مراجعة كتاب: حركة النهضة التونسية من الداخل: بين السياسة والدعوة

Inside Tunisia’s Al-Nahda: Between Politics and Preaching

مراجعة: إبراهيم كرثيو

وحدة المعلومات والتقنية- مركز المجدد للبحوث والدراسات

 

في المؤتمر العاشر لحزب النهضة في مايو 2016، أعلن الشيخ رشيد الغنوشي رئيس حزب النهضة التونسي أن حزبه لم يعد يتبع “الإسلام السياسي” وعوضاً عن ذلك تحولوا إلى “الديمقراطية الإسلامية”. وقد ادى هذا الامر في ذلك الوقت في وقوع الكثير من الناس في دائرة الشكوك وتساءلوا ما إذا كان هذا مجرد قرار من أجل تجنب التهميش أو أن الأمر يعتبر تحولًا حقيقيًا لحركة إسلامية، وهي حركة تبنت في السابق مشروعًا للدعوة، مع التركيز على الإيمان والأخلاق والسلوك، وبناء “تضامن متخيل” من القيم المشتركة، والتي عززتها مجموعة من الشخصيات الكاريزمية التي توزع تأثيرها عبر شبكات المدارس والجامعات والمساجد وجمعيات المجتمع المدني. وعلى الرغم من أن راشد الغنوشي (2016) قال  “إن التخصص الوظيفي بين السياسي وبقية المجالات المجتمعية (ومنها الدعوة)، ليس قرارا أو رضوخاً لإكراهات ظرفية، بل هو تتويج لمسار تاريخي تميز فيه العمل السياسي عن المجال الاجتماعي والثقافي والإرشادي” . إلا أن كلماته لا تزال تثير الشكوك حول هذا القرار.

بيانات الكتاب:

Rory McCarthy, Inside Tunisia’s Al-Nahda: Between Politics and Preaching (Cambridge University Press, 2018). ISBN: 9781108459938; 246 pages.

يتفق روري مكارثي جزئياً مع رؤية راشد الغنوشي، حيث يقدم روري في ​​كتابه “حركة النهضة التونسية من الداخل: بين السياسة والدعوة” حججه بشكل مقنع ويؤكد بأن قرار حركة النهضة بـشأن ‘التخصص الوظيفي … كان نتاج نقاش طويل واستراتيجي وفكري مدفوع بقلق متزايد بين الكثير من النهضويين حول هوية حركتهم بعد عقود من القمع والإقصاء السياسي. كما يبحث مكارثي في هذا الكتاب عن أفضل طريقة لشرح تحول حزب النهضة من مراحله الأولى عندما اقترح أعضاؤه لأول مرة مشروعًا سياسيًا جريئًا قائمًا على ” المفهوم الشامل للإسلام” حتى يومنا هذا عندما قرر زعماؤه التوقف عن المزاوجة بين ما أسموه بالعمل السياسي والعمل الدعوي. وبدلاً من اعتبار تجربة حزب النهضة تجربة فريدة من نوعها تاريخيًا أو شاذة، يعالج مكارثي هذه المشكلة من خلال التركيز على “التجربة الحية للنشاط الإسلامي” ويسعى إلى الإجابة عن الكيفية التي ينضم بها الأعضاء أولاً إلى الحركة، وكيف ولماذا تتغير مفاهيمهم بشأن هذه الإجراءات مع مرور الوقت، ولماذا لدى الأعضاء تفاهمات مختلفة ولكنها متداخلة الى حد ما بشأن الاهتمامات والمخاوف الرئيسية للحركة.وبعبارة أخرى يسعى مكارثي إلى تسليط الضوء على “التنافس والتفاوض بين الطموحات السياسية والدعوية”.

من خلال إجراء عمل ميداني لمدة 14 شهرًا حول الأثنوغرافيا السياسية في مدينة سوسة الساحلية والبلدات المجاورة، وهي المناطق التي ولد فيها الكثير من الشخصيات المهمة في السياسة التونسية (على سبيل المثال رئيس الوزراء السابق حمادي الجبالي)، تعطي دراسة مكارثي الأولوية لتجارب الأعضاء المحليين في حزب النهضة (من غير النخبة). ويرى أن تجاربهم تبدو في الكثير من الأحيان متناقضة مع السرد القيادي الذي أوجدته أيديولوجيات الحركة. كما يركز أيضاً على الكيفية التي يحدث بها النشاط الإسلامي خارج دائرة ضوء السياسة الرسمية للحركة والأعضاء رفيعي المستوى. كما ان مكارثي استفاد من المقابلات النوعية التي تضمنت محادثات رسمية وغير رسمية مطولة مع العشرات من الأعضاء الحاليين والسابقين للحركة، الامر الذي مكنه من تطوير حجته الرئيسية على ثلاث مراحل.

أولا، يزعم مكارثي بأن تصور الأعضاء في حزب النهضة للعلاقة بين السياسي والديني كان متعارضاً ولا يمكن التوفيق بينهما. ويرجع ذلك إلى أن الحركة قدمت أولا “مفهوماً شاملاً للإسلام”، كان غامضاً ومرناً وطوباوياً، مما ساعد على نشر دعوة الحركة على أعداد كبيرة من الناس نظراً لأن مختلف شرائح المجتمع فهمت أموراً مختلفة عن هذه الفكرة الشاملة، مما أدى لاحقاً إلى توتر داخل الحركة بين أعضاء النهضة المحليين والقيادة في المنفى، ولا سيما من حيث تصوراتهم الفردية لما يعنيه أن يكونوا أعضاء في حركة إسلامية. ويمكن أيضا رؤية هذا التعارض في الاتصالات الشبكية التي كونها الأعضاء بأنفسهم، والنشاط الذي حدث بشكل منفصل على هامش الحركة. وقد أدى ذلك إلى توسيع الاختلافات بين أولئك الذين يفضلون المشاركة السياسية للإصلاح من أعلى إلى أسفل على مستوى الدولة وأولئك الذين يرغبون في متابعة مشروع الإصلاح من أسفل إلى أعلى يستهدف المجتمع بشكل عام.

ثانياً، يرى المؤلف إن هذه المرونة على المستوى المحلي هي التي ساعدت النهضة على البقاء من دون أن تواجه تحديات بسبب الخلافات الداخلية خلال سنوات القمع في ظل حكم بورقيبة وبن علي لأن الحركة لم يكن لديها الوقت الكافي للكفاح والدفاع عن ما استوعبوه من “المفهوم الشامل للإسلام“.

وفي حالات الحركات الإسلامية الأخرى في المنطقة، تشير الدراسات إلى أن بعض المهارات التنظيمية مثل البنية العميقة للحركة والرعاية الاجتماعية المفيدة والأنشطة التعليمية على المستوى الشعبي تساعد بشكل كبير في تنشيط الحركات بعد الانتفاضات الشعبية. ومع ذلك، لم تتمتع حركة النهضة بمثل هذه الصفات في ظل سنوات القمع، بل استفادت من مصادر أخرى للصمود مثل الشبكات غير الرسمية العميقة، وجهود الأعضاء الرامية إلى إبقاء المشروع الإسلامي حياً في أذهانهم، والنشاط الفردي والجماعي على المحيط الخارجي من الناحيتين الفكرية والتنظيمية. وكان الدافع وراء الكثير من ذلك هو التجربة المشتركة بين الأعضاء في السجن والتعذيب والوحشية ، ومراقبتهم المستمرة من طرف الشرطة والعزلة الاجتماعية بعد الخروج من السجن، ومحاولاتهم المتضافرة من أجل استعادة الكرامة ليس فقط داخل جدران زنازين السجن ولكن أيضاً داخل المجتمع التونسي في حياتهم بعد السجن.

ثالثًاً- يرسم المؤلف كيف مرت الحركة بالعديد من التحولات الاستراتيجية والفكرية لتتوافق مع الوضع السياسي المتغير في تونس. وكان أهمها الالتزام الاستراتيجي في عام 2016 الذي لا رجعة فيه بالتسييس، والذي وصفته القيادة بأنه تخصص وظيفي تضمن “استراتيجية لتوفير الشرعية والأمن وتجنب التهميش خلال الفترة الانتقالية”، والتي من أجلها بذلت الحركة جهودًا كبيرة للتوصل إلى تبرير فكري لها. وأثبت هذا الموقف أيضًا أن حركة النهضة قابلة للتكيف بدرجة كبيرة مع الظروف المتغيرة، ولكن من المؤكد أن مثل هذه التعديلات تأتي بثمن من الناحيتين الهيكلية والفكرية، والتي هي – في حالة النهضة – التجزئة والتسريح. يؤكد مكارثي أن الإنتاج العلمي الأكاديمي حول الحركات الإسلامية يركز كثيراً على الزعماء والقادة، ومقابلاتهم وخطاباتهم، وأدائهم العام، ولا يهتم عادة بالكيفية التي يتصور بها الأعضاء العاديين لكلمات قادتهم. ويجادل مكاثي بشكل مقنع بأن التركيز المفرط على السرد القيادي يدعم وجهة نظر تاريخية غير مكتملة لحركة النهضة، ولكنه لا يبين لنا كيف يتصور الأعضاء العاديون بالفعل لكلمات قادتهم، ولا سيما كلمات راشد الغنوشي. يذكر المؤلف في كتابه  أن الغنوشي قال في مؤتمر في اسطنبول إن أعماله تُقرأ في تركيا أكثر منها في تونس. أيضاً، سيكون من المفيد أكثر أن نرى تحول الحركة وتجزؤها الواضح في فترة ما بعد 2011 من أعين عدد قليل من النهضاويين المحليين في سوسة من أجل الحصول على سرد أكثر اتساقًا وشمولية. ومع ذلك ، فإن مثل هذه العيوب بطبيعة الحال ، لا يمكن أن تلقي بظلالها على حقيقة أن مكارثي قد أجرى عملاً ميدانيًا مذهلاً ، حيث أنشأ مجموعة بيانات غنية تمكنه من إنتاج تحليلات تجريبية ونوعية حول تاريخ الحياة اليومية للنهضويين المحليين وكذلك المساهمة في دراسات الحركة الاجتماعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل عام.

 

 

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks