نظرية التغيير الاجتماعي والسياسي

عند جمال الدين الأفغاني 

د. نبيل فولي محمد

تحميل pdf

  • تمهيد:

راكم البحث في تاريخ السيد جمال الدين الأفغاني (1838- 1897م)، والجدلُ المستحكم حوله بالصورة التي جرى عليها، سحبًا داكنة في سماء فكره؛ حجبت هذا الفكر، وشغلت الناس عنه أحيانًا، وحرفته عن وجهه أحيانًا أخرى، حتى صار البحث في تاريخه عبئًا ثقيلًا على آرائه وأفكاره، على الرغم من أنه عرض في هذه الأفكار لأخطر القضايا في حياة المسلمين الحديثة، وفي مقدمتها: قضية الإحياء الإسلامي، وقضية العدل والخلاص من الاستبداد السياسي، وقضية الحرية والخلاص من التبعية للقوى الأجنبية.

فبدلا من أن ينشغل الباحثون المهتمون بالأفغاني بهذه القضايا الحاسمة والأساسية في الواقع الإسلامي القائم، إذا بهم يستغرقون في البحث عن الوطن الذي ينتمي إليه؛ أفغانستان هو أم إيران؟ والهدف الذي كان يسعى إليه من وراء الجهود الضخمة والمتنوعة التي بذلها؛ هل هو الإصلاح كما كان يعلن، أو أنه كان يخفي أهدافًا أخرى مشبوهة؟ ومذهبه الديني؛ أسنيّ هو أم شيعي؟، وهكذا.

ولست أقصد بهذا أن نصرف عنان الدرس العلمي تمامًا عن البحث في حياة الرجل المثيرة، ولكن يجب في هذه الحال أن نقدر هذه الحياة قدرها الملائم من الاهتمام والعناية، بحيث لا تطغى على دراستنا لفكره، وبحيث نوظفها توظيفًا علميًا أمينًا في فهم ما التبس من آراء صاحبها، ونعتمد في كل رأي جديد عنه على إبراز الوثائق الداعمة له، وإتاحتها للباحثين حتى يفحصوها فحص المؤرخ الذي يختبر وثائقه للتأكد من صحتها وصحة محتواها.

ولست أعني أيضًا بالدعوة إلى الاهتمام بفكر الرجل أكثر من الاهتمام بحياته الفصلَ بين تاريخ المفكر وأفكاره؛ إذ من المفترض أن تاريخ الفكر مدخل مهم، بل ضروري – ما دام ممكنًا – للبحث في الفكر نفسه؛ لأنه يضيء لنا مساحات قد لا تبدو واضحة بشكل كاف حين ندرس الفكر خالصًا، إلا أن الذي حصل مع الأفغاني هو أن دراسة شخصيته وحياته قد أثرت تأثيرًا سلبيًا على دراسة فكره وآرائه، وهو ما لا ينبغي أن يكون.

ومهما يكن من أمر، فإن الخلاف حول شخصية جمال الدين الأفغاني مهما بلغ؛ ومن هذه الناحية كان أو تلك، لا ينفي أهميته وتأثيره الكبير، وجدارة تجربته الفكرية بأن تتعرض للدراسة الدقيقة والبحث المستوعب لشتى جوانبها مرة بعد مرة.

ولعل أهم ما في تجربة الأفغاني وحياته هو قضية “التغيير”([1]) التي ربما لا نبالغ إن جعلناها عنوانًا لفكره كله وحياته وجهوده كلها، وقد لمس أكثر من كتبوا عن الرجل هذا الجانب منه، وأنه كان طاقة جبارة تسعى إلى التغيير حيثما حلت – كما ستأتي الإشارة إلى شيء منه.

وما تبغيه هذه السطور تحديدًا هو إيضاح نظريته في التغيير الاجتماعي والسياسي، وكيف يمكن أن نلمح معالم هذه النظرية في جهوده الفكرية والعملية؛ أي أننا سنحاول تشكيل هذه النظرية اعتمادًا على ما وصل إلينا مكتوبًا من أفكار الأفغاني، وما سجله مؤرخوه عنه من أفكار لم يكتبها بنفسه، أو تصرفات صدرت عنه في نطاق ما تهتم به هذه الصفحات.

وتأتي الدراسة في العناصر التالية:

  • التأسيس لفكرة التغيير الاجتماعي والسياسي عند الأفغاني.
  • السند القيمي للتغيير عند الأفغاني.
  • أدوات التغيير الاجتماعي والسياسي عند الأفغاني.
  • التغيير على مستوى القاعدة عند الأفغاني.
  • التغيير على مستوى الرأس عند الأفغاني.
  • التأسيس لفكرة التغيير الاجتماعي عند الأفغاني:

إمكان التغيير:

ثمة سؤال مركزي لابد من طرحه في البداية، وهو: هل تغيير المجتمع الإنساني في رأي الأفغاني أمر ممكن، أو لا؟

وتمثل الإجابة على هذا السؤال – الذي قد يبدو لبعض الناس ترفًا فكريًا – الأساسَ النظريَّ الذي تُبنى عليه فكرة التغيير عنده عمومًا. وقد ناقش علماء الأخلاق من قديم إمكان التغيير السلوكي في الإطار الفردي([2])، كما درس علماء الاجتماع من أيام ابن خلدون التغيير في النطاق الجماعي للبشر.([3])

ومن جهته يمكن أن نعثر لدى الأفغاني على أساس نظري لفكرة التغيير في قوله بوحدة البشرية؛ أي تساوي أفرادها في أصل الخِلقة وتساوي مجتمعاتِها في خضوعها لقوانين عامة واحدة، في وقت كان يتردد فيه في نطاق الفكر والبيولوجيا الغربية أن ثمة اختلافات من هذه الناحية بين الإنسان الأوربي المتفوق وغيره؛ فالأفغاني يؤكد أن الإنسان هو الإنسان في كل مكان، وأن لدى هذا النوع استعدادًا متشابهًا لقبول الكمال؛ أي الصعود باتجاه استكمال الملكات ووجوه النشاط والسعي التي تميز الإنسان عن غيره؛ غربيًا كان أم شرقيًا؛ قال رحمه الله: “إذا رجع البصير إلى القياس الصحيح رأى في تشابه القوى الإنسانية، وتماثل الفطرة البشرية ما يدل على تقارب العقول، بل على استواء المدارك، وأرشده الفكر السليم إلى أن فضل الله قد أعد كل إنسان للكمال، ومنحه ما يكون به مصدرًا لفضائل الأعمال على تفاوت لا يظهر به الاختلاف بينها إلا للنظر الدقيق”.([4])

وهذا يعني أن التفاوت في أوضاع الأمم والمجتمعات ليس مرجعه في رأيه إلى شيء خِلقي جُبل الناس عليه، وإنما هو راجع إلى أحوال محيطة، وعادات متَّبَعة، وأنساق حياة سائدة، وبهذه كلها يقع التحول في المجتمع البشري صعودًا وهبوطًا. وهو منطلق مهم لإثبات إمكان التغيير؛ لأن نتيجة الإيمان بهذه الفكرة هو التأكيد على أن الإنسان الشرقي – وفي القلب منه المسلم – قد أحاط نفسه بعوامل معوقة للارتقاء الحضاري، في حين فعل الإنسان الأوربي الحديث عكس هذا، وكلا الفريقين عُرضة للتحول وللبقاء على ما هو عليه؛ كلٌّ بشروطه.

ولا يخفى أن الأفغاني كان يعالج بهذا مشكلتين في العقلية المسلمة المعاصرة، وهما: اعتبار كثير من المسلمين أوضاعهم الحضارية قدرًا إلهيًا ينبغي الاستسلام له والقعود عن تغييره ضمن فهم غير دقيق لعقيدة القضاء والقدر([5])، والمشكلة الثانية: نظر مسلمي العصر إلى الإنسان والشعوب الأوربية على أن لها شأواً لا يُدرَك، ومكانة لا تُلحَق، ونتيجة هذا وذاك هي القعود والاستسلام للواقع.

ويلح الأفغاني في غير موضع على بيان القوانين الاجتماعية العامة، وأنه لا يخرج عنها قبيل من الناس؛ شرقيًا كان أم غربيًا، داعمًا بهذا فكرة إمكان التحول الإسلامي عن واقعه المتهافت الواهي إلى واقع صُلب متماسك، ومن ذلك حديثه عن أن الأمم الكبيرة لا يمكن أن تنمحي؛ “فإن تقلبات الحوادث في الأزمان البعيدة والقريبة – كما يقول – ناطقة بأنه إن ساغ أن عشيرة قليلة العدد فنيت في سواد أمة عظيمة، ونسيت تلك العشيرة اسمها ونسبتها، فلم يجز في زمن من الأزمان امحاء أمة أو ملة كبيرة بقوة أمة تماثلها في العدد، أو تكون منها على نسبة متقاربة، وإن بلغت [من] القوة أقصى ما يمثله الخيال”.([6])

وتظهر بوضوح علمية هذا الخطاب، وتخليه عن العنصرية التي تخص أمة بالعبقرية بالميلاد دون غيرها؛ لذا يذكر الأفغاني أن أي أمة – بقطع النظر عن أرومتها – حين تتعرض للحيف والظلم، فإنها تهب في وجه ظالميها متى وجدت إلى ذلك سبيلا، ولا يرتبط هذا بمستوى معين من الانحطاط، على شرط أن يكون هناك أصل يمكن أن تلتقي عليه، وعدد من الخلق ينتمون إلى هذا الأصل؛ يقول: “إن النفوس الإنسانية، وإن بلغت من فساد الطبع والعادة ما بلغت، إذا كثر عديدها تحت جامعة معروفة، لا تحتمل الضيم إلا إلى حد يدخل تحت الطاقة، ويسعه الإمكان، فإذا تجاوز الاستطاعة، كرت النفوس إلى قواها، واستأسد ذئبها، وتنمر أسدها”([7])، وبهذا يكون التغيير مرتبطًا بفعل إنساني، ولا يقع مع السكون والغفلة – كما هو الناموس الإلهي في الحياة الاجتماعية للبشر.

التغيير وانضباط الناموس الاجتماعي:

وينكر الأفغاني الجبر في حركة الفرد بصراحة([8])، إلا أنه يقول بانضباط القوانين الاجتماعية تمامًا، وأنها أكثر مشاركة في رسم أبعاد الشخصية الإنسانية من الجوانب الطبيعية التي خُلقت عليها؛ فيناقش مثلا دعوى القائلين بأن تعصب الإنسان لبني جنسه أمر من أمور الطبيعية الإنسانية، وأن ما دفعهم إلى هذا الحكم هو قوة هذه الصفة في الناس، فيخالف هذا الرأي، ويستدل لما يقوله بأن الشخص لو رُبي في غير بني جنسه وهو لا يعرف أصله، “فإنا لا نرى في طبعه ميلا إليه، بل يكون خالي الذهن من قِبَله، ويكون مع سائر الأقطار سواء، بل ربما كان آلفَ لمربَّاه وأميل إليه، والطبيعي لا يتغير.. ولكن قد يكون (التعصب للجنس) من الملكات العارضة على الأنفس؛ ترسمها على ألواحها الضرورات”([9])، أي أن سير الحياة الاجتماعية، وتحامي الناس بعضهم في بعض، وحفظ ضروراتهم ومصالحهم، مبني على اجتماع الإنسان إلى قومه عادةً، وهو ما يؤدي إلى رسوخ الحمية والتعصب لهم في نفسه، فإن عاش في غير قومه، واندمج فيهم كانت حميته لهم.

ثم يسوق السيد الأفغاني على رأيه دليلا آخر بما يشبه طريقة التتبع الكلامي عند القدماء، وهو أنه إذا جاءت قوة أخرى أشد من الانتماء إلى الجنس، فيمكنها أن تغلب هذه كما جرى للمسلمين؛ “فإن المتدين بالدين الإسلامي متى رسخ فيه اعتقاده، يلهو عن جنسه وشعبه، ويلتفت عن الرابطة الخاصة إلى العلاقة العامة، وهي علاقة المعتقد”.([10])

ويعم تقديم التأثير البيئي على الأصل الخِلقي عند الأفغاني حتى يشمل كل أبعاد الشخصية؛ فهو يرى أنك إن نظرت إلى أحوال الإنسان “النفسية؛ من الإدراك والتعقل والأخلاق والملكات والانفعالات الروحية، تجده فيها عالَمًا صناعيا”؛ أي أنه ناتج عن مؤثرات البيئة التي نشأ فيها، و”تابع لما يصادفه في تربيته الأولى، وما يودع في نفسه من أحوال الذين نشأ فيهم، وتربى بينهم. مرامي أفكاره، ومناهج تعقله، ومذاهب ميله، ومطامح رغباته، ونزوعه إلى الأسرار الإلهية، أو ركونه إلى البحث في الخواص الطبيعية، وعنايته باكتشاف الحقيقة في كل شيء، أو وقوفه عند بادي الرأي فيه، وكل ما يرتبط بالحركات الفكرية – إنما هي ودائع اختزنها لديه الآباء والأمهات والأقوام والعشائر والمخالطون”، ثم تكلم عن الجوانب الطبيعية الخِلقية، وذهب إلى أنها لا أثر لها “في الأعراض النفسية، والصفات الروحانية، إلا ما يكون في الاستعداد والقابلية، على ضعف في ذلك الأثر”.([11])

وفي موضع آخر يقول: “إن الإنسان إنسان بفكره وعقائده، إلا أن ما ينعكس إلى مرايا عقله من مشاهد نظره ومدركات حواسه، يؤثر فيه أشد التأثير؛ فكل شهود يحدث فكرًا، وكل فكر يكون له أثر في داعية، وعن كل داعية ينشأ عمل، ثم يعود من العمل إلى الفكر، ولا ينقطع الانفعال بين الأعمال والأفكار ما دامت الأرواح في الأجساد”.([12])

وهي في مجملها رؤية تختلف عن الحتمية الاجتماعية التي قال بها بعض الفلاسفة الاجتماعيين في الغرب؛ مثل: أوجست كونت وكارل ماركس وإيمل دوركايم؛ لأن الحرية الفردية التي يثبتها الأفغاني لا تجعل أمام الإنسان مصيرًا واحدًا لابد له منه، وإنما تجعله بالخيار وفقًا لهذه القوانين، وأنه يمكنه تغيير واقعه في نطاق قوانين عامة، وهو ما رآه ماكس فيبر فيما بعد؛ إذ كان “يرفض الحتمية التي يمتدحها ماركس ودوركايم اللذان يحبسان الإنسان ضمن نسيج من الضغوط الاجتماعية غير الواعية، ويعتقد فيبر أن هذه الضغوط وهذه الحتميات نسبية، ليس هناك قوانين تحكُّم مطلقة، ولكن توجهات تترك على الدوام مكانا للمصادفة وللقرار الفردي, ويعتبر فيبر أن المجتمع نتاج لفعل الأفراد الذين يتصرفون تبعا للقيم وللدوافع وللحسابات العقلانية”.([13])

ولكن هل لدعوى إمكان التغيير هذه أدلة تكلم عنها الأفغاني؟ نعم، وأهم ما تكلم عنه منها: السنن الإلهية التي تُداوِل الأيامَ بين الناس؛ فهذه الأمة على رأس الأمم اليوم، في حين كان غيرها في هذه المنزلة أمس([14])، كما أن “ترك ما كان سببًا للصعود – كما يقول – يؤدي إلى الهبوط والسقوط”([15])، ومثله قوله: “إن الحوادث في عدمها تفتقر إلى عللٍ افتقارَها إليها في وجودها، وإن عللها مسببة عن مقتضيات تعدها للوجود، وتجعلها أن تستتبع معلولاتها”([16])، وهي سنة أخرى تعني الربط بين أحوال المجتمعات وأسبابها التي تؤدي إليها، وهي أسباب جعلت المشيئة الإلهية طرفًا منها في يد البشر؛ فالقوة والعافية لها أسبابها، وكذلك الضعف والاضمحلال، فإن كنت قويًا وضعفت، أو ضعيفًا وقويت، فلابد من سبب – تركته أو فعلته – نقلك من حال إلى أخرى.

ثم تأتي الشواهد التاريخية لتثبت عند الأفغاني إمكان التغيير، وهي منتشرة في كتاباته حين يقارن بين حال أمم أوربا اليوم وحالها قبل بضع مئات من السنين، وكذلك حال المسلمين بين العهدين المذكورين، ومن أمثلة ذلك ما ذكره من التخلف القياسي الذي كان عليه الإنجليز – أقوى أمة في عصره – في بعض مراحل تاريخهم؛ فقد ذكر أن شيشرون – الخطيب والسياسي الروماني الشهير – أرسل “خطابًا إلى أحد الفاتحين الرومان لإنجلترا رجاه فيه ألا يرسل أسيرًا إلى روما؛ لأن الإنجليز جنس أمي غير متعلم، لا يعرفون الخلق المهذب، ولا يقبلون على اكتساب المعارف، ولاسيما الهندسة والموسيقى. وقد درج النورمانديون أيضًا حين احتلوا الجزيرة الإنجليزية على تكبيل أعناق أهلها بالأغلال؛ لأنهم أدركوا انحطاطهم وتخلفهم”([17])، ثم صار الإنجليز في زمانه سادة الكوكب كما يعترف بنفسه، وقد استفاد الغرب في ذلك من إنجاز المسلمين السابق عليهم.([18])

كيف اضمحل شأن المسلمين؟

ومن الأبعاد المهمة في فكرة التغيير عند الأفغاني: أننا لا نقف معها بإزاء قضية نظرية خالصة يمكن أن تناقش في النطاق البحثي المجرد فحسب، ثم يُغلَق بابها، بل إنه يسعى من خلال هذا الفحص إلى علاج واقع معين لا كل واقع، وهذا الواقع المعين هو أحوال العالم الإسلامي؛ لذا لا يكتمل فهمنا للأسس التي أقام عليها الأفغاني نظريته في التغيير بمجرد إثبات قوله بإمكانه، بل لابد كذلك من بيان فهمه للواقع الذي يريد أن يغيره؛ كيف آل إلى الوضع الذي صار إليه في عصره؟ فذاك أساس آخر تقوم عليه نظريته في التغيير؛ لأن معرفة التطور التاريخي للمجتمع الذي يسعى المصلح إلى تغييره يعينه على فهم مقوماته الثقافية والمادية، ومواضع الإشكال فيه، ونقاط القوة التي يمكن أن ينطلق منها التغيير.

أما الجذور العميقة للأزمة الإسلامية الحديثة، فيراها الأفغاني أبعد كثيرًا من عصرنا؛ وذلك لأن الضعف لا يولد مرة واحدة، بل هو ركام لأفعال سلبية متتابعة بعضها أشد فداحة من بعض، ويرجع بأولها إلى العصر العباسي (132- 656هـ) قائلا: “بدأ الانحلال والضعف في روابط الملة الإسلامية عند انفصال الرتبة العلمية عن رتبة الخلافة… كثرت بذلك المذاهب، وتشعب الخلاف من بداية القرن الثالث من الهجرة إلى حد لم يسبق له مثيل في دين من الأديان، ثم انثلمت وحدة الخلافة، فانقسمت إلى أقسام؛ خلافة عباسية في بغداد، وفاطمية في مصر والمغرب، وأموية في أطراف الأندلس. تفرقت بهذا كلمة الأمة، وانشقت عصاها”.([19])

ثم تناول التأثير الخطير للغزوات المغولية على العالم الإسلامي في ترسيخ التراجع والاضمحلال؛ إذ “تفرق الشمل بالكلية، وانفصمت عرى الالتئام بين الملوك والعلماء جميعًا، وانفرد كل بشأنه، وانصرف إلى ما يليه، فتبدد الجمع إلى آحاد، وافترق الناس فرقًا؛ كل فرقة تتبع داعيًا، إما إلى ملك أو مذهب، فضعفت آثار العقائد التي كانت تدعو إلى الوحدة، وتبعث على اشتباك الوشيجة، وصار ما في العقول منها صورًا ذهنية تحويها مخازن الخيال، وتلحظها الذاكرة عند عرض ما في خزائن النفس من المعلومات”.([20])

ونلاحظ هنا بدء الأفغاني في وصف الاضمحلال الإسلامي بالتغيير السياسي، ثم انتقل إلى التغيير الفكري، فالاجتماعي والسلوكي، وكأن انحراف السلطان قد وفر بيئة صالحة لنمو النزعات الفكرية الشاذة، ونتج عن هذه وهن في وظائف التربية والتعليم، مما نتج عنه انحراف في أخلاق الجماهير تبعًا لضعف القيادة الاجتماعية والتربوية والعلمية ووهنها. ولعل هذا يبين لنا سبب اهتمام الأفغاني بالإصلاح السياسي إلى جانب الإصلاح الاجتماعي العام كما سيظهر فيما بعد؛ إذ إن السلطان وأعماله يمكن أن تعرقل التغيير، ويمكن أن تدفع به إلى الأمام؛ لذا فإن كسبه إلى جانب التحول والتغيير وفقًا لهذه النظرة هو أمر ضروري.

وقد أوضح أسباب تراجع المسلمين مع بعض التفصيل في سياق آخر دقيق بقوله: “ظهر فيهم أقوام بلباس الدين، وأبدعوا فيه، وخلطوا بأصوله ما ليس منها، فانتشرت بينهم قواعد الجبر، وضربت في الأذهان حتى اخترقتها، وامتزجت بالنفوس حتى أمسكت بعنانها عن الأعمال. هذا إلى ما أدخله الزنادقة فيما بين القرن الثالث والرابع وما أحدثه السوفسطائية الذين أنكروا مظاهر الوجود، وعدوها خيالات تبدو للناظر ولا تثبتها الحقائق، وما وضعه كذبة النقل من الأحاديث ينسبونها إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم، ويثبتونها في الكتب، وفيها السم القاتل لروح الغيرة… وتحقق أهل الحق وقيامهم ببيان الصحيح والباطل من كل ذلك لم يرفع تأثيره عن العامة؛ خصوصًا بعد حصول النقص في التعليم، والتقصير في إرشاد الكافة إلى أصول دينهم الحقة ومبانيه الثابتة التي دعا إليها النبي وأصحابه، فلم تكن دراسة الدين على طريقها القويم إلا منحصرة في دوائر مخصوصة وبين فئة معينة”.([21])

وقد أجاد الرجل في هذه السطور القليلة تلخيص تطور الحياة الإسلامية في أبعادها الأساسية بما تعجز عنه كثير من الأقلام وأصحاب الأفكار؛ جامعًا بين تشويه جانب من المنظومة الإسلامية في عقول العامة، وبين فعل الحركات المعادية، دون أن ينسى الجهد الإسلامي المضاد الذي أفلح في الحفاظ على صورة الشريعة، إلا أنه لم يقدر على حماية العامة من غائلة هذا التشويه والتأثر السلبي به.

عناصر الضعف الإسلامي:

وفي سياق فحصه للحالة الحضارية الإسلامية وتحولاتها باعتبارها مقدمة ضرورية يؤسس عليها فكرة التغيير، رصد الأفغاني عناصر الضعف القائمة في حياة المسلمين في العصر الحديث، وهي:

  • الفرقة:

لا يخطئ القارئ لكتابات الأفغاني ملاحظة كثرة حديثه فيها عن الوحدة والفرقة، والفرقة هنا – كما يصورها – هي فرقة عامة؛ على مستوى العلماء والحكام والمجتمعات على السواء؛ يقول في أحد السياقات: “لم يبق من جامعة بين المسلمين في الأغلب إلا العقيدة الدينية مجردةً عما يتبعها من الأعمال، وانقطع التعارف بينهم، وهجر بعضهم بعضًا هجرًا غير جميل؛ فالعلماء – وهم القائمون على حفظ العقائد وهداية الناس إليها – لا تواصل بينهم ولا تراسل؛ فالعالم التركي في غيبة عن حال العالم الحجازي، فضلا عما يبعد عنهم، والعالم الهندي في غفلة عن شئون العالم الأفغاني، وهكذا… كما كانت هذه الجفوة وذاك الهجران بين العلماء كانت كذلك بين الملوك والسلاطين من المسلمين؛ أليس بعجيب أن لا تكون سفارة للعثمانيين في مراكش ولا لمراكش عند العثمانيين؟! أليس بغريب أن لا تكون للدولة العثمانية صلات صحيحة مع الأفغانيين وغيرهم من طوائف المسلمين في المشرق؟!”.([22])

  • الاستبداد السياسي:

آمن الأفغاني بأن طول الاستبداد السياسي وضغطه على الناس في الشرق – وفي القلب منهم المسلمون – قد حرف طبائعهم، وأهال التراب على مواهبهم؛ يقول: “إن طول مكث الشرقيين تحت نير استبداد المستبدين… اقتضى التصرف في غرائزهم وسجاياهم والتغير في فطرتهم الإنسانية، حتى كادوا ألا يميزوا بين الحسن والقبيح، والضار والنافع، وأوشكوا أن لا يعرفوا أنفسهم وما انطوت عليه من القوى المقدسة والقدرة الكاملة والسلطة المطلقة على عالم الطبيعة”.([23])

كما ذهب إلى أن سبب التفرق في العالم الإسلامي هو الحكام، وذكر هذا مرارًا؛ ومنه قوله: “إن ما يعرض على الممالك الإسلامية من الانقسام والتفريق؛ إنما يكون منشؤه قصور الوازعين (=الحكام وولاة الأمور)، وحيدانهم عن الأصول القويمة التي بُنيت عليها الديانة الإسلامية، وانحرافهم عن مناهج أسلافهم الأقدمين؛ فإن منابذة الأصول الثابتة، والنكوب عن المناهج المألوفة أشد ما يكون ضررهما بالسلطة العليا”.([24])

ومن شدة وطأة الاستبداد على الحياة الإسلامية اعتبر الأفغاني خلو كرسي الحكم من الراعي الظالم أقل شرًا من وجوده فيه، فقال: “أما وعزة الحق، وسر العدل، لو تُرك المسلمون وأنفسَهم بما هم عليه من العقائد، مع رعاية العلماء العاملين منهم، لتعارفت أرواحهم، وائتلفت آحادهم، ولكن واأسفا! تخللهم أولئك المفسدون الذين يرون كل السعادة في لقب أمير أو ملك، ولو على قرية لا أمر له فيها ولا نهي!”([25])، وشبه الحكومة الاستبدادية القاسية بقطاع الطرق([26])، وغير ذلك مما لا مجال للإطالة فيه هنا.

  • إهمال أوامر الشريعة:

وهو أعم وجوه القصور التي لمحها الأفغاني في عالم الإسلام المعاصر، وما سبق هو تفاصيل له وتفريعات عنه؛ إذ يرى أن ضعف المسلمين “لا يكون ناشئا إلا عن شيء من الإهمال في اتباع أوامر الشرع الإسلامي ونواهيه؛ بحكم قول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ..﴾ وقد يكون ذلك، وربما لا يُنكَر الآن أن كثيرًا من عامة المسلمين، وإن صحت عقائدهم من حيث ما تعلق به الاعتقاد، إلا أنهم لا ينهجون في بعض أعمالهم منهاج الشريعة الغراء، وهذا مما يحدث ضعفًا في قوة الأمة بقدر الميل عن جادة الاعتدال في الفضائل والأعمال”.([27])

هذا عن الأساس النظري الذي أقام عليه السيد جمال الدين الأفغاني رأيه في التغيير؛ من جهة إمكانه، وأدلة هذا الإمكان، وأسباب الحالة التي يعالجها مشروعه التغييري، والآن تناول السند القيمي لفكرة التغيير لديه.

  • السند القيمي للتغيير عند الأفغاني:

ليس للتغيير الاجتماعي اتجاه جبري واحد يسير فيه؛ إذ إنه ما دام تحولا وانتقالا في الهيئة والعادات والمفاهيم الاجتماعية والنظم السياسية، فإن له احتمالات كثيرة وصورًا متعددة يمكن أن يكون عليها، ومن هنا كان لابد من منظومة قيمية تحكم عملية التغيير وتحدد وجهتها؛ فمثلا حين تحولت أوربا من القرون الوسطى إلى العصر الحديث – في واحدة من أكبر عمليات التغير الاجتماعي والسياسي في التاريخ، حيث تبدلت صورة الحياة فيها تمامًا – لم يكن ذلك أمرًا عشوائيًا، بل كان محكومًا بمنظومة قيمية تتمثل في الانطلاق والتحرر من كل أنواع السيطرة والتحكم، والإيمان المطلق بقدرات الإنسان، وغير ذلك من قيم الحداثة.

لم يكن السيد جمال الدين الأفغاني بالطبع بدعًا من الساعين إلى التغيير في هذا الجانب؛ فما المنظومة القيمية التي تحكمت في فكرة التغيير والتحول الاجتماعي والسياسي عنده؛ خاصة في زمن قد برزت فيه منظومة قوية للتمدن، وهي المنظومة الأوربية؟

بداية رفض الأفغاني التقليد رفضًا باتًا، وذهب إلى أن التمدن لا يتحقق بانتحال ما أنتجه الآخرون وتقليدهم فيه، وذكر في هذا الصدد تجربة المدارس التي بناها العثمانيون والمصريون على النمط الغربي، وكذلك بعثاتهما التعليمية إلى أوربا؛ “ليحملوا إليهم ما يحتاجون له من العلوم والمعارف والصنائع والآداب، وكل ما يسمونه تمدنًا، وهو في الحقيقة تمدن للبلاد التي نشأ فيها على نظام الطبيعة وسير الاجتماع الإنساني”([28])، وهذا يعني أن كل أمة تقيم تمدنها على منظومتها القيمية الخاصة بها، ومن هنا لا يصلح استيراد تجارب التمدن كما هي، وإنما لكل أمة أن تؤسس تمدنها على منظومتها القيمية.

ويرى الأفغاني أن الفوائد التي تحققت من تجربة المدارس والبعثات كانت سطحية وشكلية، ، وأنها كانت ضارة جدًا في عموم نتائجها، يقول فيما يشبه أن يكون قاعدة كلية في التقليد الحضاري والاستعارة الثقافية: “علمتنا التجارب، ونطقت مواضي الحوادث بأن المقلدين من كل أمة، المنتحلين أطوار غيرها، يكونون فيها منافذ وكُوَى لتطرق الأعداء إليها، وتكون مداركهم مهابط الوساوس ومخازن الدسائس، بل يكونون بما أُفعمت أفئدتهم من تعظيم الذين قلدوهم، واحتقار من لم يكن على مثالهم شؤما على أبناء أمتهم”.([29])

ومن هنا اعتبر ما أصاب الشرقيين – وفي القلب منهم المسلمون – عند لقائهم بتجربة التمدن الغربي هي صدمة شغلتهم بظاهر الصورة عن لبها وحقيقتها؛ فقد “انبهرت عيونهم، واندهش لبهم، ولم يقفوا على حقيقتها وحقيقة الطرق التي توصِل إليها… فعمدوا إلى ظواهر التمدن، فتحلوا به، وأحسنوا التقليد له في الزي والمعاملات البسيطة والتكلم بلغاته والتمسك بتقاليده… وانتهز [الغرب] هذه الفرصة لسلب أموالهم واستعبادهم، وتنفيذ أغراضه ومآربه، مستبشرًا مسررورًا بكونهم تعلقوا بظواهر التمدن دون بواطنه، وأنهم لم يلتفتوا إلى سلوك الطريق التي أوصلته إلى الحرية والتمدن الحقيقي”.([30])

لذا فإن تقييمه لما آل إليه العالم الإسلامي حديثًا من تغير وتحول في نواح متعددة كان سلبيًا، فقال: “إن ما نراه اليوم من حالة حسنة فينا هو عين التقهقر والانحطاط..؛ لأننا في تمدننا هذا مقلدون للأمم الأوربية، وهو تقليد يجرنا بطبيعته إلى الإعجاب بالأجانب والاستكانة لهم والرضى بسلطتهم علينا، وبذلك تتحول صبغة الإسلام التي من شأنها رفع راية السلطة والتغلب إلى صبغة خمول وضعة واستئناس لحكم الأجنبي” – كما يروي عنه بعض تلاميذه.([31])

ونلفت النظر إلى أن هذا الموقف الحاد من التقليد والتمسك بالسطحي من أشكال التمدن الغربي، لم يمنع الأفغاني من أن يدعو إلى الاستفادة من الإنجاز الحضاري الغربي الحديث، بل يُعَد هذا في رأيه دَينًا على الغرب ينبغي أن يؤديه للشرق الذي أفاده الحضارة والمدنية في عهد سابق([32])، كما اهتم بالعلوم الحديثة وتأثيرها في التغيير، حتى قال: “لنضرب هنا مثلا بالأرض المزروعة يأتيها الشتاء، فيستر زرعها بالثلج، فتُرى كالميت، وإذا أتى عليها الصيف وذابت الثلوج، أخرجت زخرفها وازينت. فكذلك الإسلام إذا التفت إلى معرفة العلوم والفنون دارك الدرجة العليا في التقدم، [و] كان عزمه قويًا، ومستقبله مرضيًا”.([33])

ومهما يكن، فقد بدا من رفض الأفغاني للتقليد في مشروعات التغيير والتمدن، أنه لا يؤمن بتمدن يستعير صاحبه القيم التي ينطلق منها وتحكم اختياراته وترجيحاته، فإنه إن استعار من غيره بعض المظاهر والشكليات والوسائل، فلابد أن يقيم البنيان نفسه على أصوله وأسسه هو؛ لأنها غير قابلة للاستعارة أصلا، وحتى العناصر التي يستعيرها لابد أن تخضع لمقاييسه ونظرته هو إلى الأمور.

ولا يخفى بعد هذا أن المنظومة القيمية التي يدعو الأفغاني لإقامة التغيير في العالم الإسلامي عليها تتمثل في الإسلام نفسه عقيدةً وشريعة، ولماذا نستنتج هذا استنتاجًا وقد صرح به بنفسه في كتاباته وحواراته مع تلاميذه كما سجلوها، وفي هذا نجده قد اختصر حل أزمة الواقع الإسلامي في الرجوع إلى أسباب النهوض الأول للمسلمين، وهو “دين قويم الأصول، محكم القواعد، شامل لأنواع الحكم، باعث على الألفة، داع إلى المحبة، مزك للنفوس، مطهر للقلوب من أدران الخسائس، منور للعقول بإشراق الحق من مطالع قضاياه، كافل لكل ما يحتاج إليه الإنسان من مباني الاجتماعات البشرية، وحافظ وجودها، ويتأدى بمعتقديه إلى جميع فروع المدنية. فعلاجها الناجع إنما يكون برجوعها إلى قواعد دينها، والأخذ بأحكامه على ما كان في بدايته، وإرشاد العامة بمواعظه الوافية بتطهير القلوب، وتهذيب الأخلاق، وإيقاد نيران الغيرة، وجمع الكلمة، وبيع الأرواح لشرف الأمة”.([34])

ولما سأله أحد تلاميذه عن الطريقة الملائمة للتمدن قال: “لابد من حركة دينية.. إننا لو تأملنا في سبب انقلاب حالة عالم أوربا من الهمجية إلى المدنية نراه لا يتعدى الحركة الدينية التي قام بها لوثير وتمت على يده؛ فإن هذا الرجل الكبير لما رأى شعوب أوربا زلت، وفقدت شهامتها من طول ما خضعت لرؤساء الدين، ولتقاليد لا تمت بصلة إلى عقل أو يقين، قام بتلك الحركة الدينية، ودعا إليها أمم أوربا بصبر وعناد وإلحاح زائدين.. ومن المنافسة بين الفريقين تولدت المدنية الحديثة التي نراها ونعجب بها”.([35])

وحين سأله عبد القادر المغربي – كما يحكي في كتابه عنه – عن مقصوده بالحركة الدينية؛ إذ إن هناك فرقًا بين ما صادفه لوثر من حالة أوربا مع المسيحية وما نصادفه نحن في عصرنا من حال المسلمين مع الإسلام، كما أن هناك فروقًا ضخمة بين الإسلام والمسيحية في الأصول والفروع على السواء، فأجاب جمال الدين قائلا: “إن حركتنا الدينية هي كناية عن الاهتمام بقلع ما رسخ في عقول العوام ومعظم الخواص من فهم بعض العقائد الدينية والنصوص الشرعية على غير وجهها؛ مثل: حملهم نصوص القضاء والقدر على معنى يوجب عليهم أن لا يتحركوا إلى طلب مجد أو تخلص من ذل، ومثل فهمهم لبعض الأحاديث الشريفة الدالة على فساد آخر الزمان أو قرب انتهائه فهمًا يثبط هممهم عن السعي وراء الإصلاح والنجاح في نظير ذلك مما لا عهد للسلف الصالح به”.([36])

ومع أهمية هذا الفهم الذي يقدمه للتغيير والتجديد الذي يحاوله، وأنه إزالة لما علق بالإسلام من فهوم غير دقيقة، وبدع لا أصل لها، والعودة به إلى أصالته الأولى، فإن الأهم لسياقنا هذا، هو أن الأفغاني قد جعل الأساس القيمي لمشروعه التغييري هو الإسلام بهذا المفهوم الذي قدمه، والمنهج الذي يفهم به نصوص الشريعة يقوم على مراعاة روحه ومقاصده العامة، واللغة التي نزل بها، وإعمال العقل، والاستفادة من خبرة العلوم التي أنتجها البشر؛ فقد كان “يُعمل عقله في فهم تعاليم الإسلام، مستقلا مجتهدًا لا متابعًا مقلدًا.. يعنى في توفير مصالح المسلمين العامة، ويحرص على إصلاح الجماعات الإسلامية من طريق التوفيق بين أصول الإسلام الصحيحة وبين قواعد علم الاجتماع التي ظهرت فائدتها في إصلاح شئون البشر وانتظام أحوال الجماعات”.([37])

  • أدوات التغيير الاجتماعي والسياسي عند الأفغاني:

الواقعية التامة لفكر الأفغاني ومشروعه للتغيير والإصلاح دفعته إلى التمسك بمجموعة من الأدوات الفاعلة التي توسل بها إلى تحقيق مشروعه، ولعل من أهم هذه الأدوات ما يلي:

  • التدريس.
  • الخطابة.
  • المراسلة البريدية.
  • الصحافة.
  • تأسيس الجمعيات والمؤسسات أو المشاركة فيها.

وفيما يلي أتناول كل واحدة منها بالبيان:

  • التدريس:

ليس لدينا معلومات كثيرة عن الرحلة التعليمية للأفغاني؛ فقد درس العلوم التقليدية في أفغانستان وبعض العلوم الحديثة في الهند، دون أن نعرف المدرسة أو المكان الذي درس فيه، والكتب التي درسها، والشيوخ الذين درس عليهم([38])، إلا أن الجهد الخاص الذي كان يبذله جمال الدين في التعلم كان له التأثير الأكبر في شخصيته العلمية فيما يبدو، حتى قال عنه أديب إسحاق: “ومن غرائب فضله أنه كان يتتبع حركة المعارف الأوربية والمستكشفات العصرية، ويلم بما وضع أهل العلم وما اخترعوه جديدًا، حتى كأنه قرأ العلم في بعض مدارس أوربا العالية”([39])، ولا شك أن هذا الانفتاح هو مبدأ عام للشخصية نفسها، وليس مجرد موقف، وكما ظهر في دراسته، فسيصادفنا كذلك في تدريسه.

لم يدرّس الأفغاني في الأزهر حين حل بمصر سنة 1871، وحتى تركها سنة 1879، مكتفيًا بزيارته من وقت إلى آخر. ويبدو أنه خشي الاصطدام بتقليدية العلماء فيه، فيصنع عداوة لا داعي لها، فكان يدرس بعض العلوم اللغوية والشرعية والعقلية والكونية في بيته، مركزًا على ما يفتح هذه العقول وينور دربها للسعي إلى تغيير الواقع المحيط. وقد وصف بعض المؤرخين أسلوبه في التدريس بقوله: “كان أسلوبه في التدريس مخاطبة العقل، وفتح أذهان تلاميذه ومريديه إلى البحث والتفكير، وبث روح الحكمة والفلسفة في نفوسهم، وتوجيه أذهانهم إلى الأدب والإنشاء والخطابة وكتابة المقالات الأدبية والاجتماعية والسياسية”([40])، وفوق ذلك فتح بصيرتهم على واقع يلتهب من حولهم، وأنهم يجب أن تكون لهم يد فاعلة وإيجابية فيه.

ويؤكد عمق شعور الأفغاني بأهمية التعليم أنه رأى فيه حلا “للمسألة الشرقية” برمتها، وهي تسمية مشهورة لمشكلة الصراع بين الدولة العثمانية وخصومها المستعمرين الزاحفين عليها وعلى أملاكها. ولم يقصد هذا التعليم المقصور على الرجال، بل جعل تعليم النساء أهم في سياق الأزمة؛ إيمانًا منه بأن التغيير الذي يمس عناصر الشخصية وإمكاناتها الأولية – ويتحقق من خلال ما تقوم به المرأة مع الأجيال الناشئة – هو الذي يؤسس لتحول حقيقي؛ يقول رحمه الله: “نشر التعليم – خصوصًا بين النساء – لا شك أنه يئول أمره إلى فصل (=حل) المسألة الشرقية، ولا يحتاج الأمر فيها [إلى] قتال ولا نزال؛ لأن سيف التعليم أمضى من سيف المحاربات”.([41])

والناظر إلى ما كان يدرسه الأفغاني في مجالسه، يجد أنه اهتم بكتب اللغة وأصول الفقه والكلام والمنطق والفلسفة([42])، وكلها إما أن تساعد على امتلاك الأداة التعبيرية بقوة؛ أعني اللغة، وهي مسألة أساسية في تلقي المعرفة وصناعتها، وإما أن تعمل على تفتيح العقول، وتبغيض التقليد إليها، وفتح السبيل أمامها للاجتهاد والنظر والإبداع في قضايا الاجتماع والعلم. وأما بقية العلوم من الفقه والتفسير، فقد كانت رائجة معروفة في البيئة المصرية.

  • الخطابة:

تقليدية الوسيلة لم تكن تمنع الأفغاني من توظيفها في التغيير والإصلاح؛ المهم عنده أن تكون مجدية ومؤثرة؛ لذا تحتل الخطابة جانبًا مهمًا من جهده وجهاده، فمارسها كثيرًا، وشجع تلاميذه عليها، حتى نشرت إحدى الصحف الفرنسية (l’intransigeant) في التعريف به أنه ألقى خطبة في أربعة آلاف شخص من الجماهير في مسجد الإمام الحسين؛ ليفضح السياسات الإنجليزية في مصر والسودان.([43])

ويحكي عنه سليم العنحوري أنه قبيل عزل الخديوي إسماعيل مكث “في الإسكندرية بضعة أيام خطب في أثنائها بقاعة زيزينيا خطبة في النساء جمعت ألوفًا من الفرنكات، فوُزِّعت بإيماء منه على الفقراء”.([44])

وحين وقع الخلاف بينه وبين الشاه ناصر الدين، غادر إلى بلدة شاه عبد العظيم قريبًا من طهران، “فتبعه جم غفير من العلماء والوجهاء، وكان يخطب فيهم، ويستحثهم على إصلاح حكومتهم”([45])، وهو الأمر الذي أحنق الشاه عليه حتى نفاه في صورة مهينة وقاسية.

وفي أثناء حملته على الشاه في لندن ألقى – كما يحكي سفير بريطانيا في طهران عام 1892 في رسالة منه إلى وزير خارجيته الماركيز اف ساليسبوري – “محاضرة تحت عنوان “الأزمة الراهنة في إيران”، بيد أن السيد في محاضرته استخدم عقله؛ إذ لم يمس بريطانيا وسياستها الخارجية بسوء”.([46])

وقد حُفظ لنا مضمون بعض خطبه بشيء من التفصيل، ومنها الخطبة الشهيرة التي ألقاها في الآستانة، وتصيد خصومه منها ما هوجم لأجله بشراسة في كرسي الخلافة العثمانية، وقد اعتمد في خطبته هذه – كما يروي مؤرخوه – على “تشبيه المعيشة الإنسانية ببدن حي، وأن كل صناعة بمنزلة عضو من ذلك البدن تؤدي من المنفعة في المعيشة ما يؤديه العضو في البدن، فشبه الملك مثلا بالمخ الذي هو مركز التدبير والإرادة، والحدادة بالعضد، والزراعة بالكبد، والملاحة بالرِّجلين. ومضى في سائر الصناعات والأعضاء، حتى أتى على جميعها ببيان ضاف؟ واف. ثم قال: هذا ما يتألف منه جسم السعادة الإنسانية، ولا حياة لجسم إلا بروح، وروح هذا الجسم إما النبوة وإما الحكمة، ولكن يفرق بينهما بأن النبوة منحة إلهية لا تنالها يد الكاسب، يختص الله بها من يشاء من عباده، والله أعلم حيث يجعل رسالاته. أما الحكمة، فمما يُكتسَب بالفكر والنظر في المعلومات، وبأن النبي معصوم من الخطأ، والحكيم يجوز عليه الخطأ بل يقع فيه، وأن أحكام النبوات آتية على ما في علم الله؛ لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فالأخذ بها من فروض الإيمان، أما آراء الحكماء، فليس على الذمم فرض اتباعها، إلا من باب ما هو الأولى والأفضل؛ على شريطة ألا تخالف الشرع الإلهي”.([47])

وقد كانت خطبه مؤثرة تستثير مستمعيه بعبارات ملتهبة وصور نارية، ومن ذلك أنه “وقف يومًا سنة 1879 في ساحة محمد علي المعروفة بالمنشية الكبرى في الإسكندرية، وخاطب الفلاح المصري على مسمع من محافظ المدينة وقواد الجيش والعلماء والأعيان قائلا: أنت أيها الفلاح المسكين، تشق قلب الأرض لتستنبت منها ما تسد به الرمق، وتقوم بأود العيال؛ فلماذا لا تشق قلب ظالميك؟ لماذا لا تشق قلوب الذين يأكلون ثمرة أتعابك؟!”([48])، وهي الخطبة التي أخرجوه من مصر في عقبها.

جـ- المراسلات البريدية:

وهذه كانت وسيلة أخرى كان لها تأثير كبير في خدمة جهود الأفغاني التغييرية، فقد كان يراسل الملوك والعلماء الكبار وذوي النفوذ من الناس، سعيًا إلى كسبهم إلى جانب القضايا التي يدعوهم إليها، ومن ذلك مراسلته لعلماء الشيعة في إيران والعراق محرضًا لهم على الشاه ناصر الدين، حتى تمكن “في فترة قصيرة من تعكير الجو بين بلاط ناصر الدين شاه والحوزات العلمية في سامراء وكربلاء والنجف الأشرف”([49])، كما شجع بطريق المراسلة الزعيم الديني الشيعي الميرزا محمد حسن الشيرازي على الوقوف في وجه الشاه وإصدار فتوى التنباك الشهيرة، وقد قال سفير بريطانيا في طهران عام 1892 عن هذا الخطاب في رسالة منه إلى وزير خارجيته الماركيز اف ساليسبوري: “أغلب الظن أن البرقية التي أرسلها الحاج الميرزا حسن الشيرازي إلى الشاه، والتي طلب فيها من الشاه إنقاذ البلاد من هيمنة الأجانب، كانت نتيجة تحريض جمال الذين الذي أثار في خطابه العواطف الدينية للمجتهد المذكور… وقد وعدتُ أمين السلطان (= أمين الشاه) بتقديم خطاب جمال الدين الموجه للمجتهد المعروف إلى سعادتكم. إن النص الأصلي بالعربية، وقد تُرجم إلى الفارسية، ثم إلى الإنجليزية”.([50])

وقد هزت هذه الرسائل التي بعث بها الأفغاني إلى الشيرازي ثم إلى جماعة العلماء في إيران عرش الشاه ناصر الدين الذي استغاث ببريطانيا، وحرضها على أن تطرد جمال الدين من أرضها؛ إذ خرق في رأيه القوانين، وفعل ما يستحق عليه القتل! فأغلق الإنجليز مجلة “ضياء الخافقين” التي كان يكتب فيها الأفغاني مقالاته ضد الشاه بالضغط على صاحب المطبعة التي تتولى إخراجها.([51])

كما أنه وجه “خطابًا إلى الملكة فيكتوريا حذرها فيه من مغبة التحيز لصالح سياسة ناصر الدين شاه الاستبدادية”([52])، فلم يترك شخصًا مؤثرًا يمكن أن يراسله في قضية مهمة إلا فعل.

وقد ترجم أحد الباحثين أخيرًا رسالة مهمة للأفغاني أرسلها إلى قيصر روسيا ألسكندر الثالث سنة 1891 يحذره فيها من سياسات بريطانيا ونفوذها في إيران، وتهديد ذلك للمصالح الروسية، ومما جاء فيها قوله: “إن الأحياء هم القابلون للعلاج وليس الأموات. ولا شك في أن روسيا، إذا ماقدمت لنا الدعم، سوف تستعيد نفوذها ومصالحها في إيران، علماً بأن نفوذها السياسي الآن، وقدرتها على حماية مصالحها في تلك البلاد، أصبحا معدومين عمليًا. وحتى أولئك الأشخاص الذين كانوا في الماضي ينظرون باحترام إلى عظمة دولة روسيا، ووزن كلمتها السياسية في الشرق، أصبح في مقدورهم أن يغيروا أفكارهم كلية في وقت قريب. ولكننا نعتقد أن السفير الروسي، وبسبب الهزيمة النكراء التي منيت بها روسيا في الميدان السياسي، يخجل من أن يرفع لجلالتكم صورة صادقة وكاملة عن حقيقة الأوضاع، على أننا لا نستطيع أن نتصور أن روسيا عاجزة حقًا”([53]).

د- الصحافة:

تمتاز الصحافة عن الخطابة والمراسلة البريدية باتساع القاعدة التي تخاطبها، وقد كانت في ذاك الوقت سيدة الوسائل الإعلامية، بل بقيت منفردة بهذا المجال لعقود طويلة. وقد اعتنى الأفغاني بالصحافة اعتناء كبيرًا، أولا: بالتشجيع على إنشاء الصحف والمساعدة فيه، وثانيًا: بدعوة من يحيطون به ممن يأنس فيهم الموهبة إلى الكتابة فيها، وثالثًا: بأن يكتب في الصحافة بنفسه، ورابعًا: بأن يؤسس صحفًا يحررها وينشر من خلالها أفكاره.

ومن ذلك أنه ويعقوب صنوع ومحمد عبده اتفقوا عام 1877 على إصدار صحيفة “أبو نظارة زرقاء” الهزلية “لانتقاد أعمال الخديو إسماعيل”([54])، كما حصل لأديب إسحاق على امتياز إصدار صحيفة “مصر”، “واتخذ له دكانًا بباب الشعرية؛ هيأ له فيها من أدوات الطبع بالحرف البولاقي المشهور ما قوي معه على إصدار تلك الصحيفة”([55])، وساعد سليم بك العنحوري على إصدار صحيفته “مرآة الشرق”([56])، وهكذا.

وأما تشجيع مريديه وطلابه على الكتابة في الصحف، فقد قال تلميذه الشيخ محمد عبده في سياق حديثه عن آخر عهد الخديوي إسماعيل: “وأخذ الشيخ جمال الدين في حمل من يحضر مجلسه من أهل العلم وأرباب الأقلام على التحرير وإنشاء الفصول الأدبية والعلمية في مواضيع مختلفة؛ لا تخرج جامعتها عن إصلاح الأفكار وتهذيب الأخلاق، فتسابقت إلى ذلك الكُتّاب، وتبارت الأقلام، وأخذت الحرية الفكرية تظهر في الجرائد إلى درجة يظن الناظر فيها أنه في عالم خيال، أو أرض غير أرض الخبال. ومن يطلع على أعداد جريدة مصر وجريدة التجارة وجريدة مرآة الشرق والأهرام وصداها، يرى حقيقية ما ذكرنا”.([57])

وأما الكتابة في الصحافة، فعلى الرغم من أن الأفغاني ما كان يميل كثيرًا إلى الكتابة، فقد وصلنا من مقالاته الصحفية عدد لا بأس به، إلا أن بعضها كان هو صاحب فكرته وصياغته، وبعضها الآخر الفكرة فكرته دون الصياغة، كما سبق من الحديث عن مقالات “العروة الوثقى”، وهي السيرة نفسها التي اتبعها – كما ذكر بعض دارسيه – في نشر بعض مقالاته بالفارسية في صحيفة اسمها “قانون”.([58])

وإذا كانت مقالاته في “العروة الوثقى” قد أثرت بقوة في أنحاء العالم الإسلامي التي وصلت إليها، حتى خافت منها بريطانيا العظمى، فمنعت دخولها إلى مستعمراتها، فإن هذه المقالات لم تكن الوحيدة للأفغاني التي أحدثت أثرًا كبيرًا بعد اطلاع القراء عليها، فقد نوهوا مثلا بمقالتين له نُشرتا في “جريدة مصر”؛ “إحداهما – كما يذكر سليم العنحوري – في الحكومات الشرقية وأنواعها، والثانية سماها “روح البيان في الإنكليز والأفغان”، ترنحت لهما أعطاف أولى العلم طربًا، ومالت إليهما أعناق الحكام السياسيين عجبًا، حتى إن غلادستون زعيم الحرية في إنكلترا أثبت في بعض الصحف رسالة تشهد له أنه من أعلام الشرق وأعيان العلماء حالة كون الإنكليز من أعدائه الألداء”.([59])

وفي زيارته لبطرسبورج في روسيا “تعرف بأعظم رجالها من العلماء والسياسيين، ونشر في جرائدها مقالات ضافية في سياسة الأفغان والفرس والدولة العلية والروسية والإنكليزية، كان لها دوي شديد في جو السياسة”.([60])

وأما تأسيس الصحف وإصدارها بنفسه، فإن “العروة الوثقى” هي النموذج والمثال على هذا، وقد بلغت مقالاتها قمة التأثير في الحياة السياسية في العالم الإسلامي، حتى عجزت أكبر إمبراطورية في تلك المرحلة الزمنية عن مقاومتها، وقد أجمع مؤرخو الصحافة على مكانتها الخاصة، إلا أن ألبرت حوراني وصفها بأنها “لم تكن عملا فكريًا دقيقًا، بل نشرة دعائية تساير الزمن، وتستهدف تقوية العزائم”([61])، وأحسب أنه ليس حكمًا دقيقًا كما يمكن تبينه من مطالعة محتوى المجلة الشهيرة.

  • تأسيس الجمعيات والمؤسسات والمشاركة فيها:

يبدو من سيرة الأفغاني وفكره إلحاحه على تفعيل أكبر قدر ممكن من طاقة المجتمع في خدمة مشروعه التغييري الإصلاحي، وكذلك الاستفادة من الفرص القائمة وتوجيهها في خدمة مبادئه وأفكاره؛ ومن أجل ذلك التحق ببعض الكيانات الاجتماعية النشيطة في عصره، كما شكل بعض الكيانات الأخرى ونظمها للقيام بجهد اجتماعي وسياسي وفق برنامج متفق عليه.

والانتقال من الجهد الفردي الشخصي إلى الجهد الجماعي المؤسسي أمر ضروري للمشروعات الكبيرة، ولا يمكن أن تنجح بدونه، ولا شك أنه ليس هناك مشروع اجتماعي أكبر من السعي إلى إيقاظ أمة وعلاج عيوبها العامة؛ كضعف هيئات المجتمع والدولة، والاستبداد، والاحتلال.

لذا “انتظم في سلك الماسونية، وتقدم فيها حتى صار من الرؤساء، فأنشأ محفلا وطنيًا تابعًا للشرق الفرنساوي؛ دعا إليه مريديه من العلماء والوجهاء فصار أعضاؤه نحوًا من ثلاثمائة عدًا”([62]) ، كما كان عضوًا في جمعية العروة الوثقى التي كلفته حين ذهب إلى باريس بإصدار مجلة باسمها، فأصدرها وقام عليها خير قيام.

ولا يخفى في هذا السياق ما أثاره بعض دارسي الأفغاني من تهم حول الرجل بسبب عمله ضمن الماسونية، مع إغفال أمرين مهمين جدا في هذا السياق؛ الأول: هو أن حقيقية هذه الجمعيات لم تكن قد تبينت للناس حينئذ، والأمر الثاني هو: أن الأفغاني غادر هذه الجمعية حين تبين له أنها غير جادة في العمل على خدمة القضايا الاجتماعية والإنسانية.

ومهما يكن، فقد تبينت لنا حتى الآن الأسس التي قامت عليها فكرة التغيير عند الأفغاني، والسند القيمي لها، والأدوات التي وظفها لإحداث التغيير المنشود، وبقي لنا الحديث عن مستويات التغيير بين القاعدة والقمة، وهو ما نخصص له الحلقة الثانية من هذا المقال.

نظرية التغيير الاجتماعي والسياسي عند جمال الدين الأفغاني

سبق في الجزء الأول من هذا المقال الحديث عن الأسس التي قامت عليها فكرة التغيير عند الأفغاني، والسند القيمي لها، والأدوات التي وظفها لإحداث التغيير المنشود، وفي هذه الحلقة نقف بالحديث على مستويات التغيير في رأيه وتطبيقاته معًا؛ سواء أكان تغييرًا على مستوى القاعدة أم في القمة.

  • التغيير على مستوى القاعدة عند الأفغاني:

الشائع عن الأفغاني أنه كان يؤمن فقط بالتغيير من القمة؛ أي التغيير السياسي الذي يبلغ قمة السلطة نفسها. وقد نشأ هذا الظن عن معاركه السياسية ذائعة الصيت التي خاضها في الصحافة وفي الواقع بمصر وإيران ودار الخلافة العثمانية وبطرسبورج ولندن وباريس، حتى أدت تصرفاته إلى تحولات سياسية كبيرة: في مصر بتشجيعه للحياة النيابية ووقوفه وراء تولية الخديوي توفيق وخلع أبيه إسماعيل([63])، وفي إيران بقتل الشاه ناصر الدين نتيجة للتذمر الذي صنعته تصرفات الأفغاني وتشهيراته به؛ فهل كان لتغيير القاعدة الاجتماعية نصيب في مشروعه الإصلاحي أيضًا؟

الحقيقة أن التغيير القاعدي في جهود الأفغاني الفكرية والعملية – كما يمكن أن تثبته الأرقام والإحصاءات – يكاد يكون أكثر من مساعيه للتغيير الرأسي، لولا ما يمتاز به العمل السياسي من الإثارة والتأثير الكبير في مختلف مجالات الحياة؛ فقد كان الرجل يؤمن حقًا بأهمية التغيير السياسي، لكنه آمن كذلك بضرورة أن يقوم على قاعدة متينة من التطور الاجتماعي على مستوى العلماء والنخبة المثقفة والعامة على السواء([64])، وهي أمور ألح عليها كثيرًا فيما ترك لنا من تراث ومسيرة حياة.

ومثل الأفغاني في ذكائه وألمعيته يصعب أن يتورط في مشروع إصلاحي معلق في الهواء؛ يهتم بالرأس دون البدن، أو مشروع مبتور يعالج أدواء القاعدة دون القمة، وإن كانت هناك عوامل خارج خطته الإصلاحية حالت دون نجاح بعض جوانب مشروعه الأساسية؛ مثل: حدته الشخصية، وصراحته البالغة([65])، والعراقيل التي كان يضعها في طريقه الفاسدون في كل مكان حط فيه رحاله.([66])

صناعة النخبة المصلحة:

ولعل السنوات الثماني التي قضاها الأفغاني في مصر – بما فيها من طول نسبي وكونها أفضل فترات نضجه وقوته مع رعاية رياض باشا رئيس الوزراء المصري له –؛ لعلها تقدم لنا نموذج التغيير عند الأفغاني في أتم صوره([67])، وما يعنينا في هذا المبحث هو عمله على التغيير على مستوى القاعدة.

سعى الأفغاني في مصر أولا إلى تشكيل جسم اجتماعي أو “نخبة” – بمصطلحنا المتأخر – تمتاز بالوعي والنشاط والروحانية معًا، حيث كان يفد إلى بيته عدد من الشباب والكهول والشيوخ([68]) يدرّس لهم بعض الكتب القديمة، ويفتح عقولهم على العصر وأحواله وأدواته التي يمكن توظيفها في تحقيق العافية الاجتماعية والحضارية للأمة. ويبدو أن الأحاديث الشفوية التي جرت بينه وبينهم، إضافة إلى معايشتهم له ساعات طويلة لم تكن أقل تأثيرًا فيهم من تدريسه إياهم؛ فقد وسعت أفقهم الفكري إلى درجة كبيرة، وعمقت وعيهم بالواقع ومسار التاريخ، بحيث كانوا ينظرون إليه على أنه صنعهم صناعة، أو أعاد إنشاءهم عقليًا ونفسيًا، حتى قال تلميذه الأكبر الشيخ محمد عبده في تأبينه: “والدي أعطاني حياة يشاركني فيها [أخواي] علي ومحروس، [و]السيد جمال الدين أعطاني حياة أشارك بها محمدًا وإبراهيم وموسى وعيسى (ص) والأولياء والقديسين”.([69])

وعبر رشيد رضا عن هذا التأثير أيضًا، فذكر أن الأستاذ أخرج تلميذه “من خمول تصوفه، وخمود أزهريته إلى ميادين الجهاد في سبيل التجديد الديني، والإصلاح الاجتماعي المدني؛ يخوض غمرات الثورات، وتتقاذفه أمواج الأسفار، وتكافحه فتن الأمراء المستبدين، وجهالة حملة العمائم الجامدين”.([70])

وكأن الأفغاني كان يسعى من خلال هذا الجهد الخاص إلى أن يكون بيته “ورشة” تدريب وتخريج للمصلحين – إن جاز التعبير – أو على الأقل صناع الرأي العام؛ وذلك أن كثيرًا من الناس لديهم الاستعداد للقيام بهذه الوظيفة الحضارية الكبيرة؛ أعني الإصلاح والتغيير، لكن يحول دونهم ودون ذلك فقر البيئة إلى الأستاذ الحقيقي والموجّه المخلص الذي يستخرج المكنون من أعماق النفوس.

وتقوم رؤيته هنا على أنه لابد للأمة من رواد يرودون لها الطريق إن أرادت أن تحقق هدفًا ما، فيقول: “لم تنل أمة من الأمم مزية من المزايا المحمودة عند بني البشر؛ سواء في العلوم والمعارف، أو الآداب والفضائل، أو القوانين والنواميس العادلة، أو العسكرية وقوة الحماية، حتى خرج آحاد منها إلى ما تخشاه النفوس، وتهابه القلوب، وسلكوا تلك المسالك الوعرة، فبلغوا بأممهم أقصى ما بلغت بهم هممهم”.([71])

العلماء:

وأما العلماء، وهم جزء من القاعدة الاجتماعية غير السياسية؛ فقد أدرك الأفغاني عظيم دورهم في الحياة الاجتماعية؛ لذا سعى إلى إخراجهم من قمقم تقليديتهم، بحيث يبثون روح الحياة فيما يحملون من علوم وآراء، وقد كان بعض هؤلاء من جلسائه فعلا، فاشتغل على هذه الرسالة معهم، لكنه أضاف إلى ذلك ندءات عامة للعلماء – كما مضى – حتى يترابطوا، ويقوموا بوظيفتهم الدينية والاجتماعية الخطيرة تجاه الجموع التي تحتاج إلى أصواتهم الواعية المخلصة؛ فــــ”العامة لولا العلماء وعظيم مكانتهم في النفوس – كما يقول – لالتجأت بطيب نفس إلى الكفر، واستظلت بلوائه، خلاصًا من هذه الدول الذليلة الجائرة التي قد عدمت القوة، وفقدت النصفة”.([72])

ولا يغيب عنا هنا ما حرض عليه العلماء في إيران – خلال خطاب شهير له إلى رئيسهم الميرزا محمد حسن الشيرازي – من الثورة على الشاه ناصر الدين، وقد أورد صاحب “تاريخ الأستاذ الإمام” الخطاب بطوله([73])، ويبدو وثيقة تاريخية مهمة تعكس جوانب كثيرة في شخصية السيد جمال الدين، ويهمنا منها هنا إدراكه الجيد لتأثير العلماء وخطورة دورهم الذي يصل إلى حد القدرة على خلع السلطان الجائر.

وقال عن وظيفة العلماء إزاء ما تعيشه الأمة، وكأنه يصف مهمة نفسه: “كان من الواجب على العلماء قيامًا بحق الوراثة التي شرفوا بها على لسان الشارع أن ينهضوا لإحياء الرابطة الدينية، ويتداركوا الاختلاف الذي وقع في الملك بتمكين الاتفاق الذي يدعو إليه الدين، ويجعلوا معاقد هذا الاتفاق في مساجدهم ومدارسهم، حتى يكون كل مسجد وكل مدرسة مهبطًا لروح حياة الوحدة… ويرتبط العلماء والخطباء والأئمة والوعاظ في جميع أنحاء الأرض بعضهم ببعض، ويجعلون لهم مراكز في أقطار مختلفة يرجعون إليها في شئون وحدتهم، ويأخذون بأيدي العامة إلى حيث يرشدهم التنزيل وصحيح الأثر، ويجمعون أطراف الوشائج إلى معقد واحد يكون مركزه في الأقطار المقدسة، وأشرفها معهد بيت الله الحرام”.([74])

المثقفون والعامة:

وفيما يتعلق بأطياف المجتمع ومستوياته الأخرى، نلاحظ تركيز الأفغاني في مصر على أدوات الخطاب والإعداد العقلي للقراء والمثقفين، مما يؤكد أن الجماهير كانت موضوعة في القلب من خطته الإصلاحية؛ فقد اهتم بدار المطبوعات المصرية “منتقدًا أعمالها، ومرشدًا عمالها؛ يخطئ لغتهم الكتابية، فيضطرهم إلى إصلاحها”([75])، وأضاف إلى ذلك أنه كان ينشر في الصحافة وجهات نظره في التعليم في مصر والسياسات الموجِّهة له، حتى أزعج ناظر (=وزير) المعارف في حينه، واقترح الأفغاني على رياض باشا رئيس الوزراء وقتئذ إنشاء مجلس أعلى للتعليم يشارك في صناعة السياسة التعليمية في مصر وتسييرها، فأنشأه، “وكان هو (الأفغاني) سكرتير ذلك المجلس، وصاحب التأثير الأكبر فيه”.([76])

ولأجل خدمة قضية الإصلاح في هذا الوسط نفسه، اهتم السيد جمال الدين بتوجيه تلاميذه إلى توظيف نوافذ الخطاب العامة في بث رسالة الإصلاح والتغيير، فشجع – كما سبق – على إنشاء الصحف، وكتب هو فيها، وشجع تلاميذه كذلك على الخطابة والكتابة في الصحافة، حتى صارت لهم أقلام ذات اعتبار، وأساليب لها قيمتها في تاريخ الصحافة والأدب العربي الحديث على السواء.

وروى رشيد رضا عن شيخه محمدعبده أيضًا قوله: “إن السيد جمال الدين كان يلقي الحكمة لمريدها وغير مريدها”([77])، وهذا يعني أن الأفغاني لم يكن يرى أحدًا غير أهل لسماع الحكمة، ولعله كان يرى تعريض كل العقول التي تخالطه للمؤثر الإيجابي؛ لعل مغمورًا فيها ينتفع بشيء منها. ولا غرابة في هذا السياق أن نعلم أن خادمه أبا تراب ترجم رده على الدهرية من الفارسية إلى العربية، قبل أن يلبسه محمد عبده ثوبًا من قلمه فصيحًا، ونقل أبو تراب – وهو الرجل الأمي – عن الأفغاني جانبًا من أفكاره وآرائه؛ يقول عنه سليم العنحوري: “صار بمعاشرته إياه وملازمته له فيلسوفًا صغيرًا حالة كونه أميًا كبيرًا”.([78])

وقد سبقت قريبًا الإشارة إلى تحفيزه العلماء أن يقوموا بما حملهم الشرع من مسئولية تجاه الناس، وهو بهذا يستوعب في عملية التغيير من لا يصل إليهم بنفسه من طبقات الناس؛ ممن لا يلقاهم، ولا يقرءون الصحف، فعلماء الشريعة هم أكثر الناس قدرة إلى الوصول بخطابهم إلى هؤلاء بحيث يستوعبون كل طبقات المجتمع؛ لذا دعا العلماء مرارًا إلى أن يأخذوا “بأيدي العامة إلى حيث يرشدهم التنزيل وصحيح الأثر، ويجمعوا أطراف الوشائج إلى معقد واحد”([79])؛ أي يرشدوا العامة، ويجمعوا الصفوف.

ولا شك أن هذا يصل بمستوى التغيير إلى أعماق الإنسان، وهنا تتجاوز نظرية الأفغاني التغيير السطحي إلى الأعماق في بعديها المعرفي والخلقي؛ أي التغيير في الفكر والضمير معًا، وهو أمر ألح عليه في عديد من كتاباته، ومن ذلك قوله: “قضت سنة الله في خلقه بأن للعقائد سلطانًا على الأعمال البدنية، فما يكون من صلاح أو فساد فإنما مرجعه فساد العقيدة وصلاحها، ورب عقيدة واحدة تأخذ بأطراف الأفكار فيتبعها عقائد ومدركات أخرى، ثم تظهر على البدن بأعمال تلائم أثرها في النفس”([80])، وقوله: “لا أمة بدون أخلاق، ولا أخلاق بغير عقيدة، ولا عقيدة بغير فهم”.([81])

  • التغيير على مستوى الرأس عند الأفغاني:

وهذا هو المستوى الثاني الذي رأى الأفغاني أنه لابد من تسليط أدوات التغيير عليه، لا على سبيل المرحلية بعد الانتهاء من المستوى السابق، بل على سبيل التوازي معه، بحيث يعمل التغيير في قمة الهرم وقاعدته، بل حتى مستوياته المتعددة، في الوقت نفسه.

وقد لخص بعض الباحثين في فكرنا الحديث فلسفة الأفغاني السياسية بقوله: “صرف حياته بكاملها يفتش عن حاكم مسلم يمكنه بواسطته العمل على إحياء الإسلام؛ على غرار تلك الشراكة بين الحاكم والفيلسوف التي تخيلها الفارابي كبديل للملك الفيلسوف المثالي”([82])، وقد كان الاشتغال على إصلاح الحكام ومقاومة الاستبداد فعلًا أحد محورين أساسيين عمل عليهما الأفغاني في نشاطه السياسي العملي والنظري على السواء، والآخر هو مقاومة الاستعمار، وفيما يلي بيان لكل منهما:

أولا: محور الحكام:

يبدو من سيرة جمال الدين بوضوح وجلاء أنه كان في أصل منطلقه في العمل السياسي مع الحكام المسلمين رجل إصلاح لهم لا رجل ثورة عليهم، ولم يكن يستهدف الثورة إلا إذا تأبى الأمراء على الإصلاح، وعالنوا بأفعال تفسد الحال العام، وتضر بمصالح الأمة برمتها، وتناقض الدين بصراحة. يثبت ذلك مقارنتنا بين الوئام الشديد الذي كانوا يبدءون به سيرتهم معه، والخصام أو على الأقل الاختلاف معه في وجهات نظره السياسية الذي كانوا ينهون به هذه السيرة.

وحتى حين كان يرى الثورة على جور السلطان، لم يكن يراها ثورة دموية تدمر كل شيء، فقد قال عن الشاه ناصر الدين وهو يحرض جموع العلماء عليه: “لقد وهم من ظن أن خلع هذا الحارية (=الحية السامة) لا يمكن إلا بهجمات العسكر وطلقات المدافع والقنابل. ليس الأمر كذلك… فإذا أعلنتم – يا حملة القرآن – حكم الله في هذا الغاصب الجائر، وأبنتم أمره تعالى في حرمة إطاعته، لانفض الناس من حوله، فوقع الخلع بلا جدال ولا قتال”.([83])

وقد امتاز الجهد العملي للأفغاني في مجال الإصلاح والتغيير السياسي على مستوى الحكام بأنه كان يؤديه مباشرة وبلا واسطة من أي نوع؛ أعني في علاقة مباشرة بينه وبين الأمراء والملوك، حتى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني رحمه الله نفسه، وقد كان أكبر زعامة سياسية في العام الإسلامي لوقته.

وكان الأفغاني في هذا السياق صريحًا ومباشرًا وعمليًا كذلك، وليس صحيحًا أنه كان يبادئ السلاطين بالعداوة والاستكبار عليهم، غير أنه كان لا يهين نفسه في علاقته معهم، ولا يراها صغيرة إلى جانب سلطانهم وقوتهم؛ لذا قيل إن جمال الدين كان يرغب في التعاون مع السلطان عبد الحميد في خدمة الوحدة الإسلامية، لكن دون أن يُسخَّر “لمصالح عرشية صرف”([84])، ويبدو أن العلاقة بين الرجلين قد أساء إليها سوء تفاهم عزز منه الوشاة والسعاة بالشر عند السلطان، وكذلك مقتلُ شاه إيران ناصر الدين، وكذلك الأفكار السياسية الجديدة التي كان يجهر بها الأفغاني، ويمكن أن يكون قد أسيء فهمها في سياقها حينئذ.

هذا عن الجهد العملي في هذا الجانب مما يمكن قراءة تفاصيل أكثر عنه لدى مترجمي حياة السيد، وأما جهوده النظرية فيه، فقد تضمنت وجهة نظره في الحكم وإدارة الدولة والنظام الممكن تسيير العالم الإسلامي على أساسه، فشخص حالة عموم الحكام في العالم الإسلامي كما مضى، وبين العناصر التي ينبغي إدخالها على حالهم حتى يصبحوا قوى إيجابية في حياة الأمة.

وهذا يؤسس لفكرة إصلاح هذه الفئة الخطيرة عند الأفغاني، ومن هنا جاءت مساعيه العملية، كما جاءت أفكاره النظرية لتوضح ما ينبغي أن يكون عليه حال الحاكم والحكومة، وفي هذا الإطار لا يشترط في الحاكم إلا أن يحترم الشريعة قولًا وفعلًا، ويقدر على إنفاذ أوامرها، وترضاه الأمة، فيذكر أن أصول الدين الإسلامي جاءت “وافية بوضع حدود المعاملات بين العباد، وبيان الحقوق كلِّيها وجزئيها، وتحديد السلطة الوازعة التي تقوم بتنفيذ المشروعات (أي ما شرعه الدين)، وإقامة الحدود وتعيين شروطها؛ حتى لا يقبض على زمامها (يعني السلطة) إلا [شخص هو] من أشد الناس خضوعًا لها، ولن ينالها بوراثة ولا امتياز في جنس أو قبيلة أو قوة بدنية أو ثروة مالية، وإنما ينالها بالوقوف عند أحكام الشريعة، والقدرة على تنفيذها، ورضاء الأمة”.([85])

وذكر أن العدل والقوة هما المأمول أن يكون عليه الحاكم في بلادنا، فـــ”خير ما يحتاجه الشرق من الملوك: القوي العادل، ولا خير في العادل الضعيف، كما أنه لا خير في القوي الظالم”.([86])

كما كان يؤمن بفكرة تداول السلطة وانتقالها من قبيل إلى آخر، ولا يرى بأسًا من الاستفادة من أشكال الحكم المختلفة، ما دام الحكام سيحافظون على أوامر الشريعة وأحكامها؛ يقول: “إن المسلم في تبدل حكوماته لا يأنف ولا يستنكر ما يعرض عليه من أشكالها وانتقالها من قبيل إلى قبيل، ما دام صاحب الحكم حافظًا لشأن الشريعة ذاهبًا مذاهبها”.([87])

بل لم يشترط أن يخضع جميع المسلمين لخليفة واحد – وهو أمر سبقه إليه إمام الحرمين الجويني حين رأى أن تعدد أصحاب السلطة العامة في عصره هو واقع يعسر تغييره -، على أن يجمعهم الخضوع للدين وأحكامه، وسعي كل منهم إلى دفع الضرر عن الآخر؛ إذ لم ير مانعًا في “أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصًا واحدًا، فإن هذا ربما كان عسيرًا، ولكني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن، وجهة وحدتهم الدين، وكل ذي ملك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الآخر ما استطاع؛ فإن حياته بحياته، وبقاءه ببقائه، إلا أن هذا بعد كونه أساسًا لدينهم تقضي به الحاجة في هذه الأوقات”.([88])

وقد كان جمال الدين الأفغاني يرى لزاماً على الحكام أن يحلوا العلماء في المحل المناسب لهم في بنيان الدولة وخطتها الاجتماعية؛ حتى يقوموا بدورهم الاجتماعي والتثقيفي والتربوي جيدًا، وأن يساعدوهم على هذا، تيسيرًا للسبل، ورفعًا للعقبات من أمامهم، ومعونة لهم بإنشاء دور العلم ورعاية الطلاب، ويربط قوة الأمة وضعفها بهذا؛ فقد كتب مرة في مجلة “ضياء الخافقين” يقول: “إن سلاطين الهند وأمراء ما وراء النهر جدت في إذلال العلماء، فعاد الوبال عليهم؛ سنة الله في خلقه. وإن الأفغانيين ما صانوا بلادهم عن أطماع الأجانب، وما دفعوا هجمات الإنكليز مرة بعد أخرى، إلا بقوة العلماء، وقد كانت في نصابها”.([89])

وفي تدبير أمور الدولة ينصح الأفغاني الحكام بعدم الاستعانة بالأجانب (غير الموافقين لا في جنس ولا دين) في أمور الدولة([90])؛ لما ينتج عن ذلك من إضرار بمصالح الدولة، ويفتح المجال لتدخل الأجانب في شئونها، وهو ما عاينه بنفسه في أكثر من دولة إسلامية، منها مصر.

ثانيًا: محور الاستعمار:

ذهب الدكتور محمد عمارة رحمه الله إلى أن الذي ميز الأفغاني عن غيره في موقفه من الاستعمار، ليست عداوته له، ولكن “ثوريته في الموقف تجاه الاستعمار؛ فالرجل لم يكن إصلاحيًا، وإنما كان ثوريًا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة في الأدب السياسي الحديث”([91])، وبهذا يبدو موقفه من الاستعمار على العموم مخالفًا لموقفه من الحكام المسلمين مخالفة مبدئية؛ فقد كان يسعى إلى إزالة الاستعمار تمامًا، وإلى إصلاح الحكام ما أمكنته الوسائل، وما كان انقلابه على بعضهم إلا نتيجة إيغالهم في الفساد والإفساد.

وقد كان الأفغاني في مواجهته للاستعمار يتبع أساليب رئيسة، وهي:

  • تنبيه الجماهير إلى خطورة وجود القوى الاستعمارية في بلادهم.
  • دعوة المسلمين – علماء وعامة وحكامًا – إلى الاتحاد في وجه المخاطر الضخمة التي يمثلها الاستعمار، واستغلال نقاط ضعفه لضربه ضربات قاضية.
  • السعي إلى ضرب القوى الدولية بعضها ببعض، والاستفادة من الخلاف بينها في مقاومة العدو الأخطر.
  • التشهير بالاستعمار وسياساته.

وفيما يلي بيان بكل أسلوب منها على حدة:

  • تنبيه الجماهير إلى خطورة وجود القوى الاستعمارية في بلادهم:

ففي خطابه للجماهير والشعوب المتعرضة لخطر الاستعمار كان يذكرها كثيرًا بعوامل قوتها من الكثرة والعراقة الثقافية والاجتماعية، ويذكرها بقوانين التدافع بين الخلق، وأن وجود الاحتلال ليس نهاية ولا موتًا، بل هو اختبار لقوى الأمة، ومنبه خطير ينبغي أن يوقظها، وذلك – كما يقول – “أن الأمم الكبيرة إذا عراها ضعف… ثم صالت عليها قوة أجنبية، أزعجتها ونبهتها بعض التنبيه، فإذا توالت عليها وخزات الحوادث، وأقلقتها آلامها، فزعت إلى استبقاء الموجود ورد المفقود، ولم تجد بدًا من طلب النجاة من أي سبيل، وعند ذلك تحس بقوتها الحقيقية، وهي ما تكون بالتئام أفرادها، والتحام آحادها”.([92])

  • دعوة المسلمين إلى الاتحاد:

ولعلها من أكثر القضايا التي ألح عليها الأفغاني فيما بقي لنا من كتاباته، فلم يتكلم عنها مرة ولا عشر مرات، بل أكثر من ذلك؛ سواء في صورة دعوة مجردة للوحدة، أو تذكير لهم بتأثيرها في ميزان التدافع بين الأمم، أو بيان موقعها في السنن الإلهية في الخلق عمومًا؛ فيقول مثلا: “إذا تصفحنا تاريخ كل جنس، واستقرينا أحوال الشعوب في وجودها وفنائها، وجدنا هذه سنة الله في الجمعيات البشرية؛ حظها من الوجود على مقدار حظها من الوحدة، ومبلغها من العظمة على حسب تطاولها في الغلب”([93])؛ أي امتلاكها أسباب القوة. ويذهب إلى أن الوحدة هي “علة صعود الأمم”، وأن الفرقة هي “سبب النزول”([94])، ومن عباراته الشهيرة في ذلك قوله: “شر أدواء الشرقيين اختلافهم على الاتحاد، واتحادهم على الاختلاف، فقد اتفقوا على ألا يتفقوا”.([95])

وكثيرًا ما يؤكد الأفغاني على المعاني العامة للشريعة، والنواميس الإلهية الكلية في المجتمعات بدون أن يورد عليها نصًا من الشريعة، إلا أن من القضايا القليلة التي استغرق في الاستشهاد عليها من الكتاب والسنة نصًا ومعنى: وحدة الأمة؛ ومما ساقه في الدلالة على وجوبها قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ.. ١٠﴾ [الحجرات]، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ.. ١٠٥﴾ [آل عمران]، ومن السنة النبوية استشهد على لزوم الوحدة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا”، وقوله: “لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانا”([96])، وغير ذلك.

وأضاف أدلة أخرى دقيقة يؤكد بها أن الوحدة ركن من أركان الديانة الإسلامية، ومن ذلك بيانه لمنزلة المصدر الثالث للتشريع، وهو الإجماع، من الشريعة حيث قال عنه: “بلغت مكانة الاتفاق في الشريعة أسمى درجة في الرعاية الدينية، حتى جعل إجماع الأمة واتفاقها على أمر من الأمور كاشفًا عن حكم الله وما في علمه، وأوجب الشرع الأخذ به على عموم المسلمين، وعد جحوده مروقًا من الدين، وانسلاخًا عن الإيمان”.([97])

وضرب مثالا على الوحدة في زمانه بدولة روسيا التي تبدو متأخرة عن بقية أوربا في الفنون والصنائع، وأرضها فقيرة الثروات؛ “غير أن تنبه أفكار آحادها لما به يكون الدفاع عن أمتهم، واتفاقهم في النهوض به، وارتباط قلوبهم، صير لها دولة تميد لسطوتها رواسي أوربا”.([98])

  • السعي إلى ضرب القوى الدولية بعضها ببعض:

يمثل موقف الأفغاني في هذه المسألة “نقطة ضعف خطيرة” لديه في رأي الدكتور عمارة؛ نظرًا لأنه كان يستعين بعدو على عدو([99])، إلا أن وصف هذا الموقف بالاضطراب قد يكون أولى؛ وذلك أن الأفغاني عاب على توفيق باشا علاقته بالأجانب، فقال: “لو كان الخديوي أكثر فطنة أو أكثر ثقافة، لكان تذكر ما يترتب عادة على الأمراء والأسر المالكة الذين يقبلون المساعدة والحماية من إنجلترا ضد مواطنيهم”([100])، وذكر أنها تظل مساندة لأهل السلطة ما داموا يتصرفون كما يحلو لإنجلترا.

وكذلك انتقد على العثمانيين اتفاقهم مع الروس في الربع الأول من القرن الثامن عشر على تقاسم إيران، ورأى أن هذا عدم إدراك لخطورة الروس الصاعدين نحو القوة على الدولة العثمانية، كما انتقد على الإيرانيين تهديدهم للأفغان بالحرب حين عزموا على غزو الهند وإخراج الإنجليز منها، وقال: “لو استنار الإيرانيون وقتئذ بنور عقولهم، لانكشف لهم أن قوة الإنكليز في الهند إذلال لهم، وخطر على بلادهم، ولعلموا أنهم والأفغانيين أغصان شجرة الإيران قد تشعبوا من أصل واحد”.([101])

ومع هذا النقد للاستعانة بالأجنبي، والاتفاق معه ضد طرف مسلم، فإنا نجد الأفغاني نفسه قد وظف هذا الأسلوب في بعض المواقف؛ فتكلم مع المندوب الفرنسي لمساندة خلع إسماعيل من الإمارة على مصر وتنصيب ابنه توفيق بدلا منه، وحاول الاستعانة بالروس ضد الإنجليز، كما حرض الإنجليز على الشاه حين تخاصم معه، ومال حينئذ إلى مهادنة الإنجليز في نوع من المداراة لهم؛ حتى يتفرغ لما بدا له أنه معركته الأعجل في ذاك الظرف. وحين أقام في فرنسا مصدرًا “العروة الوثقى” مع تلميذه محمد عبده ملأ مقالاته فيها تحريضًا للفرنسيين على الإنجليز، وتخويف الإنجليز من منافسيهم من الروس والفرنسيين.

ولعل الأفغاني في هذا الموقف أجاز للفرد ما لم يجزه للدولة، وسمح للخالي من المناصب الكبيرة بما لم يسمح بمثله لغيره؛ نظرا للتبعات التي تنشأ عن التعاون مع الأجنبي وتأثيرها الضار على الدولة والأمة. إلا أن موقفه في هذا مضطرب، وإن أجزنا أن نقول إنه ضرب من المناورة في بعض هذه الحالات، فإنها لا تصلح تكييفًا لكل حالة مما سبق؛ خاصة ما يتعلق بعزل إسماعيل.

  • التشهير بالاستعمار وسياساته:

وقد ركز في استعمال هذا الأسلوب على الإنجليز خاصة، ومع أنه كان ينتقد الفرنسيين أحيانًا، والروس كذلك، إلا أن الإنجليز نالهم القسط الأكبر من تشهيره بهم وبأساليبهم الاستعمارية في الهند ومصر وأفغانستان وغيرها، وقد يرجع موقفه هذا إلى كون إنجلترا صاحبة النصيب الأكبر في استعمار العالم الإسلامي، وإلى أنها موجودة في أخطر البقاع الإسلامية، وأنها اتبعت أساليب ماكرة في تفريق المسلمين والانفراد بهم فريقًا فريقًا حيثما حلت. ولا ننسى في هذا السياق أيضًا العداوة التي يحملها الأفغان للإنجليز الذين تدخلوا في شئون أفغانستان الداخلية، وبثوا الفتنة بين أمرائها، ثم احتلوا أفغانستان، حتى اجتمع عليهم الشعب، وأخرجهم من أرضه.

والحقيقة أنه من الصعب أن يخطئ القارئ لكتابات الأفغاني ملاحظة موقفه الحاد من الإنجليز، حتى قال محمد باشا المخزومي الذي سجل “خاطراته”: “يكفي أن الأستاذ أوقدها جذوة على الإنجليز في كل مقال وفي كل مجلس، وحشد لهم في صدور وأفئدة الشرقيين جيوش الضغينة والبغضاء، حتى كاد الأستاذ أن يحرم الإنجليز من كل مزايا الإنسانية والعدل والنصفة، بل ألصق فيهم كل شنيعة؛ من ظلم وختل ومكر”.([102])

وسيأتي قريبًا الحديث عن موقف الإنجليز من مقاله “البيان في الإنجليز والأفغان” الذي طُبع في كتيّب خاص، وأنهم “اضطربوا، وهاجوا، وماجوا”، وقد كتب هذا المقال وهو في مصر؛ أي قبل الاحتلال الإنجليزي لأرض الكنانة، مما يعني أنه كان يحمل الضغينة للإنجليز منذ زمن سابق، وبالتأكيد هذا الزمن هو ذكرياته المرة معهم في أفغانستان، ثم زادت حملته عليهم أضعافًا كثيرة عقب احتلالهم لمصر، بعد تسببهم في خروجه منها، ويظهر هذا بوضوح في مقالات العروة الوثقى.([103])

على أية حال، فقد اتسعت فكرة التغيير عند الأفغاني، حتى شملت المجتمع والحكومة، ورأى أن التغيير الاجتماعي هو الذي يؤسس ويحقق الاستقرار للتغيير السياسي، وأن فكرة التغيير لكي تكون متكاملة يجب أن تسير في كل نطاق واتجاه، بحيث تشمل العامة والخاصة، وتشمل الممارسات الدينية والعملية والاقتصادية وغيرها.

  • خاتمة:

لا يبدو لي أن هذه الصفحات قد وفت هذا الموضوع المهم حقه، وإن كانت حاولت أن تكشف عن جوانب منه تكفي لإيضاح أسسه ومنطلقاته وسنده القيمي ومستويات التغيير التي سعى الأفغاني إلى العمل فيها.

ولعل أهم ما يمكن تسجيله من نتائج في النهاية يتمثل فيما يلي:

  • الأساس النظري لعملية التغيير الاجتماعي والسياسي في رأي الأفغاني هو إمكان التغيير الاجتماعي في النطاق البشري على العموم، واستناده في ذلك على معرفة جيدة بالحالة الإسلامية وتطوراتها التاريخية، وهي الحالة التي يسلط مشروعه التغييري عليها.
  • السند القيمي للتغيير عند الأفغاني يتمثل في الإسلام ومنظومته العقدية والعملية.
  • أهم أدوات التغيير التي رأى الأفغاني توظيفها في التغيير: التدريس، والخطابة، والمراسلات، وتكوين الجماعات والهيئات والانضمام إليها.
  • اهتم الأفغاني بأن يشمل التغيير المجتمع من أعلاه إلى أدناه؛ أي في نطاقات النخبة والعامة والحكومة.

والله تعالى ولي التوفيق

[1]  – أو الإصلاح، أو التجديد، مع ما في الأول من استعارة المصطلح من حركة الإصلاح الديني بأوربا، وأما مصطلح التغيير فمستعار من نطاق العلوم الاجتماعية.

[2]  – انظر مثلا: أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين 3/ 88، الطبعة الأولى، دار الوعي – حلب 1419هـ/ 1998م.

[3] – بعض اتجاهات علم الاجتماع الحديث تصف الفعل الاجتماعي مثلا بأنه: إما أن “يغير المجتمع، أو يحافظ على بقائه بطريقة معينة… فالمجتمعات لا تسيّر الفاعلين، غير أنها تستمر في الوجود، وتتغير فقط عبر فعل هؤلاء الأفراد الفاعلين”: إيان كريب: النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس ص 44، ترجمة: د. محمد حسين غلوم، سلسلة عالم المعرفة، العدد 244 – الكويت، ذو الحجة 1419هـ/ أبريل 1999م.

[4]  – جمال الدين الأفغاني: العروة الوثقى 2/ 216، مطبعة التوفيق – بيروت 1328هـ، وهذه الطبعة قسمت الأعداد الصادرة من المجلة قسمين في مجلد  واحد، وينفصل كل قسم منهما عن الآخر يترقيم خاص به. ومن المهم هنا أن نقرر ما قرره مؤرخو فكر الأفغاني من أنه صاحب الأفكار التي تضمنتها العروة الوثقى، وأن الصياغة لتلميذه الأكبر الشيخ محمد عبده؛ انظر: تعليقات شكيب أرسلان في: حاضر العالم الإسلامي (تأليف: لثروب ستودارد، وترجمة: عجاج نويهض)  2/ 300، دار الفكر – بيروت، ب.ت. وما رواه رشيد رضا عن محمد عبده بواسطة شكيب أرسلان: تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده 1/ 289، الطبعة الثانية، دار الفضيلة – القاهرة 1427هـ/ 2006م.

[5]  – انظر: محمد المخزومي: خاطرات الأفغاني آراء وأفكار (الآثار الكاملة) 6/ 297، طبعة مكتبة الشروق بالقاهرة.

[6] – الأفغاني: العروة الوثقى 1/ 1- 2.

[7]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/ 2.

[8]  – انظر مناقشته لمذهب الجبرية في: خاطرات الأفغاني آراء وأفكار (الآثار الكاملة) 6/ 283، وفي 6/ 288 وما بعدها ساق من كلام شيخه الهندي منلا علي خان أدلة على بطلان الجبر يؤيد بها رأيه. وانظر كذلك رده على المستشرقين – أو “الإفرنج” كما سماهم – في رميهم للمسلمين بالجبر، وأنه السبب في فساد أحوالهم وأخلاقهم. ومن طريف ما ذكره في هذا أن الإيمان بالقدر دون إثبات الجبر، ليس من اعتقاد المسلمين وحدهم، بل هو عقيدة كل قائد عظيم حقق إنجازات كبيرة لأي أمة؛ مثل: كورش الفارسي، والإسكندر المقدوني، وجنكيز خان التتري، ونابليون الفرنسي: 6/ 292 وما بعدها.

[9]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/ 34.

[10]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/ 35.

[11]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/ 87- 88.

[12]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/ 116. في المطبوع: “ولا ينقطع والانفعال”، وهو خطأ مطبعي.

[13] – فيليب كابان وفرانسوا دورتيه (تحرير): علم الاجتماع من النظريات الكبرى إلى الشؤون اليومية أعلام وتواريخ وتيارات ص 48، ترجمة: د. إياس حسن، الطبعة الأولى، دار الفرقد – باريس 2010.

[14]  – انظر: العدد الأول من ضياء الخافقين (ضمن الآثار الكاملة) 4/ 67.

[15]  – انظر: الأفغاني: خاطرات الأفغاني آراء وأفكار (الآثار الكاملة) 6/ 331.

[16]  – الأفغاني: خاطرات الأفغاني آراء وأفكار (الآثار الكاملة) 6/ 143.

[17]  – جمال الدين الأفغاني: البيان في الإنجليز والأفغان ص 8، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة – القاهرة 2014م.

[18]  – انظر: ضياء الخافقين – العدد الأول (ضمن الآثار الكاملة) 4/ 79.

[19]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/ 118- 119.

[20]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/ 119.

[21]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/ 94.

[22]  – الأفغاني: العروة 1/ 117.

[23]  – الأفغاني: خاطرات الأفغاني آراء وأفكار (الآثار الكاملة) 6/ 55.

[24]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/ 39.

[25]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/ 219.

[26] – الأعمال الكاملة للأفغاني 6/ 56.

[27]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/ 199.

[28]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/  68.

[29]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/  70.

[30]  – ضياء الخافقين – العدد الثالث (ضمن الآثار الكاملة) 4/ 155.

[31]  – عبد القادر المغربي: جمال الدين الأفغاني ص 98.

[32]  – ضياء الخافقين – العدد الأول (ضمن الآثار الكاملة) 4/ 79.

[33] – الأعمال الكاملة للأفغاني 6/ 52. في المطبوع “إذا التقت”، وهو خطأ مطبعي. وأما “دارك”، فيعني بها أدرك، وهي من العجمة الطارئة على بعض عبارات الأفغاني.

[34]  – العروة الوثقى 1/ 72. في المطبوع: “بمواعظ الوافية”، وهو خطأ مطبعي.

[35]  – المغربي: جمال الدين الأفغاني ص 98- 99. لا يخفى أن ماكس فيبر يرد ظهور الرأسمالية تحديدًا إلى مجموعة من القيم البروتستانتية، وله كتاب خاص بهذا الموضوع.

[36]  – المغربي: جمال الدين الأفغاني ص 102.

[37]  – المغربي: جمال الدين الأفغاني ص 119- 120.

[38]  – سبقت الإشارة إلى شيخه الهندي منلا علي خان.

[39]  – رشيد رضا: تاريخ الأستاذ الإمام 1/ 42.

[40] – عبد الرحمن الرافعي: عصر إسماعيل 2/ 126، الطبعة الثانية، مكتبة النهضة المصرية، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر – القاهرة 1368هـ/ 1948م.

[41] – الأعمال الكاملة للأفغاني 6/ 52.

[42]  – راجع: مقدمة الشيخ محمد عبده لترجمة كتابه: الرد على الدهريين ص 11 ؟؟؟.

[43] – الأعمال الكاملة  6/ 25.

[44]  – سليم العنحوري: سحر هاروت (ديوان شعر مع بعض التعليقات) ص 183، طبعة أولى، المطبعة الحفنية – دمشق 1302هـ/ 1885م.

[45]  – مقدمة ترجمة كتابه: الرد على الدهريين ص 15.

[46]  – الأفغاني: الآثار الكاملة (ضياء الخافقين) 4/ 51.

[47]  – رشيد رضا: تاريخ الأستاذ الإمام 1/ 30- 31.

[48]  – الفيكونت فيليب دي طرّازي: تاريخ الصحافة العربية 2/ 295، المطبعة الأدبية – بيروت 1913م.

[49]  – الأفغاني: الآثار الكاملة (ضياء الخافقين) 4/ 46، إعداد وتقديم: سيد هادي خسروشاهي، الطبعة الأولى، مكتبة الشروق الدولية – القاهرة 1423هـ/ 2002م.

[50]  – الأفغاني: الآثار الكاملة (ضياء الخافقين) 4/ 51.

[51]  – الأفغاني: الآثار الكاملة (ضياء الخافقين) 4/ 52 وما بعدها.

[52]  – الأفغاني: الآثار الكاملة (ضياء الخافقين) 4/ 46.

[53]  – مقال: جمال الدين الأفغاني في روسيا (1887 – 1889).. لأول مرة رسالته إلى القيصر الروسي ألكسندر الثالث، مقال للكاتب نوفل نيوف في موقع (الأوان) على شبكة الإنترنت.

[54]  – طرّازي: تاريخ الصحافة العربية 3/ 8، طبع سنة 1914م.

[55]  – العنحوري: سحر هاروت ص 180.

[56]  – العنحوري: سحر هاروت ص 180.

[57]  – رشيد رضا: تاريخ الأستاذ الإمام 1/ 38.

[58]  – الأفغاني: الآثار الكاملة (ضياء الخافقين) 4/ 46.

[59]  – العنحوري: سحر هاروت ص 180. هكذا قال، ولكن الأفغاني نفسه أورد في ذيل مقالة “البيان” بعد إعادة طبعها أن لويس صابونجي محرر جريدة “النحلة” علق عليها وعلى ما احتوته، ومن جملة ما قاله صابونجي: “ترجمها حضرة الفاضل القس جرجس باجر الفقيه حرفًا بحرف، وبعدما نُشرت في جورنال “فورتنيتلي” (المستقبل)، واطلع رجال الإنجليز على مضامينها، اضطربوا، وهاجوا، وماجوا، وإن كُتابهم لابد أن يشمروا عن ساعد الجد للرد على ما ذُكر في تلك المقالة”: البيان في الإنجليز والأفغان ص 19.

[60]  – مقدمة ترجمة كتابه: الرد على الدهريين ص 14، وحول تفاصيل رحلته إلى روسيا اقرأ المقال المهم جدًا: جمال الدين الأفغاني في روسيا (1887 – 1889)، موقع (الأوان) على شبكة الإنترنت.

[61]  – حوراني: الفكر العربي ص 144.

[62]  – ترجمة الشيخ محمد عبده له في مقدمة تعريب كتابه: الرد على الدهريين ص 12.

[63]  – لفهم طبيعة دوره في هذا الحدث بقلم تلميذه الشيخ محمد عبده انظر: تاريخ الأستاذ الإمام 1/ 74- 75.

[64]  – انظر: رشيد رضا: تاريخ الأستاذ الإمام 1/ ط.

[65]  – قال عنه بعض تلاميذه: “وصراحته في دعوته هذه هي التي كانت تحول أحيانًا بينه وبين نجاحه فيما كان يسعى إليه” عبد القادر المغربي: جمال الدين الأفغاني.. ذكريات وأحاديث ص 10، الطبعة الثالثة، سلسلة اقرأ (68)، دار المعارف – القاهرة 1987م. وقال: إنه كان “يشتغل بالسياسة، ويحرص على الرئاسة.. متسرعًا حديد المزاج” ص 109. وقال آخر: “ولو لم يكن طموحًا إلى المعالي بإفراط وإعجال، وعاجزًا عن كتمان مبدئه وغايته، لرحب به التاريخ، وأفرد له من أسفاره صفحات تترى” العنحوري: سحر هاروت ص 184 (في المطبوع: “أفرز” بدل أفرد، وهو خطأ مطبعي).

[66]  – قال عنه الرافعي المؤرخ: “ملوك الشرق وأمراؤه كانوا إذن حربًا على جمال الدين، وكانوا من حيث يشعرون أو لا يشعرون عونًا لدعاة الاستعمار في إحباط جهوده ومساعيه، فليس عجيبًا ألا يشهد السيد نجاح دعوته في الإصلاح والحرية. وقد لقي أيضًا خذلانًا من أكثر الطبقات، فكأنه كان يرسل دعوته في صحراء مقفرة ليس فيها سميع ولا مجيب” عبد الرحمن الرافعي: جمال الدين الأفغاني باعث نهضة الشرق 1838- 1897 ص 178- 179، سلسلة أعلام العرب (61)، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر – القاهرة 1961.

[67]  – روى الأستاذ رشيد رضا عن شيخه محمد عبده قوله: “إن السيد لم يعمل عملا حقيقيًا إلا في مصر” تاريخ الأستاذ الإمام 1/ 79، وقال الأمير شكيب أرسلان رحمه الله: “اتفق أرباب النظر في هذا العصر على أن قدوم السيد جمال الدين الأفغاني إلى مصر كان مبدأ الحركة الفكرية، التي بدأت في البلاد العربية وسائر الشرق الأدنى، ولم تزل تنمو إلى الآن راميةً إلى تحقق الشرق بالمعارف التي ساد بها الغرب، ورفع سيطرة هذا عن ذاك، وإعادة الشرق سيرته الأولى من الرقي” حاضر العالم الإسلامي 2/ 291.

[68]  – في بيان الشيخ محمد عبده للفئات التي كانت تحيط به حينئذ؛ من الطلاب والعلماء والموظفين والأعيان، انظر: رشيد رضا: تاريخ الأستاذ الإمام 1/ 37.

[69]  – رشيد رضا: تاريخ الأستاذ الإمام 1/ ط.

[70]  – محمد رشيد رضا: تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده 1/ ط، ؟؟؟.

[71]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/ 65- 66.

[72]  – ضياء الخافقين – العدد الثاني (ضمن الآثار الكاملة) 4/ 104.

[73]  – رشيد رضا: تاريخ الأستاذ الإمام 1/ 56- 62.

[74]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/ 119- 120، وعن دور العلماء اقرأ أيضًا: 1/ 200، 2/ 196.

[75]  – رشيد رضا: تاريخ الأستاذ الإمام 1/ ي.

[76]  – رشيد رضا: تاريخ الأستاذ الإمام 1/ ي.

[77]  – رشيد رضا: تاريخ الأستاذ الإمام 1/ 27.

[78]  – العنحوري: سحر هاروت ص 184.

[79]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/ 120.

[80]  – الأفغاني: خاطرات الأفغاني آراء وأفكار (الآثار الكاملة) 6/ 291- 292.

[81]  – الأفغاني: خاطرات الأفغاني آراء وأفكار (الآثار الكاملة) 6/ 330.

[82]  – حوراني: الفكر العربي في عصر النهضة ص 147.

[83]  – ضياء الخافقين – العدد الثاني (ضمن الآثار الكاملة) 4/ 106.

[84]  – حوراني: الفكر العربي ص 136.

[85]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/ 35- 36. في المطبوع: “وإنها ينالها”، وهو خطأ مطبعي.

[86]  – الأفغاني: خاطرات الأفغاني آراء وأفكار (الآثار الكاملة) 6/ 331.

[87]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/ 37.

[88]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/ 222. في المطبوع: “يعد كونه”، وهو خطأ مطبعي.

[89]  – ضياء الخافقين – العدد الثاني (ضمن الآثار الكاملة) 4/ 104.

[90]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/ 42- 43.

[91]  – د. محمد عمارة: جمال الدين الأفغاني موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام ص 106، الطبعة الثانية، دار الشروق – القاهرة 1408هـ/ 1988م.

[92]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/  2.

[93]  – الأفغاني: العروة الوثقى 2/ 7. وانظر: 2/ 8.

[94] – الأعمال الكاملة للأفغاني 6/ 146.

[95]  – الأفغاني: خاطرات الأفغاني آراء وأفكار (الآثار الكاملة) 6/ 331.

[96]  – الأفغاني: العروة الوثقى 2/ 9- 10. حديث “المؤمن للمؤمن كالبنيان…” رواه البخاري، حديث رقم 481، وحديث: “لا تقاطعوا…” رواه مسلم، الحديث رقم 2563؟؟؟؟

[97]  – الأفغاني: العروة الوثقى 2/  10.

[98]  – الأفغاني: العروة الوثقى 1/  220.

[99]  – محمد عمارة: جمال الدين الأفغاني موقظ الشرق ص 110.

[100] – الأعمال الكاملة للأفغاني 6/ 68- 69.

[101] – الأعمال الكاملة للأفغاني 6/ 170. “الإيران” من العجمة التي تصادفنا أحيانًا في كلام الأفغاني.

[102]  – انظر: الأفغاني: خاطرات الأفغاني آراء وأفكار (الآثار الكاملة) 6/ 343.

[103] – انظر أمثلة على هجومه على الإنجليز وتشهيره بهم: الأعمال الكاملة للأفغاني 6/ 67، والعروة الوثقى 2/ 68.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks