استراتيجية عمل الأحزاب الإسلامية:

قراءة نقدية في المنظور السياقي

د. عبد الحق دحمان 

الوحدة السياسية – مركز المجدد للبحوث والدراسات

تحميل pdf

 

        بعد مرور خمس سنوات من بداية ما يسمى بـ ” الربيع العربي”، وجدت الحركات الإسلامية الوسطية، أو تلك التي تهدف إلى العمل ضمن حدود السياسة المؤسساتية، نفسها عرضة للاستئصال (مصر)، أو في مواجهة تجاذبات حادة مع الخصوم (تونس)، أو متفككة داخلياً (الأردن)، أو مغيبة على حساب الجماعات المسلحة (سوريا، ليبيا)، أو فاقدة للشرعية (الجزائر). نتيجة ذلك أصبح الحديث عن مرحلة “ما بعد الإسلاموية” ضرورة ملحة في إشارة إلى أن الحركات الإسلامية استنزفت أسباب بقائها وأن لحظة وصولها للحكم في مصر ومن ثم الانقلاب عليها خلال فترة قصيرة قد شكلت نقطة حرجة لاستمرارها، إلا أنه وبنظرة موضوعية يمكن القول بأن الحركات الإسلامية خاصة جماعة الإخوان المسلمين قد تمتعت بقدرة كبيرة على التأثير، البقاء والاستمرارية؛ فغني عن القول أن التحديات التي واجهتها ليست وليدة الربيع العربي وما بعده، بل سبقتها صدامات كثيرة منذ البدايات التأسيسية الأولى، مما أكسبها عمقاً تاريخياً ورصيداً أخلاقياً، إلا أنه يبدو أن مجالها الطبيعي كان دائماً  ضمن دائرة المعارضة وليس ضمن النسق السياسي للحكم سواء بشكل كلي أم جزئي.

  وفي إطار النقد الذاتي، كاستجابة لضرورات الانخراط في العمل السياسي، ظهر العديد من المراجعات الفكرية التي انصب اهتمامها في المناداة بالديمقراطية والتعددية السياسية، لتتراجع بذلك عن مشروع الدولة الإسلامية، ومن أهم تلك المراجعات التي نظر لها ما سمي ب ” الإصلاحيون الجدد” نجد راشد الغنوشي في كتابه ” الحريات العامة في الدولة الإسلامية”، وكتاب “الحركة الاسلامية في السودان: المنهج والكسب والتطور” لـ ” حسن الترابي”، كتاب الإصلاح الجذري: الأخلاقيات الإسلامية والتحرر” لـطارق رمضان”، كتاب ” الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية” لـ ” محمد عمارة”،  وكتاب ” من فقه الدولة في الإسلام” لـ” يوسف القرضاوي، وكتاب “الإسلام والديمقراطية” لـ ” فهمي هويدى …. وغيرها، وقد ارتأت هذه المراجعات ضرورة النظر إلى الواقع ومشاكله ومختلف أزماته بعدسة واقعية على عكس التفكير الرغبوي Wishful Thinking  لرواد الحركة التقليديين.

وعلى الرغم من هذه المراجعات، ومجريات الأحداث أثناء الحراك العربي فإنه يبدو أن الإسلاميين فشلوا في التعلم من أخطائهم السابقة، فأداؤهم واستجابتهم لموجة الثورة كشفت عن افتقارهم للتفكير الاستراتيجي في التعامل مع اللحظات الفارقة، بالتالي فهم بحاجة إلى المراجعة المستمرة لتصوراتهم التاريخية والنظرية ومواقفهم العملية بعد هذه التطورات. تنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن الحركات الإسلامية تخضع لمنطق دوري ومن خلال ثنائية النهوض والسقوط، فإن سنن الكون تجعلها محكومة بقواعد الاجتماع البشري وبقوانين التطور عبر السعي للعمل ضمن الفن الممكن بدلاً من المرغوب لإعادة التفكير في استراتيجية للبقاء ليس بالمفهوم المادي وحسب، بل امتلاك شرعية القبول والمنافسة كنموذج مطروح للحكم.

وعليه فبالتركيز على التجارب المغاربية وتحديداً تونس والجزائر والمغرب في عملية التكيف كونها قطعت أشواطاً كبيرة في هذا المجال فإنه يمكن استنباط الكثير من الدروس في هذا المجال.

  • ماذا يمكن أن تضيف النظرية مرة أخرى؟  

     أدت التطلعات لدمج الإسلاميين ضمن المجال السياسي في خضم ثورات الربيع العربي إلى نهايات متعارضة، من حيث عدم قدرة الإسلاميين على الاستدامة كنمط بديل عن النظم الحالية، مع ما تبعه من إعادة إنتاج الأنظمة السلطوية نفسها. دفعت هذه النتيجة بالحالة “الإسلاموية” إلى ضرورة إعادة التفكير في بعض الافتراضات الأساسية التي تقوم عليها الحركات الإسلامية ليس من حيث المفاهيم والأسئلة وأولويات البقاء، بل أكثر من ذلك من خلال إعادة التفكير في بنية وسلوك الحركة. مما فتح مجال النقاش مرة أخرى بشأن مواقف الإسلاميين ليس من الديمقراطية والتعددية السياسية والحريات الفردية والعامة فقط، بل وكذا إحداث تمايز بين الحقل السياسي والدعوي… إلخ، فبالنسبة للمهتمين في الحركات الإسلامية فإن هذه التصحيحات النقدية ليست بجديدة على الحركات الإسلامية بل كانت سابقة للربيع العربي، لكن مسارات الأحداث اقتضت تكييف منهجي أكثر دقة وعمقاً لهذه التصحيحات كنتيجة لتراجع الإسلاميين في عديد الأصعدة.

رغم عجز الدولة القطرية عن تأسيس منظومات عمل قائمة على مفهوم  “المواطنة التشاركية” كبديل عن  ممارسات ما قبل الدولة، إلا أنه في المقابل يبدو أن الحركات الإسلامية سارت في نفس الاتجاه لكن وفق مسار مختلف نوعاً ما؛ فبدلاً من السعي إلى العمل ضمن الإطار الوطني (الفن الممكن) رغم هشاشته، فإنها سعت إلى بناء نموذج بديل للدولة ما بعد الاستعمارية، نتيجة ذلك أصبحت تعاني إشكالية في التوافق العقلاني مع فكرة الدولة بمفهومها الواقعي والدولة النموذجية المتخيلة لدى هذه الحركات، أو كما يصفها عبد الله العروي بالطوباويات الإسلامية[1] في إشارة إلى سعي الإسلاميين إلى تخيل نظام حكم خارج الدولة القائمة ، وهذا السعي بالنتيجة يخضع ليس فقط الماضي للحاضر بل يجعل الحاضر سيداً على المستقبل نفسه، وهو إشارة للبعض بوضع مبادئ فوق دستورية وغير قابلة للتغيير في المستقبل بالنسبة للدستور المصري[2]. مما أنتج صدمة مزدوجة Twin Shock في اتجاه ظهور فواعل غير دولاتية Non-State Actors طاردة للدولة، فكانت نتيجته أن جعل خيار الثورة المضادة في ظروف التحول الثوري على الرغم من إمكانية إعادة إنتاج الأنظمة الاستبدادية نفسها يلقي قابلية حتى من قبل الداعين للثورة.

لذا تعتبر الدولة الحديثة أداة موضوعية للتداول على السلطة، بحيث يمكن استخدامها لتنفيذ استراتيجيات محددة سلفاً طبقاً لضرورات الحاكمين، بما في ذلك إمكانية التطبيق السليم للقيم النابعة من القرآن الكريم والسنة النبوية وبدون المساس بمقتضيات الدولة المعاصرة. وكون الدولة أداة محايدة في الحكم، هذا يدفع بالحركات الإسلامية بالتأسيس لرؤية دولاتية بدلاً من الشعارات العالمية، كما يدفع في نفس الوقت بالبحث العلمي في الاتجاه الصحيح لإحداث تمايز بين التسميات ذلك أن مفردة “الإسلام السياسي” مثيرة للجدل كونها تضع الكل على مسافة واحدة، فيصبح بالتالي صعوبة التمييز بين راشد الغنوشي وأبو بكر البغدادي، نتيجة ذلك نستنتج إعادة مفهمة حزب النهضة لهويتهم على أساس أنهم ” ديمقراطيون مسلمون” وليسوا إسلاميين[3].

    بالاستناد إلى الثلاثية التي طرحها غبريال الموندAlmond G  وفربا Verba. S حول أنماط الثقافة السياسية، والمكونة من ثقافة الضيقة وثقافة الخضوع وثقافة التشاركية[4]، يمكننا تحديد نموذج قياسي يمكن من خلاله وضع أساس مرجعي للحركة الإسلامية الهادفة للعمل ضمن حدود السياسة المؤسسية وذلك للتأسيس لتمايزات بين ما هو ممكن وغير ممكن. في هذا السياق تبرز في أقصى اليمين الحركات الراديكالية المعبرة عن ثقافة العزلة والرافضة لأي فكرة للتصالح والاشتباك مع النسق السياسي إلا من باب التغيير الجذري، كما أنها غير مدركة لأهمية القضايا الوطنية وكذا آلية عمل النظام السياسي. أما بالنسبة لثقافة الخضوع فتنسحب على الحركات التبريرية المدركة لتأثير الدولة عليها في مقابل عجزها عن التأثير عليها، بالتالي فهي ترفض فكرة التغيير تحت أي ظرف، بل وتعتبره خرق غريب في منظومة القيم السائدة وتستند في ذلك إلى بعض نصوص الفقه السلطاني المفسرة لفكرة الحاكم المتغلب. ليأتي في الوسط تيار يمين/ يسار وسط والتي تعترف بوجود تأثير متبادل بينها وبين الدولة. وانطلاقاً من مفهوم  الويبري للسيادة في كون الدولة تمتلك القوة الشرعية للحكم، فقد خضعت التمظهرات الثلاثة آنفة الذكر لمنطق “الأمننة Securitization” فأصبحت في خضمه كل خطابات الحركات الإسلامية بغض النظر عن فرضية الاعتدال والاشتمال [5]تقرأ ضمن حالات اللاأمن.

       بالنظر إلى ثنائية ماكس فيبر فيما يتعلق بثنائية” أخلاق القناعة” مقابل “أخلاق المسؤولية”[6] فإن تداعيات “ما بعد الربيع العربي” ستدفع بالحركات الإسلامية تدريجياً نحو شكل جديد وواقعي في اتجاه أخلاق المسؤولية التي تعطي الأولوية إلى مآلات الأفعال حتى وإن كانت في اتجاه مضاد لقناعاتها. وهو في هذا يتوافق مع ما يشير إليه محمد المختار الشنقيطي فيما يخص بإعطاء الأولوية لقيم الأداء السياسي بدلاً من قيم البناء السياسي[7]. هذا الاتجاه الجديد يعكس “وجهة النظر السياقية” حسب” أوليفييه روا Olivier Roy ” التي ترى أن سلوك الحركات الإسلامية ليست بدافع الأيديولوجيا وإنما تفاعلات الأحداث. بالتالي، فهي تفاعلية وقابلة للتكيف، على عكس من ذلك ترى “وجهة النظر الجوهرية” أن سلوك الإسلاميين توجهه الأيديولوجية في الأساس وأن أي تنازلات تجاه إكراهات الواقع هي بمثابة تنازلات تكتيكية[8].

       في الواقع فإن صعود الإسلاميين للحكم تعكسه “وجهة النظر الجوهرية”، إلا أن عجز الأحزاب الإسلامية في علاج الأسباب المؤدية للثورة على الأنظمة السلطوية وما ترتب على ذلك، يؤدي بنا إلى ترجيح “وجهة النظر السياقية” والتي يقدم فيها حزب النهضة التونسي كتجلي لهذه الزاوية من حيث التركيز على ممارسة الإسلاميين للسياسة بدلاً من طرح الأسئلة من قبيل موقف الإسلام من السياسة.

      لكن إعادة التفكير في تحولات الإسلاميين في فترة ما بعد الربيع العربي في اتجاه تبني المنظور السياقي قد يثير جدلاً آخر مفاده أن تبني هذا الطرح يعكس في حقيقة الأمر تنازل من قبل الإسلاميين لضغوط الخصوم وليست كنتيجة لتأصيل علمي ووعي عميق من داخل بنية الحركة؛ فما منطق أن يكون حزب النهضة على سبيل المثال حزباً إسلامياً في حالة توقف عن محاولة صياغة القانون المدني على أساس خطوط الشريعة. فتصبح بالتالي خطابات بعض الإسلاميين لا تختلف عن نظيراتها العلمانية. لهذا يرى “أصف بيات” في نموذجه التحليلي أن تحولات الحركات الإسلامية في اتجاه “ما بعد إسلاموي” لا يعني التحول إلى “ما بعد إسلامية”  أو التحول في اتجاه العلمنة، بل إن المبدأ الغائي الذي تقوم عليه المابعدية في هذا السياق قائم على التركيز على الحقوق بدلاً من الواجبات، والتعددية بدلاً من الصوت المنفرد [9].  ليتحول بذلك التفكير الرغبوي الذي يعكس وجهة النظر الجوهرية لبعض الحركات الإسلامية من الدعوة إلى تطبيق الشريعة إلى التركيز في المقابل على مقاصد الشريعة.

  • سياقات متنوعة لمخرجات متقاربة

      على الرغم من الاهتمام الكبير بصعود الحركات الإسلامية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عقب موجات الربيع العربي، إلا أنه غالباً ما تم تجاهل الحالة الإسلامية في الجزائر، حيث بدى أن الحركات الإسلامية فيها لم تنظر إلى موجة التغيير الحاصلة على أنها فرصة لها، كونها قد حسمت الكثير من الخيارات منذ بداية التسعينات، هذه الخيارات أصبحت مهمة وعامة لدى الحركات الإسلامية في خضم الربيع العربي (تونس، المغرب)، وبالتالي فإن الحركة الإسلامية في الجزائر لها أسبقية نوعاً ما في الاشتباك السياقي الذي حدد خطها السياسي المسموح لها بالسير فيه (ما هو مطلوب وما هو غير مطلوب) ضمن النسق السياسي كأحزاب ذات مرجعية إسلامية، وفي نفس الوقت ترك آثاره لاحقاً على المحيط الإقليمي في كونها تشكل تجربة لوصول الإسلاميين للحكم والانقلاب عليهم، من هذا المنطلق نحن لسنا بصدد تقديم حكم الإسلاميين في الجزائر كنموذج لنجاح الإسلاميين في الوصول للحكم (بداية التسعينات) أو كنموذج لابد من تجنبه في كونه تبنى طروحات ثورية مضادة للنسق السياسي، بل نقدم الإسلاميين في الجزائر في شكل دورة سياقية مكتملة (العمل ضمن المعارضة، العمل ضمن النسق السياسي) كما هو موضح في الشكل التالي:

شكل رقم 1: الدورة السياقية المكتملة لعمل الأحزاب الإسلامية

من خلال هذه الدورة يمكن استنتاج ثلاثة اتجاهات ميزت عمل الأحزاب الإسلامية فيها: أولاً لناحية استراتيجية العمل التي يمكن أن تسير عليها الحركات الإسلامية في حالة الوصول إلى الحكم (المنهج)، ثانياً لناحية المصير الذي يمكن أن تصل إليه في حالة تبنت أجندات ثورية (المآلات). ثالثاً النتائج المتوخاة في حالة تبني النموذج السياقي (النتائج).

       بالنسبة للاتجاه الأول، تشير غالباً إلى النواة الأولى لنشأة الحركة الإسلامية سواء ما قبل الاستقلال أو ما بعده، حيث كان الدافع الديني (الجهاد) السبب الرئيسي في مواجهة الاستعمار الفرنسي، لكن ليس من طرف الاتجاهات الدينية آنذاك بل إن إسلام الأرياف أو إسلام الشعبي كنمط سلوكي لدى الشعب كان الدافع الأساسي وليس في شكل حركي  منظم، إلا أنه كنتيجة للفترة الطويلة للاستعمار الفرنسي الذي ميزه تآكل الأمن الهوياتي للمجتمع الجزائري، أصبح الإسلام والهوية الإسلامية بمثابة الركيزة الأساسية  في بناء الدولة عبر تجميع كل الاتجاهات المختلفة ضمن حزب جبهة التحرير الوطني، وكذا جيش التحرير الوطني. وبالتالي لم يبق لدى الحركات الإسلامية سند أيديولوجي يمكن أن يميزها أو يحفظ لها خصوصيتها، ذلك أن الأنشطة الإسلامية أصبحت ضمن المجال الخاص للدولة. نتيجة ذلك ظهرت بعض البوادر المعارضة للجهود المركزية للدولة في تنظيم الشأن الديني (جمعية القيم الإسلامية 1963)، والتي انتقدت النهج الاشتراكي الذي تبناه رؤساء الجزائر في الفترة الأحادية، سعياً لتقديم رؤى بديلة لمرحلة ما بعد الاستقلال[10].

وبحلول عام 1989 ميز الحركة الإسلامية ثلاثة أحزاب رئيسية؛ حركة مجتمع السلم(حمس) بقيادة محفوظ نحناح، حركة النهضة (عبد الله جاب الله)، وكذا الجبهة الإسلامية للإنقاذ (علي بلحاج وعباس المدني)، إلا أن تبني الأحزاب الإسلامية (الاخوانية) لأجندة المشاركة السياسية للسلطة في الحكم لاحقاً، دفع بالحركة الإسلامية نحو انشقاقات متتالية في ثلاث اتجاهات، أولاً ظهور أحزاب سياسية لا تقبل المشاركة في الحكم (كجبهة العدالة والتنمية لعبد الله جاب الله)، وثانياً انتقائية حركة مجتمع السلم في التعامل مع السلطة، وثالثاً وجود أحزاب إسلامية لا تمتلك استراتيجية واضحة للممارسة السياسية من منظور إسلامي كحزب النهضة أو الإصلاح. وبالتالي طرح إشكالية خيار مشاركتها في السلطة وشروطها ومحدداتها.

       أما للاتجاه الثاني، فتبدأ معظم المناقشات في هذا السياق بالإشارة إلى صعود وسقوط الجبهة الإسلامية للإنقاذ أو ما يسمى بالفيس بين 1988 و1992، ففي الوقت الذي تبنت جبهة الإنقاذ المنظور الجوهري كاستراتيجية مختلفة عن الحكم، أدى بها إلى صدام مباشر مع مؤسسات الدولة في حين تبنت الأحزاب الإسلامية ذات التوجه الإخواني المنظور السياقي فضمنت بالتالي لأنفسهم علاقة أكثر أماناً مع النظام.

       أما الاتجاه الثالث؛ فبعد اتباع النظام لسياسة الأمننة نتج عنه حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ ومنعها من العمل السياسي.

إلا أن الأحزاب الإسلامية التي تبنت المنظور السياقي منذ بداية التسعينات وجدت نفسها أمام بيئة متغيرة بالكامل، حيث أن تجربة الصراع جعلت أغلب الشعب ينفر من الإسلاميين، في المقابل أصبح يميل إلى “إسلام الدولة”، هذه الأخيرة اتجهت إلى دعم التوجهات الدينية الغير مسيسة (السلفية، والصوفية) على حساب التيارات الصحوية، كما أصبحت تتبنى بشكل واضح أحكام الشريعة الإسلامية الخاصة بالأسرة والأحوال الشخصية، مما جرد الحركات الإسلامية المسموح لها بالعمل من أي احتمالية لمعارضة السلطة عبر توظيف هاته القضايا. بالتالي بدا أن المشاركة السياسية البرغماتية لأحزاب الإسلامية قد أضعف كثيراً من هذه الأحزاب.

وعليه فتبني المنظور السياقي لدى الحركات الإسلامية المحسوبة على الإخوان، قد أدى إلى تآكل الحركة داخلياً وأضر بقاعدتها الانتخابية بسبب ضرب مصداقيتها لدى المجتمع، ذلك أن الأسباب التي أدت إلى صعود جبهة الإنقاذ الإسلامية هو أنها طرحت القضايا الاقتصادية والاجتماعية بإلحاح، بعبارة أخرى، فإن الجبهة الإسلامية للإنقاذ عكست الثقافة السياسية الجذرية التي ميزت الشعب الجزائري آنذاك، في المقابل لم تأخذ الحركات الإسلامية الإخوانية المطالب المجتمعية بعين الاعتبار وسعت بدلاً من ذلك إلى الاندماج مع السلطة. وبالمحصلة فإن الربيع العربي الذي أدى الى صعود الإسلاميين في عديد من الدول العربية، كان عاملاً مضعفاً للحركات الإسلامية في الجزائر، لأن هذه الحركات كانت مدركة لمآلاتها في حالة تبني المنظور الجوهراني. وقد تجدد الرفض للحركات الإسلامية مرة أخرى في الحراك الجزائري الأخير في 2019 عبر مقولة  “يتنحاو قع” في إشارة إلى عدم قبول أي حركة سياسية كانت مشاركة في النظام سابقاً. لذا فما تعيشه الحركات الإسلامية اليوم في الجزائر هو ضريبة لما سبقت به غيرها من الدول العربية فيما يتعلق بتبني المنظور السياقي بدون التأسيس والتنظير له. لذا نحن أمام أحزاب إسلامية لم تستطع أن تصنع لنفسها خصوصية، كما لم تدرك درجة حيادية الدولة وطبيعة السلطة فيها، كذلك طبيعة المجتمع الجزائري، بالتالي فإن مشاركتها في الحكم قد خدمت شرعية النظام وفي نفس الوقت أضرت بمصداقية الأحزاب الإسلامية ككل وبالأحزاب المحتملة التي ستتبنى المرجعية الإسلامية مستقبلاً.

بالتالي أصبحت الأحداث التأسيسية الفارقة، كأحداث 1988، والعشرية السوداء وما تلاها من نتائج وكذلك ما شهدته أحداث الربيع العربي 2011 والحراك الشعبي سنة 2019، كلها عوامل قد أضعفت من جاذبية الأحزاب الإسلامية التي بقيت على قيد الحياة. كما فرضت مشتملة تحديات حول المسار الجديد الذي يمكن للإسلاميين العمل ضمنه، في ظل بيئة سياسية مقيدة لعمل الإسلاميين وفي سياق أصبح فيه كل من الإسلام السياسي والساحة الحزبية غير موثوقة بشكل متزايد لدى شريحة كبيرة من المواطنين.

     يشكل السياق المغربي تجلياً آخر لاندماج الأحزاب الإسلامية في الإطار الرسمي وقابليته للاستمرار بالعمل ضمن حدود الدولة، إلا أن اعتبارات المشاركة السياسية لدى اثنين من أكبر المجموعات الإسلامية في المغرب؛ العدل والإحسان وحزب العدالة والتنمية تنطلق من منطلقين متضادين على الأقل من الزاوية السياسية، فالأول كجماعة دينية لها موقف من السياسة لكنها لا تمارسها إلا في ظل غياب النظام الملكي، بالتالي عملها يتأسس على عدم شرعية هذا الأخير، في حين أن شرعية العدالة والتنمية كحزب سياسي بمرجعية دينية يتأسس على مراعاة السياق السياسي من خلال العمل جنباً إلى جنب مع هياكل الدولة القائمة، بالإضافة إلى عدم تحدي الأسس الدينية للدولة أو تحدي دور الملك باعتباره “أمير المؤمنين”. من هنا يقدم الإسلاميون في المغرب نموذجاً استثنائياً للعديد من الأشياء مقارنة بحالة الإسلاميين في باقي الدول العربية، فلم يواجه الملك محمد السادس تحديات وجودية كالتي واجهها الحكام السلطويون إقليمياً، رغم سيطرة الإسلاميين في الانتخابات التشريعية في 2011و 2016، وهي حالة فريدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

       في نفس السياق، قدمت حركة العدل والإحسان نموذجاً للحركات الثورية من  خلال النشاط اللاعنفي والذي تجلى بشكل كبير في حراك 20 فبراير. علاوة على ذلك، تقدم الحالة الإسلامية في المغرب نموذجاً لأشكال التمايز بين العمل السياسي والعمل الدعوي. رغم أن هذا التمايز عرف سجالات كبيرة لم تحسم بشكل كبير سواء من قبل النظام أو من قبل الأحزاب الإسلامية بشقيها الثوري والمعتدل.

       أما الحالة التونسية وتحديداً حزب النهضة، يبدو أن الفصل بين المجالين أصبح واضحاً فيه، متخذاً أشكالاً عديدة؛ تمايز على مستوى الوظائف، والرموز، وعلى مستوى الخطاب. ليشكل بذلك النهضة نموذجاً لمدنية الأحزاب الإسلامية التي لا تحركها الأيديولوجيا بقدر ما تحركها الأحداث، يعنى أنها تفاعلية وقابلة للتكيف. وهذا التوجه الجديد لحزب النهضة وجد فرضياته في حزب العدالة والتنمية في تركيا وبدرجة أقل الديمقراطية المسيحية في ألمانيا كنماذج للمحاكاة بدلاً من التركيز على تجربة الإخوان المسلمين في مصر التي أعطت نموذجاً لفشل الإسلاميين فيها.

 بالعودة إلى الدورة السياقية المكتملة آنفة الذكر نستنتج مجموعة من أنماط العمل ميزت الأحزاب الإسلامية كما هو موضح في الجدول:

جدول رقم 1: الأنماط المختلفة التي اتخذتها الأحزاب الإسلامية

مصدر: كاسيار ف. فان دن بيرغ، التخطيط الاستراتيجي للأحزاب السياسية، أداة عملية، المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، المعهد الهولندي للديمقراطية المتعددة الأحزاب، 17 مارس 2017، ص 17. (بتصرف)

تطرح الدورة السياقية المكتملة إشكالاً حول استراتيجية العمل بالنسبة للأحزاب الإسلامية التي تبنت المنظور السياقي، فتبني هذا الاتجاه تترتب عليه نتائج ليست بالضرورة في صالح الأحزاب الإسلامية نظراً لسعي منطق الحكم إلى تعزيز تواجده ومنع أي بديل حقيقي من الوصول للسلطة. بالتالي تعطي مشاركة الأحزاب الإسلامية في السلطة الشرعية لهذا الأخير وفي نفس الوقت تستنزف من إرثها كأحزاب معارضة حقيقية، لتصبح الأحزاب الإسلامية في هذه الحالة بين فكي كماشة؛ إما تبني المنظور الجوهراني مما يعني بقاءها على هامش النظام وربما استئصالها جذرياً، وإما تبني المنظور السياقي مما يجعلها ملحقة للنظام. والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يمكن للأحزاب الإسلامية أن تعزز من تواجدها كقوة طرح بديلة لها خصوصيتها ضمن الاتجاه السياقي؟

  • شرعية الإنجاز بدلاً من شرعية البقاء 

     إن فهم مسائل السياسة والحكم من زاوية المعارضة يختلف عنه عند النظر إليه داخل السلطة ، حيث يسود منطق التأثير والنفوذ، وعليه شكّل المنطق السياسي لعمل الإسلاميين المغاربة نموذجاً مختلفاً نوعاً ما للمشاركة السياسية آخذاً بعين الاعتبار نوعية النظام السياسي ومؤسساته، بالإضافة إلى درجة انفتاحه او انغلاقه. فكان من نتائجه النظر إلى الدولة كمعطى ثابت De Facto لا كما ينبغي أن تكون، بالتالي فبدلاً من الحديث عن تراجع الإسلاميين في مصر ومحاولة جعله ظاهرة “ما بعدية” ميزت الإسلاميين ككل، فإنه لابد من النظر إلى هذا التراجع كظاهرة تطورية في سياق موضوعي تصعد فيه أحزاب سياسية وتتراجع أخرى. لذا يقتضي التأسيس للممارسة السياسية من منظور إسلامي الأخذ بعين الاعتبار منطق الصعود والتراجع بدلاً من المنطق الأحادي الساعي إلى تأسيس نظرية بديلة للدولة والحكم أو في حده الأدنى السعي إلى احتكار السلطة في حالة الوصول إلى الحكم.

     وإذا كان لابد للممارسة السياسية أن تستند إلى المرجعية الإسلامية، فإن المجال الذي يشتغل عليه السياسي يبقى محكوماً بمنطق المجال الذي ينتمي إليه، وهو مجال يتميز بصراع القوة والمصلحة مع تنافسية البرامج (شرعية الإنجاز)، والتي كلها محسومة اجتهادياً وليس نصياً، لذا فالتأسيس للمنافسة ضمن السياق الحيادي للدولة بقدر ما هو مرتبط بتوازنات القوى إلا أنه لابد من إعطاء الأولوية لشرعية الإنجاز كمحدد أساسي في هذا الصدد، البقاء كنموذج جذاب يستلزم تطوير أجندات تخصصية لها قابلية للمنافسة ضمن السوق السياسي الموجود، قد تحفظ لها خصوصيتها كأحزاب إسلامية ولكن في نفس الوقت تتشابك بشكل خاص مع تحديات سياقها المجتمعي. هنا تتحدد قوة الأيديولوجية لدى الأحزاب الإسلامية ليس في عمقها وبنيتها الفكرية فقط، بل في استدعاء والتبشير بنماذج جاهزة، وقابليتها لجلب التأييد من طرف الناخبين وإغرائهم بجدوة مشروعها كقوة طرح عقلانية وبديلة للواقع المتأزم. بعبارة أخرى تتحدد قوة الأحزاب الإسلامية في التأسيس للفعل السياسي الآني عبر الممارسات اليومية.

     تسعى أغلب الأحزاب المشكلة للطيف السياسي إلى تقديم برامج تنافسية لجذب الناخبين في سعيها للوصول للحكم، ولا شك أن الأحزاب الإسلامية تمتلك من الخصوصية ما يميزها عن باقي الأحزاب الأخرى فيما يتعلق بالأيديولوجية التي تتبناها، إلا أنه لكي تشكل الأحزاب الإسلامية رافداً مهماً ضمن عملية المنافسة فعليها أن تتبنى حلولاً للمشاكل التي تواجهها الدولة والنظام السياسي ونظام الحكم  في بناء قدراته (القدرة الاستخراجية Extractive، القدرة التنظيمية Regulative، القدرة التوزيعية Distributive، القدرة الرمزية Symbolic، القدرة الاستجابية Responsive) بدلاً من  تبني رؤية بديلة للدولة وللنظام السياسي.

فالدولة ككيان سيادي تشير إلى مجموعة المؤسسات التي تمتلك حق استخدام العنف المشروع داخل حدودها الجغرافية، أما النظام السياسي فهو مجموع المكونات المتفاعلة والمتصلة وظيفياً مع بعضها داخل المجتمع (الدولة)، وأي تغير في نظام معين قد يؤثر على بقية العناصر الأخرى المكونة للنظام الكلي. وكما للدولة وظائف تميزها (انظر للجدول 2)، فإن النظام السياسي يتميز بمجموعة من الوظائف حددها غابريال ألموند G. Almond في وظيفة التنشئة والتجنيد السياسي Political Socialization and recruitment، الاتصال السياسيPolitical Communication، التعبير عن المصالح Interest articulation، تجميع المصالح Interest aggregation، وضع وتنفيذ وإصدار الاحكامRule Making, Rule application, Rule adjudication))[11].

 جدول رقم 2: وظائف الدولة في ظل المتغيرات المختلفة

Source: The World Bank (1997), The State in Changing World, World Development Report, P 27

 

القاعدة الأساسية هي أن الدولة ليست النظام السياسي، وهذا الأخير ليس هو نظام الحكم، وكما أنه يوجد تداخل في الوظائف فإن هناك خطوطاً فاصلة تميز كل نظام عن الآخر،  فما يميز الدولة هو السكون والبقاء، في حين أن النظام السياسي هو نظام سلوكي بالأساس يؤثر ويتأثر بالبيئة المحيطة أي أنه نظام تكيفي يسعى إلى البقاء في ظل بيئة ديناميكية مفتوحة. أما نظام الحكم فما يميزه هو التغير المستمر (السلمي/ العنيف) نظراً للاستحقاقات التي يواجهها  بشكل دوري ( انتخابات، إصلاح، انقلابات، ثورة، حرب). لذا يفترض المنظور السياقي أن المجال التداولي للأحزاب السياسية هو على مستوى نظام حكم وليس على مستوى الدولة أو النظام السياسي. فما ينتظر من الحزب الفائز في الانتخابات هو إجراؤه لتغيرات على مستوى نظام الحكم، أما في حال تبني أي حزب وصل إلى السلطة لتغيرات على مستوى النظام السياسي أو الدولة ففي هاته الحالة نكون أمام تغيرات أيديولوجية وجذرية. لهذا ما ميز الداعين إلى تبني المنظور الجوهراني هو تجاهلهم لسياق الدولة الحديثة؛ أو حتى عدم التمييز بينها وبين النظام السياسي ونظام الحكم، على سبيل المثال؛ الدعوة إلى الدولة الإسلامية على منهاج النبوة أو الدعوة إلى الخلافة على سير الصحابة هو دعوة تأسيسية نحو نموذج مغاير للدولة، والدعوة إلى تطبيق الاقتصاد الإسلامي هو دعوة إلى تغيير النظام الاقتصادي الذي هو جزء من النظام السياسي والذي قد يصلح في حالة تكيف النظام، في حين الدعوة إلى التغيير على مستوى الحكم فهو مجال مفتوح أمام المنافسة السياسية بين مختلف الأحزاب السياسية.

     من جهة أخرى؛ في سعيها لترسيخ نمط جديد من الحوكمة Governance  تكون فيه السلطة قائمة على معايير الدولة الحديثة، ويكون الشعب فيها مصدر حقيقي للسلطات، فإن على الأحزاب الإسلامية الدفع في اتجاه ترشيد الحكم بأبعاده المكونة له وهي؛ الحكومة، المجتمع المدني، والقطاع الخاص (انظر للشكل 2)، لهذا تتطلب أي سياسة او نظام حكم جيد مشاركة نشطة بين المجموعات الثلاثة من أصحاب المصلحة Stakeholders، عبر تفعيل الديمقراطية التشاركية كبديل عن الديمقراطية التمثيلية التي أبانت عن أوجه قصور وعجز في حل أزمة السلطة وأزمة المشاركة، لذا فالتشاركية في الحكم لا تشكل بديلاً عن الديمقراطية التمثيلية، كما لا تهدف إلى ضمان نزاهة العملية السياسية فقط بل إلى تعزيز مبدأ الحكامة الجيدة من خلال ثنائية الكفاءة والاستحقاق من جهة، وثنائية المسؤولية والمحاسبة من جهة أخرى. لتتشكل بذلك مشروعية جديدة ليست قائمة على إرادة الأفراد وأحقيتهم في التمثيل التي هي معطى سلفاً، بل على أساس وظيفي يتم فيه ربط المشروعية بالنتائج، أي أن المشروعية في الأخير هي الميكانيزم الذي يتم بواسطته تقديم الحاكم حصيلة عمله للمحكومين، مما يدفع بالفاعلين المحتملين لتقديم مواقف ورؤى بديلة.

         شكل رقم 2: حوكمة عمل الأحزاب الإسلامية  

   تتيح الديمقراطية التشاركية لدى الأحزاب الإسلامية إمكانية الاندماج في المشهد السياسي بما تحمله من احتمالات إنشاء مساحات مشتركة للتقارب سواء مع النظام السياسي فيما يتعلق ببناء قدراته، أو في إطار بناء تحالفات عبر أيديولوجية  Cross-ideological alliances الهادفة لترشيد الممارسات السياسية، هنا تسمح للأحزاب الإسلامية بتقديم نفسها كقوة طرح بديلة لما يمكن أن تقدمه من سلع سياسية ذات جودة تعكس مقاصد الشريعة وفي نفس الوقت تعطي لها الفرصة لمأسسة هذه المقاصد ضمن قواعد دستورية واضحة، تكون فيه هذه الأخيرة ضمن المواد الصماء التي لا تخضع لمزاجية السلطة وتقلباتها.

        في أي نظام سياسي، غالباً ما تعمل الأحزاب السياسية في بيئة يميزها التعقيد الدائم وعدم الاستقرار، فالتغير هو سمة ثابتة لا مفر منها نتيجة لتغير القواعد الدستورية والقوانين المتعلقة باللعبة السياسية، كما قد تتغير رؤية الناخبين، سواء ككل أو في إطار دوائر انتخابية معينة. إضافة الى ذلك، قد تضع أي تحولات سياسية أو اضطرابات أمنية داخلية أو إقليمية الأحزاب السياسية أمام مسؤولية للتعامل مع القضايا المستجدة عنها، وفي خضم ذلك قد يصعد نجم حزب معين في مقابل تراجع حزب آخر، كما قد تتغير خريطة التحالفات المصاحبة لذلك. هذا قد يطرح إشكالاً حول استراتيجية العمل بالنسبة للأحزاب الإسلامية في حالة العمل ضمن سياق المعارضة (رسمية، راديكالية)، أو في حالة العمل ضمن سياق النظام الحاكم (تحالف مع النظام الحاكم)، ذلك أن تبني أي اتجاه معين تترتب عليه نتائج ليست بالضرورة في صالح الأحزاب الإسلامية.

       وبالعودة إلى مجريات الربيع العربي، لا شك أن صعود الإسلاميين كان تلقائياً، وبدون وجود أي خطة استراتيجية معدة سلفاً، فنتج عنه عدم القدرة على التأثير في نتائجه، وليتبين فيما بعد أن تلك التحولات لم تكن فرصة لها بقدر ما كانت ضارة للأحزاب الإسلامية، نظراً لعدم تقدير حجمها وكذا حدود القوة بالنسبة للجهات الداخلية والخارجية الفاعلة فيه.

       لذا فباستخدام تحليل السوات (SWOT Analysis) كنموذج تقييمي أمكن تحديد نقاط القوة Strenghts، الضعف weaknesses، الفرص Opportunities  والتهديدات Threats التي محتملاً تؤثر على استراتيجية عمل الحركات الإسلامية ضمن النسق السياسي، ولأجل فهم البيئة الداخلية والخارجية التي تعمل ضمنها هذه الحركات الاسلامية، فإنه من الضروري بالنسبة لهذه الحركات الأخذ بعين الاعتبار التحليل الرباعي بهدف تعزيز أدائها والاستجابة السريعة للظروف المتغيرة عبر التعامل مع ما وقع وما يحتمل أن يقع مستقبلاً بفعالية أكبر بهدف الاستمرارية على المدى المتوسط والبعيد.

إن دعوة آصف بيات في أطروحته ” مابعد الإسلاموية” بالتركيز على الاشتباك السياسي الداخلي بدلا من تبني المنظور الجوهراني، هي دعوة للانتقال نحو مجال سياقي ليس للحركات الاسلامية تقاليد فيه، مما يقتضي قبل ذلك إعادة تقييم الأداء لدى الأحزاب الاسلامية من حيث نقاط القوة، الضعف، الفرص والتهديدات التي هي مسؤولية لدى هذه الأحزاب، وذلك لأجل فهم بنيتها وسلوكها الموجه في ظل بيئة تتميز بالتغيير الشديد في اتجاهات غير متوقعة، أي أنه بمثابة تخطيط استراتيجي قائم على التصرف بفاعلية ومن منطلق واع، مع الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الداخلية والخارجية الواسعة.

خاتمة

        يعتبر  الحديث عن كفاءة الأحزاب الإسلامية في صنع السياسة العامة ذا أهمية، ففلسفة إدارة شؤون الدولة  والنظام السياسي هي شبه مغيبة لدى أدبيات الحركات الإسلامية عموماً، ويمكن تقديم العديد من التفسيرات في هذا الصدد حول هذا العجز، لعل أهمها هو محاولة استدعاء وجهة النظر الجوهرية ومحاولة إسقاطها على الدولة الحديثة بدلاً من تبني المنظور السياقي، وكون هذا الأخير قد تم الحسم فيه كنموذج معرفي مترابط (دولة، نظام سياسي) له مسؤولية تنظيم المجال التداولي، يؤهل جميع التيارات والفئات المكونة  للمجتمع بغض النظر عن انتماءاتها ويكون ذلك عبر آلية الانتخاب، أوعن طريق التعيين وفقاً لقاعدة الكفاءة والاستحقاق. ورغم ذلك سعت الأحزاب الاسلامية إلى استدعاء نموذج متخيل للحكم بدون خصائص محددة وبدون شروطه الأولية المسبقة (الدولة، النظام السياسي) في محاولة إسقاطه على الدولة الحديثة، مما أنتج توليفة من الممارسات السياسية المتناقضة لدى الإسلاميين مما يعيد طرح سؤال هوية الممارسات الإسلامية، لذا فالخطاب الإسلامي على ضخامة تراثه الفكري والتنظيري المتراكم عاجز عن تحويل قيمه التبشيرية الكبرى (هوية القول) إلى مشاريع نهضوية ملموسة(هوية الفعل)، بالتالي ليس لدى الحركات الإسلامية طريق إلا تجديد هويتها الداخلية بدلا من السعي إلى تغيير المجتمع، بالمحصلة لا يمكن الجمع بين المنظور الأيديولوجي للأحزاب الإسلامية في سياق الدولة الحديثة ما لم تتبن أحزابها وجهة النظر السياقية، ذلك أن السنوات الأخيرة قد كشفت القيود السياسية على هذا المنظور بعد أن أدرك الإسلاميون في مصر وتونس أن ناخبيهم لا يهتمون لدور الإسلام في الدستور، بقدر اهتمامهم بحاجياتهم الاقتصادية والاجتماعية من قبيل خلق مناصب للشغل، وتحسين الدخل، والسكن، فكانت نتيجته أن واجه مرسي التحديات المتعلقة بالنمو الاقتصادي مما أدى إلى تراجع الدعم الشعبي لحكومته، فنتج عنه ترحيب بعودة حكم العسكر.

قائمة المراجع:

  1. عبد الله العروي، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، المغرب، 2014.
  2. وائل ب. حلاق، الدولة المستحيلة، الإسلام والسياسة مأزق الحداثة الأخلاقي، تر: عمرو عثمان، قطر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014.
  3. إكرام عدنني، سوسيولوجيا الدين والسياسة عند ماكس فيبر، بيروت: منتدى المعارف، 2013.
  4. كاسيار ف. فان دن بيرغ، التخطيط الاستراتيجي للأحزاب السياسية، أداة عملية، المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، المعهد الهولندي للديمقراطية المتعددة الأحزاب، 17 مارس 2017.
  5. محمد مختار الشنقيطي، الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية، مدونات الجزيرة، 2018/06/ 05 موجود على الرابط: https://www.aljazeera.net/blogs/2018/6/5
  6. حيدر العايب، مسار الحركة الإسلامية في الجزائر: أو الأصولية القادمة من المشرق، 19 أغسطس 2020، موجود على الرابط: https://www.futureconcepts-lb.com/?p=2430
  1. G. Castles, The Political Functions of Organized Groups : The Swedish case, The open university, March 1, 1973
  2. Asef Bayat, Post-Islamism; The Changing Faces of political Islam, Oxford University Press, 2013, P 08.
  3.  The world Bank (1997), The State in Changing World, World Development Report.
  4. Shadi Hamid, William Mc Cants, Rethinking political Islam, (Book Review), Reading Religion, April 2017, available from; https://readingreligion.org/books/rethinking-political-islam
  5. Martian IOVAN, The Political Culture; Political Socialization and Accultration, Journal of Legal Studies, Vol 16, 2015, PP 26-47
  6. Olivier Roy, Political Islam After the Arab Spring: Between Jihad and Democracy, Nov/ Dec 2017, available from; https://www.foreignaffairs.com/reviews/review-essay/2017-10-16/political-islam-after-arab-spring

2 تعليق

  • يقول جارش عادل:

    دراسة متقنة ومميزة ، استفدت من قراءتها كثيرا

  • يقول محمد بنعماني:

    مقال مهم يطرح العديد من التفسيرات والتساؤلات المتعلقة بعمل الاحزاب الاسلامية التي تبنت مقاربة المشاركة السياسية كآلية وللدخول في شراكة مع النظام الحاكم وبكل ما يحمل هذا من احتمالية التراجع عن تطبيق الايديولوجية التي تبنتها

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks