الأسس المفاهمية للظاهرة الإقليمية: مقاربة من منظور إسلامي

د. رمزي بن دبكة

الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا

تحميل pdf

تشترك التجارب الإقليمية في خصائص متعدّدة تم تأطيرها ضمن منظور غربي وتأكيد بعضها من خلال تجارب ناجحة. غير أنّ هذا المنظور الإقليمي تطوّر خارج سياق الميزة الإسلاميّة الذي يعكس الخصائص المتباينة للإقليمية التي يجب تضمينها في أي مناقشة داخل الدول الإسلاميّة. تبرز حالة منطقة الشرق الأوسط بوضوح في هذا السياق من حيث اختلاف المنطقة عن باقي مناطق العالم بوجود الميزة الإسلاميّة. تتناول هذه الدراسة سؤالين بحثيين أساسيين. أولاً، ما هو المنظور الإسلامي للتعاون الإقليمي؟ ثانيًا، هل للإسلام دور في إعادة تشكيل التكامل الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط؟ وتتمثل الأهداف في توضيح اختلاف المنظور الإسلامي للإقليمية عن المنظور الغربي ودراسة دور الإسلام كوحدة مبدئية لتشكيل الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط. تستخدم هذه الدراسة المنهج التحليلي الاستقصائي لمناقشة المنظور الإسلامي للإقليمية. لقد أظهر البحث بأنّ الوحدة المبدئية غير الإسلامية كالقومية العربية والوطنيّة غير الواعية أدّت إلى عملية تكامل إقليمي بطيء وضعيف مع غياب أو قلة الاعتماد على القيم الإسلامية. ومن ناحية أخرى، فإنّ منطقة الشرق الأوسط تعتمد على الآليات السياسية والاقتصادية الغربية ولكنها لم تصل إلى درجة الوحدة. كما أنّ الاستمرار في تعزيز الهوية الجزئية في الشرق الأوسط قد عطّل الوحدة الإقليمية بل وتماسك المنطقة وذلك بسبب تغييب الميزة الإسلاميّة.

  • مقدمة تعريفية

الأصل في أمة الإسلام التركيب، أي أنّها أمّة مركّبة من أجزاء غير منفكة عن بعضها البعض. ومنه فإنّ الأجزاء إذا لم تكن متّصلة كما أرادها الإسلام فإنها تصبح عرضة للمزيد من التفكّك والاحتواء من الخارج كما أنها تصبح معرّضة لظهور الإشكالات البينيّة المؤصّلة للأزمة بين الأجزاء، أي الدول. ولا ريب بأنّ أكثر ما يمزّق الأمة ويجعلها متفككة الأجزاء هو بعدها عن أصل التركيب ألا وهو البعد الإسلامي في مفهوم البناء. إنّ الإقليمية كظاهرة أو كواقع وجب لها أن تنبثق من نظرة شمولية لها ترجع بتلك الأجزاء، أي الدول إلى الكلّي، الأمة. فالنظرة التفكيكية للأمة من خلال معالجة قضايا التكامل والتعاون والبناء والتنمية والتقدّم على أساس تفكيكي، يجعل الإقليمية أقرب منها للاستحالة بسبب الخلل الذي تحدثه هذه الممارسة في أصل الأمّة. بحيث أن كل جزء، أي الدولة، له فهمه الخاص لتلك القضايا الأصيلة والمصيرية فيصبح ذلك الفهم تصوراً فأيديولوجية متّبعة فواقعا معاشاً، وهكذا تتعدّد الأيديولوجيات المتصارعة والوقائع المنفصلة والممارسات القاصرة التي تؤمن بالجزء وتريد تعميم ذلك الطرح على الكل فينعقد الخلاف ويُرفع التوافق.

إنّ أغلب ممارسات الدول المسلمة وخاصة في المنطقة التي باتت تعرف بالشرق الأوسط، تكرّس للمزيد من التباعد الإقليمي بالرغم من التقارب الجغرافي، والتقارب الخارجي المفتقر للتقارب الجغرافي والتاريخي والحضاري. فالسياقات الإقليمية وخاصة المتعلّقة بالشرق الأوسط هي سياقات أيديولوجية ترسمها المصالح ولكنها ليست بالمصالح الكليّة الخادمة للإقليم، وإنّما مصالح الأجزاء المشكّلة لذلك الكل والمتمثلة في الدول. وكلما زادت تغذية الأجزاء بمصالحها الخاصة، زاد تباعدها عن مصلحة الإقليم العامّة فهي إذاً قضية مضطّردة. ومنه فإنّ زيادة مصالح الأجزاء نتج عنه التباعد المستمر عن المصلحة الإقليمية العليا والمتمثّلة في الوحدة والتكامل. وأنبّه هنا إلى أننّا نطلق على المنطقة الشرق الأوسط باعتبار الحال وما أريد للمنطقة أن تكون على أنّها مجموعة من الدول الحديثة المتباينة، لأنّ البعض قد ينافح لصالح مصطلحات أخرى كالمنطقة العربية وغيرها من المصطلحات التي لم تخدم الوحدة. فتعامل المنطقة بما عليه الحال وبما أراده له غيرها هو من باب الأولى إلى أن يتحقّق ما هو مراد للمنطقة من وحدة بين دولها فيسمّى حينها بما يقتضيه المقام.

وبالرغم من المظاهر السائدة المتعلّقة بالشقاق والتباعد والاختلاف الذي لم يكن رحيماً بين الدول، إلاّ أنّ أهم ما يشير له الباحث هو غياب الوحدة المبدئية كأساس للتقارب وتجميع المنفك. فالوحدة المبدئية قد يكون منطلقها الدولة الحديثة كجزء ولكن هذه الوحدة المبدئية داخل الأجزاء وجب أن تكون متناسقة كما جاء بها الإسلام متّصلة رائقة. إذ إنّ الإسلام يجبّ ما قبله ومن جملة ما يجبّه الانتماءات المتفرّقة والمفرّقة والصراعات الدّائمة والمصالح الضيقة. فالإسلام دين يجمع تحت كنفه مختلف الأطياف تحت بوتقة التوحيد والدين. ومنه فإنّ غياب البعد الجامع المتمثّل في الإسلام هو حتماً تضييع للوحدة لأنّها متخلّفة في حضرة الأجزاء. والوحدة المبدئية التي هي تعاليم الإسلام بين الدول تشمل الحاكم والمحكوم على حد سواء، كما أنّها تشمل كل المجالات ولا يتخلّف مجال عنها. وترجع هذه الشمولية في الطرح إلى شمولية مقاصد الإسلام ذاتها، والتي لا تؤيّد التفكّك والتباعد بين الأجزاء والتفريق بين المجالات إلاّ ما كان خادماً للوحدة والألفة كما سيأتي ذكره. ومنه فإنّ السّعي إلى الوحدة الإقليمية يحتاج إلى أساس مفاهيمي يكون أنموذجاً يعاد صياغته في إطار إسلامي خادم للفكرة وجامع للمفرّق ومفرّق لما يجزّئ الأمّة من ممارسات واختلافات.

إنّ البحث عن الأنموذج الذي يعيد تجميع المفكّك هو بحث عن نسق، ويعرّف ناصر يوسف[1] النسق خلال تقديمه للتنمية المركّبة على أنّه: ” كل ما اتّسق، وهو رتق لما قد انفتق، ومن ثم هو عطف، ونظام، وترتيب وتركيب وانسجام وامتلاء. فالنسق يغتني بالمجموع، والقلّة لا تستغني عن النسق لتحصيل الكثرة؛ وهذا مانراه التركيب عينه، بخلاف الكل المهترئ الذي قد يتملّص منه الجزء المتهور-وهو يحسب أنه الكل الذي يدعي امتلاك مفاتيح التطور- في غياب النسق؛ ما قد يحيل الرتق إلى فتق، فلا تحصل تنمية مركّبة أبداً”.

فالنسق أو الأنموذج هو ذاته بحث عن تركيب وإعادة بناء وهيكلة للإقليم بكل مجالاته وأجزائه من أجل الوحدة، هذه الوحدة التي كانت ظاهرية أكثر من كونها فعليّة، فتشكّلها في منظمات وهيئات لم يكن ليخرج الإقليمية من الأزمة إلى الحل ولم يسقط الخطابات والتفاعلات على الواقع، بل زاد من تأزّم العلاقات بين الأجزاء كما ذكرنا، وأنزل الممارسات السلبيّة من الحكّام إلى المحكومين، فأصبح الخلاف والشقاق والفرقة والتفكّك واقعاً معاشاً وظاهرة مستفيضة لا يمكن للشعارات الزائفة أن تخمدها ولا للمظاهر أن تخفيها.

لقد كان للحروب والنزاعات والصراعات الإقليمية دوراً فاعلاً في التراجع الحضاري والتخلّف السياسي والاقتصادي المشهود. ولكن تبقى هذه النزاعات في خانة المآلات بدل الأسباب، إذ إنّها تعتبر نتيجة حتمية لعوامل التفكّك والتقسيم وعدم التوافق. ومنه فإنّ الحرب والنزاع والصراع هي إشكالات بينيّة طارئة بين أطراف متفككة تسعى لكسب النفوذ ودعم وتغذية المزيد من التباين من خلال دعم دعائم الدولة الحديثة، على أساس أنّ مفهوم الدولة غير قابل للمراجعة في أصل انبثاقها، بغض النظر عن استيفائها لمقتضيات ساكنيها والمنطقة ككل.

تاريخياً، كان لخروج الأمم والطوائف المختلفة من الوثنيات والشرك وعبادة غير الله  والدخول في الإسلام في حد ذاته تركيباً وتوحيداً وتقوية للأمة الواحدة الموحّدة العابدة،” فقد جاء الإسلام ليضع حدًا فاصلاً بين وجود الأمم من قبله وبين وجودها به في الإسلام”[2]. فيكون الإسلام كدين ومنهج للحياة جامعاً لتلك الأمم المتفرقة وحامياً للوحدة المنبثقة. ومنه فإنّ التفكك من خلال التجزئة إلى دول وأقاليم لم يكن أصلاً في الإسلام بل فرعاً خادماً له. أي أنّ وجود الأقاليم والولايات والممالك والإمارات غرضه تنظيم حياة الناس والخلافة، وكل فعل للإمارة خارج عن نطاق الخلافة هو تفكيك لها، فيستدعي المراعاة والتنبيه والتحرّك.

أما وفي ظل غياب الخلافة، كان للدولة دور القيام بشؤونها ومراعاة مصالحها ولكن وجب لهذه المصالح أن تكون متناسقة مع مصالح غيرها من الدول المجاورة لها لأنّ مصالح المسلمين جامعة وأولى. ولكن الذي حدث هو أنّ مصالح الدولة وفي الكثير من الأحيان، مصالح لجماعة خاصة داخل الدولة أصبحت هي المعيار في ترسيخ ما يجب وما لا يجب مع بقية الدول، وبالتالي تعدّدت المصالح والممارسات وبقيت الفرقة واحدة قابعة لا تريد التحرّك والانفكاك عن الإقليمية في صورة غير ملائمة للإسلام. ثم إنّ سعي النخب الحاكمة إلى تسييس الوحدة المبدئيّة ومنه تسييس الهويّة من خلال إخضاعها وجعلها أكثر قرباً منها بدل جعل الهويّة فاعلة ومساهمة في تطوير واستمرار الدولة، وثالثاً، التصورات والمظاهر التي ارتسمت في الدولة العربيّة الحديثة نتيجة تفكّك الوحدة المبدئيّة وعدم ملاءمتها لمرحلة التأسيس.

فرضية الدراسة

تفترض الدراسة بأنّ بناء الوحدة الإقليمية وتأسيسها لا يمكن أن يتأتّى إلاّ من خلال وجود وحدة مبدئية بين أفرادها كافة تمكّنهم من الانطلاق في مشروع تأسيسها. ثمّ إنّ طبيعة تلك الوحدة هي التي تعطي الهويّة لتلك الإقليمية. ومنه فإنّ نجاح مشروع بناء الوحدة الحديثة مقرون ومرتبط أساساً بتفعيل الحديث وتحديد أهم المسائل والعوائق التي تتعلّق بمسألة الإقليمية، كمسألة أصل تأسيس الدولة في الشرق الأوسط والعوامل التي ساهمت في تحديد وحدتها المبدئيّة، ثانياً؛ إلى أن الإقليمية المبنية على تصور إسلامي تختلف عن نظيرتها في الغرب التي تكتفي بالتوجّه البراغماتي النفعي المفتقر إلى الروحي الشمولي والمحقّق للمقاصد، ثالثاً؛ يكون طرح التصور الإسلامي بداية مجرّدة للواقع ومؤصلاً لما يجب أن يكون في الابتداء بدل الانغماس في الواقع والنهاية بطرح مثالي لا يخدم التطبيق. ومنه فإنّ إيجاد حلول لهاته المسألة مستقبلاً هو ما سيمكّن من وضع أسس حقيقيّة للإقليمية في الشرق الأوسط على الأقل.

أسئلة الدراسة

يمكن القول بأنّه وبناءً على ما تقدّم فإنّ أهم الأسئلة المطروحة لهذه الدراسة تكمن في الآتي:

  1. ماهي التوجهات الإقليمية السائدة في منطقة الشرق الأوسط وكيف يختلف المنظور الإسلامي عن المنظور الغربي للتكامل والوحدة؟
  2. هل لغياب الوحدة المبدئية الفاعلة للدولة أو تسيسها دور فيما آلت إليه الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط وكيف حدث ذلك؟
  3. كيف يمكن رسم الوحدة المبدئيّة وتشكيل هويّة جامعة للشعب والنخبة الحاكمة تمكّنها من النمو والتقدّم نحو الوحدة بدل الدخول في حروب ونزاعات؟

القضايا البحثيّة

إنّ أهم القضايا المترتّبة عن الإشكاليّة البحثيّة هي كالآتي:

  • إبراز أهمية الوحدة المبدئيّة ودورها في تأسيس الإقليمية من منظور إسلامي مع التركيز على التحولات والمتغيرات التي ساهمت في التأسيس الخاطئ للإقليمية كالقومية العربية.
  • تسييس الهويّة كوحدة فاعلة لتأسيس الدولة وبنائها وجعلها خاضعة للنخبة الحاكمة وغير فاعلة من حيث الوظيفة من أجل الوحدة الإقليمية وتكاملها.
  • النتائج التي آلت إليها المنطقة جرّاء وجود عيوب في التأسيس وما قد ينتج عنه مستقبلاً من مظاهر وإشكالات.
  • السبل والخطوات الممكنة في إعادة رسم الوحدة المبدئيّة ومنه تشكيل هويّة فاعلة وبناء الدولة على أسس سليمة تراعي المصلحة الجماعية لبقيّة دول الإقليم وبما يتماشى مع المقاصد الكليّة وذلك انطلاقاً من وجود معطيات وتصورات إيجابيّة كتوافر الشعوب المسلمة والرغبة الكبيرة للشعوب في تطبيق الشريعة مما يسهّل عمليّة التكامل والوحدة.

منهج البحث

إنّ المنهج المستخدم في هذه الدراسة هو المنهج التحليلي الاستقصائي. إذ إنّ المنهج التحليلي الاستقصائي يفصّل في الأسباب والنتائج بين مختلف المتغيرات والعوامل المساهمة في بناء الوحدة المبدئيّة لتأسيس الوحدة الإقليمية في المنطقة العربيّة والإسلامية. كما أنّ المنهج التحليلي الاستقصائي لا يهمل دراسة العلاقة بين موضوع الدراسة ومختلف الفواعل الأخرى التي يمكن لها أن تؤثّر في نتائج الدراسة ومنه فإنّ المنهج يعطي صورة واضحة ومتكاملة للقارئ عن طبيعة الوحدة المبدئيّة في حالة تأسيس الوحدة في المنطقة التي باتت تعرف بالشرق الأوسط وأهم المسائل المتعلٌّقة بها وصولاً إلى مزيد من الاستيعاب لمآلات تلك الوحدة على المنطقة. وقبل الخوض في تلكم المسائل نرى ضرورة وجود مدخل ومقدّمة تعريفيّة بالموضوع. أمّا فيما يتعلّق بالإجابة على الأسئلة البحثية وفق المنهجية المطروحة لهذا البحث، فقد قسّمت هذه الدراسة على النحو الآتي:

  1. التوجهات الإقليمية السائدة: ذكر لأهم التوجهات السائدة كالعروبة والقومية وعلاقتها بالمنظور الإسلامي من حيث التعطيل والنزاع أو الإسقاط والاحتواء.
  2. اختلاف الظاهرة الإقليمية الإسلامية عن الأنماط الغربية: كيف تختلف الظاهرة الإقليمية الإسلامية عن الغربية من حيث الخصائص؟ ماهي أوجه التوازن وما هي نقاط الافتراق؟ وذلك حتى تتميز الظاهرة الإقليمية عن تلك الموجودة في دول الغرب.
  3. أهم الأسس المفاهمية الإسلامية للإقليمية: مناقشة لأهم نظرتين إسلاميتين وهما الشمولية الكلية القائمة على الممكن المتطلع إليه والتدرج المصلحي القائم على الواقع الملازم للإقليمية.
  4. التطبيقات الممكنة للإقليمية من خلال المفاهيم الإسلامية: محاولة بناء مفاهمية للإقليمية الخادمة القابلة للتطبيق.
  5. الخاتمة
  • التوجهات الإقليمية السائدة

ممّا لا يثير الدهشة، أنّ هناك نقصًا في التنمية الاقتصادية وتخلفاً اجتماعياً وحضارياً ورداءة سياسية وتيهاً تعليمياً وأكاديمياً والتي يمكن أن تُعزى إلى مشاكل وأزمات متعدّدة في بلدان الشرق الأوسط. ترجع هذه الأزمات في أصلها إلى غياب البعد الجامع الديني وإلى وجود المؤسسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الضعيفة، والسياسات الاقتصادية السيئة، وسيادة القانون الاقتصادي المتخلّف، فضلاً عن الأمور التقليدية الأخرى كسطوة جماعات معيّنة داخل كل دولة تحتكم إلى مصالحها الخاصة المانعة للتقدّم والتنمية والخادمة للتخلّف والصراع.

يمكن حصر كل ما سبق من عوائق وأزمات في ثلاثة أوجه تلت مرحلة الانحطاط وتشكّل الدول في المنطقة، وعلى رأسها استمرار التبعية الاقتصادية المستلزمة للتبعية السياسية والثقافية والمنتهية بالتبعية في اتخاذ القرار. ثانياً، النماذج الاقتصادية التي استخدمتها الدول التي سميت بالشرق أوسطية منذ استقلالها واعتمادها الاقتصادي المفرط على دول أخرى مسؤولة عن التكامل الاقتصادي الكئيب في هذه المنطقة وعن تأخّرها عن الركب الحضاري. ومع ذلك كلّه، تأتي المسألة الإسلامية فلم يكن للدين دور يلعبه في هذه الحالة بل على العكس من ذلك كان محارباً في الكثير من الأحيان داخل المنطقة وأصبحت شموليته لكل مظاهر الحياة تدخلاً فيها، ومحاربته للفرقة والفساد والاختلاف والجهل إعراضاً عن الحق وعن الحريّة وعن التقدّم. إذن، ومن خلال هذه الصورة يصبح التصوّر الإسلامي ليس واجب الاتباع كمنهج بل واجب التغيير كتابع لغيره، وهذا ما يظهر جليّاً من خلال الخطابات والحلقات والمناهج والتصورات الكثيرة التي تعرض على الناس بأسماء مختلفة ولكن بهدف مشترك وهو تقصير الفعل الديني على الذات وتحييده عن الشمول. يلخّص الشكل (1) ما ذكر آنفاً من عوائق ومسالك في منطقة الشرق الأوسط التي أدّت إلى تصوّر إقليمي قاصر.

الشكل (1) أسباب تخلّف الإقليمية في الشرق الأوسط

لقد كان للأزمات والأحداث التي عصفت بالدول الشرق أوسطية دوراً بأن تستدرج الباحثين إلى محاولة فهم الخلل الذي أصاب الشعور بالانتماء إلى الأمّة أو الوطن أو المنطقة، وما نتج عنه من تفكّك في الوحدة المبدئية البنيوية وتهديد بانهيار الدول والإقليمية أو تجزئته المقصودة من جديد بعد قرن من زمن التجزئة الأولى. لقد ظهر جلياً بأنّ مسألة الوحدة داخل الدولة التي ما فتئت تتركّب ويعاد تركيبها من مرحلة لأخرى باتت تشكّل عائقاً كبيراً في استمرار الدول العربيّة على وجه الخصوص. ويزداد الأمر تعقيداً وصعوبة عندما نعلم بأنّ الدول العربية مثلاً من خلال نخبها وأهم الفواعل السياسية والاجتماعيّة داخلها ترى بأنّ أصل تأسيس الدولة واضح وجلي، بل وفي بعض الحالات يُتعامل معه على أنّه شيء مقدّس ولا يجب مراجعته وإعطاؤه الفاعليّة اللازمة التي قد توحّد الشعب نحو دولة أقوى وأفضل وتوحّد الإقليم كأساس لوحدة الأمّة المنشودة.

فإذا كان أصل التأسيس هو الانتصار على المستعمر والانطلاق في بناء دولة، فإنّه ومع مرور الأعوام والسنون لم يتطوّر أصل البناء وبقي قابعاً على مجرّد الشعور بالانتصار مع تسييس لفكرة هويّة الدولة والتعامل معها على أنّها حكر على فئة معيّنة في غالب الأحيان تكون هي الفئة الحاكمة. ومنه فإنّ الشعور بالانتصار على المستعمر لا يشكّل هويّة للدولة بحد ّذاته بل وجب أن تكون الهويّة فاعلة ومبنيّة على فكرة أعمق من أجل بناء الوحدة.

نظراً لما سبق، فإنّ تشكًل الهوية الجديدة مع بداية بناء الدولة الحديثة في المنطقة كان غير خادم للوحدة أصلاً، ولا يمكن اعتماده كمرجع لتأسيس الإقليمية مالم يقترن بالمرجع الإسلامي الذي يبني الشخصية والهويّة في المنطقة.

  • القومية العربية (العروبة)

يمكن اعتبار القومية العربية كأيديولوجية في منطقة الشرق الأوسط. يلاحظ بأن كتابات وأفكار رواد هذا التيار ومؤسسيه كالحصري[3] وغيره، وكتابات القوميين العرب الآخرين، لا تبدي اهتماماً بل وتجاهلاً تاماً أحياناً للكيانات والمقومات الإقليمية الأخرى، لا سيما التراث الديني في المنطقة. إن تراث الحضارة العربية الإسلامية غائب عن خطابهم، ليس كمرجع فقط بل حتى كمصدر إلهام وتغذية للوحدة المرجوة إلاّ فيما نذر.[4]

وباختصار، يتصوّر القوميون الإقليمية عربية ولكن خارج أيّة مرجعية إسلامية أو سلطة شرعية أو تصوراً شاملاً. إذ إنّ السلطة الوحيدة المعترف بها هي السلطة الخارجة عن روحها، أي عروبة بلا إسلام. يبدو أنّ هذا الفهم لا يخرج عن المرجعية الأوروبية في الطرح من خلال فهم الوحدة والتوجّه الإقليمي على أساس لغوي أو قومي منفصل عن الأساس الأصيل الجامع ألا وهو الإسلام. فالعروبة كعقيدة وأيديولوجيا في الشرق الأوسط هي قديمة قدم ما قبل الإسلام الذي جبّ كلّ عقيدة قبله، ولكنها حديثة حداثة الحضارة الغربية من حيث التبني والفهم والطرح. وفي حين أنّ هدف القوميين العرب هو توحيد العرب، فإنّ الوسيلة والمرجعية هي غربية بالأساس وبالتالي فهي دخيلة من هذا الجانب. في هذا الصدد، حاول الطيبي[5] التمييز بين القومية العربية في دول الشرق الأوسط والقومية الأوروبية من حيث التكوين والتاريخ الذي يرتبط أساساً بأصل تأسيس الدولة. ومع الفرق الموجود، فإنّ بناء الدولة في منطقة الشرق الأوسط يعتمد بشكل وثيق على مفهوم الوطنية (المواطنة) كمفهوم جديد في المنطقة مواز لمفاهيم أخرى كالخلافة والوحدة، وهذا مشابه في الحقيقة للطرح الغربي الذي يؤمن بالمواطنة كعقيدة ويكفر بالوحدة إن كانت ناتجة عن دين وعقيدة.

هناك قضية أخرى وجب التنبيه عليها عند دراسة القومية في منطقة الشرق الأوسط بحيث يصعب التغافل عنها ألا وهي سبب تأسيس الأجزاء في المنطقة. يعتقد الجابري[6] مثلاً، أنّه لا يمكن دائمًا تحديد الأيديولوجيا بشكل موضوعي وفقًا لمبادئها ولكن يجب النظر إليها جنبًا إلى جنب مع أيديولوجية معارضة لها. إذ غالباً ما يكون تحديد عدو أو معارضة خطوة رئيسية في بناء القومية. على سبيل المثال، بمجرّد أن تبلورت فكرة القومية العربية، نمت كفكر وكحركة سياسية من أجل التحرير ثم بناء دولة جديدة كمصر والجزائر والعراق وسوريا. في البداية، كانت القومية التركية معارضة لها ومنه فإنّ القومية العربية كانت مقابلة للقومية التركية، ولكن بعد ذلك، تم تبني الأيديولوجيات الأوروبية ومفاهيمها للوطنية والوحدة مع احتلالهم لمعظم الدول العربية. لقد أصبح من الصعوبة بمكان للدول في المنطقة بأن تتبنّى فهماً مخالفاً لأصل بنائها لذلك لم يعد من الممكن تبنّي التراث الإسلامي لأنّه قد يتعارض مع أصل هذا البناء ويدفع نحو التعاون والوحدة مع المعارض للأديولوجيا كتركيا مثلاً. فسقوط الخلافة في تركيا هو سقوط للوصاية في نظر القوميين ومنه فإنّ تبنّي الفهم الإسلامي للإقليمية يستلزم الوحدة مع تركيا ومنه رجوع تلك الوصاية أو الاحتلال كما يوصف أحياناً. وكمرجع للقوميين العرب، فإنّ التراث الإسلامي مرادف للإمبراطورية العثمانية، التي سيطرت على المنطقة باسم الإسلام لما يقرب من خمسة قرون. علاوة على ذلك، فإنّ أغلب العلماء يرون بأنّ المرجعيّة الإسلامية هي مرجعية مطلقة أي أنها مقيّدة لممارسات الأجزاء بحيث وجب تطبيقها للشريعة ومنه فإنّ المعيار الإسلامي هو وصاية كذلك من العلماء على الناس.

ويضاف إلى ذلك، أنّ مفهوم القومية العربية كان يقوم على تجنّب إقصاء النصارى العرب وأنهم هم المؤسّسون الحقيقيون للعروبة، ومنه حاول القوميون العرب، مسلمون ونصارى، ربط أنفسهم بالثقافة واللغة العربية دون أي مرجعية إسلامية كإظهار للوحدة الإقليمية مع إخفاقها في تحقيق ذلك واقعاً. إنّه من الصعوبة بمكان فصل الثقافة العربية عن الإسلام في منطقة الشرق الأوسط، مع العلم أنّ الدين يشكّل حياة الناس اليومية. ومنه فإنّ النتيجة الخطيرة لمثل هذا الفصل يعني بالضرورة أولاً؛ عن قصد أو غير قصد استبعاد الهوية الإسلامية، وهي هويّة الأغلبية وإطار الثقافة والحضارة في المنطقة. ثانياً؛ الإسلام هو المصدر الحقيقي للروحانية لكثير من العرب لذلك، ولتجنب هذا الارتباط بين اللغة العربية والإسلام، والذي من شأنه أن يؤدّي إلى الارتباط بالإمبراطورية العثمانية والإسلاميين، فقد تبنّى القوميون العرب شعار العلمانية لتوحيد النّاس في منطقة الشرق الأوسط دون التفكير في أيديولوجيات وأفكار أخرى قد تكون أكثر خطورة من المآلات التي تصوروها وبنوا أفكارهم على أساسها.

  • القومية العربية المؤسلمة

لم يكن للقومية العربية تغلغل داخل الجماهير وداخل الأطر الاجتماعية والدينية التي نظمتها الأنظمة ذاتها. لقد ظلت القومية العربية شعاراً في أوساط النخب السياسية وشعاراً كذلك في المناسبات الشعبية، أي في الخطب وفي عيد الاستقلال، ولم تخترق البنية الثقافية ككل وتصبح مشروعاً متكاملاً ومتجانساً لبناء الوحدة الإقليمية المنشودة؛ فعلى سبيل المثال، ليس للقومية أي صدى في المساجد والمجامع التي تشكّل لبّ المجتمع وأصل بنائه.

إن عدم اعتبار الثقافة والتراث الإسلاميين كمضمون للقومية العربية قد خلق مدافعين من الفكر الإسلامي كبديل عن القوميين العلمانيين العرب. واعتبرت الحركات الإسلامية الصاعدة الوضع على أنّه إقصاء للدين، ما يعني أن القومية العربية ضدّ هوية الشعوب في المنطقة. وحاول القوميون العرب نفي هذا الاتهام والتأكيد على أنّ الهدف ليس فصل الهويّة الإسلامية وإنما إعطاء المنطقة هويتها المستقلّة، ولكنهم لم ينجحوا في ذلك لأنّ إنكار الاتهام يتطلب منهم إظهار مصداقيتهم وإعادة ترسيخ الوحدة المبدئية التي بنيت عليها الدولة في المنطقة والتي كما ذكرنا آنفاً أنها غير قابلة للمناقشة والطرح بل قد صارت كأنهّا قضية مقدّسة. ومراجعة ذلك يعني إرجاع الدين إلى مكانته كعنصر قوي في العروبة، وهو أمر ليس بالسهل على الأقل من الناحية الثقافية.

ومن ناحية أخرى، استند التفاعل داخل منطقة الشرق الأوسط، بقوّة على قادة الدول والعلاقات بين الدول بدلاً من العروبة كواقع بين الناس. من المهم أن نذكر أنه في معظم دول الشرق الأوسط، يُعترف بالإسلام باعتباره الدين الرسمي، ويستند الحكم، بطريقة أو بأخرى، إلى الشريعة الإسلامية (القوانين والدساتير). لقد اختارت جميع دول الشرق الأوسط هوية تتمحور حول الدين. وفي بعض الحالات، كان للدين دور في تشكيل الدولة مثل السعودية. بحيث يكون الدين هو الهوية باعتباره مصدراً للوطنية. وإذا كان القرار التركي بتقديم تركيا نفسها على أنها دولة علمانية زمن أتاتورك، وهو اختيار ونتيجة لتدمير الإمبراطورية العثمانية، فقد سعت دول أخرى في منطقة الشرق الأوسط إلى دعم هويتها من خلال الدين عبر كلّ مراحل تأسيسها. الإسلام هو الهوية المهيمنة لمعظم الناس في الدول العربية، بينما تعرف إيران نفسها على أنها دولة إسلامية شيعية. وعلى الرغم من أنّ مصر ولبنان واليمن وسوريا والبحرين تظهر نوعاً من التجانس، إلا أن مجتمعها يعكس التوتّر الطائفي بين مختلف الحركات والجماعات الدينية.

تزيد حدّة التركيز على الدين وتصبح أكثر وضوحًا عندما يبرّر بعض القادة الحاكمين مشروعيتهم بين شعوبهم والادعاء بالانتماء للتوافق مع التيّارات الإسلاميّة كدليل على اعتمادهم المطلق على الإسلام أو في أكثر الحالات تطرّفاً بالانتماء لبيت النبوّة أو الأشراف. وفي أعقاب معارضة محليّة من بعض الجماعات الإسلامية، والتي تدعي أيضًا ارتباطها بالإسلام ولكنها أيضاً، أي الجماعات، تركّز جهدها على الجانب السياسي بدل العمل الشمولي، تؤكّد معظم دول الشرق الأوسط على أنّ الإسلام هو هوية دولتها لأنّه المرشد الرئيسي لدساتير بلادهم.

من ناحية أخرى، يشير (Hasou)[7] إلى أنّه أولاً؛ وبسبب العوامل الداخلية والخارجية، تحولّت القومية العربية والقومية العربية الإسلامية إلى ظاهرة إقليمية تعكس التنافسات والتناقضات العربية والخلافات التي لا نهاية لها ولم تخدم مصلحة الأمّة والوحدة. ثانياً؛ إنّ ضعف القوميّة وعدم ثقة الدول بها خاصة وسط الشعوب بسبب الهيمنة الواضحة لقادة بعض الدول على القومية العربية والقومية العربية الإسلامية واستخدامها كأداة لبناء العلاقات على أساس عروبي متغيّر أو من خلال العداوات مع التيارات الإسلامية ومهادنتها أحياناً حتى تسلم السياسة ولكن لم تسلم البلدان أو المنطقة. ويضاف إلى كلّ هذا بعض التحديات الخطيرة مثل ممارسات بعض الدول في منطقة الشرق الأوسط، مثل إيران من حيث استخدام الجماعات الشيعية في الدول المجاورة وخاصة العراق، وحالة الأكراد الذين يعتبرون أنفسهم أمّة مختلفة عن العرب في المنطقة بالرغم من أنّهم مسلمون وسنة. كلّ ذلك يظهر بأنّ الإسلام هو مجرّد شعار لم يطبّق صراحة في كلّ المجالات لتحقيق التنمية والتكامل الإقليميين.

  • اختلاف الظاهرة الإقليمية الإسلامية عن الأنماط الغربية

تشترك التجارب الإقليمية في خصائص معينة وقد تم تأطيرها ضمن نظريات تكاملية ووحدوية مختلفة. ومع ذلك، فإنّ لكل عملية وحدة أو تعاون إقليمي سماتها المميزة. يعكس هذا التنوع في التجارب، الخصائص الجوهرية التفاضلية للإقليمية والتي يجب تضمينها في أي مناقشة لإقليم أو منطقة. تبرز حالة منطقة الشرق الأوسط بوضوح في هذا السياق من حيث أنّ هناك اهتماما كبيراً ومتزايداً بكيفية تأثير الدين على البلدان من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والقانونية والسياسية. ويتفق معظم المختصين بشكل عام على أنّ هناك العديد من محددات الوحدة والتكامل وأنّ تفسير الوحدة الإقليمية يجب أن يتجاوز المتغيرات الاقتصادية الضيقة لتشمل المتغيرات الأخرى. يعتبر الدين، في الوقت الحالي، أهم متغيّر وهناك اهتمام كبير بالدور الذي يلعبه الدين في الوحدة والتكامل الإقليميين.

لقد كان للإسلام دائماً دور أساسي في منطقة الشرق الأوسط. لذلك يجب أن يظهر الإسلام مع أي دراسة تحاول تفسير أو تحليل الوحدة والتكامل الإقليميين. يتفق العلماء المسلمون على أنّ أداء الدول الإسلامية يمكن أن يكون أفضل من كل النواحي الحياتية عندما تطبّق المبادئ والتعاليم الإسلامية. كما يمكن أن يؤدّي تطبيق التعاليم الإسلامية إلى زيادة تعزيز الأسواق الحرة والنمو الاقتصادي والحوكمة الاقتصادية الجيدة والأنظمة والسياسات التي تشجع على العدالة الاجتماعية أفضل من الغرب ذاته؛ كل هذه الأمور عادلة ومنصفة لجميع أفراد المجتمع وتشمل كل المعايير الأساسية التي تسعى لها الأمم. أخيرًا، والأهم من ذلك، أنها تعزز وترعى علاقات دولية أفضل مع البلدان المجاورة وتعزّز العلاقات الإقليمية والتعاون والتكامل.

تركّز المفاهيم الحديثة للإقليمية كثيراً على تحليل المؤسسات الاقتصادية وتوجهاتها وهيكلتها. وهكذا، فإنّ الحديث عن التوجهات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط ظلّت مرتبطة فقط بالمؤسسات الخادمة للوحدة ولو كانت مجرّد شعارات فقط كجامعة الدول العربية. ولكن فيما يخص الجانب الإسلامي للإقليمية وجمع الدول الأجزاء المتفرّقة في الكل، فإنّه وعلى الرغم من الدراسات العديدة التي تم إجراؤها حول الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، إلاّ أنّ القليل منها فقط يشرح ويستكشف دور الدين باعتباره سمة من سمات النزعة الإقليمية في المنطقة.

يذكر (Haliday)[8] أنّ الافتراض الشائع بين الباحثين هو أنّ منطقة الشرق الأوسط حالة استثنائية، تختلف تمامًا عن المناطق الأخرى في العالم ولكنها غير مفهومة للذين هم خارج المنطقة وهذا بسبب دور الدين داخلها. فالخصائص المشتركة للإقليمية والتي هي بمثابة الآليات المحتاج إليها والتي قد تكون ذات محتوى غربي ولكنّه خادم لقضية الوحدة كالتنظيم والجانب المؤسساتي والتوسّع الاقتصادي، ولكن وجب توضيح دور الشخصية المسلمة كمساهم في التعاون وكميزة استثنائية لمنطقة الشرق الأوسط لبناء الوحدة المنشودة.

يعدّ الإسلام مصدراً لتصورات استثنائية حول العلاقات بين الشعوب والأمم. مع فكرة التعاون كأحد المبادئ التوجيهية الراسخة قبل البحث عن التعاون خارج الإطار الداخلي، أي بضرورة توافق الأجزاء وشمولها قبل بناء العلاقات خارجها. فالتصور الإسلامي يقاوم أي تمييز بين التعاليم الدينية والقضايا والشؤون الحياتية.

إن القضايا الحياتية ذات صلة وثيقة بما يسمى بالشؤون الدينية داخل دائرة الإسلام. ومنه ينظر المسلمون كمجتمع إلى الشريعة على أنها أهم مصدر للأخلاق لتوجيه الأعمال البشرية في جميع قطاعات الحياة وباعتبارها التعبير الأكثر وضوحا للهوية. يقول [9](Fuller) في هذا الأمر: “على عكس الغرب الذي ينظر فيه الكثيرون إلى الشريعة باعتبارها مجموعة من المبادئ والأحكام الدينية على أنها قديمة وسلبية وغير مناسبة لعالم أكثر حداثة وعلمانية –  يعتبر مفهوم الشريعة في العالم الإسلامي أمرا إيجابياً ومهماً، فهي، أي الشريعة، تقترح مفهوماً واسعاً وشاملاً يشبه جزئياً استخدام مصطلح “الطريق” في التقاليد الدينية الأخرى، بما في ذلك النصرانية والبوذية، فهو يمثل مسعى لخلق مجتمع يعيش فيه الناس وفقاً لإرادة الله وقانونه ومنهجه الذي اختاره للناس. وبهذا المعنى إذن، يمكن اعتبار الشريعة قبل كل شيء على أنها مفهوم، أي أنها أكثر من مجرد مجموعة محدّدة من القوانين الوصفية”.

على هذا النحو، يرى المسلمون أنّ الشريعة تمثّل جوهر إيمانهم، وتعبير عن الإطار الأخلاقي والقانوني للعيش والاستخلاف في الأرض. يُنظر إلى هذا القانون عموماً على أنه شامل في نطاق تطبيقاته وديناميكي بدرجة كافية ليكون قابلاً للتكيّف مع الاحتياجات المتغيرة للمكان والزمان. إنّ هذا الفهم بالنسبة للمسلمين هو ما يجعل أمورهم ترجع دائماً إلى ما يقرّره الإسلام وبالتالي فإنّ الإقليمية لا يمكن أن تنجح داخل إطار خارج عن هذا المفهوم.

وعلى العكس من الفهم الإسلامي، فإنّ الغرب بنى توجّهه الإقليمي وفق مسار علماني نابع من مركزية وقداسة الدولة الحديثة بكلّ معاييرها كالوطنية والديمقراطية والانتماء، بحيث لا يمكن للدين أن يكون له دور في هذا البناء الإقليمي لأنّ الدين لم يكن أصلاً حاضراً كمعيار في بناء الدولة الحديثة. ومنه فإنّ أجزاء المجتمع الغربي اجتمعت في بنى إقليمية تمثلها وتمثّل هويتها العلمانية البعيدة عن الدين. وبالتالي فإنّ سعي الدول المسلمة إلى البنى الإقليمية السائدة والمعتمدة أساساً على البراغماتية والمصلحية، لم يأتي أكله لأنّه خالف طبيعة وهويّة وتكوين شعوب المنطقة بل وزادها تعقيدا وتأزّماً. إنّ نجاح الظاهرة الإقليمية الغربية هو نجاح نسبي مبني على المصلحة التي تزول الإقليمية والتكامل بزوالها. ولعلّ أبرز مثال على ذلك هو انسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوروبي الذي لم يعد يخدم مصلحتها كدولة وطنيّة. هذا الطرح لا يرى به المنظور الإسلامي إذ إنّ المصلحة وجب أن تكون جماعيّة وليست مفكّكة، وهذا ما يبرز أحد معالم الاختلاف الأخرى بين المنظورين الغربي والإسلامي.

  • التعاون الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط

على الرغم من وجود العديد من التجارب الإقليمية الناجحة نوعاً ما في جميع أنحاء العالم، إلا أنّ حركة دول الشرق الأوسط كانت بطيئة وغير ناجحة نحو الجهود المشتركة لتكامل الوحدة فيما بينها. وقد حاولت عدّة بلدان في الماضي من أجل التكامل أو الوحدة ولكنها كانت دائماً تفشل بسبب الحالة السياسية والاقتصادية السائدة أو لطبيعة المشروع البعيد عن المنظور الإسلامي.

لم تكن الحالة الاقتصادية والسياسية في المنطقة في الماضي مواتية لأي شكل من أشكال التكامل الإقليمي. إن إلقاء نظرة على أشكال المنظمات الإقليمية التي ظهرت في منطقة الشرق الأوسط منذ سقوط الخلافة، سوف تبين أن مثل هذه المنظمات التي ظهرت اهتمت بالأمن في المقام الأول فقط كما ذكرت ذلك الباحثة (Fawcett)[10]، فقد تم إنشاء المنظمات للسماح للحكومات بالحفاظ على النظام السياسي القائم داخل بلدانها وفيما بينها. وفي بعض الحالات، كان هذا بسبب الخطر العسكري المفترض الذي يهدّد جميع الدول المستقلة حديثاً. أما الدافع الآخر، الذي يعمل غالبًا بالاشتراك مع السابق، فهو الخوف من التطورات السياسية التي قد تؤدي إلى اضطراب في المنطقة وزعزعة استقرار سياسات الدول من خلال تعريض الأنظمة المختلفة للخطر. وكنتيجة لهذه المخاوف، أنشئت منظمات إقليمية متخصّصة لردع المخاوف الإقليمية ولكنها لم تكن فاعلة.

عادة ما يتضمن الحديث عن الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط التركيز على المنظمات والمؤسسات الإقليمية التي تم إنشاؤها لتعزيز النمو وكفاءة السوق في هذا الجزء من العالم. ولكن في الواقع كان دورها الرئيسي ينصب على الجانب الأمني والصراع الإقليمي على السلطة والنفوذ. ومن بين هذه المنظمات نجد جامعة الدول العربية، واتحاد المغرب العربي، ومجلس التعاون الخليجي، ومنطقة البحر الأبيض المتوسط للتجارة الحرة. يظهر جليّاً أنّ أصل المنظمات الإقليمية السائدة لا يختلف في تركيبه وأسباب إنشائه عن المنظمات الغربية ولكن مع فارق أصل الدول وطبيعتها كما ذكرنا. فعلى سبيل المثال، كان الهدف الأسمى لجامعة الدول العربية عند إنشائها هو تحرير فلسطين، وكذلك تحرير معظم الدول العربية والإسلامية في المنطقة التي كانت تحت الاستعمار خلال هذه الفترة، ولكن الهدف الرئيسي لم يتطوّر إلى غيره بعد تحرّر الدول المسلمة ولم ترتقي الجامعة العربية بدولها إلى مصاف الوحدة والتكامل.

وفي واقع الأمر، فإن المنظمات داخل المنطقة كانت تستند بقوة إلى نظام الدولة الحديثة الغير قابلة للوحدة مع غيرها فكانت العلاقات داخل الجامعة العربية مثلاً هي علاقات بين دول بدلاً من علاقات تسعى إلى التكامل والوحدة الكليّة الإقليمية. وكان هناك دائماً مبدأ عدم الثقة حاضراً والاستقطاب الأيديولوجي العميق بين ما يسمى بالقيادة التقدّمية في الجمهوريات العربية والأنظمة الملكية العربية المحافظة. ولقد كانت مصالح الدولة القومية أكثر أهمية بحكم الواقع من الوجهة الإقليمية، على الرغم من أنّ بعض المفاهيم مثل العروبة استمرت في لعب دورها أيديولوجي داخل هذه المنظمات. لقد ظل أداء المنظمات الإقليمية ضعيفاً وربما قد أريد له ذلك من خلال الممارسات التي لا تعدّ ولا تحصى كالغياب المستمر عن اللقاءات السنوية والنزاعات الحدودية والصراعات والملاسنات بين الزعماء ولكن الأكثر من ذلك هو غياب رؤية واضحة لمستقبل المنطقة ككل بنظرة شمولية كليّة منبعها الشريعة الإسلاميّة. إذن، فالمنطقة في الحقيقة لم تستغل يوماً بعدها الديني في سبيل التكامل والوحدة بل اتبعت أسلوباً ونمطاً غربياً من حيث الشكل فكان المحتوى غائباً ومتعباً للمنطقة.

  • أهم الأسس المفاهمية الإسلامية للإقليمية

يمكننا التمييز بين وجهتين رئيسيتين تقودان المناقشات في العالم الإسلامي نحو الوحدة الإقليميّة:

  1. 1. الموضوعات مترابطة وشاملة في الإسلام ولا يمكننا الفصل بينها؛ لذلك، يجب أن يكون التكامل والتعاون والوحدة رابطاً بين المجالات كلها من اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية وغيرها. كما أنّه لا تفريق بين الحياة الروحية والأمور الدنيوية في نظر الشرع فتكون متكاملة فيما بينها وليست منفصلة عن بعضها.
  2. يجب أن يرتكز هدف الوحدة على عدة طرق وآليات لتحقيقها. لا يهم ما إذا كانت هناك استفادة من الغرب أم لا، لكن اختيار التعاون الصحيح على أساس التحرير الاقتصادي، أو التبعية الاقتصادية، أو أي نوع آخر من التعاون هو الأهم. ومنه فالجانب الإسلامي يكون تدريجياً من مجال إلى آخر وليس شموليّاً ابتداء.

1- الترابط والشمولية في الإسلام

أولاً، يؤكّد الإسلام على ضرورة تعاون المسلمين وعدم الانقسام كأصل من أصول التواصل بين أفراده وأجزائه. حيث يقول تعالى: ” وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ” ( آل عمران 103 ). ويقول أيضا: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ “. ( المائدة 5 ). يتّفق العلماء المسلمون على أنّ الإسلام هو “نظام حياة” تكون فيه المكونات الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية جزءًا من النظام العام.

لذلك فالتعاون ليس اختيارًا في الإسلام، بل إنّه واجب في جميع جوانب الحياة. يمكن أن يُعزى ذلك إلى الأسس المفاهيمية للتفكير السياسي الإسلامي، والتي تميل إلى النظر إلى القضايا على أنّها مترابطة وليست منفصلة. يُنظر إلى القضايا عادةً على أنها جزء من ظاهرة كليّة تؤدّي فيها جميع العناصر إلى بعضها البعض.  بحيث أنّ هذه الأجزاء والعناصر لا يمكن أن تسير وحدها في طريق البناء إلاّ من خلال اتصالها بباقي الأجزاء فتكون دالة على الأجزاء كما أنّ الأجزاء دالة عليها وهكذا يتحقّق التركيب المشتمل على الكل. وبحديثنا عن الإقليمية، يكون هناك القليل من التمييز بين السياسي والغير سياسي، والمجتمع والأخلاق، والسياسة والاقتصاد، والدولة والدين فيصبح كلّ شيء متصلاً وغير قابل للانفكاك من حيث المواضيع. أما من حيث الخطاب، فالوحدة تصبح حتمية على كلّ الدول والشعوب الإسلامية كما أنّ الاختلاف والفرقة منهي عنها كليّاً.

وقد أكد العلماء أن جميع عناصر الحياة في الإسلام مترابطة ويجب أن تكون مترابطة إذا كان الهدف هو بناء مجتمع مسلم قوي. إنّ الإسلام أسلوب حياة يشمل الأنظمة الفرعية الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تشكّل جزءًا لا يتجزأ من نظام إسلامي شامل. كما أكد على ذلك غير واحد من العلماء والمفكرين في العالم الإسلامي، على عنصر الترابط في التفكير السياسي العربي والإسلامي.[11] إنّ المفكرين المسلمين على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم لم ينظروا إلى المساحة والمكان على أنهما مستقلان عن جوهرهم، لأنهم ربطوا الشيء بموقعه ومساحته، واعتبروهما كيانًا واحدًا. يفسّر هذا الاتجاه جزئيًا سبب امتداد الخلاف بين دول الشرق الأوسط حول إحدى القضايا إلى جميع القضايا الأخرى التي قد لا تكون بالضرورة موضع خلاف.[12] ومعنى ذلك، أنّ الخلاف السياسي قد يتمدّد إلى الاقتصادي والثقافي والاجتماعي وحتى المذهبي الإسلامي وهذا ما يوضّح حقيقة الترابط الموضوعي والمعياري.

علاوة على ذلك، يرى عبد الرشيد موتن[13] فيما يخص تمييز المجتمعات الإسلامية عن المجتمعات العلمانية، بأنّ المجتمعات العلمانية قد لا تكتسب قيمة كبيرة في فهم أي ظاهرة من منظور إسلامي لعدة أسباب. أولاً: لا فرق في الإسلام بين الأمور والشؤون الروحية والدنيوية، لأنه وضع قواعد السلوك البشري، التي تشمل جميع مجالات الحياة البشرية. لذلك فإنّه يصعب على الغرب فهم الظاهرة الإسلاميّة مادام أنّها لم تكون واقعاً معاشاً يرى تأثيره على حياة الناس. كما يرى موتن أنّ الدين “ليس شأنًا إداريًا؛ فهو ليس مجرد فكر، ولا مجرد شعور، ولا مجرد عمل؛ إنه تعبير عن الإنسان بأكمله”.[14] ووفقًا لموتين، فإن “شمولية الإسلام لا تسمح للسياسة أو الاقتصاد أو أي موضوع آخر بالخروج عن نطاقه، كما أنه لن يسمح للسياسة بأن تصبح عملاً قذرًا”  وبالتالي فإن الإسلام لا يفصل الأمور المتعلقة بالحياة عن بعضها البعض.

ثانيًا، المفهوم المركزي للإسلام، وهو التوحيد، يجعل منه مرجعاً في التعامل من أجل جمع الناس وتوحيدهم في بوتقة الإسلام. ومنه فإنّ الاخلال بالوحدة بين المسلمين هو ذاته خلل في مركزية الإسلام كحاكم بين الناس وكمنهج يؤطر حياتهم إلى ما فيه صلاح الدنيا والدين.

ثالثًا، يرى الإسلام أيضًا أن المؤمن هو الشخص الذي يقوم بكل نشاط فردي واجتماعي في سبيل الله. وأخيراً، يطالب الإسلام بحياة تتّفق مع الشريعة الإسلامية والتي بتنفيذها يقضى على الظلم، ويزال الاستبداد من المجتمع، ويتحقّق الاستخلاف والعبودية فتستقيم أحوال الناس.

يخضع كل من الحاكم والمحكوم للشريعة نفسها في الإسلام. لذلك، وانطلاقاً من مفاهيم الترابط والشمولية في الإسلام، فإنّه لا يمكن فصل قضية التكامل والإقليمية في منطقة الشرق الأوسط عن القضايا الأخرى كجزء من العالم الإسلامي. إذا تم النظر إلى التكامل والوحدة كهدف وعلى أنه أمر لا بد منه، فيجب على جميع المجالات – الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية والثقافية والعلمية وما إلى ذلك – أن تجتمع معًا لتحقيق هذا الهدف.

يفهم مما سبق بأنّ تطبيق الشريعة الإسلامية هو لبّ الوحدة المبدئية الذي وجب العمل عليه من أجل الوحدة الإقليمية. إذ إنّ الشريعة شاملة ومركزية وجامعة لكلّ من الحاكم والمحكوم كما أنها المرجع عند الخلاف. ومنه فإنّ تحقيق الوحدة يكون شاملاً لكلّ المجالات أي أنّ عمل الدول الأجزاء ومجتمعاتها يكون وفق ما تمليه الشريعة حتى يتحقّق التكامل.

  • الإسلام ومفهوم التكامل الاقتصادي

هناك مفهوم إسلامي آخر للتعاون يمكن رؤيته في أعمال مختلفة مثل فكر (Chapra) وهو أن الهدف من تكامل الاقتصادات ليس شيئًا جديدًا في التفكير الإسلامي.[15] وفقًا لوجهة نظر تشابرا، فإنّ وحدة الجنس البشري هي نتيجة طبيعية للمفهوم الإسلامي الأساسي لوحدانية الله (التوحيد). فإذا كان الله واحدًا، فإن البشرية أيضًا واحدة، أما الفروق الناتجة عن الجنسية والعرق واللون فهي مصطنعة وليس لها مكان في الدين الذي يرمز إلى الوحدة البشرية. وينص القرآن بوضوح على أن الناس خُلقوا أمة واحدة لكنهم انقسموا بسبب اختلافهم: “وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا” (يونس 19).

لقد لعب تضارب المصالح والتحيزات والاستغلال وسوء استخدام السلطة دوره في تقسيم البشرية. ومع ذلك، فإنّ الهدف النهائي للدين هو لم شملهم جميعًا. وهناك عدّة طرق لتحقيق التكامل، أحدها خلق فهم أفضل بين الناس من خلال التفاعل والتعاون الأكثر أهمية لإزالة أو على الأقل تقليل التحيزات السائدة وسوء الفهم والصراعات مع تعزيز القيم والأخلاق. وبما أنّ الاقتصاد يلعب دورًا مهيمنًا في حياة الإنسان، يمكن تسريع عملية التكامل إذا تم دمج اقتصادات البلدان المختلفة، وهذا ما سوف يعزّز زيادة الاعتماد المتبادل. ومع ذلك، قد يكون من الصعب تحقيق تكامل الاقتصادات دون إزالة جميع الحواجز المصطنعة من خلال تحرير التجارة وعدم التمييز وهي مفاهيم إسلامية للسماح بحرية حركة البضائع ورأس المال والعمالة والتكنولوجيا والمعلومات. لذلك، تركّز وجهة النظر هذه بشكل أكبر على القضايا الاقتصادية لتعزيز التعاون الإقليمي باعتبارها الأكثر طلباً وربما أقلها مجالاً للتنازع والصراع. فلمّا تتحدّث الدول والمجتمعات على الاقتصاد ترى مصلحتها فيه أكثر من المصالح التي تكون في مجالات أخرى باعتبار أن للاقتصاد دوراً مباشراً في حياة الناس. ومنه فإنّ إنجاز الوظائف الاقتصادية هو خيار إسلامي وعقلاني لتحقيق هدف التعاون والوحدة قبل الانتقال إلى مجالات أخرى.

وعلى رأي الفقهاء بأنّ الجمع بين النصوص أولى من النسخ، نقول بأنّ الجمع بين وجهتي النظر ممكن. إذ الترابط والشمول اللذان يمثلان الكلية أمران حاسمان في تحليل وشرح الدوافع التي تؤدي إلى التعاون في منطقة الشرق الأوسط وإنّ اختيار المجال الصحيح للتكامل والتعاون ضروري أيضًا، كضرورة للتوافق مع حقائق العالم والاختيار العقلاني للمناطق الإسلامية. هذا لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يتعارض مع مبادئ الإسلام. كما أنّ المنظور الإسلامي للإقليمية سواء الشمولي أو المرحلي، يرى بأن الإسلام يوحّد الشعوب والناس فهو حلّ إقليمي كما أنّه كذلك حلّ كوني للأمم كافة.

  • التطبيقات الممكنة للإقليمية من خلال المفاهيم الإسلامية

وصلنا إلى نقطة الانطلاق بالإقليمية فماهي نقطة الانطلاق نحو الوحدة الإقليمية بحيث يكون التعامل مع كل المجالات بعدها أمراً تراتبيّاً وواعياً؟

يحتاج تأسيس وحدة إقليمية كما ذكرنا إلى وجود الوحدة المبدئيّة التي تشكّل في تفاعلها الداخلي ومستقبلها النواة الرئيسيّة للوحدة والانتماء إلى إقليم كفاعل رئيسي لبناء الإقليمية. إنّ الوحدة المبدئيّة هنا يمكن وصفها على أنّها الفكرة أو الخاصيّة أو الصفة التي تجمع مجتمعاً أو شعباً فيجعله قابلاً لإنشاء وحدة واضحة المعالم وقادرة على الاستمرار والتطوّر بناءً على تلك الوحدة المبدئيّة التي تصبح هويّة للإقليم. وبقدر جودة الوحدة المبدئيّة للإقليم أو الدولة وتماسكها من حيث صلابة الفكرة ووضوح مشروع بناء الوحدة وغيرها من الخصائص والمميزات، بقدر ما يزداد معها تماسك الأجزاء والشعور بالانتماء للإقليم.

أمّا بوجود اختلال في تلك الوحدة وتصدّعها من خلال عوامل مختلفة فإنّه قد تكون له نتائج سلبية على الإقليم من خلال تفكّك معاني الوحدة وذلك أنّ الشعور بالانتماء هو بطبيعته شعور بالولاء لهويّة الإقليم التي بنيت عليها، ولكن الانحراف عن هذا الشعور هو في أصله ناتج عن خلل في الوحدة المبدئية وهذا ما ينتج عنه التغيّر في طبيعة الولاءات والبحث عنها خارج المنظومة الإقليمية من أجل تحقيق مقصد الشعور بالانتماء ومنه تحقيق مبدأ الهويّة التي قد تكون منحرفة. لعلّ هذا ما يفسّر الانجذاب الكبير للشباب في المنطقة للأفكار الوافدة كما أنّ غياب الوعي الديني قد يؤدّي إلى استحداث ممارسات معطّلة لمسار الدول ومسهّلة لعمليّة الاختراق وبالتالي استمرار النزاع بدل الوحدة.

  • الغالبية المسلمة كدافع للتعاون الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط؟

منطقة الشرق الأوسط هي موطن لما يقدر بنحو 550 مليون مسلم أو حوالي 30 ٪ من سكان العالم المسلمين. ومن بين هؤلاء، يعيش ما يقرب من 100 مليون في مصر، و 82 مليون في تركيا و45 مليون بالجزائر؛ بمعنى آخر، يعيش حوالي نصف (50٪) المسلمين في هذه البلدان الثلاثة. أكثر من نصف البلدان في منطقة الشرق الأوسط يبلغ عدد سكانها حوالي 95٪ من المسلمين أو أكثر، كالجزائر ومصر والعراق والأردن والكويت وليبيا والمغرب وفلسطين والمملكة العربية السعودية وتونس وموريتانيا واليمن.

يوجد في دول أخرى في المنطقة نسبة عالية من المسلمين، بما في ذلك سوريا (92٪)، عمان (88٪)، البحرين (81٪)، قطر (87٪)، الإمارات العربية المتحدة (76٪) والسودان ( 71٪). وعلى الرغم من أنّ معظم دول الخليج الفارسي كعمان والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة مسلمون، فإن هذه الدول فيها عدد كبير من العمال الأجانب غير المسلمين من غير المواطنين، وهذا ما يخفض النسبة المئوية الإجمالية للسكان المسلمين. شمال إفريقيا هي أيضًا موطن لثلاثة أكبر عدد من المسلمين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: مصر (100 مليون) والجزائر (45 مليون) والمغرب (38 مليون). وتشمل البلدان الأخرى في المنطقة والتي تضم عددًا كبيرًا من المسلمين ولكن بنسب متفاوتة العراق (30 مليونًا) والسودان (30 مليونًا) والمملكة العربية السعودية (33 مليونًا) واليمن (30 مليونًا) وسوريا (17 مليونًا) وتونس (12 مليونًا).

من العرض السابق، وجب أن تكون البلدان ذات الأغلبية المسلمة في منطقة الشرق الأوسط قوة دافعة للتعاون والوحدة من منظور إسلامي. ومع ذلك، فإنّ المسلمين في المنطقة ينجذبون نحو النزاعات والصراع وقضايا الهوية أكثر من الانجذاب نحو الوحدة والوفاق. لقد أصبحت الدوافع السياسية والمتعلقة بالهويّة عاملاً حيوياً لعدم الاستقرار في المنطقة ومصدراً للصراعات. وبسبب ضعف الدولة الحديثة الناشئة، تميل الممارسة إلى تشجيع اللجوء إلى الهويّات التي لا تتوافق مع الهويّات الإسلامية، مثل الطائفية أو العرقية أو القبلية وجعلها معياراً للولاء بدل إرساء قواعد الشريعة المواتية للوحدة والتكامل.

يمكن العمل على إرساء الوحدة المبدئية داخل المجتمعات المسلمة من خلال تعطيل الولاءات البينية بين الأجزاء وداخلها والعمل على إرساء الفكرة الدينية، لا المواجهة والمعارضة للسياسة وإنما التي تبني المجتمعات وتستغل القوة الإسلامية داخل المنطقة من أجل بعث المشروع الوحدوي. لقد حاولت العديد من التيارات الإسلامية العمل على تفكيك الأنظمة السياسية ولكن عدم نجاحها بسبب الفترة الطويلة التي قضتها في المواجهة فيه دليل على غياب الجانب الشمولي في الطرح والواقعي في العمل. فالعمل الإسلامي وجب أن يكون شاملاً لكل المجالات وواعياً بالأولويات وأمّا التركيز على الحل الجزئي الذي يخص الدولة الواحدة هو ذاته تجزئة للممارسة الإسلامية كما أنّه مرتبط بدولة بعينها فيصبح الأمر خاصاً بذلك الجزء ومحدود المفهوم.

من جهة أخرى، هناك عامل أساسي آخر يؤثر على وحدة حكومات منطقة الشرق، وهو دور القوى الخارجية. بدأت بعض القوى مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا في زيادة استثماراتها الاقتصادية والمالية في منطقة الشرق الأوسط، مما أدى إلى فصل اقتصادي وسياسي جديد بين بلدان الشرق الأوسط. على سبيل المثال، يتفاوض الاتحاد الأوروبي بشأن التعريفات الجمركية والاستيراد والتصدير والاستثمار والإضافة الاقتصادية مع دول مختلفة في منطقة الشرق الأوسط ولكن بشكل منفصل. تسعى كل دولة في المنطقة إلى تحقيق مصلحتها، سواء كان ذلك يؤثّر على الدول المجاورة الأخرى أم لا. لذلك، يمكن اعتبار هذا الوضع علامة على عدم التعاون في منطقة الشرق الأوسط. كان يجب على القوى الحاكمة في المنطقة استغلال الزخم الشعبوي وتوحيده لصالح القضايا الإقليمية وليس العمل على تحييده فيصبح عدد المسلمين كالغثاء بدون استغلال وبدون عمل على الإصلاح.

  • مبادئ الإسلام وإرادة شعوب المنطقة

لا يكفي بأن تكون نسبة كبيرة من الشعوب مسلمة إذا لم تكن جاهزة لقبول الشرع وتطبيقه. إذ إنّ العمل على إعادة إظهار الحق وتوضيحه يكون من باب أولى بدل النظر في الشؤون الإقليمية أصلاً. والمقصود هنا هو كيف يمكن للوحدة المبدئية الجامعة التي نواتها الإسلام أن تنجح إذا لم يكن بين الناس قابلية تطبيق الشريعة. حينها يكون الحديث عن الإقليمية والوحدة من باب الحديث عن العروبة من حيث قلّة الاهتمام بين الناس وعدم وعيهم بالمشروع الجامع.

تريد نسبة كبيرة من المسلمين في العديد من البلدان أن تكون الشريعة الإسلامية هي القانون الرسمي للبلاد كما هو موجود في المسح العالمي الذي أجراه مركز (Pew Research) بين عامي 2008 و 2014. يوضح الشكل (2) دعم تطبيق الشريعة في بعض بلدان الشرق الأوسط.[16]

الشكل (2) دعم تطبيق الشريعة

Pew Research Center. (2014). The World’s Muslims: Religion, Politics and Society. Forum on Religion & Public Life: Washington, D. C: Pew Research Center.

تختلف مواقف الشريعة الإسلامية اختلافًا كبيرًا حسب الدولة. أيضًا، يقول العديد من مؤيدي الشريعة أنه يجب أن تطبّق فقط على السكان المسلمين في بلادهم. التأييد لجعل الشريعة قانون في المنطقة هو الأعلى في العراق (متوسط ​​91٪). كما يفضل العديد من المسلمين تطبيقها في فلسطين (بمتوسط ​​89٪) والمغرب (83٪) ومصر (74٪) والأردن (71٪). ومع ذلك في تونس يقول حوالي نصف المسلمين (56٪) فقط أنه يجب على حكومات كل بلد مسلم أن تطبّق الشريعة الإسلامية.

في تونس (56٪) ولبنان (29٪) – قال عدد أقل من المسلمين إن حكوماتهم يجب أن تطبّق الشريعة الإسلامية. ويفسرون ذلك على أنّ الإسلاميين سيكون لديهم حكم ضعيف ولن يقودوا المنطقة أبدًا نحو التقدّم وهذا بسبب ما رأوه من ممارسات. وكردّ على ذلك، نقول إن معظم الحكومات في منطقة الشرق الأوسط التي حكمها على مدى العقود الستة الماضية زعماء علمانيون تقريبًا لم يكن لديهم نتائج حكم أفضل من تلك التي حكمتها الحكومات الملتزمة بالإسلام بشكل أو بآخر. كانت الأنظمة العلمانية قمعية في الكثير من الأحيان. وبنظرة تراكميّة نجد بأنّ القادة المسلمون الثلاثة في شمال إفريقيا مثلاً الذين أطيح بهم في عام 2011 (زين العابدين بن علي وحسني مبارك ومعمر القذافي) قد حكموا في مناصبهم لمدة 96 عامًا، بمعدل 32 عامًا لكل منهم. ومع ذلك لم يلتزموا أبدًا بالحكم الرشيد ولم يكن هنالك تطوّر.

ما نريد أن نوضّحه من خلال هكذا استبيانات ونتائج، هو أنّ العمل على إقناع الناس بالمشروع الوحدوي الإسلامي هو من أولى الأولويات. فلا يكفي الاعتماد على الكثرة مالم تكن هذه الكثرة واعية وعلى دراية بالمشروع وعواقبه ومتطلباته. لقد أخطأ عدد كبير من التيارات والحركات الإسلامية من خلال الاعتماد المباشر فقط على الجانب السياسي واهمال الجانب الارشادي والاصلاحي الذي يحتاج إلى جهد كبير من خلال التعبئة وإعادة تفسير وتوضيح أهمية الشريعة في حياة الناس. ولعلّ وجود نسب متفاوتة في قبول الشريعة ورفضها يؤكّد ضرورة الانطلاق في التطبيق من القاعدة كما من المجالات الأخرى كالسياسية والاقتصادية وغيرها في رؤية واضحة وشاملة.

  • الخاتمة

تتطلب مشاريع بناء الإقليمية نظرة شمولية إسلامية تنتهي بالوحدة والتكامل. إنّ معظم أفكار الوحدة التي حصلت تحت مظلة القومية العربية مثلاً، ترتكز أكثر على اللغة العربية ولا تشمل كيانات أخرى أكثر قيمة وصلابة كالدين. عند مراجعة التطبيقات السابقة بشكل نقدي من منظور العروبة والقومية العربية في منطقة الشرق الأوسط، تبيّن بعد أكثر من ثمانية عقود من النشاط الأيديولوجي، أن الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط لا تزال في حالة كبيرة من فوضى وعدم الوضوح والفشل الذريع في أحايين كثيرة. بحيث لا يوجد مشروع شامل وواضح للإقليمية ولا أساس متفق عليه للوحدة، ولا يوجد فهم واضح للواجبات الوطنية أو الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط، ولا يوجد إطار عمل مستقر للتفاعل الإقليمي في المنطقة، ولا يوجد أجندة أهداف معترف بها على نطاق واسع وهذا إخفاق للقومية العربية كأيديولوجيا.

من ناحية أخرى، فهناك غياب لمشروع إسلامي متكامل للوحدة يرى ما له من وجوب التأكيد على الكلّي من خلال الأجزاء المشكّلة له ألا وهي الدول. لا يجب الحديث عن المنظور الإسلامي الشامل من دون الحديث عن ضرورة استغلال إسلامية الشعوب ولكن مع الأخذ بالاعتبار ضرورة التوجيه وبث الوعي الإسلامي نحو التكامل والوحدة. إنّ التعامل المفرط مع ما هو سياسي قد أنسى التيار الإسلامي جانبه التوعوي والدعوي ورمى بالتيار في مصاف الفرقة أيضا والتنازع بسبب غياب مشروع واضح للوحدة يؤسّس لما هو قادم ويعزّز ما هو موجود.

لقد ناقشت هذه الورقة كذلك الفرق الموجود بين المنظور الإسلامي للإقليمية والمنظور الغربي باعتباره معياراً متبعاً في هذا المجال. وانتهت الدراسة إلى أنّ المنظور الغربي يليق بما وجد من أجله ويليق بطبيعة تأسيس الدولة الحديثة التي تختلف عن الدول الإسلامية، ومنه فإنّ المشروع الغربي ليس معياراً للمسلمين باعتبار أنّه يجيب عن حاجيات إقليمية خاصة بدائرته وفهمه للمصلحة، بينما الجانب الإسلامي يركّز على المقاصد الكليّة الشاملة فتكون الإقليمية خادمة لكلّ عناصرها ومكوناتها وليست مصلحيّة لأجزائها. وأخيراً نقول بأنّ الوحدة المبدئية سواء للدول أو للإقليمية وجب مراجعتها وإعطائها طابعاً إسلاميّاً دافعاً وليس الاحتفاظ بالأيديولوجيا البائسة التي لم تحفّز المنطقة الإسلامية ولم تخدمها.

قائمة المراجع الأخرى:

  1. يوسف الشويري. القومية العربية والأمة الدولة في الوطن العربي: نظرة تاريخية. مركز دراسات الوحدة العربية. 2002.
  2. سلسلة الدولات، أوجه التشابه الواجب توافرها بين الدول السّاعية لتأسيس مجموعات إقليميّة، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، 1990.
  3. أحمد يوسف أحمد، مسعد نيفين. حال الأمّة العربية 2008-2009 أمّة في خطر. مركز دراسات الوحدة العربية. 2009. ص 107.
  4. محمد جابر الأنصاري. ﻗﺮاءات. ﺗﻜﻮﻳﻦ اﻟﻌﺮب اﻟﺴﻴﺎﺳﻲ وﻣﻐﺰى اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻘﻄﺮﻳﺔ. ﻣﺪﺧﻞ إﱃ إﻋﺎدة ﻓﻬﻢ اﻟﻮاﻗﻊ اﻟﻌﺮﺑﻲ. مركز دراسات الوحدة العربية. 1994.
  5. يوسف مكّي. في الوحدة والتداعي: دراسة في أسباب تعثّر مشاريع النهضة العربية. مركز دراسات الوحدة العربية. 2003. ص 17.

 

[1]  يوسف ناصر، مسالك التنمية المركّبة: الأنموذج الياباني والمستقبل العربي. المعهد العالمي للفكر الإسلامي. 2020. ص: 14.

[2]  الجندي أنور، تحول الدراسات الإقليمية إلى الإسلامية. الشاملة الذهبية. 1990. ص: 6.

[3]  الحصري ساطع، العروبة أولاً. مركز دراسات الوحدة العربية. 1985.

[4]  أنظر مثلا: الحصري ساطع، العروبة بين دعاتها ومعارضيها. مركز دراسات الوحدة العربية. 1985.

[5]  Tibi, Bassam. (1971). Arab Nationalism: A Critical Enquiry. Translated by Marion Farouk Sluglett and Peter Sluglett. New York: St. Martin’s Press. Tibi, Bassam. (1987).”Islam and Arab Nationalism”. Washington, DC: Center for Contemporary Arab Studies.

[6]  الجابري محمد، الدين والدولة وتطبيق الشريعة. مركز دراسات الوحدة العربية. 1996. ص: 143.

[7] Hasou, Tawfiq. (1985). Struggle of the Arab World. London: Routledge. Pp 1-3.

[8] Fred Halliday. (2005). the Middle East in International Relations Power, Politics and Ideology. Cambridge: Cambridge University Press.

[9] Fuller, John. (2018). Narrative of a Tour through Some Parts of the Turkish Empire. England: Hard Press.

[10] Louise, Fawcett. (2009). International relations of the Middle East. Oxford: Oxford University Press.

[11]  العودة ياسر، مقاصد الشريعة كفلسفة للتشريع الإسلامي: رؤية منظومية. المعهد العلمي للفكر الإسلامي. 2012.

[12] Salem, P. (1994). Bitter Legacy: Ideology and Politics in the Arab World. New York: Syracuse University Press.

[13] Moten, Abdul Rashid. (2013). Social Justice, Islamic State and Muslim Countries. Cultura.

International Journal of Philosophy of Culture and Axiology 10(1). 7–24.

[14] Moten, Abdul Rashid. (2011). Leadership in the West and the Islamic World: A Comparative Analysis. World Applied Sciences Journal 15(3): 339-349.

[15] Chapra, M. Umer. (2000). the Future of Economics: An Islamic Perspective (Leicester, UK: The Islamic Foundation). Chapra, M. Umer. (2009). Ethics and Economics: An Islamic Perspective (Islamic Economic Studies Vol. 16 No. 1 & 2, Aug. 2008 & Jan. 2009).

[16] Pew Research Center. (2014). The World’s Muslims: Religion, Politics and Society. Forum on Religion & Public Life: Washington, D. C: Pew Research Center.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks