مراجعة كتاب:

 الأوجه المتعددة للإسلام السياسي: الدين والسياسة في المجتمعات الإسلامية

The Many Faces of Political Islam: Religion and Politics in Muslim Societies

Mohammed Ayoob and Danielle N. Lussier

مراجعة: إبراهيم كرثيو

مركز المجدد للبحوث والدراسات 

 

في الطبعة الثانية من كتاب الاوجه المتعددة للإسلام السياسي التي تتبع الطبعة الأولى، يُظهر كل من محمد أيوب ودانييل لوسير اطلاعًا واسعاً وخبرة في تناول هذا الموضوع. وتشمل مواضيع هذا الكتاب التغييرات العديدة التي حدثت في جميع أنحاء العالم الإسلامي خلال العقد الماضي. ومن بين التغييرات التي اشتملت عليها هذه الطبعة: الانتفاضات العربية عام 2011، مقتل أسامة بن لادن، والحرب الأهلية السورية المستمرة، الصعود والسقوط الدراماتيكي لتنظيم الدولة الإسلامية -داعش، وكذلك انتشار الجماعات المتشددة في أفريقيا جنوب الصحراء. يتم تسويق الكتاب كمدخل تمهيدي يسهل عملية اكتشاف الطبيعة المتعددة الأوجه للإسلام السياسي أو الإسلاموية، وفي نفس الوقت يتميز هذا الكتاب بالشمول لدرجة أن القراء المتقدمين يجدون ضالتهم فيه أيضًا.

البيانات الوصفية للكتاب:

Ayoob, M., & Lussier, D. N. (2020). The Many Faces of Political Islam: Religion and Politics in Muslim Societies. University of Michigan Press.

الهدف من هذا الكتاب هو أن يكون بمثابة الحصن المنيع وأداة لتكذيب الصورة النمطية الاستشراقية والمغالطات التي تنشرها وتغذيها وسائل إعلام غربية، وكذلك الأفكار المغلوطة التي يتبناها الخبراء والسياسيون الانتهازيون وشرائح معينة من القطاع الأكاديمي تجاه الإسلام السياسي. هذه الآراء أساسية إلى حد كبير وتصور الجهات الإسلامية الفاعلة على أنها متجانسة، وغير قادرة على فصل السياسة عن الدين، وتتبنى العنف بطبيعتها. كما أنهم يصورون هذه الجهات الفاعلة على أنهم مدفوعون بإسلام ثابت، لم يتغير منذ نشأته في القرن السابع.ومن وجهة النظر التاريخية أو التحليلية، فإن هذه التوصيفات-بطبيعة الحال-منافية للعقل، ولكنها اكتسبت زخماً كبيراً خاصة في الغرب. وقد تفاقم هذا الوضع في أعقاب هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، ثم مرة أخرى أثناء صعود وسقوط داعش الدراماتيكي عام 2014.

سعى أيوب ولوسيير في كتابهما إلى تبديد مثل هذه الآراء من خلال دراسة الإسلام السياسي باعتباره ظاهرة متعددة الأبعاد. هذا على الرغم من أوجه التشابه الظاهرة بين العديد من الجهات الإسلامية الفاعلة، لا سيما فيما يتعلق باستخدامهم الشائع للمصطلحات والخطابات الرمزية. بدلاً من ذلك، وضح المؤلفان أن استخدام الرمزية الإسلامية أمر عملي واقعي، كما بينا كيف يتلقى المسلمون هذه الرموز منذ التنشئة الاولى “منذ الطفولة”. في الواقع، يشرح الكتاب كيف أن استخدام الرمزية الإسلامية هو وسيلة فعالة للتعبئة السياسية. وإدراكًا لذلك، يشجع الكتاب القراء على إعادة مفهمة الإسلام السياسي ضمن أوجه متعددة بدلاً من النظرة الاحادية الجانب له.

وللتحقيق في الإسلام السياسي كظاهرة متعددة الأوجه، يحدد المؤلفان أربعة أنواع مثالية للجهات الإسلامية الفاعلة: الطليعة (نسبة الى حزب الطليعة اللينيني أو “الثوريين المحترفين”)، والأحزاب السياسية اللاعنفية، ومنظمات المقاومة الوطنية (التي تركز على تقرير المصير الوطني والتحرر من الحكم الأجنبي)، والجهات الفاعلة العنيفة العابرة للحدود الوطنية. على الرغم من الأنواع المثالية، من المهم ملاحظة أن هذه التقسيمات الأربعة لا تسعى لان تتمايز عموديا. وعلاوة على ذلك يمكن للجهات الفاعلة أن تربط بين الفئات المختلفة وتتطور غالبًا بمرور الوقت. على سبيل المثال، عملت جماعة الإخوان المسلمين المصرية وفي مراحل مختلفة من تاريخها كمنظمة خيرية شعبية، وكمناضلين متشددين، وكحزب حاكم لمصر، وغيرها.

تشتمل معظم الفصول الأساسية للكتاب على دراسات حالة مفصلة تقارن هذه الأنواع الأربعة المثالية من الجهات الإسلامية الفاعلة في جميع أنحاء العالم الإسلامي. كما تم تحليل أفكار هؤلاء الفاعلين من خلال تصنيف الأهداف السياسية والمشاركة الانتخابية واستخدام العنف. ومع ذلك، من المهم ملاحظة أن أهداف وإجراءات هذه الجهات الإسلامية الفاعلة مشروطة بشدة بالبيئة السياسية التي يعملون فيها. ويشمل هذا النظر في طبيعة النظام الذي يعارضونه (باستثناء دراسات الحالة حول دولتين “إسلاميتين” وهما المملكة العربية السعودية وإيران) وتدخلات السياسة الخارجية من قِبَل القوى الخارجية. وعلى هذا النحو، فإن العديد من مظاهر الإسلام السياسي المعاصر تؤطر من حيث مقاومة الظلم والقمع والهيمنة الأجنبية.

تحقيقا لهذه الغاية، يحاجج المؤلفان بأن الغالبية العظمى من الإسلاميين تحركهم مظالم محلية، عادةً ما تكون في سياق وطني. وهم يعتبرون الجماعات الجهادية العابرة للحدود مثل داعش والقاعدة استثناءات على الرغم من الاهتمام الهائل الذي تحظى به هذه الجماعات. باستثناء الفصل المتعلق بالجماعات العنيفة العابرة للحدود، تناولت فصول الكتاب دراسات حالة الإسلام السياسي على المستوى المحلي والوطني.

لكن من وجهة نظرنا، فإن أقوى فصول الكتاب سواء من الجانب المفاهيمي أو من حيث زاوية تناول الموضوع والتي جاءت كتصحيح للصور النمطية السائدة، هما الفصلان الأولان. هنا، يهدم المؤلفان العديد من الاستعارات الاستشراقية البارزة في الخطابات الغربية المعاصرة التي تفترض أن الأيديولوجيات الإسلامية هي مجرد استمرار لتقاليد قديمة تعود إلى القرن السابع. على العكس من ذلك، يوضح المؤلفان أن الإسلام السياسي هو ظاهرة حديثة نسبياً يرجع تاريخها إلى القرنين الثامن والتاسع عشر، والتي ظهرت في مواجهة التوسع الغربي بعد 1000 عام من الهيمنة الإسلامية. وهكذا كان الإسلاميون ينظرون إلى الهيمنة الغربية على أنها انعكاس لنظام أمر إلهي.

وفقًا لأيوب ولوسيير، يوجد موضوع شائع ومشترك بين جل الإسلاميين، هو تصورهم لعودة العصر الذهبي المزدهر للإسلام يتجسد في المفاهيم المثالية للنظام السياسي الإسلامي الأول في المدينة المنورة، والتي كان يحكمها النبي محمد (ﷺ) أولاً ثم يليها عصر الخلفاء الراشدون. ووفقا لهذا، يفترض المؤلفان أن الإسلاميين -في دواخلهم-يقومون بإزالة التاريخ عن تطور الإسلام ويجردونه مما يعتبرونه تراكمات غير نقية. وفي نظر الإسلاميين، فإن هذه التراكمات، التي يُنظر إليها على أنها انحراف عن الطريق الصحيح للإسلام، تفسر الوضع الخطير الحالي للعالم الإسلامي. وبالتالي، من الضروري العودة إلى الحالة “الأصلية” للمجتمع المسلم الأصلي لتصحيح ذلك.

والمسألة هنا ينتابها شيء من الغموض، في حقيقة الأمر تم ذكر مفهوم نموذج المدينة المنورة في نقاط مختلفة في جميع أنحاء الكتاب، ولكن ما يعنيه هذا من الناحية العملية لم يتم توضيحه بشكل مفصل. قد يبدو من المفارقات إلى حد ما أن الإسلاميين يحتجون بهذه الفترة باعتبارها فترة مثالية، نظراً إلى اغتيال ثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة الأوائل. وفي سياق مماثل، ينص المؤلفان على أن السمة العامة للإسلاميين هي أنهم يسعون إلى تقليد المجتمع الإسلامي الأول ولكنهم لم يشرحوا أبدًا بشكل كافٍ أن المسلمين الشيعة لا يعترفون بالخلفاء الثلاثة الأوائل على أنهم شرعيون. حيث أنه لدى الشيعة اعتقاد أن الخلفاء الثلاثة الأوائل اغتصبوا الخلافة. على هذا النحو، كيف يمكننا التوفيق بين هذه الخصائص العامة وبين المسلمين السنة والشيعة وتصوراتهم عن هذا العصر الذهبي؟ في جميع فصول الكتاب، هناك بعض الأمثلة التي تفترض مسبقًا بعض المعرفة والتصورات عن هذا المجتمع وخاصة فيما يتعلق بالإسلام المبكر.

وتحقق دراسة الحالة الأخيرة للكتاب في الجهات الإسلامية العنيفة العابرة للحدود الوطنية، وهي تنظيم «القاعدة» و«داعش» و«بوكوحرام». بل إن وجود هذه الجهات الفاعلة يعتبر ظاهرة حديثة للغاية تمتد لبضعة عقود فقط. وفي الواقع، يؤكد أيوب ولوسير أن الولايات المتحدة هي التي سهلت صعود جهات فاعلة مثل تنظيم «القاعدة» و«داعش» من خلال خلق نقاط اتصال لمجموعة متنوعة من الإسلاميين المتشددين من أجل الجمع والتواصل بين القوات في أفغانستان والعراق. ومع ذلك، يحاجج المؤلفان بأن هناك تركيزاً كبيراً على هذه الجهات الفاعلة، لا سيما في الغرب، لأنها لا علاقة لها بالحياة المعاصرة للغالبية العظمى من المسلمين.

بشكل عام، يعتبر هذا الكتاب مثيراً للإعجاب وغني بالمعلومات التي تهدف الى التحقيق في بعض الأوجه العديدة للإسلام السياسي. والكتاب يمكن اعتباره بمثابة أداة ممتازة تسهم في تبديد الصور النمطية السائدة فيما يتعلق بالإسلام السياسي وتأصيل الحركات الإسلامية في سياقها المحلي. وعلى هذا النحو، اجتهد كل من أيوب ولوسيير في تصحيح الصور النمطية الاستشراقية في مواجهة الإسلام السياسي والتي ازدهرت في القرن الحادي والعشرين.

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks