دور السياسة الخارجية التركية في بناء الهوية الحزبية لحزب العدالة والتنمية التركي  (AKP)

The Role of Foreign Policy in Constructing the Party Identity of the Turkish Justice and Development Party(AKP)

آسان كيرديش (Esen Kirdiş)

قسم الدراسات الدولية، كلية رودس ، الولايات المتحدة الأمريكية

ترجمة: د. عبد الحق دحمان

الملخص:

منذ توليه الحكم، شكل تبني حزب العدالة والتنمية (AKP) لسياسة خارجية مغايرة للهوية التقليدية للسياسة الخارجية التركية مواقف من التأييد والنقد. تعالج المقالة هذا التطور عبر مناقشة تأثير حزب العدالة والتنمية على هوية التقليدية للسياسة الخارجية التركية، وفي المقابل، كيف أثرت هذه الأخيرة على هوية حزب العدالة والتنمية على المستوى المحلي خاصة، بالتالي تفحص الدراسة السياسة الداخلية- والخارجية عبر السعي لاستكشاف دينامية عمل السياسية الخارجية كامتداد للسياسية الداخلية بالإضافة الى كونها وسيلة لإعادة تشكيل السياسة الداخلية خلال الفترات الثلاث لحكم حزب العدالة والتنمية.

مقدمة:

على الرغم من كونها انتخابات بلدية (2014) إلا أن السياسية الخارجية طوال هذه الانتخابات شكلت جزءاً لا يتجزأ من الخطابات الانتخابية لحزب العدالة والتنمية (Adalat ve Kalkinma partisi). على سبيل المثال، عندما كان رئيساً للوزراء أثنى رجب طيب أردوغان على جماعة الإخوان المسلمين في مصر وذلك عبر التشبيه بين الانقلاب الذي حصل على الرئيس المصري السابق محمد مرسي وبين حزب العدالة والتنمية، منبهاً قاعدته الانتخابية المحافظة بأن هناك ” قوى خارجية” بالتعاون مع نخب علمانية قديمة قد حاولت إضعافه وإضعاف حزبه بالضبط كما فعلوا بـ ” الإخوان في مصر”. رغم أن مثل هذه التلميحات المتعلقة باستخدام قضايا السياسة الخارجية في السياسة المحلية غالباً ما كانت موجودة في الخطاب السياسي لحزب العدالة والتنمية، إلا أن بعض الدراسات لم تجد أي ارتباطات مباشرة بين سلوك الناخبين الأتراك بالنظر إلى مواقف حزب العدالة والتنمية من السياسية الخارجية. بالتالي من خلال أجندة السياسية الخارجية، فإن هذه الأخيرة تؤثر على السلوك التصويتي عبر وسيلتين على الأقل:

أولاً، تعطي السياسية الخارجية مجالاً للناخبين عن طريقة تصور الحزب للهوية الوطنية وبالتالي ما يمثله الحزب سياسياً. نتيجة لذلك يصوت الناخبون لـ ” هوية الحزب”، لذا بإمكاننا القول بأن السياسة الخارجية تعتبر وسيلة هادفة لتشكيل الهوية الحزبية لدى تصورات الناخبين. على سبيل المثال، غالباً ما ربط المهتمون السياسة الخارجية التركية بهوية حزب العدالة والتنمية: عندما وصل للسلطة لأول مرة عام 2002، تم تعريف حزب العدالة والتنمية بأنه حزب “ما بعد إسلاموي” نظراً لسعيه لعضوية الاتحاد الأوربي، ثم اشتباكه لاحقاً في قضايا الشرق الأوسط كتأكيد لجذوره “الإسلامية”.

ثانياً، طالما أثرت السياسية الخارجية على سلوك الناخبين، لذا فالتمييز بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية مصطنع نوعاً ما كون أن كلا مجالي السياسة؛ الداخلي والخارجي يتم هيكلته بشكل متداخل. من جهة أخرى، غالباً ما اعتبرت السياسة الخارجية بمثابة ” امتداد للسياسة الداخلية بأدوات أخرى، وبالتالي كإطار يعكس التفضيلات الداخلية وعلاقات القوة فيه. من ناحية أخرى يمكن للسياسة الخارجية أيضاً أن تكون بمثابة متغير وسيط ” من حيث السعي لتشكيل توازنات القوة المحلية وتعزيزها أو نقضها أو حتى إعادة هيكلتها كلياً”.

لأجل تناول التفاعلات الداخلية والخارجية الدقيقة، تناقش الورقة كيفية تأثير حزب العدالة والتنمية على هوية السياسة الخارجية التركية التقليدية، في مقابل ذلك كيف انعكست هوية السياسة الخارجية التركية على هوية حزب العدالة والتنمية على المستوى المحلي. تعالج الورقة على وجه الخصوص كيفية استخدام العدالة والتنمية للسياسة الخارجية كمجال لبناء هوية تميزه، أي كهوية حزبية ضمن قاعدته الانتخابية، عبر ” الارتباطات النفسية الثابتة” بين ناخبيه وبين الحزب، وبالتالي كيف استخدم السياسة الخارجية لتشكيل السياسة المحلية. يركز المقال أيضاً على تمثيل الهوية القومية/ الدولة وبالتالي تمثيل هوية حزب العدالة والتنمية للناخبين الأتراك عبر السياسة الخارجية.

من خلال النظر إلى السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية كمتغير تابع يتأثر بالحسابات السياسية الداخلية وفي نفس الوقت كمتغير مستقل يؤثر على السياسة الداخلية، تميز هذه الدراسة نفسها عن بعض الدراسات الأخرى التي تناولت السياسة الخارجية التركية في وقتنا الراهن. وتحديداً، تلك الدراسات التي تناولت السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية كنتيجة (متغير تابع) للبراغماتية / السياسة الواقعية للحزب التي تستفيد من الفرص الدولية المتغيرة وأدوات التهديد، و/ أو كنتيجة لـ “السرديات الكبرى” الجديدة في عهد وزير الخارجية السابق أحمد داود أوغلو. هذه الدراسة جاءت لفهم طريقة توظيف حزب العدالة والتنمية للسياسة الخارجية على المستوى المحلي (كمتغير مستقل) في إشارة إلى هوية الحزب لدى الناخبين ومن حيث (إعادة) تحديد مكانة حزب العدالة والتنمية داخل طبيعة النظام الحزبي وتجاه المتنافسين. علاوة على ذلك، تميز هذه الدراسة ذاتها عن بعض النقاشات الحديثة الأخرى التي تساءلت عن مدى تخطيط أو توجيه أجندة السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية من خلال متغير الهوية عبر التركيز على كيفية استخدام حزب العدالة والتنمية للأجانب كسياسة في بناء هوية حزبية بين الناخبين وتضمين الدائرة الانتخابية على أساس هوية حزبه.

في إطار هذا المسعى، تحاول المقالة تقديم ثلاث إضافات ساهمت في الأدبيات المتعلقة بالسياسة الخارجية التركية. أولاً، تهدف الى مناقشة دور السياسة الخارجية في بناء هوية حزبية وتمثلاتها. ينبغي الإشارة الى أن هذه المقالة لا تجادل في ان السياسة الخارجية هي الأداة الوحيدة المستخدمة في تشكيل هوية حزب العدالة والتنمية، بل إنها تناقش السياسة الخارجية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من عملية تشكيل الهوية وترسيخها. وبالتالي، فالمقال لا يهدف في أحد جوانبه للمساهمة في الأدبيات الخاصة بالسياسة الخارجية التركية فقط بل أيضاً في الأدبيات المرتبطة بالسياسة الحزبية. يشكل هذا الأساس للمساهمة الثانية المقصودة في هاته المقالة، وهي سد الفجوة بين أدبيات العلاقات الدولية والسياسة المقارنة. ثالثاً، تنظر المقالة للسياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية في خلال الفترات الثلاثة لحكمه ليس كمراحل متناقضة بل كجزء من عملية التطور السياسي. على وجه الخصوص، ستحاول النظر في طريقة تسمية حزب العدالة والتنمية لهويته الحزبية على أساس حزب وسط ما بعد اسلاموي ” جديد” في عهدته الأولى في السلطة وذلك عبر استخدام سياسة خارجية في اتجاه الاتحاد الأوربي، في ولايته الثانية، تم تطوير الهوية الحزبية للأغلبية المحافظة من خلال إعادة صياغة هوية السياسة الخارجية التركية التقليدية، ومؤخراً تم تضمين هويته الحزبية، ومن وراء ذلك وعائه الانتخابي المحافظ من خلال تهيئة الداخل والخارج لإدماج السياسة الدولية على المستوى المحلي.

لا تعنى المقالة بتقييم السياسية الخارجية لحزب العدالة والتنمية في حد ذاتها، وإنما ستناقش كيفية استخدام حزب العدالة والتنمية هوية السياسية الخارجية لبناء تصورات خاصة عن ذاته في منظور الجماهير. بالتالي، منهجياً، عبر تمحور سؤال في ” كيف” بدلاً من ” لماذا”، تهدف المقالة إلى فحص ” كيفية إنتاج الدلالات والمعاني عبر ربطها بمختلف الموضوعات والأهداف الاجتماعية وبالتالي ” التساؤل عن الممارسات التي يمكن الفاعلون الاجتماعيون العمل من خلالها، وكذا تأطير السياسة بشكل قصدي، عبر استغلال القدرات التي يقومون بها”. وبالتالي، سيناقش كيفية تناول قيادات حزب العدالة والتنمية السياسة الخارجية وتقديمها للناخبين الأتراك من خلال تصريحاتهم العامة”. في هذا السياق، وباتباع مبادرة كاستلس التي مفادها أنه يجب أن ينظر إلى الحركات الاجتماعية من خلال ” خطاباتهم الخاصة”، فمن شأن ذلك أن يساعدنا في النظر إلى تصور قيادات حزب العدالة والتنمية في تمثيل مختلف مبادراتهم الخارجية لدى الناخبين مقارنة بمنافسيها.

 أولاً: الإطار النظري                    

 هناك علاقة ترابط وثيقة بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية، حيث ينعكس أي عمل للمؤسسات والجهات الفاعلة محلياً على اجندة السياسة الخارجية. في هذا الصدد، كما اشتهرت نظرية بوتنام؛ تشكل السياسة الخارجية في جوهرها ” لعبة ذات مستويين”، حيث يشارك فيها صانعو السياسة في مختلف المفاوضات الدولة من وجهة نظرهم، إلى الكيفية التي سيتم فيها مناقشة خيارات سياساتهم الخارجية على المستوى المحلي ومن ثم تعزيز مكانتهم محلياً. وعليه، يمكن اعتبار السياسة الخارجية كنتيجة ووسيط للسياسة الداخلية، بمعنى أنها متغير تابع ومستقل في آن واحد.

ومع ذلك، لا يمكن اعتبار السياسة الخارجية مجرد ” مسار في اتجاه واحد”، يؤثر بها أحد ” المجالات” على الآخر. على العكس من ذلك تتشكل السياسة الخارجية بالتفاعل مع السياسة الداخلية. ومنه تحدد السياسة الخارجية هوية الدول عبر تحديد من هم في الداخل والخارج، أي من هم جزء من المجتمع ومن ليس كذلك. ومن خلال تعريف ” المستوى الخارجي”، تحدد الدول ” المستوى الداخلي”، وعبر ذلك كله تتشكل هويتها الخاصة. وكما يؤكد كامبل في هذا الصدد، ” تكون الدول (ولابد أن تكون) في مسار تطوري باستمرار.” لذلك، ” ينبغي فهم هوية أي دولة معينة على أنها تتشكل بشكل بطيء مع الوقت [. . .] عبر أنماط وأفعال متكررة، والذي لا يتحقق من خلال الوثيقة التأسيسية المنصوص عليها، وإنما من خلال عملية التكرار المنظم”. ضمن هذا المسار من الهيكلة وإعادة بناء الهوية بشكل مستمر ومتكرر، تصبح السياسة الخارجية” عبارة عن ممارسة تنتج نسقاً اجتماعياً فضلاً عن كونها سياسة يتم خلالها إنتاج وإعادة تشكيل الأفراد والجماعات ذاتها”. بالتالي، لا يمكن اعتبار السياسة الخارجية فقط على أنها امتداد للسياسة الداخلية عبر تأثير الجهات الفاعلية/ الهياكل المؤسسية المحلية عليها. ولكنها أيضاً متغير وسيط يسعى لهيكلة وإعادة بناء كيانات الدول وهويتها.

في عملية صياغة الهوية، ينتظر من صناع السياسة الخارجية” تقديم حجة متماسكة للمجتمع وطبيعته ومكانته في العالم، عبر تحديد الشعور بالأهداف والمهام الوطنية. من خلال  التعبير عن قيم سرديات الهوية على المواطنين” نتيجة لذلك، لا يعطي المواطنون الأولوية للفرص المادية والتهديدات فقط، وإنما يهتمون كذلك بـ ” دعم وتوطيد الشعور باحترام الذات والكرامة الوطنية” على المستوى الخارجي. في هذا الصدد، كما يجادل ألكسندر وندت، تتشكل الهوية عبر التطابق الذاتي المشترك. بمعنى أن الأمر لا ينحصر فقط في العملية التي ينظر بها الفاعلون لذواتهم ولكن أيضاً حول الطريقة التي يرى بها الفاعلون الآخرون هؤلاء الفاعلين تجاه موضوع معين. وبالتالي ينتظر من السياسيين، عبر تشكيل العالم الخارجي، صياغة هويات سياسية جديدة لا كونها وسيلة لتحديد القومية/ الدولة ولكن كأداة للسياسيين لاقتراح وتحديد هويات خاصة كنوع من الهوية الوطنية المثالية.

نتيجة لذلك، فإن الآلية التي يحدد بها السياسيون فيما قد يعتبرونه حدثاً دولياً يدفع بالناخبين المحليين إلى تمثيله وتجسيده محلياً. في هذا السياق ينبغي الإشارة هنا إلى أن السياسيين في تنافس دائم مع بعضهم البعض حول المناصب و/ أو السياسات و/ أو استقطاب الأصوات، ومن ثم فتأطير وبناء وتسييس الرأي العام فيما يتعلق بقضايا السياسة الخارجية هي الوسيلة التي تسمح لهم بالتعبير عن آرائهم تجاه منافسيهم السياسيين في الداخل. وبالتالي، فغالباً ما يستخدم السياسيون السياسة الخارجية لإعادة التموقع داخل السياسة الداخلية.

وباختصار، يمكن للسياسة الخارجية أن تشكل متغير مستقل لناحية تحديد الهوية الوطنية للدول، والذي من شأنه أن يدفع السياسيين لتحديد هوياتهم على أساس ذلك عبر إرسال دلالات الى الناخبين حول نواياهم السياسية والتي تميزهم عن منافسيهم المحليين. ولمناقشة هذه الرؤية بشكل مستفيض، سيحاول النقاش التالي النظر في كيفية توظيف حزب العدالة والتنمية للسياسة الخارجية كوسيلة سياسية في السياسة المحلية عبر فترات حكمه الثلاث.

ثانياً: تموضع حزب العدالة والتنمية كحزب وسط محافظ جديد من خلال التراجع عن أسلمة الهوية السياسة الخارجية

  مع وصوله إلى السلطة عام 2002، كان حزب العدالة والتنمية بحاجة إلى بناء جسور للثقة بين الناخبين الأتراك عبر تصوير حزبه كحزب وسطي محافظ وجديد يختلف عن ماضيه الإسلامي، ولكن أيضا يختلف عن منافسيه الآخرين من نفس الطيف السياسي. لأجل ذلك، ابتعد حزب العدالة والتنمية عن صوغ هوية إسلامية كأساس لسياسة خارجية قائمة على المناهضة والعداء للغرب، بدلاً من ذلك اتجه نحو سياسة خارجية منفتحة على الاتحاد الأوربي. إن الارتباط مع هذا الأخير يعني تشكيل هوية حزبية كحالة ” وسط” جديدة لذاته وبعيدة عن أصولها التي طالما تبنتها حركة الرؤية الوطنية الداعمة للإسلام (مللي جوروش بارتيسي) وأحزابها السياسية. والتي كانت قبل سنوات قليلة من تأسيس حزب العدالة والتنمية، تنتقد بشكل أساسي السعي التركي للانضمام للاتحاد الأوربي، وبأن ذلك سيدفع بتركيا لأن تكون “خادما تابعاً ” للاتحاد الأوربي مما يفقدها ” أساسا هويتها”. بعد قيادته لحكومة ائتلافية قام نجم الدين أربكان بجولة خارجية في البلدان ذات الغالبية المسلمة لأجل خلق نوعا من ” التضامن الإسلامي”. مما أثار نوعا من الشكوك فيما يتعلق بنوايا الحزب الإسلامي في السياسة المحلية. وبالتالي، فالسعي نحو اتجاه مناقض للسياسة الخارجية التركية كان يعتبر إشارة من شأنها أن تدفع الناخبين الأتراك في اتجاه الوسط السياسي.

نتيجة لذلك، وتماشياً مع هوية التاريخية للسياسة الخارجية التركية التي ميزها التوجه العلماني، انحرف حزب العدالة والتنمية عن الهوية الإسلامية للسياسة الخارجية، عبر تبني سياسة خارجية مؤيدة للاتحاد الأوربي قائمة على أساس ” هدفين” رئيسيين؛ تعزيز الديمقراطية والسعي لعضوية الاتحاد الأوربي. وضمن هذه الأولويات، أدعى زعيم حزب العدالة والتنمية في ذلك الوقت بأن حزبه سوف ” يتبنى معايير كوبنهاجن كمعايير لأنقرة “. كما مرر مجموعة من الإصلاحات المتعددة وغير بعض القوانين في إطار الإلتزام بمعايير كوبنهاجن. هذا يؤكد بشكل كبير موقف حزب العدالة الداعم للانضمام للتكتل الأوربي.   هذا ما دفع بقادة حزب العدالة والتنمية التقليديين إلى وصف الحزب بأنه سيكون بمثابة ” نادي غربي/ مسيحي”، ورسم نفسه على أساس أنه اجتاز عملية “اعتدال أيديولوجي” عبر الابتعاد عن ” النظرة العالمية الصلبة والمغلقة نوعا ما في اتجاه آخر أكثر انفتاحاً وتسامحاً مع وجهات النظر البديلة “. وبتحديد هدف الانضمام للاتحاد الأوربي، كان هدف العدالة والتنمية هو السعي لبناء جسور الثقة على مستوى السياسة الداخلية، وخاصة لدى فئات ومؤسسات ليبيرالية محسوبة على العلمانية، من خلال تصوير نفسه على أنه ” تحول” وأصبح حزب ” معتدل” على شاكلة هوية السياسة الخارجية التقليدية لتركيا.

من خلال إبداء موقف مؤيد للاتحاد الأوربي عبر تصوير حزب العدالة والتنمية على انه حزب وسطي، قد أكد هذا على ” براغماتية” الحزب وتمايزه عن منافسيه من داخل الطيف السياسي. حينها ارتبط لدى الرأي العام التركي عضوية الاتحاد الأوربي بسياق ديمقراطي واقتصاد واعد ومستقر. وبالتالي فتحديد هدف الانضمام الى عضوية الاتحاد الأوربي في أحد معانيه هو السعي لإظهار حزب العدالة والتنمية بأنه في استطاعته إيجاد حلول للمشاكل الداخلية عبر تصوير هذا الانضمام كأحد الأدوات للإصلاحات الاقتصادية والهيكلية. فعلى سبيل المثال، ادعى أردوغان آنذاك أن حزب العدالة والتنمية يهدف الى ” خفض التضخم من   2-1 %، مع زيادة دخل الفرد فوق خمسة ألف دولار، كذلك زيادة الصادرات التركية الى اكثر 150 مليار دولار، وحيث تصبح تركيا عضوا في الاتحاد الأوربي (التأكيد المضاف)”. مما دفع بالناخبين الأتراك إلى الإدراك بأن حزب العدالة مدرك حقيقة للعلاقة بين عضوية الاتحاد الأوربي والإصلاح الهيكلي والاقتصاد المستقر. أوضح وزير الخارجية آنذاك عبد الله غول، بأن “تعيين المزدوج” لباباجان ضرورة لكون أن المؤسسات المالية الدولية في وقتنا الراهن وكذا علاقة تركيا مع الاتحاد الأوربي تسير بالتوازي مع بعضهما البعض”. ومن خلال التأكيد على الإصلاح الاقتصادي كشرط لعضوية الاتحاد الأوربي، يحاول حزب العدالة والتنمية على عكس السياسات ” الإسلامية” ربط الحزب بالسياسات الاقتصادية وذلك بهدف الإشارة الى الناخبين المحليين، وخاصة المؤسسات العلمانية والعسكرية، في أن أولويته على المستوى المحلي هي نفسها على المستوى الخارجي؛ أي الاستقرار الاقتصادي في ضوء الأزمة الاقتصادية عام 2001 بدلا من السعي الى استدعاء نموذج الإسلامي.

إن التكيف الذي نتج عنه تقديم حزب العدالة والتنمية كحزب وسط جديد ومختلف قد سمح له بإعادة هيكلة السياسة المحلية. على سبيل المثال؛ شكل الموقف البراغماتي لحزب العدالة والتنمية تجاه قضايا السياسة الخارجية نقاش كبير مع منافسه الرئيسي؛ حزب الشعب الجمهوري (جمهوريت هالك بارتيسي). حيث تميز خطاب السياسة الخارجية لحزب الشعب الجمهوري، على عكس خطاب حزب العدالة والتنمية في ذلك الوقت بالغموض والسياسات الرجعية. قبل كل ذلك، كان موقف حزب الشعب من الاتحاد الأوربي مبهما إلى حد ما؛ ما بين دعم عضوية الاتحاد الأوربي مبدئياً، ولكن أيضاً إبداء الحد الأدنى من الالتزام بها لان عضوية الاتحاد كانت ستقلص من قوة المؤسسة العلمانية والتي من شأنها ان تغير الوضع الراهن. ثانيا، بقي خطاب السياسة الخارجية لحزب الشعب الجمهوري رجعياً بشكل أساسي خلال هذه الفترة. من بين أمور أخرى وتأكيدا لموقفه كحزب معارض فقد انتقد السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية تجاه العراق وقبرص من دون تقديم أجندة سياسة خارجية بديلة من شأنها ان تعزز موقف حزب الشعب الجمهوري في مجال السياسة الداخلية. على سبيل المثال، انتقد حزب الشعب الجمهوري طريقة تعامل حزب العدالة والتنمية مع قضية قبرص، لكنه لم يجرء على تقديم أي بديل لكيفية حل هذه المشاكل دون اللجوء الى الراهن المتميز ” الانتظار والترقب” وبالتالي لم يتميز بهوية خاصة تجاه السياسة الخارجية التي من شأنها أن تظهر للناخبين ماهي معانيها على المستوى المحلي.

علاوة على ذلك، سمحت هوية الحزب الوسطي المحافظ الجديدة التي تبناه حزب العدالة والتنمية في تشكيل تحالف ليبيرالي محافظ كقاعدة أخرى لدى ناخبيه. فمن ناحية، لاقت السياسة الخارجية الداعمة للاتحاد الأوروبي بالنسبة لحزب العدالة والتنمية ترحيباً من الفئات الليبرالية داخل المجتمع التركي، والتي ” رأت أن هذا التوجه من قبل العدالة والتنمية سيدفع تركيا الى الانفتاح على المزيد من الإصلاحات “. نتيجة ذلك ضاعف حزب العدالة والتنمية دعمه في هذا الاتجاه مقارنة بنظرائه الذين يرون أنفسهم غير متدينين (من 15 الى 39 %) (التأكيد المضاف). إضافة الى ذلك، تبنى حزب العدالة والتنمية لخطاب موجه لدى قاعدته الانتخابية مفاده أن الانضمام الى الاتحاد الأوربي سيكون مرغوبة بالنسبة لهم كونه سيشكل بمثابة حماية للفئات الإسلامية في وجه الاتجاهات العلمانية الصلبة للدولة التركية. على سبيل المثال، وصف عبد الله غول أن عضوية الاتحاد الأوربي تمثل فرصة ” لتبيان لدى المجتمع المسلم بأنه قادر على تغيير وتجديد نفسه، كذلك تحقيق المعاصرة، مع الحفاظ في نفس الوقت على قيمه وتقاليده وهويته”. وفي حين جادل أردوغان بأنه من خلال وضع تركيا في قلب العالم الغربي مع الحفاظ في نفس الوقت على الهوية الثقافية للدولة، ” فإنها بشكل عام [ستصبح] أيقونة للتجانس والتناغم بين الثقافات والحضارات في القرن الحادي والعشرين “، كما قال دوران، سمحت الأجندة الداعمة لعضوية الاتحاد الأوربي حزب العدالة والتنمية بأن يحل نوعا ما القضايا المتعلقة بالشرعية وبناء جسور الثقة في الداخل لدى الناخبين المحافظين ولكن أيضا لدى الفئات العلمانية والليبرالية على سواء في داخل المجتمع.

في عهدته الثانية، سيستمر حزب العدالة والتنمية في توظيف السياسة الخارجية كأداة للسياسة الداخلية، وإن كان ذلك عبر إعادة هيكلة هوية السياسة الخارجية وبالتالي إعادة صياغة هوية العدالة والتنمية في المستوى المحلي.

ثالثاً: تحديد وضع حزب العدالة والتنمية في كونه ” ممثلا للغالبية المضطهدة” عبر إعادة مفهمة هوية التقليدية للسياسة الخارجية التركية.

مع زيادة الهيمنة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية في عهدته الثانية، تطورت هويته الحزبية من حزب وسطي ” جديد” الى حزب ” رئيسي”، وهذا بفضل ناخبيه. نتيجة ذلك بدأ يعرف الحزب نفسه على أساس انه الممثل ” الأغلبية المضطهدة” عبر إعادة تعريف هوية السياسة الخارجية التركية التقليدية في عهد أحمد داوود أوغلو، وزير الخارجية الجديد آنذاك. قبل كل ذلك، أعاد حزب العدالة والتنمية تحديد مكانة تركيا في السياسة العالمية، وبالتالي أعاد صياغة الهوية تركيا الوطنية إضافة الى هوية حزب العدالة والتنمية. وذلك بعكس السياسة الخارجية التركية التقليدية القائمة على الدفاع عن الأراضي التركية وكذا الوضع الراهن. رافع داود أوغلو نحو تبني سياسة خارجية متعددة الأطراف تقوم على زيادة معدل العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية، وكذا على ” سياسة تصفير المشاكل تجاه دول الجوار الجغرافي لتركيا”. أمام هذا الطرح الجديد، كانت السعي هو إقامة علاقات إيجابية ليس فقط مع الحلفاء التقليديين لتركيا، والاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الامريكية، ولكن أيضا مع جيران تركيا “الطرف الآخر” في الشرق. أمام هذا الطرح لم يعد هدف تركيا هو الاتحاد الأوربي بعد الآن، لكنها اصبحت مركزاً جديدا للسياسة العالمية نظرا لموقعها الجغرافي ذات الأهمية الاستراتيجية بين الشرق والغرب وكذا جاذبيتها لقوتها الناعمة كدولة ديمقراطية ذات أغلبية مسلمة.

أدى هذا التغيير الهام لهوية السياسة الخارجية لتركيا في تلك الحقبة، حسب توصيف داود أوغلو، إلى “إعادة الزخم والنشاط للسياسة الخارجية وكذا الثقة بالذات على المستوى السياسي المحلي. على وجه الخصوص، سمح اتباع مثل هذا الاتجاه الجديد في هوية السياسة الخارجية التركية لحزب العدالة والتنمية بتأطير تركيا في كونها الفاعل السياسي الجديد في السياسة العالمية وفي نفس الوقت هي ذاتها المركز الجديد في السياسة الحزبية التركية. وبالتالي، على الرغم من حواجز الطرق في سعي تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وضع حزب العدالة والتنمية في مركز السياسة العالمية، بدأ في التأكيد على أن سياسة داود أوغلو الخارجية المتعددة الأطراف والقائمة على المنطق رابح- رابح مع الجوار الجغرافي لتركيا سيفيد طبقة رجال الأعمال الأتراك بشكل كبير. من خلال تنويع وصول أسواقها خارج دائرة الاتحاد الأوروبي، والتأكيد على أن تركيا قد “حققت نجاحات أكثر من داخل [المؤسسات الدولية] خلال السنوات السبع الماضية مع مجيء حكومة حزب العدالة والتنمية أكثر مما حققته في الأربعين سنة الماضية”. كل هذه التطورات في السياسة الخارجية تم تقديمها إلى الناخب المحلي كنتيجة للدور الهام لحزب العدالة والتنمية في السياسة الحزبية التركية. على حد تعبير داود أوغلو، “على مدى السنوات السبع الفارطة، تمكنت تركيا من صياغة نهج منهجي ومتماسك للشؤون العالمية كون حزبه السياسي كان قادرًا على إدارة الحكم، مما نتج عنه استقرار سياسي حقيقي في الداخل”.  باختصار، صور حزب العدالة والتنمية ذاته كحزب وسط جديد من شأنه أن يحمل تركيا إلى مكانة اللاعبين العالميين.

علاوة على ذلك، تم بناء هوية السياسة الخارجية التركية الجديدة أيضًا حول إعادة تعريف تركيا المستقلة على المستوى العالمي، وبالتالي حول إعادة توصيف حزب العدالة والتنمية كممثل وداعم “للأغلبية المضطهدة”. في السابق، قامت تركيا في الكثير من الأحيان بتعديل خيارات سياستها الخارجية لتتماشى مع خيارات حلفائها الغربيين. بالتالي، كان الاعتقاد السائد هو أن تركيا كانت تستجيب بطريقة سلبية عن أي شيء تطلبه القوى والفواعل العالمية حتى ولو كان  ذلك في غير مصلحة تركيا. نتيجة ذلك، دعا داود أوغلو إلى تحويل تركيا بعيدًا عن كونها قوة دولية سلبية بدون مبادرة مستقلة إلى بناء تركيا الحازمة التي تسعى للهيمنة الإقليمية. في هذا السياق، كانت الصورة المتوقعة هي أن حزب العدالة والتنمية يمثل البديل عن الأطروحة التقليدية لتركيا في علاقتها مع القوى العالمية وبالتالي يمثل صوت “المضطهدين”. ومن ضمن ذلك احتلت القضية فلسطين مكانة خاصة ضمن هذه الصيغة. فتاريخيًا، رغم التحالفات التركية الاسرائيلية ، كانت محنة الفلسطينيين موضوع دائم الحضور لدى الناخبين الأتراك المحافظين، الذين “اعتبروا أن المسلمين مضطهدين، وأن الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين والإسرائيليين صوروا على أنهم ظالمون”.  على ضوء هذه الخلفية بدأ تحالف التاريخي بين تركيا وإسرائيل في التدهور وكذا تزايد مشاعر الكراهية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وظهرت أولى بوادر هذا التدهور سنة 2009 عندما انسحب رئيس الوزراء في ذلك الوقت أردوغان من المنتدى الاقتصادي العالمي على خلفية حوار ساخن جمعه مع الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز في حلقة نقاشية حول غزة [. . . ] ومتعهدا بعدم المشاركة في التجمع السنوي مرة أخرى.” وتدهورت العلاقات بشكل أكبر بعد أن أصبح قادة حزب العدالة والتنمية ينتقدون طريقة معاملة إسرائيل للفلسطينيين بشكل علني” هذا ما أعطى الصورة الإسلامية/ المحافظة لـ [رئيس الوزراء] وحزب ومن ورائه حزب العدالة والتنمية.

من خلال التعبير عن عدم رضاه على الوضعية الدولية الراهنة للقضية الفلسطينية، ناقش يونغ بأن حزب العدالة والتنمية كان يقارن نفسه بذلك بين موقفه المحلي عبر الإشارة إلى جمهوره المحلي على أنه طالما كان يشكل أغلبية مضطهدة في “الأطراف”، أي أنه تم تهميشهم سياسياً كأغلبية محافظة موجودة، على يد اضطهاد نخب “المركز”. في النهاية.

إذن السياسة الخارجية ليست بمعزل عن المجتمع ولكنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالعلاقة المتقطعة عموماً بين مؤسسات الدولة والنخب السياسية وكذا الناس [. . . ومن هنا] ، ارتبطت أجندات أردوغان الخارجية ارتباطًا وثيقًا بالدوائر الانتخابية المحلية لحزبه بالنضال السياسي ضد المؤسسة الكمالية التركية. نتيجة لذلك، وعبر سياسته الخارجية ، كان حزب العدالة والتنمية يؤطر هوية جديدة لتركيا كقوة عالمية صاعدة تقف إلى جانب المضطهدين، ونتيجة  ذلك صنف نفسه على أنه يشكل الأغلبية المحافظة المضطهدة على المستوى المحلي.

سمح حزب العدالة والتنمية إعادة تعريف نفسه كحزب وسطي محافظ جديد يمثل أغلبية مضطهدة إعادة تشكيل السياسة المحلية من خلال أدوات السياسة الخارجية. وقبل كل ذلك، فإن إعادة التعريف هذه بالنسبة للحزب العدالة والتنمية” تتناقض بشكل كبير مع الموقف الدفاعي الأكثر توجهاً نحو الداخل بالنسبة لأحزاب المعارضة الرئيسية، كحزب الشعب الجمهوري CHP وحزب الحركة القوميةMHP ، ركز خطاب السياسة الخارجية لهذا الأخير باستمرار على الأمن القومي مسترشدًا بالاعتقاد بأن تركيا كانت بلدًا محاطًا بـ “حلقة النار”، في حين تم تحديد خطاب السياسة الخارجية لحزب الشعب الجمهوري من خلال الدفاع عن السياسة الخارجية التركية التقليدية. حيث انتقد السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية على أساس أنها تخاطر بالصراع. من خلال تقديم السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية على أنها استمرار لهويته الإسلامية، كان حزب الشعب الجمهوري يحاول إرسال رسالة إلى الجماهير المحلية مفادها أن حزب العدالة والتنمية لم يقم حقًا بالاعتدال أو القبول بالديمقراطية العلمانية ولكنه يسعى إلى تحويل السياسة الداخلية التركية نحو “اللا علمانية”… ” على الرغم من أن حزب الشعب الجمهوري كان ينتقد هوية حزب العدالة والتنمية عبر انتقاد هويته الجديدة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، إلا أنها كسياسة رجعية على المستوى السياسة الخارجية لم تكن كافية لإقناع الناخبين بهوية حزب الشعب الجمهوري.

علاوة على ذلك، فإن تقديم حزب العدالة والتنمية لنفسه كفاعل محوري يسعى لتحقيق رؤية ذاتية ومستقلة للعالم سمح للحزب بجذب المشاعر القومية لدى الناخبين الأتراك.، فإعادة صياغة تركيا كلاعب عالمي جديد بشكل خاص قد حظيت بقبول %65  بين الناخبين الأتراك بغض النظر عن التوجهات السياسية. إضافة الى ذلك، ” اعتبارًا من عام 2011، بدى أن حوالي 10٪ فقط من الناخبين قد تحولوا من حزب معين إلى آخر مقارنة بعام 2007.” بعبارة أخرى، استمر ناخبو حزب العدالة والتنمية لعام 2007 دعمهم للحزب غالبا في سنة 2011. ومع كل ذلك، واجه استخدام السياسة الخارجية في السياسة الداخلية بعض التحديات الجادة بالنسبة لحزب العدالة والتنمية في خلال عهدته الثالثة.

رابعاً: دمج هوية الحزب بين حزب العدالة والتنمية وناخبيه عبر إضفاء الطابع المحلي للسياسة الخارجية

في عهدته الثالثة في الحكم، مع تزايد هيمنته السياسية داخلياً، بدأ حزب العدالة والتنمية في تعزيز هوية الحزب بينه وبين ناخبيه عبر إضفاء الطابع المحلي على السياسة الخارجية.  في غضون الأشهر القليلة الأولى من عهدته الثالثة في الحكم، بدأ حزب العدالة والتنمية في اتباع سياسة خارجية أكثر طموحًا بحيث ابتعد عن منطق “الجغرافيا السياسية الدفاعية” مع وجود مناطق وطنية محددة بدقة في جوهرها إلى “جيوسياسية محافظة وإسلامية” مع المناطق الإقليمية المحددة ثقافيًا والتي تشمل في جوهرها الشرق الأوسط والقوقاز والبلقان وشمال إفريقيا. ضمن هذه الصيغة، شدد حزب العدالة والتنمية على كيفية تشكيله هوية جديدة للسياسة الخارجية لتركيا بعيدًا عن “الهوية الغربية في إتجاه التركية / الإسلامية”. وهو النهج المتمحور حول الحضارة ” وبالتالي وضع تركيا كقيادة ناشئة في منطقتها المباشرة. من خلال القيام بذلك، كان الحزب يهدف إلى تشكيل هوية حزبية جديدة لنفسه محليًا على أساس خطاب التقاليد والقيم والتاريخ والجغرافيا. على سبيل المثال، أعلن رئيس الوزراء آنذاك أردوغان،  في خطاب فوزه في الانتخابات العامة عام 2011، أن فوز حزب العدالة والتنمية  كان بمثابة انتصارًا لـ “المضطهدين” وأنه كان انتصار لاسطنبول كما هو الحال انتصار سراييفو، انتصار ازمير بقدر انتصار بيروت، انتصار لديار بكر بقدر انتصار الضفة الغربية وغزة “وأن” الفائز اليوم ليس فقط تركيا ولكن أيضًا الشرق الأوسط والقوقاز والبلقان “.  ومن ثم، فبهذا الزعم يكون حزب العدالة والتنمية قد وضع نفسه ليس فقط كحزب رائد لتركيا ولكن أيضًا باعتباره الحزب الطليعي لهذه الأراضي التي أعيد اكتشافها حديثًا والتي تربط تركيا بها روابط جغرافية وتاريخية. بعبارة أخرى، هذا الاطار وضع  حزب العدالة والتنمية ليس فقط كحزب سياسي وطني ولكن أيضًا كجهة فاعلة إقليمية تمثل مجتمعات خارج الأراضي التركية، وبالتالي حدد جمهور حزب العدالة والتنمية على أنه مجتمع محدد برابطة ثقافية وقيمية. من خلال إنشاء مثل هذه الروابط، كان حزب العدالة والتنمية يتخطى الانتماء الاستراتيجي / السياسي البسيط بينه وبين جمهوره، وبدلاً من ذلك سعى لبناء روابط عاطفية مع قاعدة الناخبين.

التماثل بين الجغرافية التركية وتاريخها من جهة، وبين تقاليدها وقيمها من جهة أخرى، يقف في تناقض كبير مع هوية السياسة الخارجية التي اقترحها حزب الشعب الجمهوري لتركيا، وبالتالي مع هوية حزب الشعب الجمهوري. فعلى وجه التحديد، أكد البيان الانتخابي لحزب الشعب الجمهوري لعام 2011 على اختلافه عن حزب العدالة والتنمية عبر الإشارة إلى كيفية قيام حزب الشعب الجمهوري ببناء سياسته الخارجية على الصفات الديمقراطية الاجتماعية، كإعطاء الأولوية لحقوق الإنسان، بالتالي كان بذلك يشير إلى الصفات الديمقراطية الاجتماعية لحزب الشعب الجمهوري كحزب سياسي. بالإضافة إلى ذلك، كان بيان حزب الشعب الجمهوري يقارن سياسته الخارجية “العالمية” القائمة على الديمقراطية مع سياسة حزب العدالة والتنمية القائمة في جوهرها على خطاب يتمحور حول الحضارة والدين. وفي الوقت الذي كان حزب الشعب الجمهوري يقترح هوية حزبية على أساس الحقوق المدنية والمواطنة، كان حزب العدالة والتنمية يقترح بناء الهوية على أساس القيم والروابط التاريخية عبر أجندات السياسة الخارجية لكل منهما. بذلك، فإن حزب الشعب الجمهوري، من خلال بيانه الانتخابي لعام 2011، يكون قد بدأ أيضًا في استخدام السياسة الخارجية للإشارة إلى هوية الناخبين الحزبية في الداخل.

على ضوء هذه الخلفية، صار دعم حزب العدالة والتنمية للربيع العربي أكثر وضوحاً؛ بداية أعلن رئيس الوزراء أردوغان دعمه للمتظاهرين في مصر، ثم زاد من الضغوط السياسية على نظام الأسد في سوريا. وقد قارن داود أوغلو دعم حزب العدالة والتنمية للمتظاهرين في العالم العربي بدعم تركيا قبل حزب العدالة والتنمية بالقول “عندما تقارنهم قبل سنوات بتركيا حاليا، يمكنك رؤية التغيير في الروح الديمقراطية المأسسة”.

مع ذلك، بدأت مثل هذه السياسة الخارجية الطموحة في مواجهة تحديات جادة على المستوى المحلي والدولي. فداخلياً، واجه حزب العدالة والتنمية أول تحدٍ حقيقي له عندما خرج الآلاف إلى الشوارع في جميع انحاء تركيا معبرين عن استيائهم مع احتجاجات “منتزه غيزي” في صيف 2013. وقد تحدت هذه الاحتجاجات الجماهيرية هيمنة حزب العدالة والتنمية من خارج نظام الحزب وحطمت فكرة أن حزب العدالة والتنمية لا مثيل له عن غيره. على الجبهة الدولية، كانت السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية وصلت إلى حدودها.

بداية، صار دعم حزب العدالة والتنمية الغير المشروط للمعارضة السورية مصدرًا رئيسيًا للهشاشة في السياسة الداخلية كون ان الصراع السوري جلب مخاطر أمنية جادة لتركيا، خاصة على حدودها السورية. في مايو 2013، انفجرت سيارتان مفخختان في مدينة الريحانية على الحدود بين تركيا وسوريا. قتل فيها 51 شخصًا مما أثار مخاوف لدى الجمهور التركي من أن الحرب الأهلية السورية سوف تمتد إلى الداخل التركي. وفي ظل الضبابية السياسية، جادلت المعارضة بأن الأيديولوجية الدينية كانت توجه السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية، وادعت بأن هذا الأخير كان يحاول بناء “كتلة سنية لمواجهة النفوذ الإيراني”، هذا ” يفسر الدعم التركي لمعارضي الأسد السنة وخاصة لجماعة الإخوان المسلمين ، [. . . و] للسنة في العراق. ” تعقيباً على ذلك، أشار أردوغان، أن زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كيليجوداروغلو له جذور علوية، وأن هذا الأخير ” يعارض التدخل في سوريا انطلاقاً من منطلق القرابة مع الأسد الذي ينتمي إلى الطائفة العلوية ” – وهو إدعاء أثار مخاوف جدية بين العلويين الأتراك . وقد تفاقم العداء بين الطرفين أكثر عندما اتهم كيليجوداروغلو حزب العدالة والتنمية بـ ” إرسال إرهابيين إلى سوريا “وتحمل مسؤولية جرائم قتل الريحانية. ووصلت الاتهامات من كلا الجانبين إلى مستوى حيث “رئيس الوزراء آنذاك أردوغان وزعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي كيليجوداروغلو كانوا سيلجئون الى القضاء بسبب وجهات نظرهما المتعارضة بشأن سياسة تركيا تجاه سوريا”. بالمختصر، أصبحت السياسة الخارجية تمثل مصدرًا رئيسيًا للاستقطابات الداخلية لحزب العدالة والتنمية، مما أضعف صورته كحزب مهيمن على المستوى المحلي.

علاوة على ذلك، أعرب، حزب الشعب الجمهوري أيضًا عن مخاوف جدية بشأن الدعم الصريح لحزب العدالة والتنمية للربيع العربي، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين في مصر، معتبرا ذلك بأنه خطوة سابقة لأوانها وفي الاتجاه المجهول  نظرًا لعدم اليقين بشأن الوضع في مصر و في هذا الإطار، كان تمثيل الموقف من الإخوان المسلمين في مصر من جهة حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري مؤثرًا للغاية. ففي حين اعتبر حزب العدالة والتنمية الإطاحة بالإخوان المسلمين في مصر كمثال على مدى “حقيقة” الخطر الذي يواجههم، أي ضد أولئك الذين يمثلون الأغلبية المضطهدة، في حين قدم حزب الشعب الجمهوري الإطاحة بالإخوان كمثال على كيف يمكن أن يؤدي الموقف المتصلب واستخدام الدين لأغراض سياسية إلى نتائج عكسية.

في مواجهة التحديات المحلية لسياسته الخارجية، تطورت هوية السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية من “تمثيل” للمضطهدين عالميًا إلى “دفاع” عنهم. ومن المفارقات، أن حزب العدالة والتنمية، بعد أن كان يحدد الوضع الراهن، صار يتحول تدريجياً نحو هوية سياسية خارجية أكثر دفاعية تدافع عن سياستها الخارجية الطموحة بعد الربيع العربي وبالتالي تدافع عن موقعها المهيمن ومنه أيضا الوضع الراهن في الداخل. على سبيل المثال، خلال المسيرات المناهضة لمنتزه “غيزي” التي نظمها حزب العدالة والتنمية، ادعى رئيس الوزراء آنذاك أردوغان أن هذه الاحتجاجات الديمقراطية على مستوى الأمة كانت “لعبة” استهدفت تركيا من قبل القوات الأجنبية، التي لا تريد صعود تركيا الى مستوى القوة العالمية. كما جادل بأن كل هذه الاحتجاجات اندلعت من قبل “لوبي المصالح” الدولي الذي تضررت أصوله بسبب استقرار الاقتصاد التركي في ظل حكم حزب العدالة والتنمية. في هذه الادعاءات، ذكر أردوغان أيضًا كيف أن هذه ليست مجرد مؤامرة دولية حول تركيا، ولكن في البرازيل أيضا، حيث كانت هناك احتجاجات ديمقراطية مماثلة على مستوى الأمة.

بغض النظر عما إذا كانت هذه الخطابات تمثل الحقيقة، فمن الأهمية بمكان أن نلاحظ هنا أن حزب العدالة والتنمية رسم بيئة دولية معادية ممثلة في القوى الأجنبية، والتي لديها مصلحة سياسية واقتصادية في إعاقة وضعف تركيا في السياسة العالمية، وذلك نتيجة لتحول تركيا إلى قوة في ظل حكم حزب العدالة والتنمية. ومن خلال تأطير مثل هذه التهديدات “الخارجية” وتوصيف الحزب بأنه يتعرض لتهديدات خارجية، كان حزب العدالة والتنمية يُظهر لناخبيه أنهم بحاجة إلى البقاء معًا ضد أولئك الذين كانوا يحاولون تقويضهم. وبالنظر إلى نتائج الانتخابات البلدية لعام 2014، يبدو أن إدعاء حزب العدالة والتنمية قد آتى أكله في الوقت الحالي.

الخاتمة:

 جاءت الانتخابات البلدية لعام 2014 في مناخ سياسي واجه فيه حزب العدالة والتنمية انتكاسات سياسية متعددة تراوحت ما بين فضائح الفساد المزعومة إلى الاحتجاجات الجماهيرية التي أعقبت مقتل بيركين إلفان، البالغ من العمر 14 عامًا والذي أصيب برصاصة غاز أثناء احتجاجات “منتزه غيزي” ومنذ ذلك الحين وهو في غيبوبة. وبالتالي، توقع بعض المراقبين أن حزب العدالة والتنمية سيعاني على الأقل من بعض الخسائر الانتخابية. على الرغم من هذه التوقعات، انتهى بحزب العدالة والتنمية بالفوز في نهاية المطاف في الانتخابات البلدية لعام 2014 حيث حصل على 44 في المائة من الأصوات. ما يعنيه هذا هو أن ناخبي حزب العدالة والتنمية، على الرغم من كل النكسات السياسية ضد حزب العدالة والتنمية وقادته فقد بقوا موالين لحزبهم. مما يدل على أهمية “الهوية الحزبية”، التي “تحمل في طياتها ارتباطات النفسية” بين ناخبي حزب العدالة والتنمية والحزب نفسه. تحديد هوية الحزب أيضًا هو ما ميّز حزب العدالة والتنمية عن منافسيه الأخرين. على سبيل المثال، في استطلاع انتخابي عام 2007، وجد كلايجي أوغلو أن حزب العدالة والتنمية يمتلك أعلى مستوى من تحديد هوية الحزب مع ما يمثل 36.1 % من الناخبين الذين يعرفون ذواتهم على أساس أنهم مؤيدون للعدالة والتنمية. وتعتبر هذه النسبة رقمًا كبيرًا بالنظر إلى أن ثاني أكثر الأحزاب تحديدًا، حزب الشعب الجمهوري، ظل عند 12.4 %..

نظرًا لأهمية تحديد هوية الحزب في السياسة الحزبية التركية، سعت هذه المقالة إلى فهم دينامية تأطير الهويات الحزبية. بالتالي، حاولت أن تفهم كيف أثر حزب العدالة والتنمية على هوية السياسة الخارجية التركية، وفي المقابل، كيف أطرت هذه الاخيرة هوية حزب العدالة والتنمية على المستوى الداخلي. وبالتالي، فإن الخطوات التالية في هذا السياق من البحث لهذا المؤلف ستكون ذات شقين. الأول هو فهم دور هوية الحزب وتحديد هويته على السلوك الانتخابي ودور السياسة الخارجية في تحديد / التمييز بين هويات الحزب وأثر ذلك لدى الناخبين من خلال إجراء بحث تجريبي يسأل الأشخاص في مجموعات الرصد والمعالجة عن كيفية تشكيل آرائهم ومواقفهم حول الأحزاب التي يصوتون / لا يصوتون لها. ثانيًا، سيكون فهم ما إذا كان استخدام حزب العدالة والتنمية للسياسة الخارجية في بناء هوية حزبية ما بعد اسلاموية وسطية ومختلفة، سيتم تقليده من قبل نظرائه في العالم العربي ، مثل حزب العدالة والتنمية المغربي وحركة النهضة التونسية. وبالتالي للاستفسار عما إذا كانت أحزاب ما بعد الإسلاموية ستتميز الآن بهويات سياستها الخارجية بدلاً من سياساتها المحلية.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks