الأحزاب  الإسلامية والنشاط السياسي بين جدلية الاستيعاب والإقصاء

د. جارش عادل

باحث في الدراسات الإستراتيجية 

تحميل pdf

 

     جرت العادة بأن يتم تعريف الحزب السياسي في مختلف الأدبيات السياسية على أنه عبارة عن مجموعة من الأفراد التي تمارس العمل السياسي بطريقة منظمة، إذ يمتلكون عقيدة وفكر وبرنامج يحاولون من خلال طرحها الوصول إلى السلطة، فهناك أحزاب تتبنى الفكر الاشتراكي، وهناك من يتبنى الفكر القومي، والليبرالي، و حتى الإسلامي، وكلها تحاول بطرق سلمية وديمقراطية الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات وكسب التأييد الشعبي،  لكن يبدو في العالم العربي والإسلامي أن هناك ملاحظة أساسية قد يرصدها العديد من الباحثين والمتتبعين للأوضاع السياسية، وهي وجود إشكالات كبيرة على المستوى العملي حول علاقة الإسلام بالسلطة والنشاط السياسي، خاصة وأن هناك إدراك خاطئ أو متعمد يربط كل عملية سياسية إسلامية بالتطرف أو اللاديمقراطية أو سلوكات الماضي، دون إدراك وفهم حقيقة عمل هذه الأحزاب وبرامجها.

شئنا أم أبينا فإن الجماعات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي يمكن تشبيهها بأنها أحد المداميك الأساسية للعملية السياسية، وهذا ما أدركته بعض الأنظمة التي حاولت زجها في العملية السياسية كزج حركة النهضة والبناء الوطني في العملية السياسية بالجزائر، لكن تبقى أغلب الدول العربية تساير عمل الأحزاب بتطبيق سياسات الحذر والكبح والمفاضلة و أيضاً الإقصاء إذا استدعت الضرورة ذلك، لكن كيف؟ ولماذا؟

قد نتحدث هنا عن صنف من بعض الأحزاب السياسية الإسلامية، تعرض للإقصاء من النشاط السياسي بمصادرة أمواله ومنعه من أي عمل سياسي نتيجة لنشره التطرف والتعصب بين الشباب المسلم من خلال الخطاب الديني المتطرف عند بعضهم دون إدراكهم وفهمهم لحقيقة دين الإسلام الذي يدعو إلى الرحمة والسلام، ودون معرفة متغيرات القوة وموازين الحكم داخل الدولة، ولقد وقع هذا التيار في خطأين، خطأ ذاتي ينم عن توجهه ومرجعيته الخاطئة، وخطأ يتعلق بعدم تكيفه وقراءته جيداً للأوضاع داخل الدولة، ومن أمثلة ذلك النشاط السياسي للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر خلال فترة التسعينيات، أما عن الصنف الآخر فيتعلق بتلك الحركات الإسلامية التي استطاعت من خلال كفاح في مراحل زمنية معينة من كسب ود الشعب قاصدة بذلك خدمة الشعب والوطن، ومن بينهم حزب العدالة والتنمية بتركيا، وما يميز هذا الصنف أنه سريع التكيف مع التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويستفيد من تجاربه التاريخية، ولديه كتلة شعبية داعمة لا بأس بها، وشبكة من العلاقات القوية من القوى الإقليمية والعالمية، وما بين هذين الصنفين نجد نوعان آخران من الأحزاب السياسية الإسلامية، أحزاب سياسية إسلامية تشارك في العمل السياسي وتحظى بنوع من القبول لدى الشعب والنظام، وعادة ما يكون لها أدوار معينة تقوم بها مثل دور المعارضة، فتصبح المعادلة  حزب مسيطر أو حاكم ضد حزب معارض إسلامي يراقب عمل ونشاط وممارسات الحزب الحاكم، والنوع الأخير يتعلق بالأحزاب الإسلامية الضعيفة التي لا تمتلك شعبية معتبرة، وتمثيلها في المؤسسات البرلمانية والحكومة ضعيف أو شبه منعدم، وما يميز هذا الحزب أنه يسعى مبدئياً للحفاظ على الوضع القائم ثم يسعى لتغيره تدريجياً مع مرور الوقت.

ومن ناحية أخرى فإنه يمكن قراءة النشاط السياسي للأحزاب الإسلامية السياسية من عدة عدسات أو زوايا، الزاوية الأولى تتعلق بالمعطى التاريخي وتأثيره المستمر في بناء إدراكات خاطئة عن هذه الأحزاب، فلو راجعنا التاريخ جيداً، لوجدنا أن غالبية الدول العربية والإسلامية تعرضت للاستعمار الذي حاول بعدة طرق التدخل في الشؤون السياسية لها، وبناء أحزاب وأنظمة ديمقراطية تشبه التركيب السياسي لديه مع إهمال عمدي للأحزاب الإسلامية، وتصنيفها على أنها معادية لأنه وفق منظور الاستعمار يمثل تهديداً كونها تسعى لإعادة وإرجاع ما يسمى بالخلافة الإسلامية أول الدولة الإسلامية، ومع انتشار الأفكار الأيدلوجية والدعوة إلى فصل النشاط الديني عن النشاط السياسي في الغرب، انتقل ذلك إلى العالم العربي والإسلامي واستمر حتى بعد استقلالهما، فلم تلق هذه الأحزاب ترحيباً كبيراً من طرف الدول العربية لا سيما مع انتشار الفكر القومي في كل من مصر والجزائر وتونس وسوريا والعراق، لكن مع مرور الوقت وتفاعل مجموعة من الأسباب والظروف فرضت الأحزاب الإسلامية حضورها وزاد نشاطها في مصر والجزائر والأردن وتونس والسودان وليبيا والمغرب وغيرها من الدول الأخرى، ولكنها لحد الآن مازالت تعاني من عدة إشكاليات وتحديات من أبرزها الآتية:

  • عدم ثقة الأنظمة السياسية الحاكمة في نشاط وعمل الحركات والجماعات الإسلامية: من أبرز مظاهر الحياة السياسية خاصة في العالم العربي هو وجود نوع من الحساسية أو تدني الثقة بين الفاعلين السياسيين والأحزاب السياسية الإسلامية، وأحياناً قد نجد انعدام الثقة موجود حتى لدى الشعب حيال الأحزاب والحركات الإسلامية، لكن لماذا؟

التفسير الذي يمكن ترجيحه هنا أولاً هو وجود صورة نمطية سيئة حول الأحزاب الإسلامية قبل حتى بداية نشاطها أو عند وصولها للحكم، فكثيراً ما يتم الحكم عليها مسبقاً أو بعد فترة وجيزة من عملها أثناء الحكم على أنها فاشلة عند مقارنتها بأحزاب سياسية أخرى، ومن ناحية أخرى فإن ما عاشته العديد من الأحزاب السياسية من قمع تعرضت له من طرف الأنظمة السلطوية ودفعها أثمنة غالية لمواجهتها للبنى القمعية الموجودة فيها جعلها تعمل بصورة محدودة من أجل الحفاظ على بقائها مع أخذها مسافة دقيقة بينها وبين الحكم، وهو الأمر الذي أثر على صورتها مع مرور الوقت وجعلها تفقد شعبيتها وثقتها لعدم مبادرتها وقلة نشاطاتها.

  • التفكك بدل ترصيص الصفوف: تشهد التيارات الإسلامية بعدة دول عربية تفككاً جزأها إلى عدة أحزاب متنافسة غير قادرة على فرض أفكارها في النقاش السياسي نتيجة للصراعات الداخلية ووجود اختلافات في التوجهات الفكرية، وهو ما يجعلها تحقق نتائج غير مرغوب بها في الاستحقاقات الانتخابية، فالقاعدة تقول: أنه كلما تحالفت واتحدت الأحزاب الإسلامية كانت نتائجها في الاستحقاقات الانتخابية وتأثيراتها على النشاط السياسي أحسن، وكلما كان العكس ضعف أداؤهم وتحصلوا على نتائج ربما تكون غير مرضية في الكثير من الأحيان في الاستحقاقات الانتخابية.
  • التحجج باستخدام الدين في السياسة: من المتعارف عليه أن أي قوة سياسية تحاول استخدام ما تراه مرجعية لها في التشريع والرؤى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك بغرض الدعاية لنفسها، فالليبراليون ينطلقون من أفكار الحرية والمساواة وتحرير السوق، ويحاولون ترويجها في النوادي الاجتماعية، وكذلك الاشتراكيون يعتمدون على النقابات واليساريين لنشر أفكارهم..وغير ذلك، لكن في الحقيقة أحياناً عندما تفشل أو تعجز هذه القوى عن منافسة الأحزاب الإسلامية ترد ذلك إلى عبارة: “استخدام الدين في السياسة”، رغم أن كل حزب ينطلق من مرجعية وأفكار معينة، فربما تتجلى بعض الأفكار الإسلامية في برنامج الأحزاب الإسلامية لكن ليس معناه توظيف واستغلال الدين في أي نشاط سياسي واحتكاره، ولو عدنا إلى الوراء قليلاً في مرحلة الستينيات أو السبعينيات عندما كانت الأحزاب السياسية الإسلامية ضعيفة وهشة فإننا لن نسمع عبارة “استخدام الدين في السياسة”، لأن الأحزاب اليسارية أو القومية هي المسيطرة، رغم أنها تستخدم الرموز والعروبة ومظالم  الفقراء لكسب أصواتهم من أجل البقاء في الحكم.

أما عن الزاوية الثانية، فتتعلق بالسعي الدؤوب الذي يقوم به الإسلاميون قصد التكيف مع مقتضيات الدولة عبر الاندماج والاشتباك السياسي الداخلي بدلاً من الاعتماد فقط على الأفكار الطوباوية التي تتعلق بمشروع الخلافة قصد ممارسة نضالهم السياسي، ورغم ذلك فلم يشفع هذا التكيف والتحول الذي قاموا به في استمرار الشكوك والانتقادات لهم، فإذا حاول مثلاً الإسلاميون بناء ما يسمى بالتحالف والتوافق الإسلامي معهم انقلبوا ضدهم، واتهمهوم بتوظيف الدين، وإذا حكموا منفردين انقلبوا عليهم كحال الإخوان المسلمين في مصر، وإذا لم يشاركوا في العملية السياسية ورفضوها وصفوهم بالعمالة لأطراف تريد المساس بالدولة، وإذا اقتضت الظروف، وتراجع دورهم وتحصلوا على حصة ضعيفة في العملية الانتخابية وحافظوا على مسافة بينهم وبين نظام الحكم اتهموهم بالخنوع، وبالتالي فإنه رغم محاولة الإسلاميين مراجعة أنفسهم وتكييف أفكارهم، فإنهم لحد الآن مازالوا يتعرضون لنقد كبير على المستوى النظري، أما على المستوى العملي فرغم نجاحهم في بعض الدول، إلا أن طبيعة الأنظمة وشبكة علاقاتها الداخلية والخارجية قد تستبعدهم بعدة طرق لأنها ترى فيهم عائقاً للعمل السياسي.

وأخيراً يبدوا أن الأحزاب السياسية الإسلامية في العالم الإسلامي والعربي تعاني من تبعات داخلية وخارجية تؤثر في نشاطها السياسي رغم محاولتها تكييف ذاتها على المستوى النظري والعملي، لذلك فهي تحتاج لجهد أكبر من أجل الخروج من جدلية الاستيعاب والإقصاء التي تتعرض إليها إلى حالة تلعب فيها دوراً فعالاً في العملية السياسية.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks