السياسة الخارجية للأحزاب الإسلامية

قراءة في موقف حزب العدالة والتنمية المغربي من التطبيع

د. عبد الحق دحمان

مركز المجدد للبحوث والدراسات- الوحدة السياسية

تحميل pdf

مقدمة:    

      فتح صعود الإسلاميين للمجال السياسي في خضم الديناميكيات الثورية التي ميزت العالم العربي عام 2010 التساؤلات بشأن القابلية للتطبيق وتطوير أجندات لسياسة خارجية خاصة بالإسلاميين. فمن منظور بنائي، فإن الخطابات المتعلقة بالسياسة الخارجية يمكن تفسيرها من خلال تبني الاتجاه المتمثل في التمسك بالمبادئ الديمقراطية العالمية وترسيخ مكاسب الثورة، والهدف من ذلك هو طمأنة الشركاء في الداخل والخارج إلى ضرورة التركيز على الأولويات والتحديات الاجتماعية والاقتصادية الهائلة، كبديل عن المنطق العكسي المتمحور حول تعزيز الهوية الإسلامية. تبني هذا الاتجاه هو في الحقيقية نتيجة لهيمنة معيار لا يسهل في ظله استدعاء الممارسات الديمقراطية، أي أنه بمثابة المصدر الرئيسي لعرقلة استدعاء أي عمل إسلامي ذو طابع أيديولوجي وهو الطابع الاستبدادي لأنظمة الحكم، الذي عمل كقيد قانوني مؤسسي ومجتمعي (في بعض جوانبه)، مما اضطر بالفاعل الإسلامي للتكيف ضمن مجال مطلوب منه ضبط أسلوب عمله.

في نفس السياق، أدت جهود حزب العدالة والتنمية المغربي في عدم إحداث صدام مع النظام الملكي، بأن جعل دور حزب العدالة والتنمية يتمحور حول إضفاء الشرعية على خطوات الملك حتى ولو تناقضت مع أيديولوجية الحزب. ويستدل على ذلك كثيراً في تشبث رئيس الوزراء السابق عبد الإله بنكيران (خلال فترة ولايته) بالملكية التنفيذية مؤكداً على” أهمية المؤسسة الملكية في النظام السياسي في المغرب”، ومنتقداً كل الداعين إلى الملكية البرلمانية بقوله” …. إذا كانت الملكية البرلمانية هي ملك يسود ولا يحكم فأنا ضدها ولا أتفق عليها، ولا أقول هذا للمرة الأولى… هذه الفكرة لا حاجة لنا بها ” . لا شك أن هذا الموقف من حزب العدالة والتنمية قد كفل بالتأكيد نجاح الحزب واستمراره في السلطة. لذا لم يفوت رئيس الوزراء وأعضاء حزبه أي فرصة إلا وأكدوا بأن الملك هو الذي يحكم المغرب بينما حزب العدالة والتنمية راض عن قيادة حكومته مع الأحزاب الأخرى التي تشكل الائتلاف الحكومي.

والسؤال المطروح هو كيف يمكن تبني الخطوط العريضة لمفهوم الأيديولوجي الموحد والمتماسك لدى الإسلاميين على مستوى السياسة الخارجية في حالة استمرار الرهانات الثقيلة رمزياً كالقضية الفلسطينية؟ في هذا الصدد واجه حزب العدالة والتنمية معضلة جدية بعد إعلان المغرب تطبيع علاقته مع إسرائيل، فكونهم جزء من السلطة قد فتح “التطبيع” كقضية نموذجية مدخلاً لفهم أولويات الإسلاميين في السلطة ومصدر التبريرات لديهم فيما يتعلق بقضية التطبيع. ولأجل فهم ديناميكية عمل الأحزاب السياسية في السياسة الخارجية وموقفها من التطبيع يجدر بنا تبني النقاش النظري القائل بأن ” السياسة تتوقف عند حافة الماء” وذلك لاختبار فرضية ما إذا كان ينظر للحدث الخارجي نفسه بشكل مختلف داخل الثقافات الوطنية وبالتالي معرفة مدى وجود أجندات تميز الأحزاب الإسلامية فيما يتعلق بصنع السياسة الخارجية لناحية تحديد التحالفات أو نقاط الصراع وتسميات التهديد.

أولاً: دور الثقافة والأيديولوجية في السياسة الخارجية  

اعتبرت الثقافة مع نهاية الحرب الباردة كتفسير مهم في شرح تصرفات الدول والجهات الفاعلة في النظام الدولي، حيث روج العديد من منظري العلاقات الدولية للثقافة كمتغير مستقل في شرح خيارات الدول فيما يخص صنع السياسة الخارجية وكذا تحديد التحالفات وخطوط الصراع. كما أدت تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001 بشكل أساسي أيضاً إلى عودة التفسيرات الثقافية وخاصة الدينية منها في أبحاث السياسة الخارجية، ففي أعقاب ذلك سعى كثيرون إلى فهم دور الإسلام في تشكيل السياسات، أو ما يمكن أن يقوله “القرآن” فيما يتعلق بقضايا السياسية الخارجية وعلى رأسها قضايا السلم والحرب. نتيجة ذلك استشهد صامويل هنتغتون بالاختلاف الثقافي باعتباره المتغير التوضيحي الرئيسي فيما أسماه” صراع الحضارات”، مما دفع بالعامل الثقافي والديني إلى مركز الصدارة في العلاقات الدولية عبر تأكيده أن الصراعات الأساسية في السياسة العالمية ستكون بين الدول والمجموعات الحضارية المختلفة[1].

يدعى البنائيون أن السياسة الخارجية يجب أن تفهم من منظور ثقافي، ويجادلون بأن مصالح الدولة تتشكل من خلال المعاني المشتركة التي يحملها الناس داخل دولهم. ضمن هذا البعد تنظر البنائية إلى السياسة الخارجية من خلال عدسة الهوية[2]، أي أنها مجموعة المعاني المحددة والمستقرة إلى حد ما والتي ينسبها الفاعلون لأنفسهم. ومن خلال تسليط الضوء على الدور الذي تلعبه هويات الدول في تشكيل سلوك السياسة الخارجية، فقد طور البنائيون فكرة ثقافات الأمن القومي كثقافة استراتيجية[3] تؤثر عبرها الهويات والأعراف على الطرق التي يتم من خلالها الفاعلون في تشكيل سلوك السياسة الخارجية سواء في تحديد التحالفات أو نقاط الصراع وتسميات التهديد . بعبارة أخرى كيف ترى الدولة نفسها فيما يتعلق بذاتها وبالآخر.  كما تؤكد الحجة الثقافية للبنائية أيضاً على الماضي المشترك للأشخاص الذين يعيشون معاً كمجموعة واحدة من شأنه أن يؤدي بهم إلى تكوين رأي موحد نوعاً ما حول حدث خارجي مما ينعكس على وجهة نظرهم فيما إذا كان حدثاً تعاونياً أم صراعياً.

إن تحديد الثقافة كمتغير يحدد الإدراك الذاتي لهوية الدول، يطرح إشكالات بشأن الاختلافات في طريقة تفكير صانعي القرار حيال خيارات السياسة الخارجية وإدراكهم للنظام الدولي وللدول المشكلة له، فاختلاف الثقافة من شأنه أن يؤثر على تصور الجهات الفاعلة ومختلف الأحداث والسلوكيات على المستوى الخارجي، ومن ثم كيف ستتفاعل الحكومات تجاه سيناريو معين في بلد معين وتجاه موقف معين. لذا يجدر بنا تسليط الضوء على تأثير الثقافة على سلوك السياسة الخارجية من حيث الاختلاف المعرفي وذلك لتحديد ما إذا كان ينظر الى الحدث نفسه بطرق مختلفة داخل الثقافة الوطنية الواحدة.

إن تحديد ما إذا كان ينظر إلى حدث معين بطرق مختلفة داخل الثقافة الوطنية الواحدة يعتمد بدرجة كبيرة على التوافق بين الثقافة السياسية للدولة مع القيم المتأصلة في ثقافة المواطنين، هذا التوافق يمثل عاملاً رئيسياً في تحديد مدى إدراك التهديد؛ فما تراه الدولة يشكل تهديداً وخطراً قد يراه الشعب  بمثابة فرصة أو هدف والعكس صحيح، لذا فاستدعاء الحجة القائلة بأن التاريخ المشترك يؤثر على تقييم وتصور الأحداث القصد منه هو حصر المجال ضمن أدلوجة الدولة وليس البنية الاجتماعية للهوية التي بطبعها ذات خلفيات ثقافية مختلفة قد تكون تعاونية أو محايدة كما قد تكون متضاربة تجاه أحداث السياسة الخارجية. بالتالي على عكس علماء الثقافة الاستراتيجية. يرى  مايلز كاهلرM. Kahler  في الهوية أنها مبنية اجتماعياً قبل أي تعريف لمصالح الدول من جهة التفضيلات والمنفعة[4]. لهذا يجدر بنا التأكيد أن المصادر الاجتماعية الثقافية للسياسة الخارجية ديناميكية وقد تكون عرضة للتغيير لأسباب ليس أقلها أن الدولة نفسها تحتوي على مجموعات اجتماعية متنوعة وذات اهتمامات وهويات مختلفة. بالتالي لا يفترض مفهوم الثقافة السياسية أن كل فرد في المجتمع يدعم بالضرورة مؤسساته في جميع مواقفها الخارجية، وبالتالي لا يفسر الهوية الوطنية بطرق متطابقة.

إذا كانت الثقافة والأيديولوجية تشكل متغيراً رئيسياً في تشكيل خيارات الخارجية، فلا شك أنها ستظهر في تفضيلات الدول لجهة تحديد التحالفات ونقاط التهديد على أساسها. فعلى سبيل المثال تعتبر إيران كأقوى حالة لاختبار الحجة الثقافية من حيث كونها “جمهورية إسلامية”، مما يفترض أن الإسلام يمثل دوراً رئيسياً في توجيه سلوك الدولة ونظامها تجاه تبني خيارات معيارية. إلا أنه في الواقع لا يوجد تأثير ثقافي (ديني) مشترك في تصور التهديد أو في بناء التحالفات، على سبيل المثال؛ صارت إيران مرتبطة بشكل كبير مع أرمينيا المسيحية كمصدر للتحالف على حساب علاقتها مع أذربيجان الشيعية كمصدر للتهديد. كما تقدم خريطة الصراعات الكبرى التي ابتليت بها منطقة بحر قزوين (ناغورنو كاراباخ، والشيشان، والصراع الجورجي الأبخازي) حجة أخرى بأن الثقافة المشتركة وخاصة في شكل الدين والعرق لم تعلب أي دور مهم في تشكيل مواقف مختلف الفاعلين[5]. هذا يؤدي الى الاستنتاج بأن الحجة البنائية فيما يتعلق بحسابات الهوية الثقافية لم توفر أساساً مهماً لتصورات التهديد في منظور الدولة وما يترتب على ذلك من خيارات التحالف وتسميات الأعداء.

تعمل الدول في بيئة تشكلها القوة والمصلحة، وفي إطار الحسابات السائدة التي ترى أن السياسة الدولية تتشكل من خلال القدرات المادية النسبية للدول وبنية النظام الدولي فإن النموذج العقلاني يفترض أن الدول متجانسة لناحية السعي لتعظيم المنفعة مما يجعل خيارات السياسة لها تكاليف وفوائد ومقايضات، وغالباً ما يتعارض السعي وراء المصالح ذات الأسس الثقافية مع المصالح المادية، مما يدفع بالدول لتحديد المصلحة التي تحتاج الأولوية. لذا في تقديم إجابة عن كيفية حل الدول للصراع بين أولويات ثقافية وتهديدات البقاء للنظام والدولة، فلا يبدو أن بقاء هذه الأخيرة يعتمد على القوة الثقافية وحده بقدر ما يتطلب منطق القوة والسيطرة المادية. وعليه فعند تعارض المصالح المادية مع المصالح الثقافية، فنادراً ما تتفوق هذه الأخيرة في الحسابات السائدة. في هذه الحالة حتى الدول الأكثر وضوحاً ثقافياً وأيديولوجياً كالسعودية وإيران يمكنها تنفيذ سياسات تتعارض تماماً مع ثقافتها الرسمية. وبالمثل، تخلى كل من الاتحاد السوفياتي والصين عن الشيوعية كنظام اقتصادي مع بداية التسعينات، لأن مصالحهما في الازدهار والهيمنة أثبتت أنها أقوى من التزامهما الأيديولوجي بأفكار ماركس ولينين وماوتسي تونغ[6].

يمثل النموذج البنائي فيما يتعلق بالحسابات الثقافية كأحد الطرق الأساسية لفهم العلاقات الدولية. إلا أن تحديد الهوية الثقافية للدولة من شأنه أن يضع قيود على خيارات السياسة التي قد تستخدمها الدولة مستقبلاً. في هذا الصدد ينبغي أن تكون هناك دوافع مركبة قد تشكل السياسة الخارجية للدول وهي؛ الثقافة والأيديولوجيا والمصالح. كما لا يمكن أن ننظر الى أحد المكونات على أساس مطلق وحاسم في تفسير سلوك الدولة. فحسب الواقعيين التقليديين فإن مصلحة الدول لا تتضمن فقط الغايات الموضوعية للأمن والسلطة ولكن أيضاً التطلعات المعيارية التي تشكل هي الأخرى أحد عناصر القوة الوطنية أو كما يسميها هانس مورغانثو بالشخصية الوطنية. وفي سياق الواقعية الجديدة، يمكن القول بأن الدول تتمتع بحرية واسعة في استدعاء مزيج من أهدافها الثقافية والأيديولوجية كنتيجة للهيكل الفوضوي للسياسة الدولية لجهة غياب التهديد الوشيك، ولكن في حالة بروز خصم قوي يرغب في استخدام القوة، ففي هذه الحالة يعتبر استدعاء القوة المادية ضرورياً. حتى أن الواقعيان البارزان جون ميرشايمر وستيفن والت استدعيا الحجة الثقافية في نقدهما لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العراق[7]. النتيجة فإن المفتاح لفهم التفضيلات ذات الأولوية في السلوك الخارجي للدول هي أنه يتم تعزيز الاهتمامات الثقافية في الحالات التي تكون فيها التكاليف المادية قليلة والعكس صحيح.

ثانياً: موقف الأحزاب الاسلامية من التغيير

تمثل الثقافة مجموعة موحدة من الأفكار التي يتقاسمها أعضاء المجتمع والتي تؤسس بموجبها مجموعة من المباني المشتركة والقيم والتوقعات وميول العمل بين أعضاء الأمة. يمكن تفسير المعايير والقيم الثقافية على أنها “أيديولوجية” كنظام معتقد في السياسة الخارجية، بمعنى أن الأفكار حول “من نحن” بمثابة دليل للعمل السياسي ووجهات النظر العالمية الأساسية.

يشكل الفضاء العالمي المجال الأفضل لقياس المشروع الإسلامي على أساسه، وانطلاقاً من الافتراض الأساسي الذي مفاده أن الحركات الاسلامية تسعى إلى تشكيل العالم وفقا لرؤية رغبوية. نتيجة ذلك تبنى العديد من المراقبين مخاوف بشأن الحركات الإسلامية في كونها ليست حركة سياسية وحسب بل وثورية بالأساس، لذا فأحد أسباب هذا الخوف ينبع من احتمالية أن يتصرف الإسلاميون وأنصارهم فيما يتعلق بالمختلف سياسياً وثقافياً بطريقة راديكالية وربما حتى عنيفة.

إن العوامل التي يمكن تصنيفها على أنها رؤية لنظام تصوراتي أو مستمدة على الأقل من تقدير لميزان القوى العالمي وموقع الإسلام والمسلمين فيه، هي ان مصير “الأمة الإسلامية” شكل قلب الاهتمامات منظري الإسلاميين مع نهاية العشرينات وثلاثينات القرن الماضي وهو الوعي بضرورة تأسيس لبنية سياسية ورمزية من المفترض لها ان تمثل جميع المسلمين. وإدراك هذا الوعي اقتضى التعامل مع شكلين من أشكال العداء. أولاً، عداء لأنظمة سياسية تم اعتبارها على أنها ” غير إسلامية” وبالتالي غير قادرة على الدفاع عن مصيرها ومصير شعوبها. وثانيا هو البعد العدائي للغرب في كونه اضطهد المسلمين بسبب هويتهم. لذا من الضروري النظر إلى هاذين الشكلين من العداء كعوامل داخلية وخارجية لفهم نطاق التحليلات الإسلامية والاعتبارات التي تحدد الخطابات والتطبيقات العملية لفهم السياسة الداخلية والخارجية على السواء.

في هذا الصدد قد تمثل عواقب الوصول الى السلطة وكذا المطالب الملحة للثورات العربية لجهة السعي لتعزيز الديمقراطية وسيادة القانون أداوت مهمة قد تساعد الإسلاميين في تأكيد تصوراتهم. نتيجة ذلك تصبح الرؤية المتمحورة حول العداء للغرب غير أساسية، لأن عدم إدراك ميزان القوى الدولي والسعي بدلاً منه إلى تبني مسلمات نظرية بديلة قد يؤدي إلى تكلفة باهظة، وبدلاً من ذلك قد تصبح الجاذبية الدبلوماسية الأكثر قسوة على المستوى الخطابي من جانب القادة الذين يتبنون الأطروحات الإسلامية أداةَ مهمة قد توصل الصوت الإسلامي ومختلف قضاياه الى الفضاءات الدولية كمنظمة الأمم المتحدة وجمعية حقوق الانسان… إلخ.

بلا شك، يشكل الإطار الوطني البيئة المميزة لعمل الإسلاميين، إلا أن النظر في الاستراتيجية العالمية التي أشارت إليها الخطابات والنصوص الفكرية للمراجع الحركية التي لاقت تعاطفاً وتعبئة جماهيرية واسعة من الشعوب قد يتيح إمكانية تقييم نطاق الزمكاني للأيديولوجية الإسلامية، في كونها تصميم يتجاوز الجغرافيا والتاريخ والسياسيات، ذلك أن الذين تبنوا “الحل الإسلامي” راجعوا في جزء كبير منه سعي الحركات والأحزاب الإسلامية لاستكمال وحدة الأمة وتحديد طبيعة النظام والدولة القائمة على المرجعية الإسلامية. لذا فهوية الأحزاب الإسلامية تظل عناصر مركزية في فكر الحركات الإسلامية إذا ما تم الحديث عنها كجهات فاعلة ومحتملة.

في حقيقة الأمر يصعب تحديد أجندة سياسة خارجية للأحزاب الاسلامية بقياس الأيديلوجية الإسلامية وفقاً للتفكير الرغبوي لمنظري ونشطاء الحركة، وبالتالي احتمالية التطور والتنفيذ تزداد صعوبة عند التركيز على أجندة سياسية خارجية محددة للدول الإسلامية الراهنة. فمن جهة هناك ندرة نسبية للمصادر الإسلامية فيما يخص أجندة عملها فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، وفي نفس الوقت ينسب لدى الإسلاميين (الثوريين) كونهم يمتلكون أجندة خفية لنظام تصورات أقل ما يقال عنه أنه ثوري. مما يفتح مساحة للنقاش والتفسير بل والتأويل. وبعيداً عن تجسيد الفكرة المركزية (الخفية)، يسمح الإطار النظري للبنائية بتحديد أكبر قدر ممكن من خطوط العمل الإسلامي عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن منظور معين لناحية مكانة الإسلام والمسلمين في عصرنا، وذلك لفهم القدرة على التطور من حيث علاقتهم بالمجتمع وبناء أيديولوجيته. بالتالي فمثل أي حزب أو حركة تطمح إلى وضع نفسها على المسرح العالمي، فإن الانطلاقة لعمل الإسلاميين مرتبط ديناميكياً بسياق البنية الاجتماعية كمقدمة أولية للتفاعل المستمر مع الفضاء المحلي ثم الوطني والإقليمي والعالمي. أي أنه يصبح الأمر أكثر إلحاحاً لتوحيد المستويات الأدنى من الهوية أولاً قبل أن تقيس الحركات نفسها مقابل الفضاء العالمي.

في هذا السياق، فتح صعود الإسلاميين للمجال السياسي في خضم الديناميكيات الثورية التي ميزت العالم العربي منذ عام 2010 التساؤلات بشأن القابلية للتطبيق وتطوير أجندات لسياسة خارجية خاصة بالإسلاميين. فمن منظور بنائي، فإن الخطابات المتعلقة بالسياسة الخارجية يمكن تفسيرها من خلال تبني الاتجاه المتمثل في التمسك بالمبادئ الديمقراطية العالمية وترسيخ مكاسب الثورة، والهدف من ذلك هو طمأنة الشركاء في الداخل والخارج إلى ضرورة التركيز على الأولويات والتحديات الاجتماعية والاقتصادية الهائلة، كبديل عن المنطق العكسي المتمحور حول تعزيز الهوية الإسلامية. ويمكن فهم تبني هذا الاتجاه كنتيجة لهيمنة معيار لا يسهل في ظله استدعاء الممارسات الثورية، أي أنه بمثابة المصدر الرئيسي لعرقلة استدعاء أي عمل إسلامي ذو طابع أيديولوجي وهو الطابع الاستبدادي لأنظمة الحكم الذي عمل كقيد قانوني مؤسسي ومجتمعي (في بعض جوانبه). مما اضطر بالفاعل الإسلامي إلى التكيف ضمن مجال مطلوب منه ضبط أسلوب عمله.

ثالثاً: محددات موقف حزب العدالة والتنمية المغربي من التطبيع

تبنت الحركات والأحزاب الإسلامية مدخلاً نظرياً للصراع العربي الإسرائيلي، قائم على مجموعة من الأسس والركائز الفكرية والخطابية. حيث شكل مسار الصراع العربي الإسرائيلي ونتائجه على الأراضي العربية المحتلة، ومن جهة أخرى جمود عملية التسوية السلمية على الرغم من تطبيع كل من مصر والأردن عام 1979 و1994 على التوالي لعلاقاتها مع إسرائيل، ثم موجة التطبيع الأخيرة التي شملت الإمارات، البحرين، السودان والمغرب كلها عوامل مهمة في تبني الحركات الإسلامية لمنطلقات عقائدية وفكرية وسياسية خاصة كمرجعية في النظر للصراع العربي الاسرائيلي. لذا شكل الصراع وفي جوهره المسألة الفلسطينية بالنسبة للحركة الإسلامية صراعا دينياً بالأساس بسبب الأهمية الدينية للقدس كونها وقفاً إسلامياً لا يجب التفريط فيه أو إخضاعه، بل إن الدفاع عن هذه البقعة ” المباركة” يعتبر واجباً دينياً. لذا فالحل الإسلامي هو بمثابة الحل الوحيد للقضية الفلسطينية[8].

إلا أنه غالباً ما تتعرض الحركات والأحزاب التي تدمج المجال الديني ضمن النشاط السياسي في عملية التعبئة الجماهيرية لمواقف صعبة قد تقوض مصداقيتها إذا ما تخلت عن أيديولوجيتها ومواقفها الصلبة. والسؤال المطروح هو كيف يمكن تبني الخطوط العريضة لمفهوم النظري الموحد والمتماسك فيما يتعلق بممارسة الإسلاميين للسلطة على المستوى الخارجي في حالة استمرار الرهانات الثقيلة رمزياً كالقضية الفلسطينية؟ في هذا الصدد واجه حزب العدالة والتنمية في المغرب معضلة كبيرة بعد إعلان هذا الأخير تطبيع علاقته مع إسرائيل، فكونهم جزء من السلطة قد فتح “التطبيع” كقضية نموذجية مدخلاً لفهم أولويات الإسلاميين في السلطة ومصدر التبريرات لديهم فيما يتعلق بقضية التطبيع. ولأجل فهم ديناميكية عمل الأحزاب السياسية في السياسة الخارجية وموقفها من التطبيع يجدر بنا تبني النقاش ضمن ثلاثة زوايا للنظر.

أولاً، مقاربة صنع القرار في السياسة الخارجية المغربية ونسبة تأثير الأحزاب كفواعل مهمة ضمن عملية صنع القرار الخارجي الذي يعد مدخلاً للحكم على مدى ديمقراطية صنع القرار في السياسية الخارجية المغربية لناحية احتمالية مشاركة مختلف المؤسسات والفواعل السياسية فيها أم أنها مغلقة.

ثانيا: مقاربة ” السياسة تتوقف عند حافة الماء” وذلك لاختبار فرضية ما إذا كان ينظر للحدث الخارجي نفسه بشكل مختلف داخل الثقافات الوطنية والهدف من ذلك معرفة مدى وجود أجندات تميز الأحزاب الإسلامية فيما يتعلق بصنع السياسة الخارجية لناحية تحديد التحالفات أو نقاط الصراع وتسميات التهديد.

المقاربة الثالثة: حزب العدالة والتنمية كمقاربة ما بعد ” إسلاموي”، وذلك لتبيان نوعية النظام السياسي وحدود الحزب في هذا السياق.

  1. صنع السياسية الخارجية المغربية

إن طرح التساؤل حول واقع من يحكم في المغرب ليس بظاهرة جديدة، وطالما أثار الفضول لدى الكثير من الباحثين والسياسيين، لأجل معرفة السلطة التي تحكم في المغرب. وهذا منذ السنوات الأولى للاستقلال، وقد تجدد هذا الاستفسار في مجال السياسة الخارجية، خاصة مع تبني الإصلاحات الدستورية لسنة 2011، حيث حمل هذا الأخير مجموعة من المستجدات فيما يخص صنع القرار في السياسة الخارجية كتدبير مشترك بدلاً من كونها مجال خاص للملك. وقد تزامن مضمون الإصلاح المرتبط بواقع الحكم في ظل الصعود غير المسبوق لحزب العدالة والتنمية إلى السلطة، الذي أثار اهتماماً جوهرياً من حيث انضمام حزب سياسي ذوي خلفية دينية إلى السلطة والتساؤلات بشأن من سيحكم الدبلوماسية المغربية.

تحكم السياسة الخارجية المغربية مجموعة من المبادئ هي[9]:

  1. الارتباط بحقوق الانسان كما هو متعارف عليه عالمياً
  2. حفظ السلم والأمن العالميين
  3. بناء اتحاد مغرب عربي كخيار استراتيجي
  4. تعميق أواصر الانتماء للمجتمع العربي الإسلامي

ونظرياً، تتجاذب عملية صنع القرار في السياسة الخارجية المغربية موقفين: أولهما تقليدي يمثل متغيراً مستقلاً في صنع السياسة، يرى بأن السياسة الخارجية تبقى مجالاً سيادياً محفوظا للملك أو رئيس الدولة. وقد تم تأكيد هذا في عهد الحسن الثاني، الذي وظف متغيرات التاريخ والموقع الجغرافي للمغرب للحفاظ على مكانة البلاد على مختلف الدوائر العربية والدولية. ولكن أيضاً لأن طبيعة التناقضات والصراعات الدولية قد تجعل الأمن القومي عرضة لمخاطر سياسية واقتصادية باستمرار مما يدفع بالدولة للدفاع عن مصالحها وفق استراتيجيتها لضمان أمنها، بالتالي يحتاج هذا الأمر إلى الحسم والسرعة في اتخاذ القرار والذي لا يخضع لمنطق التشاور بشأنه. في حين موقف ثاني يمكن اعتباره كمتغير تابع يرى أن هناك فواعل أخرى تساهم في صنع السياسة الخارجية وتأتي في مقدمتها رئيس الحكومة ووزير خارجيته وخاصة طاقمه الدبلوماسي وباقي الوزراء بالإضافة الى المجلس التشريعي ممثلاً في البرلمان.

وفي سياق الإصلاحات الدستورية التي مرت بها المملكة المغربية عام 2011 فتحت هذه النقاشات حقيقة الإصلاحات الدستورية على مستوى السياسة الخارجية من خلال طبيعة الثوابت التي توجه السلوك السياسي الخارجي المغربي، ومن ناحية أخرى دور الأجهزة الرئيسية والثانوية التي تؤثر في تحديد المحاور الرئيسية لهذه السياسة. في هذا الصدد من المفيد تحليل المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية المغربية، ولكن أيضاً المتغيرات المؤثرة فيها وخاصة مدى مساهمة مختلف الفواعل ومن بينها الأحزاب السياسية في تغيير ملامح ومرتكزات السياسة الخارجية المغربية على مستوى أدوار الفاعلين والأولويات من خلال المرجعيات التي تحكم هذه السياسة.

بالنسبة للمتغيرات ذات العلاقة التي من المحتمل أن يؤثر فيها الحزب فيما يتعلق بصنع السياسة الخارجية هي؛ الحكومة، البرلمان، والحزب ذاته، فبالنسبة لدور الحكومة في عملية صنع القرار، نصت المادة 92 من دستور 2011 على صلاحية مجلس الحكومة فيما يخص بتداول الاتفاقيات الدولية قبل عرضها على مجلس الوزراء، إلا أن تقديمها لاحقاً إلى مجلس الوزراء برئاسة الملك، يعطي هذا الأخير الكلمة الأخيرة بشأن الحسم في أي اتفاقية معينة. بالتالي يتمتع رئيس الوزراء بصلاحيات محدودة دستورياً في هذا الصدد.

بالنسبة للبرلمان لا يوجد صلاحيات محددة لدور البرلمان في عملية صنع القرار في السياسة الخارجية نظراً لانشغال البرلمان بالقضايا الداخلية على حساب القضايا الخارجية باستثناء “لجنة الشؤون الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الدينية وكذا المغاربة المقيمين في الخارج”. كذلك الدور الدبلوماسي للسلطة التشريعية أو ما يسمى بالدبلوماسية البرلمانية كأحد اشكال المشاركة مثل الاتحاد البرلمان العربي واتحاد البرلمانات الافريقية… إلخ[10].

أما بالنسبة لتأثير الحزب على السياسية الخارجية المغربية، فنظرياً هناك أربعة عوامل مجتمعة تشير الى أن الأحزاب السياسية تلعب دوراً مهماً في عملية صنع السياسة الخارجية، بالنظر إلى وظائف الحزب المفترض القيام بها وهي؛ وظيفة تجنيد القادة السياسيين، تشكيل السياسات، وظيفة الدمج، القيام بدور موالي إو معارض لسياسات الحكومة.[11]

إذن، يعتمد حجم تأثير الحزب بحسب الموقع الذي يشغله سواء كان جزءاً من الحكومة أو في المعارضة. إلا أن هناك مجموعة من الاعتبارات أثرت على فاعلية الأحزاب على السياسة الخارجية هي:

  1. على الرغم من تبني المقاربة التشاركية في التعديل الدستوري 2011 في عملية صنع القرار في السياسة الخارجية، إلا أن الواقع يشير إلى بقاء السياسة الخارجية كمجال محفوظ للملك.
  2. إدراج وزارة الشؤون الخارجية في إطار ما سمي ” بوزارات السيادية” التي ينفرد الملك في تعيين مسؤوليها من الشخصيات الموثوقة والموالية في تصوراتها وتوجهاتها لتصورات وتوجهات الملك.
  3. إسناد وزارة الشؤون الخارجية للأحزاب المنتظر منها تكريس وجهة نظر الملك بشكل مطلق.

من الواضح أن الملك هو الفاعل الرئيسي في إدارة الشؤون الخارجية والدبلوماسية من خلال دوره الرئيسي في رسم السياسة الخارجية وتوجهها. هذه الوضعية جعل دور الحزب يتمحور حول إضفاء الشرعية على خطوات الملك في مجال السياسة الخارجية حتى ولو تناقضت مع أيديولوجية الحزب. ويستدل على ذلك كثيراً في تشبث رئيس الوزراء السابق عبد الاله بنكيران (خلال فترة ولايته) بالملكية التنفيذية مؤكداً على” أهمية المؤسسة الملكية في النظام السياسي في المغرب”. منتقداً الداعين الى الملكية البرلمانية بقوله” …. إذا كانت الملكية البرلمانية هي ملك يسود ولا يحكم فأنا ضدها ولا أتفق عليها، ولا أقول هذا للمرة الأولى… هذه الفكرة لا حاجة لنا بها “[12]. لا شك أن هذا الموقف من حزب العدالة والتنمية قد كفل بالتأكيد نجاح الحزب واستمراره في السلطة. لذا لم يفوت رئيس الوزراء وأعضاء حزبه أي فرصة إلا وأكدوا من خلالها بأن الملك هو الذي يحكم المغرب بينما حزب العدالة والتنمية راض عن قيادة حكومته مع الأحزاب الأخرى التي تشكل الائتلاف الحكومي[13]. وفي سياق آخر صرح أيضاً أن ” المغرب لا يمكن أن ينجح دون تعاون بين المؤسسة الملكية والبرلمان والحكومة، وذلك للحفاظ على علاقات جيدة مع الملك”. وردا على قلق قاعدته الانتخابية تابع قائلاً: ” لقد أوضحت للمغاربة منذ أن تم تعييني من قبل جلالة الملك، إذا كان المغاربة يبحثون عن رئيس حكومة يتعارض مع الملك، فعليهم أن يجدوا شخصاً آخر”.[14]

أمام هكذا تأكيدات من النادر أن تمارس الأحزاب السياسية دورها الحكومي المعارض لسياسات الملك إذا كان هو صاحب القرار النهائي في مسائل السياسة الخارجية، لأنها بذلك تكون قد حكمت على نفسها بالفشل وربما الإقالة. نتائج هذا التحليل تثبت قبول حزب العدالة والتنمية لدوره الحكومي في سياق الهيكل الطبيعي للنظام المغربي الذي يتألف من رئيسيين تنفيذيين. النظام الملكي يعمل على أساس دورة طويلة، بينما تعمل الحكومات المتعاقبة وفقاً للعهدة الانتخابية. في مثل هذا المنطق، فإن إدراك العقلاني للفارق في ميزان القوى يعني أن العلاقات بين القوتين لا يجدر أن تكون علاقات مواجهة أو ندية بقدر ما تكون علاقات في اتجاه تطبيق أجندة الملك في المجال الدبلوماسي.

  1. مقاربة “سياسة تتوقف عند حافة الماء “

إذا انطلقنا من الافتراض القائل بأن السياسية الداخلية تشكل جزءاً مهماً من تفسيرات السياسة الخارجية للدول، فإن ما يشكل تفسيراً سياسياً محلياً لخيارات السياسة الخارجية للدولة لم يتم تفصيله بوضوح[15]، حيث صورت الواقعية الدول كفواعل وحيدة وعقلانية[16]، بحيث تأخذ بعين الاعتبار ما ستفعله أو قد تفعله الدول الأخرى عندما تختار السياسات الخارجية. في حين أن السياسة الخارجية يمكن فهمها بشكل أفضل إذا افترضنا أنها نتاج تفاعلات مستمرة للجوانب الحزبية ومنظورها للتغيرات في البيئة الإقليمية والدولية ليس برؤية السلطة بل بالرؤية المعيارية للحزب، فكون هذا الأخير يحمل أيديولوجيات وتفضيلات مجتمعية مختلفة، فإنه يمكن أن ننظر إليه على أنه يحمل رؤية للسياسة العالمية وقضاياها أيضاً.

إن التساؤل الأكثر إثارة للاهتمام هو ماهي أهمية السياسة الداخلية بالنسبة لصنع القرار الخارجي، فقضايا الحرب والنزاعات الإقليمية بلا شك تحتاج إلى مساهمين محليين لاتخاذ قرار بشأنها، بالإضافة إلى قضايا السياسية والاقتصاد كالتجارة والديمقراطية وغيرها كلها تدفع إلى الحجة القائلة بأن العوامل السياسة المحلية يمكن اعتبارها كمتغيرات مستقلة أو على الأقل متداخلة ولا يمكن تجاهلها عند صناعة القرار الخارجي[17]. بالتالي إشكالات مثل هذه تحتاج إلى ضبط العوامل والجهات الممثلة داخل الدولة في تفسير خيارات السياسة الخارجية إذا افترضنا أنها تحمل تفسيراً سياسياً داخلياً. لذا فإن الاعتبارات المحلية والسياسية لا تقل أهمية عن العوامل الدولية عند اتخاذ قرار معين.

نظرياً، هدف أي حزب بكل بساطة هو زيادة أصوات الحزب إلى الحد الأقصى في أي استحقاقات قادمة. مثل هكذا هدف من شأنه أن يقودنا إلى توقع أن الأحزاب لن تتبنى سياسة الحكومة في حال كانت محسوبة على المعارضة بل ستتخذ مواقف تتقارب إلى حد ما من رأي الناخبين بشأن قضية معينة، وذلك للحفاظ على الدعم الانتخابي والتشريعي اللازم للبقاء كقوة انتخابية محتملة.  وعليه فالحزب الذي تتطابق تفضيلات سياسته الخارجية مع تفضيلات قاعدته الانتخابية في حال كان خارج الحكومة سيشعر بحرية نسبية في تبني سياسات معارضة لسياسات الحكومة، ليتطابق في هذه الحالة موقف السياسة الخارجية مع التفضيلات الأيديولوجية للحزب. على العكس من ذلك في حال كان الحزب جزءاً من حكومة فهناك متغيرات كثيرة تفرض نفسها على صناعة القرار الحزبي تجاه السياسية الخارجية، لجهة طبيعة النظام السياسي الموجود، وكذا هامش التطابق بين أولويات السياسة للأحزاب السياسية وأولويات الحكومة.

يمكن النظر إلى مفاوضات تشكيل الحكومة على أنها ساحة لصنع السياسات، حيث يكون برنامج الحكومة انعكاساً حقيقياً للسياسات والنوايا السياسية للحكومة المستقبلية. على سبيل المثال تتطلب صنع السياسة (الخارجية) في إطار الحكومة الائتلافية مفاوضات بين الأحزاب السياسية المختلفة لتحديد السياسات اللاحقة ومختلف الترتيبات والمبادئ التوجيهية المسبقة بين الأحزاب الحاكمة كضرورة للحد من صراع محتمل بين شركاء التحالف والذي من شأنه أن يؤدي إلى سقوط مجلس الوزراء. لذا نفترض بأن مشاركة الأحزاب السياسية من حيث تفسير صعود وهبوط الاهتمام بقضايا معينة قد تحدث في مرحلة مبكرة من عملية صنع سياسة التحالف، ولا سيما أثناء المفاوضات السرية لتشكيل الحكومة. وعليه فإن استدعاء التفضيلات الحزبية وفرضه على الحكومة من شأنه أن يسبب جدلاً أو صراعاً بين شركاء الائتلاف الحكومي ويشتت وجهات النظر، ذلك أن الحدث الخارجي يحتاج إلى الرد ضمن هوامش سياسة محددة ومتفق عليها، ولا يعطي الأولوية للمناقشة مع شركاء الائتلاف. لذا فمن الصعب على الحزب فرض أو تبني تفضيلات أيديولوجية معينة من دون مراعاة باقي الأحزاب المشاركة في الائتلاف[18].

ثمة حجة لدى الواقعيين مفادها أن “السياسة تتوقف عند حافة الماء”[19]، معناها أن الخلافات الحزبية يجب أن تحيد جانباً إذا تعلق الأمر بقضايا الأمن أو وجود تهديدات كبرى للدولة، نتيجة لذلك مستبعد جداً حدوث تصويت حزبي ضد قضايا الأمن الوطني، بعبارة أخرى فإن التصويت على قضايا السياسة العليا يلقى نوعاً من الإجماع عند مقارنتها بقضايا السياسة الدنيا. كون أن السياسة العليا تعطى الأسبقية للأفعال بين الدول، بالتالي الأهداف الحزبية المتضاربة تتجمع في الأخير في تفضيلات الدولة ومعتقداتها. على عكس السياسة الدنيا التي تلقى استقطاباً حاداً بين الجهات الفاعلة. بالتالي من الضروري التمييز بين السياسات “العليا” للعلاقات بين الدول والسياسات “الدنيا” على مستوى الوحدة الدولتية الفرعية التي تكون فيها الجهات الفاعلة متنوعة وتعكس توجهات مختلفة[20].

تتمثل إحدى الطرق في فهم أهمية السياسة الداخلية في صنع السياسة الخارجية للدولة هو فيما إذا كانت السياسة تتوقف حقاً عند حافة الماء، وهل يتلقى الرؤساء الدعم المناسب من الأحزاب السياسية بشأن قضايا السياسة الخارجية. فبالنسبة لأبرز نظريات العلاقات الدولية، الواقعية البنيوية، فإن السياسة الداخلية لا تشكل أهمية اذا تعلق الأمر بصنع القرار في السياسة الخارجية[21]، كون أن السياسة الخارجية لا تنشأ نتيجة اهتمامات ومطالبات أيديولوجية لحزب معين، وإنما مصلحة الدولة هي الموجه في هذا الصدد. على العكس من ذلك فإن فتح المجال للاستقطابات الحزبية الداخلية فيما يخص مسائل السياسة الخارجية، من شأنه أن يضعف الموقف التفاوضي للدولة ويجعلها أكثر عرضة لضغوطات الخصوم.

وتشرح أدلة الواقعيين بشأن تحييد الخلاف الحزبي عبر حجة التهديد الأمني الخارجي، عندما تصبح الوحدة الوطنية على المحك مع حالات الشك وعدم اليقين بشأن التهديدات الخارجية، فإن الخلافات الحزبية يجب أن توضع جانباً مع ضرورة إبداء موقف موحد تجاه الخصم، مما يساعد التماسك الداخلي، بل ويزيد من احتمالية وجود تحالفات عبر أيديولوجية بين الأحزاب فيما يخص إبداء موقف موحد من السياسة الخارجية. بالتالي قد تشهد قضايا السياسة العليا نوعاً من الوحدة وإدراك واسع النطاق للمصلحة الوطنية ومصحوباً بالشعور الوطني[22].

إن حجة الواقعيين قد تبدو قاصرة في حالة عدم أخذ بعين الاعتبار القضايا الأخرى للسياسة الخارجية؛ التي لا يمكن حصرها في قضايا الأمن والدفاع، ذلك أن مسائل مثل التجارة والمساعدات الاقتصادية وبناء التحالفات التي هي في الأصل تندرج ضمن قضايا “السياسة الدنيا” فكونها مرتبطة بالسياسة الخارجية، فإنها تطرح التساؤل بشأن احتمالية دعم الأحزاب لهذه القضايا، وبالتالي احتمالية التوافق أو الاختلاف بشأنها.

لا شك أن الجهات الفاعلة داخل الدولة لديها مصالح وأهداف مختلفة وأحيانا متضاربة على المستوى المحلي. فبالإضافة إلى الأحزاب السياسية تلعب جماعات الضغط (الرأي العام المحلي بالإضافة الى مجموعات المصالح) دوراً في صنع السياسات الداخلية، وبنفس الوقت لها تأثير فيما يتعلق بصنع القرار على المستوى الخارجي.   والحديث عن توحيد الجبهة الداخلية تجاه الموقف من قضية معينة من قضايا السياسة الخارجية لا يعني توحيد الموقف الحزبي فقط بل يقتضي توحيد باقي الفواعل الأخرى تجاه قضايا السياسة العليا، على سبيل المثال يلعب الرأي العام كأحد الفواعل المؤثرة في صنع السياسة الداخلية والخارجية، فكونه مرتبطاً بالأحزاب السياسية، فإنه يشكل قاعدة انتخابية واسعة لا يجب على الأحزاب السياسية تجاهله في اتخاذ القرار، وكما قد يتوحد الرأي العام ويقف عند حافة الماء، فإنه قد يشكل حالة استقطاب حادة تجاه مواقف معينة، في هذه الحالة قد ينقسم الرأي العام تجاه قضايا السياسة الداخلية والخارجية. والدافع الانتخابي من حيث السعي للوصول الى السلطة والاحتفاظ بها يدفع بالأحزاب السياسية الى التركيز على الرأي العام، لذا يشكل مجالاً خصباً لعمل الأحزاب السياسية لناحية سعي هذه الأخيرة إلى تبني قضاياه والتعبير عنها. مما يطرح التساؤل التالي: إذا حدث استقطاب حاد لدى الرأي العام تجاه قضايا من قضايا السياسة العليا التي تحتاج توافق بشأنها ففي هذه الحالة هل على الأحزاب سواء كانت في الحكم أو في المعارضة أن تتبنى موقفاً أيديولوجياً معبراً عن شريحة معينة من الرأي العام المتمثل في قاعدته الانتخابية أم عليها أن تقف عند حافة الماء؟

إن حصر قضايا السياسة العليا في المجال الأمني قد يدفع إلى سياسة خارجية أقل حزبية لصالح الدولة، في حين أن قضايا السياسية الخارجية لا يمكن حصرها في هذا المجال؛ فالمسائل المتعلقة بالمساعدات الخارجية، حقوق الانسان والاتجار بالمخدرات قد يكون للأحزاب السياسية فيها مرونة في إبداء مواقف تعكس رؤيتها الأيديولوجية مقارنة بالمواقف المتعلقة بالأمن والتنافس الاستراتيجي. إلا أن سعي الأحزاب السياسية لتوسيع قاعدتها الانتخابية فإنه من الضروري أن تبدي مواقف ليس فقط تجاه قضايا سياسة الدنيا، بل إن القضايا الاستراتيجية الكبرى تحتاج  إلى بناء مواقف حزبية للتعامل معها وليس بالضرورة أن تتماهى مع رؤية السلطة، بالتالي هناك فجوة بحاجة إلى التركيز  البحثي وهي ضرورة  أن يحلل البحث المستقبلي علاقة الارتباط  بين أيديولوجية الأحزاب وشرعيتها لدى الرأي العام من حيث موقفها ليس تجاه قضايا سياسة الدنيا فقط بل من خلال بناء استراتيجيات للتعامل مع قضايا السياسة العليا، وذلك لأجل بناء مواقف واضحة من السياسة الخارجية لا تعكس بالضرورة رؤية السلطة، ولكن أيضاً لإثبات حجة بديلة وهي أن السياسة لا تتوقف بالضرورة عند حافة الماء[23].

يبدو أن تحولات ما بعد الحرب الباردة أدت الى بروز فواعل ما دون الدولة والعابرة للحدود كالرأي العام، المجتمع المدني، تنظيم الدولة الإسلامية… إلخ، في حين يبدو أن فاعلية الأحزاب السياسية غائبة على المستوى الخارجي مقارنة مع الفواعل آنفة الذكر. بالتالي على الرغم من التوجه نحو تبني مقاربة الحوكمة كأداة فعالة للمشاركة محلياً وخارجياً، يبدو أن الأحزاب السياسية انحصر دورها محلياً لجهة التركيز على القضايا القيادية وعملية صنع القرار التنظيمي وقضايا البيروقراطية، في حين تبدو أنها غائبة بشكل واضح على مستوى السياسة الخارجية.

  1. حزب العدالة والتنمية كمقاربة ” ما بعد إسلاموي”

تمتلك الأحزاب الإسلامية عموماً محتوى معياري وثقافي مشترك، ممثلاً في أيديولوجية فريدة نوعاً ما في نقاطها المرجعية والتي توفر قواسم مشتركة فيما بينها عبر مناطق جغرافية واسعة. على وجه الخصوص تتحدث الأحزاب الإسلامية لغة مشتركة حول ما هو مطلوب وما هو غير مطلوب تجاه قضايا معينة، على سبيل المثال لديهم فهم مشترك للدور السلبي للإمبريالية الغربية في إشارة خاصة إلى الظلم الموجود في فلسطين. إضافة الى المحتوى المعياري، تتمتع الأحزاب الإسلامية بإمكانية الوصول والتعبئة الفريدة في مختلف المؤسسات الإسلامية كالمساجد والأوقاف والشبكات الاجتماعية، والذي غالباً ما يكون الشكل السائد للتنظيم الاجتماعي خارج الأسرة في المجتمعات التي يعملون فيها.

بالاستناد إلى الثلاثية التي طرحها غبريال الموندAlmond G  وفربا Verba. S حول أنماط الثقافة السياسية، والمكونة من ثقافة الضيقة وثقافة الخضوع وثقافة التشاركية[24]، بالإمكان تحديد نموذج قياسي يمكن من خلاله وضع أساس مرجعي للأحزاب الإسلامية الهادفة للعمل ضمن حدود السياسة المؤسسية وذلك للتأسيس لتمايزات بين ما هو معقول وغير معقول فيما يتعلق باستدعاء تفضيلاتها الأيديولوجية. في هذا السياق تبرز في أقصى اليمين الحركات الراديكالية المعبرة عن ثقافة العزلة والرافضة لأي فكرة للتصالح والاشتباك مع النسق السياسي إلا من باب التغيير الجذري، كما أنها غير مدركة لأهمية القضايا الوطنية وكذا آلية عمل النظام السياسي. أما بالنسبة لثقافة الخضوع فتنسحب على الحركات التبريرية المدركة لتأثير الدولة عليها في مقابل عجزها عن التأثير عليه، بالتالي فهي ترفض فكرة التغيير تحت أي ظرف، بل وتعتبره خرقاً غريباً في منظومة القيم السائدة وتستند في ذلك إلى بعض نصوص الفقه السلطاني المفسرة لفكرة الحاكم المتغلب. ليأتي في الوسط تيار يمين/ يسار وسط، والتي تعترف بوجود تأثير متبادل بينها وبين الدولة (هذا الأخير هو المعني بالتركيز).

مع تزايد مشاركة الأحزاب الإسلامية في أنظمتها السياسية، يزداد نطاق القضايا السياسية التي يجب أن يتحدثوا أو يتصرفوا بشأنها. خاصة إذا شاركوا في تحالفات أو حكومات عبر أيديولوجية، فمن المرجح أن يواجهوا قرارات سياسية صعبة بشأن الميزانية، والتنمية الاقتصادية والسياسية الخارجية. قد تتطلب زيادة المشاركة أيضا مستويات أعلى من التسوية مع الفاعلين السياسيين الذي لا يشاركونهم أولوياتهم الدينية. مما يؤدي إلى طرح إشكال أساسي يتعلق بعلاقة المشاركة السياسية بالبرامج السياسية وما الذي يحدث للمحتوى الديني لبرنامج الحزب الإسلامي إذا قرر أن يشارك في النظام السياسي؟

بالنظر إلى ثنائية ماكس فيبر فيما يتعلق بثنائية” أخلاق القناعة” مقابل “أخلاق المسؤولية”[25] فإن تداعيات “ما بعد الربيع العربي” ستدفع بالأحزاب الإسلامية تدريجياً نحو شكل جديد وواقعي في اتجاه أخلاق المسؤولية التي تعطي الأولوية إلى مآلات الأفعال حتى وإن كانت في اتجاه مضاد لقناعاتها. هذا الاتجاه الجديد يعكس “وجهة النظر السياقية” حسب” أوليفييه روا Olivier Roy ” التي ترى أن سلوك الأحزاب الإسلامية ليست بدافع الأيديولوجيا وإنما تفاعلات الأحداث تجعلها أكثر تفاعلية وقابلة للتكيف، على عكس “وجهة النظر الجوهرية” التي ترى أن سلوك الإسلاميين توجهه الأيديولوجية في الأساس وأي تنازلات تجاه إكراهات الواقع هي بمثابة تنازلات تكتيكية[26].

نتيجة ذلك، يفترض أنه مع تزايد مشاركة الأحزاب الإسلامية في أنظمتها السياسية، فإنها تختار عدم إعطاء الأولوية للمحتوى الديني لبرامجها لصالح أولويات سياسية أكثر انتشاراً. هذا لا يعني أن الأحزاب الإسلامية تلغي المحتوى الديني لبرامجها بمرور الوقت، بل تعني أنها تحرك القضايا الدينية أسفل قائمة الأولويات. ذلك أنه من المفيد فهم الأحزاب الإسلامية على أنها ذات دائرة انتخابية مزدوجة: أولئك الذي يصوتون لها لأسباب دينية، ولكن أيضاً أولئك الذين يصوتون لها بسبب عدم الرضا العميق عن البدائل السياسية الأخرى أو احتجاجاً على النظام السياسي. بالتالي على الحزب الإسلامي الذي وصل الى السلطة أن يأخذ بعين الاعتبار مطالب الفئة الثانية أيضاً في عملية مناقشة التفضيلات السياسية.

وفي سياق قراءة موقف حزب العدالة والتنمية من التطبيع انطلاقاً من فرضية  “الاعتدال” بدلاً من “الاشتمال” [27]، فإن مشاركة الأحزاب الإسلامية في أنظمتها السياسية، يدفع بسلوكها السياسي نحو الاعتدال. وذلك في اتجاهين:

  1. الاعتدال الأيديولوجي والذي يعني التخلي عن أو تأجيل أو مراجعة الأهداف الأيديلوجية التي تمكن الحركة من التكيف مع سياسة التنافس الحزبية. بعبارة أخرى الانتقال من نظرة جامدة ومغلقة للعالم الى نظرة أكثر انفتاحاً مع وجهات النظر البديلة.
  2. الاعتدال السلوكي بمعني التصرف بطريقة أقل تمايزاً وأكثر فاعلية مقارنة بالأحزاب الأخرى في النظام التنافسي.

بالمحصلة، قد لا يكون مجرد فعل المشاركة في حد ذاته هو ما يولد الاعتدال سواء في بعده الأيديولوجي أو السلوكي؛ فقد تكون بعض الخبرات والحوافز والمعوقات هي التي تقود العملية في الواقع. بالتالي الإشكالية في هذا الصدد هي كيف تستجيب الأحزاب الإسلامية للقيود والحوافز الموجودة في الأنظمة السياسية، وكيف تؤثر المشاركة الديمقراطية على الأحزاب الإسلامية. والمثال البارز هنا هو أن بروز حزب العدالة والتنمية التركي لم يكن نتيجة مشاركة بسيطة وغير مقيدة ديمقراطياً ولكن نتيجة مزيج معقد من الحوافز للمشاركة ولكن أيضاً معوقات لإبراز الاسلام في نظام ديمقراطي موجه[28].

في هذا السياق، تعمل الأحزاب الإسلامية في ظل سياقات متنوعة تؤثر على سلوكها، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى تنوع الأنظمة السياسية التي تتنافس في ظلها.  فنظراً لاختلاف مستويات الحرية السياسية داخلها، فغالباً ما تواجه الأحزاب الإسلامية عقبات سياسية بسبب القيود المفروضة على السلوك السياسي، مما يؤثر على الاستراتيجية السياسية للأحزاب الإسلامية. لذا من المرجح أن تواجه الأحزاب التي تعمل في ظل ظروف استبدادية ضغوط النظام أو حتى القمع. مما قد يحد من التأثير السياسي للحزب. ونظراً لأن الأحزاب الإسلامية نفسها تتكيف بشكل متزايد مع الأنظمة السياسية التي تتنافس فيها، وتستجيب للحوافز السياسية الموجودة بالفعل في تلك الأنظمة، فإن الفجوة بين الأحزاب الإسلامية والمنافسين داخل النظام تضيق شيئا فشيئاً. مما يسهل على النظام السياسي استيعاب المشاركة الإسلامية تدريجياً، فتتحول الأحزاب الإسلامية نتيجة ذلك إلى فواعل “عادية” تسيير وفقاً لقواعد النظام.

لقد حقق حزب العدالة والتنمية أداء سياسياً جيداً في الانتخابات 2011 وظهر في طليعة السياسة الرسمية في المغرب؛ ومع ذلك لم يمتلك سلطة سياسية حقيقية بالكامل داخل المؤسسات الرسمية. بالتالي أصبح فاعلاً سياسياً واستراتيجياً ليس من خلال السعي إلى إقامة نظام سياسي جديد وبديل، وإنما قوته أصبحت مستمدة من خلال السعي لإدامة نظام سياسي غير ديمقراطي. لذا فإن غياب بيئة ديمقراطية حقيقية بالمغرب، سيبقي حزب العدالة والتنمية يعمل في إطار ضغوط مؤسسية لنظام غير ديمقراطي لا يزال يتمتع بالسيطرة الكاملة على عملية صنع القرار الداخلي والخارجي. بالتالي إن سلوك حزب العدالة والتنمية لا يمكن فهمه دون الإشارة إلى مكانته في النظام السياسي المغرب؛ حيث اعتبرت المؤسسة الملكية مركزية للنظام السياسي في المغرب والمحور الذي تدور حوله التعبئة السياسية والسياسات الحزبية. بالتالي في مثل هذا السياق السياسي فإنه من شأنه أن يحد من احتمالات المشاركة السياسية الفعالة من قبل الفاعلين ما لم تكن هناك علاقة وثيقة بالقصر الملكي أو ما يسمى ” بالمخزن “.

من جهة أخرى على الرغم من فوز حزب العدالة والتنمية في نهاية المطاف بمنصب رئيس الوزراء عام 2012. إلا أن العائق الأساسي الآخر للمشاركة الحقيقية هو أنه بدون تسوية أو تحالف مع أحزاب أخرى مشاركة في الائتلاف الحكومي، تظل السلطة السياسية الفعلية لإحداث التغيير أو إبداء موقف أيديولوجي تجاه قضية معينة محدودة بشكل كبير. ذلك أنه في الكثير من الحالات تتداخل أولويات الإسلاميين مع أولويات غيرهم داخل الحكومة، وإذا كان من الممكن إقامة تسوية أو تحالف لخدمة هدف مشترك (حكومة شفافة، تنمية اقتصادية، الحد من الفقر). فإنه من الصعوبة بمكان تقديم تفضيلات أيديولوجية (معارضة التطبيع) دون الأخذ بعين الاعتبار موقف باقي الأحزاب المشاركة في التحالف.

الخاتمة:

جادلت أدبيات العلاقات الدولية بأن السياسة الداخلية تشكل جزءاً من تفسير السياسات الخارجية للدول، بالتالي سعت الورقة إلى فهم علاقات الارتباط بين صنع السياسية الخارجية للدول ودور الفواعل الداخلية، عبر الافتراض بأن ما يشكل تفسيراً سياسياً محلياً لخيارات السياسية الخارجية للدول لم يتم تفصيله بوضوح، خاصة لناحية دور الأحزاب السياسية في صنع السياسة الخارجية، فلطالما اعتبر عمل الأحزاب السياسية مقتصراً على الشأن الداخلي وأن الاستقطاب السياسي الداخلي يتوقف عند حافة الماء إذا تعلق الأمر بالشأن الخارجي. ومن خلال ما سبق تمخضت الدراسة عن جملة من النتائج الملخصة لكل الاستقراءات والتحليلات، التي قمنا بها على مدار البحث وهي على النحو التالي:

  1. لا شك أن منطق عمل الأحزاب الإسلامية عموماً يختلف عن منطق الحكم في الأنظمة الملكية، بالتالي فاحتمالية الصراع بين نموذجين للحكم هو نتيجة لاحتمالية انتشار النموذج الأيديولوجي لعمل الأحزاب الإسلامية ضمن البيئة التي يهيمن عليها النموذج الملكي التقليدي، رغم ذلك؛
  2. فإن المزاج العام لدى حزب العدالة والتنمية هو مزاج إصلاحي وليس ثورياً، ذلك أن ديناميكية عمل الأحزاب الإسلامية في ظل نظام ملكي قد أكسبها خصوصية مقارنة مع باقي الأحزاب الإسلامية في الدولة العربية، وبالتالي فالأطروحات المتعلقة بالقابلية لاستدعاء الممارسات الأيديولوجية في ظل الأنظمة الملكية والتي انطلقت من تشابه الممارسة السياسية قد تجاهلت هذه الخصوصية.
  3. أكدت الدراسة فيما يخص الأهداف الأممية لحزب العدالة والتنمية أنها عرفت تكييفات أيديولوجية في إطار النقد الذاتي لها كاستجابة لضرورات الانخراط في العمل السياسي، مما دفعها إلى التراجع عن مشروع الدولة الإسلامية التي عكست تفكيراً رغبوياً، وتوجهت بدلاً من ذلك إلى الاشتباك السياسي الداخلي والقبول بالإطار الوطني، والعمل على حل مشاكله وأزماته المختلفة بعدسة واقعية.
  4. جاء عمل حزب العدالة والتنمية المغربي في سياق ميزه تطورات المشهد الأمني (القضية الصحراوية)، ونظراً لترابط الأبعاد المحلية والإقليمية للأمن، فقد شكلت تطورات الملف الصحراوي بمثابة “مؤشر خطورة” دفع بسياسة حزب العدالة والتنمية بأن تتوقف عن حافة الماء لناحية استبعاد التفضيلات الأيديولوجية وتبني منظور النظام الملكي فيما يتعلق بمسألة التطبيع.
  5. يختلف منطق عمل الأحزاب الإسلامية باختلاف موقعها، ففي حالة كونها خارج الحكومة فيمكنها استدعاء تفضيلاتها الأيديولوجية وفتح نقاش بشأنها، على العكس من ذلك، لو كانت ضمن الحكومة، ففي هذه الحالة تكون هناك حسابات أكثر تعقيداً وليس أقلها ضرورة احترام الخطوط العريضة لمنطق الحكم. مما اضطر بالفاعل الإسلامي إلى التكيف ضمن مجال مطلوب منه ضبط أسلوب عمله.
  6. المصدر الرئيسي لعرقلة استدعاء أي عمل إسلامي ذو طابع أيديولوجي هو طبيعة الاستبدادية لنظم الحكم، الذي حال دون تطوير أجندات خاصة بالسياسة الخارجية لناحية تحديد التحالفات وبناء نقاط الصراع وتسميات التهديد.
  7. نتيجة لذلك، أدت جهود حزب العدالة والتنمية المغربي في عدم إحداث صدام مع النظام الملكي، بأن جعل دور حزب العدالة والتنمية يتمحور حول إضفاء الشرعية على خطوات الملك حتى ولو تناقضت مع أيديولوجية الحزب.

قائمة المراجع:

[1] . Yihua XU, «  Religion and international Relations in the Age of Globalization”, Journal of Middle Eastern ans Islamic Studies, 17, Jul 2018. PP 19. 50.

[2] . Maysam Behravesh, «  Relevance of constructivism of Foreign Ploicy Analysis » E-INTERNATIONAL RELATIONS, Jul 17 2011, available from, https://www.e-ir.info/2011/07/17/the-relevance-of-constructivism-to-foreign-policy-analysis/

[3] . Jeffery S. Lantis, «  Strategic Culture and international Security Policy », International Studies Review, Vol.4, No. 3 5 Autumn, 2002), PP 87-113.

[4] . Felix S. Bethke, Cultural Bias in the perception of foreign-Policy Events”, Global Cooperation Research, 2016, P 09.

[5] . BRENDA SHAFFER, The Limits of Culture, Islam and foreign Policy, The MIT Press, London, 2006, P 17.

[6] . BRENDA SHAFFER, P 52.

[7] . Eric Van Rythoven, «  The perils of realist advocacy and the promise of securitization theory : Revisiting the tragedy of the Iraq War debate », European Journal of International Relations, Vol.23 , 2016, PP 487-511.

[8] .  نادية سعد الدين، الحركات الدينية السياسية ومستقبل الصراع العربي- الإسرائيلي، مركز الجزيرة للدراسات، 2012، ص ص 333. 349.

[9] . Adil Meziani, «  La réalité de la gouvernance du parti de la justice et de dévelopment dans la politique étrangére marocaine », HAL archives-Uovertes, 13 Nov 2018, PP 07. 15.

[10] . Adil Meziani, op cit, p 19

[11] . W. E. Paterson, “Political Parties and the making of foreign policy- the case of the Federal Republic », Review of International Studies, Great Britain, 1981, PP 227. 235.

[12] . بن كيران يرفض الملكية الدستورية في المغرب: لا حاجة لنا بملك يسود ولا يحكم وتونس ليست بخير وهناك من يحن لعودة ” الدكتاتور”، القدس العربي، 14 يناير 2019، موجود على الرابط: http://alquds.co.uk

[13] . بن كيران يرفض الملكية الدستورية في المغرب: لا حاجة لنا بملك يسود ولا يحكم وتونس ليست بخير وهناك من يحن لعودة ” الدكتاتور”، القدس العربي، 14 يناير 2019، موجود على الرابط: http://alquds.co.uk

[14] . بنكيران لـ ” الحرة: لا ننتمي إلى الاخوان ولسنا تيارا دينيا”، الحرة، 08 أغسطس 2014، موجود على الرابط

: http://www.alhurra.com

[15] . James D. Fearon, Domestic Politics, Foreign Policy, and Theories of International Relations, Annual Review of Political Science, June 1998, PP 289-313.

[16] . ibid

[17] . Ibid, P 290.

[18] . Jeroen JOLY, Régis DanDoy, “ Beyond the Water’s Edge: How Political Parties Influence Foreign Policy Formulation in Belgium”, Foreign Policy Analysis, June 2016, PP 01- 24.

[19] . Thomas J. Volgy, & John E. Schwarz, “ Does Politics Stop at the water’s Edge? Domestic poltical Factors and Foreign policy Restructuring in the Cases of Great Britain, France, and West Germany”, Journal of Politics, Vol. 53, No 03, Aug 1991, PP 615- 643.

[20] . Nathan Olsen, «  Blurring the distinction Between «  High” and “ Low” Politics in International Relations Theory: Drifting players in the logic of Two- Level Games”, International Relations and Diplomacy, October 2017, Vol. 5, No. 10, PP 637-642.

[21] . Mark Souva, “ Foreign Policy Determinants: Comparing Realist and domestic- Political Models of Foreign policy”, Conflict Management and Peace Science, 23. Feb 2007, PP 149-163.

[22] . Ibid

[23] . Ibid

[24] . Martian IOVAN, The Political Culture; Political Socialization and Accultration, Journal of Legal Studies, Vol 16, 2015, PP 26-47

[25] . إكرام عدنني، سوسيولوجيا الدين والسياسة عند ماكس فيبر، بيروت: منتدى المعارف، 2013، ص 127.

[26] . Olivier Roy, Political Islam After the Arab Spring: Between Jihad and Democracy, Nov/ Dec 2017, available from; https://www.foreignaffairs.com/reviews/review-essay/2017-10-16/political-islam-after-arab-spring

[27] . Shadi Hamid, William Mc Cants, Rethinking political Islam, (Book Review), Reading Religion, April 2017, available from https://readingreligion.org/books/rethinking-political-islam

[28] .  عبد الحق دحمان، ”  استراتيجية عمل الأحزاب الإسلامية: قراءة نقدية في المنظور السياقي”، إسطنبول: مركز المجدد للبحوث والدراسات، 2021.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks