أحزاب الإسلام السياسي والتطبيع: ﺇشكالية التناقض بين التيار الدعوي والسياسي

سمية بلعيد 

أستاذة العلوم السياسية – الجزائر 

تحميل pdf

 

مقدمة

     لطالما صنفت أحزاب الإسلام السياسي في جناح المقاومة والممانعة لأي أشكال التطبيع مع ﺇسرائيل، ومرجعية ذلك الفكر الأيديولوجي الذي يستمد أدبياته من أفكار مستقاة من الإسلام ديناً وشريعة ونظام حياة ، وتراث فكري رافض للاحتلال ، لتتشكل بذلك ضوابط وثوابت للتعامل مع القضية الفلسطينية ، فهبت رياح الربيع العربي بما يتوافق وتطلعات الأحزاب الإسلامية – رفض ظلم الأنظمة- لتكون سنوات الحراك السياسي ممهدة للصعود السياسي لهذه الأحزاب أملاً في ﺇلغاء وتجريم التطبيع ، حاصدة بذلك قاعدتها الشعبية تحت عنوان هذه الشعارات والتي تميزت بها عن الطرح الماركسي واللبيرالي .

     لكن متغيرات وطنية تتعلق بالاستحقاقات السياسية والثورات المضادة ، وأخرى ﺇقليمية ودولية متعلقة بربط هذه الأحزاب بالممارسة اللاديمقراطية ، جعلت مرحلة الانتقال الديمقراطي عسيرة لينتكس معها الدور السياسي لهذه الأحزاب وتجعلها مؤخراً تترنح أمام ظاهرة لطالما اعتبرت من المحرمات السياسية وهي التطبيع، ليكون بذلك اصطدام الغايات مع المبادىء الحاكمة لفكر الأحزاب الإسلامية، ولتتبين بذلك أزمة تنظيم داخل الأحزاب السياسية بين تيار دعوي فقهي يجرم ، وتيار سياسي يبحث عن المشاركة السياسية في الدولة الوطنية، بما يفضي ﺇلى انفصام بين القيم والمصالح، لتصبح قضية فلسطين قضية ربحية وبشكل عكسي استفادت منها الأحزاب الإسلامية انتخابياً دون أي مقابل محدد– على اعتبار أن الأيديولوجيا الدينية وسيلة للحفاظ على الكتلة الناخبة بالنسبة لهذه الأحزاب- .

استناداً لما سبق نطرح الإشكالية التالية:

– إلى أي مدى يمكن القول أن التطبيع مع ﺇسرائيل سيعزز الانقسامات داخل الأحزاب الإسلامية انطلاقاً من تناقضات المرجعية الدينية وواقع الممارسة السياسية؟

وتتفرع عن الإشكالية جملة من التساؤلات نجملها في:

– هل تتلاشى المبادىء والثوابت في العمل السياسي للأحزاب الإسلامية لتحل محلها المصلحة كبوصلة موجهة؟

– وهل وصلنا ﺇلى مرحلة أصبحت ضرورات المصلحة أعمق من البناء العقائدي المؤسس للأحزاب الإسلامية؟

-هل التطبيع هو نتاج سياسة المهادنة والارتهان للنظام التي تميز الأحزاب الإسلامية الممارسة للسلطة؟

– ﺇلى أي مدى كرس التطبيع ظاهرة فرز الأحزاب الإسلامية بين اتجاه محافظ وآخر ﺇصلاحي حداثي؟

وبقصد معالجة التساؤلات المطروحة وتسهيل وجهة البحث ارتأينا صياغة الفرضيات التالية:

– التطبيع يؤدي ﺇلى تراجع الخطاب الديني كمصدر ﺇلهام للممارسة السياسية بالنسبة للأحزاب الإسلامية.

– التطبيع هو بداية لبوادر انقسام التيار الإسلامي في العالم من منطلق تجربة المغرب.

– التطبيع هو نتاج تغيرات مفاهيمية فكرية للأحزاب الإسلامية والرغبة في تجاوز وصف الأصولية والصورة المقصودة للنموذج الإسلامي عبر كسب الغرب.

أولاً : دراسة في المفاهيم:

سوف نتعرض في هذا الجزء ﺇلى المفاهيم المفتاحية، وهذا ليس على وجه الإسهاب ولكن الضرورة تستدعي ذلك.

  • في مدلول الإسلام السياسي:

      تاريخيا ارتبط ظهور مصطلح الإسلام السياسي بميلاد الجماعات والحركات التي تستند إلى الدين الإسلامي وأفكاره، وتتخذ منه مرجعية لها في سبيل تحقيق أهداف سياسية واضحة والوصول إلى الحكم.

      حيث يحيــل مفهــوم الإسلام السياسي على الأفكار والحريات التي تسعى من أجل ﺇقامة نظام ﺇسلامي يتمثل في دولة دينية، وﺇرساء حكم الشريعة وتطبيق القوانين والقيم الأخلاقية في المجتمعات الإسلامية ، ويشمل المفهوم الحركات والأحزاب التي تنشط في الساحة السياسية ، وتنادي بتطبيق قيم وشرائع الإسلام في الحياة الخاصة والعامة على حد سواء، خصوصاً التي رفعت بشكل مبكر شعار الإسلام هو الحل[1].

      ويطلق لفظ الإسلام السياسي على تلك الحركات المنتسبة والتي تعمل في ميدان العمل الإسلامي في إطار نظرة شمولية للحياة البشرية، وتجاهد لإعادة صياغتها لتنسجم مع توجهات الإسلام وتضطلع بإحداث  تغيير وفق مبادئ الإسلام، ويعتبر كذلك مجموعة الأفكار والأهداف السياسية النابعة من الشريعة الإسلامية والتي تؤمن بفكرة أن الإسلام ليس مجرد ديانة فقط، بل هو عبارة عن نظام سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي، وبالتالي فإن كلمة سياسي في مصطلح الإسلام السياسي ليست توصيفاً للإسلام بمقدار ما هي توصيف وتعريف للأحزاب التي تقبل بمفهوم المشاركة السياسية وخوض الانتخابات والاحتكام إلى صناديق الاقتراع[2].

  • الأحزاب الإسلامية والحركات الإسلامية: حدود العلاقة والتمايز

     بينما يعرف الحزب في أدبيات السياسة على أنه مجموعة من الأفراد يملكون برنامجاً سياسياً يسعون للوصول ﺇلى السلطة عن طريق الانتحابات بغية تجسيد هذا البرنامج، وبإسقاط ذلك على الأحزاب الإسلامية فلن يختلف الأمر في كونه أفراداً يطورون برنامجاً سياسياً من منطلق مرجعية فكرية مستمدة من الدين الإسلامي تعتبر الأساس حول تصورهم لنظام الحكم في حال وصولهم ﺇلى السلطة.

     أما الحركات الإسلامية فيصفها عبد الوهاب الأفندي بأنها حركات تؤمن بشمولية الإسلام في نواحي الحياة الدنيوية ، وهي حركات حديثة نشأت نتيجة لرهانات الحداثة ، وهي تنادي بتطبيق قيم الإسلام وشرائعه في الحياة الخاصة والعامة على حد سواء، وتناوىء في سبيل هذا المطلب الحكومات والحركات السياسية والاقتصادية، ويندُر ﺇطلاق الوصف عادة على الجماعات الصوفية التي لا تنشط في العمل السياسي، ولايطلق على النظم والحركات التي تحكم بالشريعة الإسلامية كما في السعودية مثلاً[3]،  وقد تشكلت عبر تفاعل عوامل تاريخية تنوعت بين انهيار الخلافة الإسلامية سنة 1924، والحركات الاستعمارية في الدول العربية والإسلامية ، وهو ما أحدث تبعية وأزمة قيم وانحراف في المجتمعات المسلمة[4]. ولقد ظل الاهتمام الأبرز لهذه الحركات هو ﺇحداث تغيير جذري في المجتمع بما يتلاءم وقيم الإسلام. وبالنظر لهذه التعريفات يظهر لنا الفرق في أن دور الحركات ﺇصلاحي وثوري عبر محاربة الهيمنة الغربية، وهي لاتهدف بالضرورة للوصول ﺇلى السلطة فمن الحركات من يؤيد ويدعو للانخراط في العمل السياسي، ومنها من ينتقد ويرفض ذلك بعكس الأحزاب الإسلامية. وعليه فإن الدراسة تختص بدراسة الأحزاب السياسية حصراً مع الاستدلال ببعض الحركات الإسلامية من موقع علاقتها بالأحزاب الإسلامية في المرجعية الفكرية.

  • التطبيع:

      هو مصطلح يعبر في الأدبيات السياسية عن التغير في حالة العلاقات بين الدول من القطيعة وعدم الاعتراف ﺇلى التواصل والاعتراف المتبادل من خلال ﺇقامة علاقات سياسية واقتصادية كاملة وتبادل ثقافي يهدف ﺇلى تغيير الصورة النمطية والتي لطالما رسمت في ذهن كل طرف ، ويكون بسبب زوال المظاهر التي كانت تسبب حالة المقاطعة كالحرب والاحتلال مثلاً، وهو مصطلح ارتبط في الخيال العربي بنوع العلاقة بين الدول العربية وﺇسرائيل التي تميزت منذ تأسيسها في سنة 1948 بالعداء والقطيعة ، لكن توقيع معاهدة كامب ديفيد فتح المجال ﺇلى تحول العلاقة بين مصر وﺇسرائيل ﺇلى الحالة الطبيعية ، لتتبعها السلطة الفلسطينية في الأردن في تسعينات القرن الماضي، ودول خليجية على غرار الإمارات والبحرين مؤخراً بالإضافة ﺇلى السودان والمغرب فيما سمي بالهرولة نحو التطبيع.

ثانيا: اندفاع التيار الإسلامي في العالم العربي: دراسة في الأسباب

     أسس الشيخ حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين، وهي باتفاق الباحثين منبع الإسلام السياسي وكل الحركات السياسية الإسلامية في العالم العربي، وذات امتدادات مؤثرة في العالم الإسلامي[5] ، وبرصد سريع لمنحنى وجود وفاعلية هذا التيار على مدى حوالي العقود العشر الماضية ، فإننا سنلحظ أن هذا التيار بما يحتويه من أحزاب وحركات قد تطور في مراحل حتى صار قوة رئيسية في المجتمع – حال الإخوان في مصر في الخمسينات والجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر في التسعينات- ثم مر بمراحل خفوت وتراجع دفع به ﺇلى حدود الهامشية في حركة المجتمع ، ومن ثم العودة والانبعاث من جديد ما بعد الحراك العربي مع تحفظات .

ويمكن ﺇرجاع عوامل نهوض التيار الإسلامي في فترات مختلفة ﺇلى نتاج تفاعل عوامل عبر تاريخية تتضح كمايلي[6]:

– هزيمة مشروع النهضة الناصري.

– بروز حركات التحرر من الاستعمار.

– افتقاد النظام العربي للمشروعية وتبعيته للخارج.

– انتشار فلسفة العلمانية ومظاهرها.

– حرب أفغانستان ضد التدخل السوفياتي، وانتصار الثورة الإيرانية.

     وقد عزا باحثون آخرون تطور الظاهرة ﺇلى أسباب اقتصادية تتعلق بالفقر والتهميش ، وأسباب ثقافية رداً على موجات التغريب ﺇلى جانب مخزون الذاكرة الجمعي، وأسباب سياسية مرتبطة بالقهر السياسي والهزائم في مواجهة ﺇسرائيل والخضوع للاحتلال في أفغانستان والعراق عقب أحداث 11 سبتمبر ، كما يمكن ﺇضافة مؤشرات مساندة أخرى ؛ كالوجدان الديني في المجتمع العربي وﺇمكانية استثماره، والتأثير النفسي الذي تركه الإنجاز العسكري لبعض الحركات الإسلامية في مقارعة العدو – حزب الله وحركة حماس- ﺇضافة ﺇلى فشل التيارات العلمانية في تقديم نموذج سلطوي ناجح[7]، في مقابل قوة تنظيمية أبانتها بعض الأحزاب السياسية بفعل سياسة التدرج في العمل السياسي كوسيلة للتغيير في مواجهة القمع المسلط عليها من قبل الأنظمة الحاكمة ، وبروز اجتهادات فكرية وسطية بالتحول من التشدد ﺇلى الاعتدال.

وعليه يمكن تلخيص عوامل اندفاع التيار الإسلامي ﺇلى عوامل متعلقة بالبيئة الداخلية تتوزع على فشل الأنظمة السياسية، وفشل التيارات الأخرى وقصورها، واحتواء المجتمعات على مقومات مساندة لانبعاث التيار، وعوامل خارجية تتنوع بين أحداث ومتغيرات ﺇقليمية وأخرى دولية مساعدة – على غرار الحروب والاحتلال-.

ثالثا: الأحزاب الإسلامية والحراك السياسي: من الإسلاموية ﺇلى مابعد الإسلاموية

    أدت رياح التغيير التي هبت على عديد من مناطق العالم العربي ﺇلى خلق ديناميات غير مسبوقة من ناحية ﺇعادة تشكيل الخريطة السياسية على وقع الصعود القوي للحركات الإسلامية وانتقالها ﺇلى سدة الحكم في بعض الدول، أو احتلالها مواقع متقدمة داخل الأنظمة السياسية، ومن ناحية أخرى اعتبرت مرحلة حافلة بتحولات جذرية عرفها الفضاء السياسي العام على مستوى المفاهيم وتحول في طبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة يتم فيه ﺇعادة الاعتبار للمجتمع على حساب الدولة.

فإلى أي مدى تحقق هذا الطرح على المستوى الممارساتي للسياسة؟

  • الأحزاب الإسلامية في الحراك السياسي: أسباب الارتباك

      رغم خلو الحراك السياسي العربي من الشعارات الدينية ﺇلا أن الزخم السياسي الذي رافق دور الأحزاب والحركات السياسية أثناء الانتخابات جعل التسميات تتنوع بين الربيع الإسلامي والصحوة الإسلامية الجديدة ، ما جعل البعض يؤكد بلا مجال للشك أن 2011 هو منعطف مفصلي في المسار التاريخي للتيار الإسلامي ، ناهيك عن واقع ووضع مكونات التيار من أحزاب وحركات تحت المجهر والتي لطالما توارت داخل الظل أو على الهامش بفعل العمل السري أو الإقصاء الممنهج أو الاكتفاء بلعب دور المعارضة.[8]

   لكن إسهام الإسلاميين في بداية الحراك كان محدوداً جداً بالمقارنة مع قوتهم الشعبية والتنظيمية  حيث كان القاسم المشترك بين مكونات التيار الإسلامي هو التردد والارتباك ، وفي هذا السياق يرجع عدد من المحللين ذلك ﺇلى[9]:

– تسارع مسار وأحداث الحراك السياسي بصورة غير متوقعة.

– ضعف الخيال السياسي للأحزاب الإسلامية وعدم استشعارها المبكر للمنهج الثوري البديل عن المنهج التدريجي المعتمد من قبلها كخيار وحيد للإصلاح.

– ميزة الحذر التي تغلف عمل الأحزاب والحركات السياسية بفعل الاعتماد على طابع السرية والانغلاق كنتيجة لتراكمات الممارسات السياسية للأنظمة ضدها- عدم القدرة على المبادرة-.

– ضعف بعض الأحزاب والحركات الإسلامية نتيجة سياسة الاستئصال المعتمدة ضدها من قبل النظام كما هو الشأن مع حركة النهضة التونسية.

– طبيعة التكوين الاحتماعي والثقافي لمنتسبي الحراك السياسي والمتسم بالمرونة الشديدة بخلاف رؤى الخطاب الإسلامي المتميز بالمركزية الشديدة والالتزام الأيديولوجي والتنظيمي الصارم.

كما يمكننا أن نضيف عدم تصديق الأحزاب والحركات الإسلامية بإمكانية التغيير بالطريقة الثورية، وعدم الإيمان بتشكيلات الحراك السياسي وقدرتها على تغيير أنظمة متجذرة تُعرف بأضعاف الخصوم.

   هذه العوامل أبانت عن فحوى ارتباك التيار الإسلامي، فإما المشاركة وفق شروط يحددها الداعون للحراك السياسي وﺇمكانية الاستفادة من أي تغيرات حاصلة، وﺇما النأي بالتيار عن المشاركة نتيجة قصور ﺇمكانية التغيير وما يترتب من رد فعل عنيف للأنظمة في حالة الفشل، لكن الخيار استقر على المشاركة وهو ما أثبتته التجربة في تونس ومصر والمغرب وغيرهما ليتنهي المشهد باكتساح القوى الإسلامية وصعودها السياسي.

ب- الأحزاب الإسلامية في السلطة: جدلية الموافقة بين الدعوي والسياسي

    نجحت الأحزاب الإسلامية في الوصول ﺇلى السلطة في كل من تونس ومصر والمغرب بفعل سلوك انتخابي احتجاجي على فشل الدولة الوطنية، وعلى نخبها السياسية في تحقيق التنمية بمختلف تجلياتها لتتعالى أصوات مشككة عن مدى استعدادهم للالتزام بقواعد العمل السياسي بما يضمن تداولاً سلمياً وسلساً للسلطة، على خلفية العلاقة بين الدين والسياسة كما يدعي المعارضون للتيار الإسلامي.

1- المرجعية الفكرية للأحزاب الإسلامية السياسية:

     اعتبرنا سابقاً أن حركة الإخوان هي نواة التيار الإسلامي، وقد بُلورت أفكارهم في كتاب دعاة لا قضاة المنسوب ﺇلى الهضيبي ، فيما اعتبر كتاب المنهاج النبوي: تربية وتنظيماً وزحفاً الإطار الأيديولوجي لجماعة العدل والإحسان ، وقد كانت هذه الأمثلة في سياق الاستدلال لا الحصر وذلك لتبيان أن السياسة الشرعية هي مفهوم مركزي لهندسة الفعل السياسي يُبحث فيه عما تُدبر به شؤون الدولة الإسلامية من القوانين والنظم التي تتفق وأصول الإسلام ، وهو ما يقودنا لنظرة الحركات الإسلامية عن الحكم ومدلول السلطة في الإسلام [10]، وعليه فإن المرجعية الفكرية والأيديولوجية للأحزاب الإسلامية مستمدة في الأصل من القرآن الكريم والسنة النبوية .

    يلاحظ أن الأحزاب السياسية في مجمل أدبياتها المرجعية وتصوراتها للفعل السياسي ، تقوم على مركزية المقدس الديني كحاكم لنسقها الفكري ، والاستكانة لمبدأ الحاكمية الإلهية كمحددات ثابتة وقارة في النسق الفكري السياسي للحركات الإسلامية مع بعض المرونة، فيما يوحي بالوصل بين الروحي والمادي بين العقيدة وحياة الإنسان المجتمعية، بما يجعل الدين والدعوة موجها لصوغ المجال السياسي وترتيب أولوياته[11].

وعليه فإن توظيف المقدس الديني كمرتكز للتصور القيمي للمجتمع يقابله تقديس مماثل وهي تمارس فعلها السياسي، فالأحزاب السياسية تقوم بترحيل المفاهيم الدينية من الحقل الديني ﺇلى الحقل السياسي بما يعطينا في النهاية شكل النظام السياسي.هذا على المستوى النظري فكيف هو واقع العمل السياسي؟

2- الفصل والوصل بين الدعوي والسياسي في الممارسة السياسية للأحزاب الإسلامية: بعد وصول العديد من الأحزاب الإسلامية ﺇلى دواليب تدبير الشأن العام وتحمل مسؤوليات ريادية في التسيير الحكومي ، باتت مسألة الفصل والوصل بين الخطاب الدعوي والخطاب السياسي أحد الإشكاليات الرئيسية المطروحة أمام الأحزاب الإسلامية، ويتنازع في هذا السياق ثلاث توجهات؛ الأول يدعو ﺇلى الفصل الكلي، والثاني ﺇلى نوع من المرونة في التمييز، والثالث عقلنة الفعل الحركي عبر علمنة فكرية  وتنظيمية[12].

     وفي مقابل هذه التوجهات الثلاث حول علاقة العقدي والسياسي نعرض ثلاث سياسات لتعامل الأنظمة السياسية مع الإسلاميين بما قد يؤثر على احتمال اختيار توجه على حساب آخر ونجمعها في التالي[13]:

– السياسة الإدماجية المنفتحة: وتعني ﺇدماج الإسلاميين داخل المجال العام، وما شجع هذه السياسة وجود ﺇسلاميين ذوي نزعات أيديولوجية وسياسية معتدلة قطعوا التواصل مع الخط الثوري.

– السياسة الإدماجية المترددة: وتتأرجح بين السعي ﺇلى تحقيق الإدماج التدريجي والرغبة في الاستمرار في نهج الإقصاء الممنهج، ويجسد هذا التوجه حالتين؛ الأولى الإدماج وفق مقاسات وأدوار محددة، لكن تحقق مكاسب انتخابية تساهم في تأزيم العلاقة، أما الحالة الثانية فتظهر في سعي بعض الأنظمة ﺇلى اتخاذ قرار الإدماج السياسي في ظل توجس من التداعيات السلبية.

– السياسة الإقصائية: تتجلى برفض التعامل مع الإسلاميين بمختلف توجهاتهم على أساس أنهم يسعون للاستيلاء على السلطة، ونشر بذور التطرف والعنف. ﺇن هذه المقابلة بين التصورات حول علاقة العقدي بالسياسي من جهة، وطرق تعامل الأنظمة مع الأحزاب الإسلامية، يدفعنا للتساؤل عن تعامل التيار الإسلامي مع هذه الخيارات عند وصوله للسلطة؟

      يجيب على هذا السؤال واقع التجارب في كل من تونس ومصر والمغرب من خلال فرضية تنطلق من طبيعة العلاقة بين الدعوي والسياسي؛ مفادها أن دخول الأحزاب والحركات الإسلامية معترك العمل السياسي قد يفقد الخطاب الدعوي مصداقيته قياساً بالمعيقات المعاشة، ناهيك عن غياب أرضية سليمة ممهدة لذلك بحسبهم، وهو ما يطرح مسألة التنازلات التي يحتمل تقديمها في سبيل مأسسة العمل السياسي، وعن احتمالات ظهور انقسامات داخلية بين مندفعين للعمل السياسي المقنن والمهيكل، وبين ساعين للحفاظ على أهداف وتصورات خاصة بالتيار في الممارسة السياسية دونما تأثيرات خارجية .

    وﺇذا ما بدأنا بتونس مهد الحراك السياسي العربي فإنه يتبين معنا أن وصول حزب النهضة ﺇلى السلطة وهو الحزب المعروف عنه تأثره بفكر الإخوان وجماعة الدعوة والتبليغ في باكستان، يعرف نفسه على أنه وسطي يقوم على الانضباط بأحكام الشرع مع مراعاة مقتضيات الواقع المتغير، وفي ذلك ﺇبراز لتعلق تصورها بالوصل من عدمه بين الدعوي والسياسي ، ورغم الاستمرار في الربط ﺇلا أن راشد الغنوشي انتقد الإخوان في مصر بسبب الجمع بينهما وكان ذلك في كتابه ” من تجربة الحركة الإسلامية في تونس” زاعماً أنهم يضمون الجانب العقائدي الأخلاقي على حساب الجوانب السياسية والاجتماعية ويقيسون الأوضاع والجماعات بمقياس عقائدي مما انتهى بهم بنظره ﺇلى تقسيم الناس أخوة وأعداء[14].هذا التغير بالنسبة لحزب النهضة من الوصل ﺇلى الفصل يفسر حجم التنازلات التي قدمتها بتسويق حجة دفع الخطر عن تونس.

 وﺇذا ماأخذنا حالة المغرب وتحديداً مسألة المشاركة السياسية عند جماعة العدل والاحسان فإنها ظلت غائبة بشكل فعلي،  نتيجة التوجس من التأثير السلبي للمواقف السياسية على مصداقية الخطاب الدعوي  وهي بذلك ترتهن المشاركة بتوفر شروط النزاهة من آليات وقوانين منظمة للإطار العام للعمل السياسي  وضمانات المصداقية ، ومخرجات من مؤسسات وهيئات منتخبة تمارس صلاحيات فعلية ، اعتقاداً منهم أن المشاركة اليوم بالشكل الحالي توجه غير صائب في ظل انتخابات تفرز حكومة لا تحكم ونظام حاكم لا يخضع للمساءلة[15].

    أما حزب العدالة والتنمية فهو يدمج مفهومين جدليين وهما الملكية الدستورية والديمقراطية في محاولته لتأطير المرجعية الإسلامية في بنيته الفكرية، وفي الممارسة السياسية،  مما مكنه من الوصول ﺇلى السلطة بالاعتماد على مقومات ثلاث[16]:

– البراغماتية: في تعامله مع المؤسسة الملكية وعدم المساس بالخطوط الحمراء.

– الشرعية الديمقراطية: تبني خطاب شعبوي يعكس الإرادة الشعبية.

– التوافق مع السلطة: تصدر الحكومة ينبغي أن يتم عبر التوافق مع النظام الحاكم وليس معاداته، وعليه فالتنازلات هي مدخل للتوافق مع النظام واعتبار الحزب فاعلاً سياسياً مرحباً به في الأوساط السياسية.

     وصفوة القول أن تماثل المنطلقات الفكرية بين حزب العدالة والتنمية وحركة العدل والإحسان والمتمثلة في المرجعية الإسلامية، ﺇلا أن النظري والممارساتي أبان عن اختلافات تكمن في رؤية حركة العدل والاحسان ﺇلى ﺇحداث تغيير جذري في النظام ورفض تام للتنازل، وما لعواقب دخول المعترك السياسي بصورته الحالية من تأثيرات سلبية على الدائرة الدعوية للجماعة ومنه على القاعدة الشعبية التي تمثلها عندما يظهر عدم استحضار الدعوي في الممارسة السياسية، أما حزب العدالة والتنمية فهو يظهر نمط المهادنة للنظام في سبيل ضمان المشاركة انطلاقاً من فهمه البراغماتي والإيمان بفكرة الإصلاح من الداخل بالتوافق مع النظام لا معاداته .

    وبفحص للأدبيات السياسية والمرجعيات الفكرية عند حركة التوحيد والإصلاح والتي تعتبر الذراع الدعوي لحزب التنمية والعدالة ، فإنها ترى وجوب أن تكون النظم والمؤسسات صادرة عن الإسلام وملتزمة به، وأن تكون السياسات العامة للدولة متفقة مع مبادئ الإسلام ومقاصده في ظل حس اجتهادي واعتدال في صياغة نظرية الحكم الإسلامي- بخلاف العدل والاحسان- ، في ﺇشارة لأثر تطورات تفسر العجز عن الأخذ بمنهج النبوة في كماله وﺇسقاطه على عالم اليوم[17].

   وعليه فالخوف من الإقصاء المستمر دفع بعض الأحزاب الإسلامية الراغبة في دخول المعترك السياسي ﺇلى تقديم تنازلات، بما يؤدي ﺇلى تبني سياسة ﺇدماجية مترددة تجريبية، ومن ثمة سياسة منفتحة بعد صقل الحزب وضمان ﺇرتهانه للنظام، وهو ما يُظهر جلياً حجم الاختراق الحاصل داخل التيار الإسلامي من جهة، وزيادة تكريس الانقسام بسبب اختلافات حول درجة الربط والفصل بين الدعوي والسياسي ، ومنه التحول من الحكم باسم الدين ﺇلى الحكم باسم الشعب عند التيار الذي يصف نفسه بالوسطية والاعتدال ويراه المعارضون ارتهاناً ومهادنة أدت إلى تبعية وانسلاخ.

رابعاً: الثابت والمتغير في موقف الإسلاميين: بين محورية القضية الفلسطينية ومزايا التطبيع

     سيبقى الجدل قائماً حول الثابت والمتغير في موقف الإسلاميين بشأن القضية الفلسطينية والبدائل المتاحة ، لأن فلسطين تمثل المسألة الكبرى، وﺇن رأى البعض أنها لم تعد كذلك نظراً للنزاعات الساخنة التي تشهدها المنطقة ما بعد الحراك السياسي في طرح يؤكد تراجع محوريتها، لكن لطالما رسم الإسلاميون في مخيلتنا تصوراً حول الصراع العربي الإسرائيلي من حيث اعتبار عدم الاعتراف بالدولة الصهيونية مسألة مبدأ انطلاقاً من مرجعية ﺇسلامية تؤكد على نصرة المستضعفين، ويمكن ﺇيعاز سبب تغلف قضية فلسطين بالعامل الديني، ﺇلى الأخذ به كعامل أساسي في تأسيس الوطن القومي لليهود مستندين على ادعاءات دينية وصفها المسلمون بالتوراتيات المحرفة و كانت المرجعية التي تأسست عليها ﺇسرائيل الدولة الدينية.

  اعتبر التيار الإسلامي فلسطين قضية مركزية منذ خمسينات القرن الماضي ويعبرون عن موقف استراتيجي تجاهها يمكن تلخيصه في الثوابت التالية انطلاقاً من موقف الإخوان نواة التيار الإسلامي[18]:

– ﺇن أرض فلسطين هي أرض إسلامية وهي وقف على المسلمين جميعاً حتى قيام الساعة، وهي أمانة في أعناقهم لا يجوز التنازل عن شبر منها.

– الكيان الصهيوني كيان غاصب زائل دخيل يمثل خطراً على الإسلام وقيمه.

– ﺇن الجهاد بكافة صوره القتالية والمالية والإعلامية هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر، والأمة مدعوة للمشاركة، ولذلك ارتبطت القضية الفلسطينية بدورها في الوجدان المجتمعي بالعامل الديني باعتبارها مسرى الرسول- صلى الله عليه وسلم- وأرض الرباط.

    ﺇن الأحزاب الإسلامية الموجودة في السلطة لضغوط حادة لتحديد سياساتها وبرامجها وأولوياتها داخلياً وخارجياً بعيداً عن خطاباتها الحماسية وتصوراتها حينما كانت في المعارضة، أو في وضعية الإقصاء من الممارسة السياسية، وهذا ما يفرض عليها الانتقال من الشعارات ﺇلى برامج تستجيب لتطلعات الشعوب، وتضع مقولاتها ومفاهيمها ومواقفها في مواجهة الواقع السياسي موضع الاختبار.

    ويحاجج راشد الغنوشي في برهان مفاده أن الأحزاب الإسلامية عبر نوابها من المغرب ﺇلى أندونيسيا على مدى ما تتوافر عليه من مستوى عال من المبدئية والواقعية، ونهوض هذه الأحزاب اليوم بمهمة تجديد النخب السياسية وتشبيبها مدعمين بوجدان ديني مجتمعي وطهرانية سياسية لازمت الأحزاب[19].

ففي عالم تتشابك فيه المصالح والعلاقات بصورة معقدة تجد فيه أي دولة أو حكومة ﺇسلامية نفسها أمام ثلاثة احتمالات ﺇزاء العالم الخارجي:

– عالم خارجي تقيم معه تحالفاً أو شراكة أو صداقة وحسن نوايا في المستوى الأدنى.

– عالم خارجي تقيم معه علاقات طبيعية ليس فيها تحالف وليس له بالمقابل علاقات عدائية متوترة.

– عالم خارجي معاد تسود العلاقة معه توترات وتباين خطير في المصالح يؤدي في النهاية ﺇلى مواجهات حاسمة ومصيرية.

– الأحزاب الإسلامية وحتمية التنازلات الداخلية والخارجية: يبدو أن الأحزاب الإسلامية الممارسة للسلطة وجدت نفسها أمام خيار التنازلات لتكون أمام عالم خارجي يمكنها أن تقيم معه شراكات وصداقات ولو بتحفظات معينة، فهي التي سئمت سياسة الإقصاء الداخلي والعزلة والصورة المسبقة خارجياً:

 – لطالما اقترنت مصطلحات كالتطرف والرجعية والأصولية والإرهاب بالحركات والأحزاب الإسلامية أدى بهذه الأخيرة ﺇلى محاولة ﺇبعاد هذه الأوصاف اللصيقة عنها والتجرد من الموقف المسبق حيالها، ومحاولة تلافي اعتبارها تهديداً في نظر الغرب في ظل المرونة التي تبينها والتي هي تنازلات حقيقية[20].

وضع مابعد الحراك:[21] والذي يتميز ببيئة عربية ضاغطة تماماً على التنظيمات الإسلامية يرافقها ضغط دولي

  وخلافات سياسية داخل التيار الإسلامي بين السلفيين والإخوان مثلاً والإخوان والمدخلية عبر توسع هؤلاء في استقراء المخالفات العقدية الإخوانية بحسبهم[22]، والإخوان وبعض التنظيمات الجهادية، جعلها أقل جذباً فالإسلاميون ليسوا جسماً سياسياً ولا أيديولوجية موحدة رغم وحدة المرجعية بسبب التأويلات والتفسيرات المتمايزة.

– اضطراب فكري بسبب تضارب الفتاوى بين القيادات الدينية.

– بدايات تحول عميق في التفاعل الديني والسياسي ، حيث أن تراجع الخطاب الديني كمصدر ﺇلهام للفعل السياسي هو تحول لا يمكن فهمه ﺇلا في ﺇطار عملية تفكيك خطاب الهوية والأيديولوجيا لمصلحة القيم المدنية العالمية؛ مثل الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية[23]، ونضيف التعايش والتطبيع، ولنا في حزب العدالة والتنمية المغربي المثال المكرس لهذا من خلال خطاب أكثر مدنية وحداثة موجه للعموم، فيما يبقى الخطاب الداخلي الموجه للأعضاء متشبثاً بالمرجعية موظفين القاموس الديني، ومن مهاجمة باقي الأحزاب السياسية واتهامها بالفساد ﺇلى التحالف معها دونما أي تقارب أيديولوجي أو ممارساتي كالتحالف مع حزب التقدم وحزب التجمع الوطني للأحرار[24].

    لقد ساهم التحول من أداء دور المعارضة السياسية ﺇلى قيادة الفعل السياسي في رضوخ الإسلاميين للمزيد من التنازلات، واستجاباتهم للإكراهات السياسية نتيجة تحالفاتهم المبرمة مع شركائهم في السلطة تحت مسمى التوافقات، لاعتبارها ضريبة سياسية يستلزمها ﺇنجاح قيادتهم للأغلبية الحكومية، ما سيقوي الحاجة ﺇلى مزيد من التوافقات والتسويات التي قد تتناقض مع مرجعياتهم الأيديولوجية والسياسية.

   ﺇن الثوابت الخاصة بالقضية الفلسطينية تواجهها تغيرات فرضتها الممارسة السياسية واستمرار المصلحة، وما تطبيع حزب العدالة والتنمية المغربي ﺇلا برهان على عدم صمود الثوابت أمام ﺇغراءات الاستحقاقات السياسية ولو تغلف بمصلحة وطنية تتعلق بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، مدعين بعدم التراجع عن دعم القضية الفلسطينية، فهل ينصر المستضعف بمصالحة من ظلمه؟

  لكن الإشكالات التي طرحها تطبيع المغرب لها دلالة وميزة خاصة بخلاف تطبيع الإمارات والبحرين والسودان وﺇن كان السلوك غير ذي مسوغ ، لكن فداحة القرار بصانعيه الذين يدعون الانتماء ﺇلى تيار لطالما اعتبر فلسطين أولوية الأولويات ، وهو بذلك يشق التيار الإسلامي المنشق أصلاً بفعل خلافات عقدية، أو مفاهيمية ممارساتية ،أو بسبب ممارسات سلطوية أفضت ﺇلى تطبيع سياسي معها قسم الأحزاب الإسلامية على هذا المعيار، وبرغم كل هذه المؤاخذات ، فسيكون للتطبيع الأثر البالغ على مصداقية التيار الإسلامي بأيدي منتسبيه، فبين من يصر على حرمته ، وبين من يجد له حججاً يسوقها تحت غطاء قومي حتى يحافظ على قاعدته الجماهيرية، في إشارة لفصل واضح بين العقدي والسياسي، ونجد هذا متجلياً في الأمثلة التالية:

الانقسام داخل الحزب الواحد كما حدث مع حزب العدالة والتنمية المغربي بين اتجاه يمثله عبد الإله بن كيران يتميز بنوع من الممانعة وترك مسافة بين الحكومة والقصر الذي استعاد نشاطه السياسي بعد الحراك، وبين سعد الدين العثماني الذي يمثل التيار الذي اختار التماهي المطلق مع السلطة في عدة قضايا وأهمها التطبيع مع ﺇسرائيل، وكان ذلك بغرض الاستمرار في قيادة الحكومة ولو بتحالفات جديدة بغض النظر عن المرجعيات الأمر الذي يضر لا محالة بمصداقية الحزب على مستوى القاعدة الجماهيرية.

– التحولات الكبيرة التي شهدتها حركة حماس والتي نأت بنفسها عن المشاركة في تشريعيات 1996 لأن ذلك بمثابة تأييد لاتفاقية أوسلو التي تعارضها من منطلق حل الدولتين، ﺇلى المشاركة واعتبارها حزب أغلبية في تشريعات 2006، والبدء في طرح هدنة طويلة الأجل ﺇذا ما انسحبت ﺇسرائيل ﺇلى حدود 1967، مما يعني ضمنياً أنهم سيقبلون بحل الدولتين في مرحلة ما، لكن هذا ولد ردوداً عنيفة بدءاً من حركة حماس نفسها لعدم رضاهم عن البراغماتية والاعتدال المبالغ الذي أظهرته قيادة حماس[25].

– على الرغم من الارتباط الوثيق بين الحركات الإسلامية والهوية القومية ﺇلا أن الإسلاموية الجديدة تأسست على علاقة الولاء للوطن – الدولة وهي بذلك تخالف الجماعات الجهادية والتي ترنو لتأسيس دولة الخلافة[26]، ويمكن أن تفسر لنا هذه العلاقة الجديدة جزءاً من مشهد قبول تطبيع حزب العدالة والتنمية المغربي في ظل اعتراف أمريكي بمغربية الصحراء الغربية.

لكن السؤال المطروح: ﺇن الاعتراف بالدول يعني ضمنياً الاعتراف بشروط تأسيسها ومنها الإقليم، فضمن أي حدود تم الاعتراف على أساسها بإسرائيل، هل هي حدود 1967 أم حدود الدولة بحسب صفقة القرن التي رفضها الفلسطنيون وكما وضعها الأمريكيون الراعون والضاغطون نحو التطبيع؟

 

في ختام هذه الدراسة توصلنا للنتائج التالية:

الوصول ﺇلى السلطة والاستمرار فيها يستلزم الدفع بالتسويات والتوافقات، والواقع يشهد بتحول أحزاب ﺇسلامية ﺇلى أحزاب ديمقراطية محافظة.

تظهر الممارسة السياسية ﺇسلاماً سياسياً غير متجانس، بفعل خلافات تنظيمية وخلافات مفاهيمية يغلب عليه الطابع التنافسي.

– الأحزاب الإسلامية تدخل في تسويات لخدمة أهدافها السياسية، وهي ليست متعصبة بشأن القضايا الأيديولوجية، في ﺇشارة لإمكانية الفصل التام بين الدعوي والسياسي.

ﺇعادة تشكيل صورة الإسلام في صيغة ما بعد الإسلاموية هو الطريق للوصول للحكم والسبيل للبقاء فيه، بما يعني أن ضرورات البقاء السياسي تفرض التفاعل الجدي مع معايير وشعارات مخالفة ولو كان التطبيع مع ﺇسرائيل.

– زيادة بوادر تراجع الإسلام السياسي نتيجة لعدم صمود الثوابت أمام التغيرات والمصالح كما أظهره التطبيع مع ﺇسرائيل.

 

قائمة المراجع:

[1]  عبد الرحمان علال ،” الإسلام السياسي أصوله النظرية وتجلياته الراهنة “، مجلة ذوات الالكترونية، العدد 44، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث ، المغرب، 2018، ص 25.

[2]  عبد الواحد أوامن، ﺇطار مفاهيمي ونظري لحركات الإسلام السياسي، في : تجارب الإسلام السياسي بعد ثورات الربيع العربي: دراسة في التحديات الراهنة آفاق المستقبل، (برلين : المركز الديمقراطي العربي  ، 2019)، ص11.

[3]  عبد الوهاب الأفندي، الحركات الإسلامية :النشأة والمدلول وملابسات الواقع في: الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي في العالم العربي، ( أبو ظبي: مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2002)، ص 13.

[4]  نادية لهديلي، “الحركات الإسلامية في المغرب والمشاركة السياسية” ، المجلة المغاربية للدراسات التاريخية والاجتماعية، المجلد 9، العدد3، الرباط ، ديسمبر 2018، ص32.

[5]  مخلص الصيادي، “الحركات الإسلامية المعاصرة: رد فعل أم ﺇستجابة لتحد”، مجلة المستقبل العربي ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت، 1995، ص10.

[6]  المرجع نفسه ، ص ص ، 17-26.

[7]  وليد عبد الحي، “مستقبل الإسلام السياسي في المنطقة العربية : بين الاتجاه الفرعي والاتجاه الأعظم”، مركز الدراسات المستقبلية وقياس الرأي، جامعة القدس المفتوحة، فلسطين، 2015، ص ص، 13،19.

[8]  محمد السعدي، الحركات الإسلامية بعد الربيع العربي : تحديات السلطة وتحولات الخطاب، في : حركات الإسلام السياسي والسلطة في العالم العربي: الصعود والأفول، تحرير: جمال سند السويدي، أحمد رشاد الصفتي (أبو ظبي: مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2014)، ص 82.

[9]  المرجع نفسه، ص ص ، 91-92.

[10]  جلال خشيب، آمال وشنان، الحركات الإسلامية وجدلية الديني والسياسي، المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية ، ﺇسطنبول ، أفريل 2016، ص3.

[11]  عبد الاله سطي، “جدلية العقدي والسياسي في خطاب الحركات الإسلامية المغربية” ، مجلة ذوات الالكترونية، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث ، العدد44، المغرب، 2018، ص ص، 57-60.

[12]  المرجع نفسه، ص 55.

[13]  رشيد مقتدر، القوى الإسلامية والتحالفات المبرمة قبل الربيع العربي وبعده: محاولة للفهم في : الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي – ﺇتجاهات وتجارب- ( الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص ص، 236-237.

[14]  ﺇبراهيم لملم، مفهوم التغير لدى الحركة الإسلامية بين الدعوة والاصلاح السياسي في زمن الحراك الراهن لبعض الشعوب العربية، أطروحة مقدمة لنيل شهادة دكتوراه في العلوم الإسلامية تخصص: دعوة ﺇسلامية، كلية العلوم الإسلامية، جامعة باتنة1، 2016-2017، ص 72.

[15]  نادية لهديلي، مرجع سابق، ص ص، 40-41.

[16]  المرجع نفسه، ص 48.

[17]  عبد الاله سطي ، مرجع سابق، ص ص ، 57، 65.

[18]  السيد محمود الوزيري، الأسس الفكرية للاخوان المسلمين وتأثيرها في تطورات الشرق الأوسط ( بيروت: دار الولاء للطباعة والنشر والتوزيع ، 2015)، ص 215.

[19]  راشد الغنوشي، هل مشروع الحركة الإسلامية في تراجع، تحرير: مصطفى الحباب ( لبنان: مركز صناعة الفكر للدراسات والأبحاث، 2015)، ص 30.

[20]  عماد الدين شاهين، التطرف والاعتدال لدى الحركات الإسلامية: الأسباب والدوافع والانعكاسات في : الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي  في العالم العربي، ( أبو ظبي: مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2002)، ص 91.

[21]  وليد عبد الحي، مرجع سابق، ص 19.

[22]  أحمد سالم، ﺇختلاف الإسلاميين: الخلاف الإسلامي الإسلامي حالة مصر نموذجا،( بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2013) ، ص 363.

[23]  محمد السعدي، مرجع سابق، ص 90

[24]  مصعب التيجاني، حزب العدالة والتنمية المغربي : من المعارضة ﺇلى الأغلبية الثابت والمتغير في : تجارب الحركات الإسلامية بعد ثورات الربيع العربي : دراسة في التحديات الراهنة وآفاق المستقبل ( برلين: المركز الديمقراطي العربي، 2018) ، ص 286.

[25]  محمد أيوب، “الوجوه المتعددة للاسلام السياسي” ، ترجمة: سناء عبد العزيز، مجلة ذوات الالكترونية، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث ، العدد44، المغرب،2018 ، ص 78.

[26]  سهام الدريسي، المراوحة بين الفعل السياسي والمعطى الديني في سياقات الدمقرطة: الأحزاب الإسلامية المغاربية نموذجا، في: ﺇشكالية الدولة والإسلام السياسي قبل وبعد ثورات الربيع العربي: دول المغرب العربي نموذجا، تحرير: عائشة عباس(برلين: المركز الديمقراطي العربي، 2018)، ص 233.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks