لماذا تنجح طالبان “المنغلقة” ويفشل الإسلاميون “المنفتحون”؟ الجزء الثاني

المرجعية الدينية

كرم الحفيان

الوحدة الثقافية- مركز المجدد للبحوث والدراسات

 

لم أكد أنهي هذا المقال حتى بسطت طالبان سيطرتها على كامل أفغانستان للمرة الأولى في تاريخها، ودخلت العاصمة كابول والقصر الرئاسي سلمياً بعد عقدين من قتال المحتل (المنسحب) وحكومته المحلية (التي استسلمت) وفر قادتها.

تحدثنا في المقال السابق عن أحد أهم أسباب نجاح طالبان وفشل الإسلاميين “المنفتحين”، وهو نهجها السياسي المفارق للدولة العميقة، والمستفيد من اللحظة التاريخية المناسبة في تفكيك بنيتها البشرية لاسيما العسكرية والأمنية. في المقابل، حاول إسلاميو- أفغانستان كما هو دأب التيار العام للإسلاميين عبر العالم، التعايش مع نخب الدولة الحديثة وعدم إقصائها من الجهاز الإداري للدولة والمناصب الحساسة فيه، ما أدى غالباً إلى انفلات أمني واشتعال حرب أهلية أو انقلاب عسكري أبيض أو أحمر.

ولكن كيف استطاعت حركة وليدة كطالبان حشد ما يكفي من القوى المجتمعية للقضاء على الدولة العميقة وإيقاف الحرب الأهلية وتوحيد أفغانستان تقريباً، وبسط سيطرتها على جل الرقعة الأفغانية سواءً في حقبة التسعينيات أو مؤخراً مع مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.

يكمن الجواب في الطبيعة المميزة للعوالم الثلاثة المتداخلة التي انبثقت منها طالبان في أول الأمر، ثم استمرت في التعويل عليها بعد ذلك. هذا المقال سيستكشف العالم الأول، وهو المرجعية الدينية العلمية والروحانية المعزولة عن المنظومة التعليمية والتربوية الحداثية، والموصولة بالنموذج المعرفي والتربوي الإسلامي على وفق الطراز الهندي وتحديداً الديوبندي.

فمع هبوب عواصف الاستعمار والحداثة في القرن التاسع عشر الميلادي وما تلاه، تنوعت طرق التعاطي مع الغزو الفكري والمعرفي والأخلاقي في لحظة انكسار الحضارة الإسلامية. وإذا ما استثنينا الفئة والاتجاه الذي اعتنق الحداثة بالكلية وأصبح تابعاً للقوى العظمى ثقافياً وعضوياً. فسنجد أنفسنا أمام اتجاهين بارزين سعياً للنهوض بالأمة: الاتجاه التراثي المنغلق، والاتجاه العصري المنفتح.

الاتجاه الأول رأى أن حفظ الهوية الإسلامية في تلك اللحظة الحساسة من انهيار الحضارة الإسلامية، لا يكون إلا عبر الانكماش على الذات والهوية واعتزال الحداثة وتجلياتها المتعددة لاسيما تلك المتعلقة بالمنظومة التعليمية والتربوية الحداثية الجديدة الممثلة بالمدارس العصرية سواءً كانت حكومية أم خاصة.

وعوّل هذا الاتجاه التراثي في نهضة الأمة الإسلامية على نشر العلم والتربية الدينية بالطريقة القديمة في مشهدٍ بدا وكأنه سيرٌ عكس عجلة التاريخ وعقارب الساعة، وفي قراءة معاكسة لشروط النهضة كما رأتها غالب التيارات الإسلامية الإصلاحية آنذاك. في هذا السياق، برزت التجربة والمقاربة الهندية وهي التوجه الديني الأكبر عند مسلمي آسيا إذا تجاوزنا عرب آسيا. وأم المدارس الدينية الهندية هي المدرسة الديوبندية التي غدت مركز إشعاع عالمي للمعرفة والتربية الإسلامية التراثية، ومنها خرجت حركة طالبان وحافظت على خيوط الود والتواصل معها.

وبخلاف جل العالم الإسلامي في القرن العشرين، ازدهر التعليم والتربية الدينية في شبه القارة الهندية وما حولها في الجنوب الآسيوي كماً وكيفاً، بقيادة المدرسة الديوبندية، التي أقامتهما على وفق معايير وتراتبية كلاسيكية محددة، مما شكل مرجعية موحدة قوية لملايين الطلاب والأساتذة. وما ميز الديوبندية هو اهتمامها ومزجها بين الجوانب العلمية والروحانية، فتخرج منها ملايين المتخصصين في علوم الفقه والحديث والتصوف، حتى أصبح للديوبنديين سمت خاص جامع بين الحقول الدينية الثلاثة المذكورة. وغدت المرجعية الديوبندية مظلة جامعة للفقهاء ومقلديهم والمتصوفة ومريديهم والمحدثين وحفّاظهم (في مشهد غير مألوف في عالمنا العربي حيث الاستقطاب الشديد بين المجالات الثلاثة المذكورة) مما ضاعف نطاق الحشد لأي حركة دينية تتبع المرجعية الديوبندية، وهو ما حدث مع طالبان.

مبدأ آخر هام للغاية قامت عليه الديوبندية واعتبرته من أهم مبادئها التأسيسية المكتوبة، وسارت عليها إلى حد الآن، ألا وهو التحرر الاقتصادي، من خلال تفعيل التمويل الشعبي الذاتي للعملية التعليمية ورفض أي مال رسمي حكومي. ما ساعد على ذلك الترويج لمنهج حياة روحاني زاهد وتطبيقه من قبل الأساتذة، وقد تجاوز عدد مدارس الديوبندية مائتي ألف مدرسة في آسيا وحول العالم منذ سنوات.

بيد أنه يؤخذ على الديوبنديين عدة أمور منها إهمال العلوم التجريبية والتكنولوجية، وعدم الإلمام بالمذاهب الفكرية والاجتماعية المعاصرة، وبمستجدات العصر السياسية على الصعيدين المحلي والدولي، ولكن كل  النقائص السابقة لم تمنع من تشكل الديوبندية كتلةً اجتماعيةً كبيرةً متماسكة فكرياً ومتحررة واقعياً من سلطات ما بعد الاستعمار معرفياً ومادياً، وهي، وإن لم تكن تياراً ثورياً، إلا أن خصائصها السابقة جعلتها قابلة لتغذية حركات التغيير الثوري بأعداد غزيرة عند سنوح الفرصة السياسية والقيادة المناسبة، وهو ما نجحت طالبان في استثماره بصورة كبيرة.

وسبب انتشار وتماسك الديوبندية هو تمسكها بالأصول والتقاليد الفقهية والتربوية المذهبية الممتدة منذ ما يعرف بالقرون الوسطى، دون أن تغض الطرف عن نقد وإصلاح الكثير من انحرافات التدين والتصوف الشعبي.

أما الاتجاه الثاني العصري المنفتح، وهو الذي ساد في العالم العربي وتبناه الإسلاميون عموماً، هذا الاتجاه رفع شعار الجمع بين محاسن الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية وترك مضارهما، وانخرط أتباعه في المنظومة التعليمية الحداثية الحكومية والخاصة بشكل كبير، وقد ساهموا في نشر التدين والفكر الديني فيها، وتمتعوا بعقلية نقدية، وألفوا في الرد على المذاهب الاجتماعية والفلسفية المعاصرة، وكانوا أكثر اطلاعاً على الشأن العام والواقع السياسي.

بيد أنهم عانوا ضعفاً ملحوظاً في التعليم الديني المعياري الموروث من القرون الوسطى كما أسماها الغربيون، وحمل الكثير منهم صورة سلبية عنه ورفضوا مرجعيته، ونادوا بالتجديد والتحديث من خارجه، مما أدى إلى غياب المرجعية الموحدة وانتشار السيولة الفكرية بين الإسلاميين المنفتحين، وقد تطرق لهاتين الظاهرتين الشيخ سعيد حوى أحد أبرز الرموز الدينية العلمية والفكرية للإسلاميين في كتابه الهام المهمل جولات في الفقهين الكبير والأكبر.

في هذا الكتاب، أشار حوى للتشظي الفكري الموجود ضمن صفوف الإسلاميين (الإخوان) وغياب المنهجية المنضبطة في التلقي، وعدم تبلور مرجعية دينية علمية جامعة لهم، قال حوى: “لقد وُجد جيل يكاد يعتبر نفسه حيادياً بين المعتزلة وأهل السنة، أو بين الشيعة والخوارج، بل أكثر من ذلك وجد بعض الجيل يكاد لا يفرق بين اتجاه واتجاه بل يتبنى من كل اتجاه اتجهته الفرق التي تنتمي إلى الإسلام ما يحلو له وما يروق”، وأردف قائلاً “دراسات الإخوان بقيت متجهة في طريق الكليات دون النزول إلى فقه الجزئيات وهي قضايا يحتاجها المسلم كثيراً كاحتياجه إلى الكليات ومن ثم غلب على كثير منا الغموض في مواضيع الفقهيات أو مسائل العقائد أو مسائل السير إلى الله والسلوك الأخلاقي وكان من آثار ذلك أن وجد عند الكثير منا استعداد لقبول الآراء الشاذة أو الدفاع عنها”[1].

هذا كلام حوى المنشور في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، أما الآن فأحسب أن التخبط الفكري واللامعيارية التي عبر عنها حوى بالحياد زادت كثيراً، بل وتمددت خارج الفرق الإسلامية لتشمل الاتجاهات والأيديولوجيات غير الإسلامية. ولا شك أن لهذه الضوضاء الفكرية أثراً بالغاً في الانقسامات والانشقاقات، بل والتشظيات المتكررة ضمن صفوف الإسلاميين، والحديث هنا عن الانشقاقات التي سببها سيولة الفكر وليس الخلافات الشخصية والمصلحية التي قد تصيبهم وتصيب غيرهم وإن اختلفت النسب. وأشار حوى أيضاً لغياب الدراسة والممارسة المنهجية للتربية الروحية في الإسلام أو ما وصفه بالتصوف المحرر.

إذن فطالبان نبتت من وسط ديني علمي حر مستقل عن الأنظمة السياسية، وموصول بالنمط العام للتعليم الديني في الحقب التاريخية التي سبقته، وقد نجح هذا الاتجاه المسمى بالديوبندية في بناء مرجعية موحدة قوية ليس فقط لعشرات ملايين الطلاب، إنما لقطاعات شعبية واسعة. هذه المرجعية تمحورت حول أصول العلوم والتربية الإسلامية الموروثة، ونجحت في الجمع بين شرائح الفقهاء والمحدثين والمتصوفة مما ضاعف قدرة أي جماعة ذات خلفية ديوبندية على الحشد المتماسك. أما الإسلاميون العصريون المنفتحون فإن التعليم الديني عندهم، وخاصةً التعليم الموروث ضعف، وسبب هذا الضعف إما نظرتهم السلبية لعموم المناهج الموروثة من القرون الوسطى، أو عدم مبالاتهم وانخراطهم بالتعليم الحداثي، أو كلاهما. أدى ذلك إلى تشظٍّ وسيولةٍ واضطرابٍ فكري كبير. ولم يستطع الإسلاميون “المنفتحون” بناء مرجعية دينية جامعة لهم، فضلاً عن أن تكون ممثلة لقطاعات شعبية واسعة خارج ارتباطاتهم التنظيمية.

وأهمية المرجعية الدينية الموحدة ذات الامتداد التاريخي والشعبي تتمثل في ثلاثة أمور جوهرية:

  • التماسك الفكري داخل الحركة.
  • القدرة على الحشد الكبير والمستمر ممن هم خارج الحركة، ولكن يشتركون معها في نفس المرجعية الدينية.
  • استمرار الدعم للحركة من شبكات اجتماعية واسعة غير منضمة لها، وقد لا تنضم لها أبداً.

والثلاثية السابقة تتجلى في حركة طالبان وتفسر تماسكها التنظيمي الملفت، ومددها البشري واللوجيستي الغزير المتواصل رغم ضراوة الحرب الدولية عليها، بخلاف الإسلاميين الذين يعانون غياب المرجعية الدينية الموحدة الممتدة تاريخياً وشعبياً.

في المقال القادم، سنتحدث بالتفصيل عن خصائص المرجعية الثانية لحركة طالبان، وهي المرجعية الاجتماعية “المنغلقة” التي شكلت قوة إضافية هائلة وحاسمة للحركة بجوار مرجعيتها الدينية الديوبندية، وهو ما تختلف فيه أيضاً عن الإسلاميين “المنفتحين” اجتماعياً.

[1]  سعيد حوى، جولات في الفقهين الكبير والأكبر وأصولهما، (القاهرة: مكتبة وهبة، 1981)، 16، 20.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks