العربي، 23/08/2020، https://cutt.us/0dvzX

[4] المصباح: التطبيع مع الكيان الصهيوني دعم لعدوانه، موقع حزب العدالة والتنمية، 21/08/2020، https://www.pjd.ma/node/72083

[5] النهضة التونسية تدين اتفاق السلام الإماراتي مع الاحتلال، عربي21، 15/08/2020، https://cutt.us/pyl4c

[6] الإسلاميون والتطبيع ومنطق الدولة الوطنية، حسن أبو هنية، عربي21، 27/12/2020، https://cutt.us/a5m37

[7] فرنسة التعليم في المغرب: إصلاح أم تهديد وهيمنة، حنان النبلي، العربي الجديد، 17/07/2019،https://cutt.us/aRSLh

[8] المصدر نفسه

[9] اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة أو سيداو (بالإنجليزية: Convention on the Elimination of All Forms of Discrimination Against Women، واختصاراً: CEDAW) هي معاهدة دولية اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1979. وتصفها على أنها وثيقة الحقوق الدولية للنساء، صُدّقت المعاهدة في 3 سبتمبر من عام 1981 ووقعت عليها أكثر من 189 دولة من بينهم أكثر من خمسين دولة وافقت مع بعض التحفظات والاعتراضات، من ضمنها 38 دولة رفضت تطبيق البند رقم 38 من الاتفاقية، والذي يتعلق بسبل تسوية الخلافات المتعلقة بفهم الاتفاقية. المصدر: ويكبيديا

[10] انقسام في المغرب حول مكتسبات المرأة، DW، 13/10/2011، https://cutt.us/h4Np7

[11] المصدر السابق

[12] بسبب قانون الإطار للتعليم.. ابن كيران يهاجم العثماني ويزلزل حزبه، أحداث أنفو، 21/07/2019، https://ahdath.info/501524

[13] الإسلاميون بين الأيديولوجيا والسلطة، معتز الخطيب، الجزيرة نت، 16/12/2020، https://cutt.us/cCoSP

[14] عزام التميمي: حماس حركة مؤسسات لن يضرها تغير القيادة، وكالة الأناضول، 09/05/2017، https://cutt.us/P6GTx

[15] العثماني رئيس وزراء البلاط إننا منك براء، عزام التميمي، عربي21، 23/12/2020، https://cutt.us/Xkp35

[16] حوار الشيخ القرضاوي مع صحيفة الشرق (6)، موقع يوسف القرضاوي، 4/06/2015 https://www.al-qaradawi.net/node/569

[17] التنافر المعرفي، موسوعة ويكيبديا الحرة، https://cutt.us/syXi9

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks