الحوكمة: الحلقة المفقودة في العالم العربي

د. عبدالحق دحمان 

الوحدة السياسية- مركز المجدد للبحوث والدراسات

تحميل pdf

      تشكل مسألة فساد أنظمة الحكم وما يترتب عليه من غياب الفعالية في تسيير الموارد الطبيعية واستنزاف الطاقات والمقدرات البشرية، بالإضافة إلى ضعف الأداء الحكومي مع ما ينتجه من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية على الدولة والمجتمع من بين أهم الإشكالات التي شغلت الرأي العام  على المستوى المحلي والعالمي، لذا فإن مواجهتها تستدعي تضافر الجهود الوطنية والدولية لمكافحة الفساد وتحسين الأداء الحكومي المحقق للرضا العام عبر مقاربة الحكم الراشد (الحوكمة) المعبرة عن العقلانية في التسيير، عبر آلية ومعايير الشفافية والمساءلة… إلخ.

في إطار السعي لاستدامة حكمها، تبنت الأنظمة العربية صفقة محددة مع شعوبها قائمة على أساس توفير الحقوق الاقتصادية (الصحة والتعليم والغذاء) في مقابل التنازل عن الحقوق السياسية وضمان الولاء المطلق لأجندة الحكم، إلا أنه تبين أن صفقة المواطنة الاقتصادية لم تجلب سوى الهشاشة والاستبداد والصراع وذلك كنتيجة لتدني أداء أغلب الحكومات العربية بشكل لافت للنظر في مجالات التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية. لذا فثورات الربيع العربي التي انطلقت عام 2011 رافعة شعارات الكرامة والديمقراطية ومزيد من المساواة والعدالة في التوزيع ماهي إلا محاولة للمطالبة بجودة الحكم القائمة على ممارسة حقوق المواطنة الكاملة والمعبرة عن تصورات المواطنين لما يجب أن يدينوا به لحكوماتهم وما يمكن أن يتوقعوه منها كمقابل لذلك. بالتالي تشكل الحاجة إلى صفقة جديدة بين الدولة والمواطن أحد الضرورات الملحة لعقد اجتماعي قائم على الحكم الفعال والضامن لمختلف حقوق المشاركة السياسية للمواطنين.

إن الحكم الراشد(Good Governance)  بما يوفره من آليات مختلفة كسيادة القانون، الشفافية، المساءلة والمشاركة، هو أحد مقاربات الحل التي تبنتها المؤسسات المانحة ومختلف وكالات التنمية الدولية والإقليميةً،  ففي سنة 1989 أرجع البنك الدولي في تقريره الصادر بعنوان” أفريقيا من الأزمة الى النمو المستدام” أن أصل الأزمة التي عانت منها أفريقيا راجع الى الفشل في تنفيذ السياسات وليس إلى السياسات نفسها، أي أن الأزمة في الأصل هي أزمة حكم وليست أزمة إصلاح اقتصادي، من هنا اقترنت المساعدات بالمشروطية السياسية كبديل عن المشروطية الاقتصادية، وأصحبت في خضمه الحوكمة تمثل شرطاً لازماً لأي استراتيجية للنهوض بالتنمية الاقتصادية والسياسية، وأداة فعالة لمواجهة التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع على السواء.

يعيش العالم العربي هو الآخر وضعاً متأزماً سياسياً، اقتصادياً واجتماعياً، بسبب استعصاء عملية التحول الديمقراطي واستمرار ظاهرة الانقسامات العمودية والأفقية داخل المجتمعات العربية، التي أطرتها وفرضتها سنوات من الممارسات الاستبدادية القائمة على مبررات من الشرعية التقليدية بدلاً من الشرعية الدستورية، إلى درجة أن أصبحت المنطقة العربية الاستثناء الوحيد الذي حال دون بناء أنظمة شفافة وديمقراطية. فبعد عشر سنوات من الربيع العربي أبانت الاحتجاجات الشعبية عن تغير مجتمعي سريع ومذهل لاسيما تحت تأثيرات التطورات العلمية والتقنية، في مقابل ذلك فإن تمثلات نظم الحكم العربية ومؤسساتها تطورت بشكل أبطأ بكثير. ولذلك فإن تحديات الاتساق مع التطورات الجارية هذه تزداد أهمية بسبب التناقضات العميقة بين الحالة التغييرية ومدخلاتها من جهة وبين وسائل إدارتها من جهة أخرى. لذا يمكن القول دون مبالغة أننا ندير مشاكل وقضايا الغد بأنظمة ومؤسسات تقليدية. وهذا ما انعكس على مؤشرات الحوكمة داخل الدول العربية.

أشار تقرير البنك الدولي الوسوم “الحوكمة الجديدة لأجل التنمية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا” أن التنمية في المنطقة يعيقها ضعف إدارة الحكم العامة والتي تتخلف فيها المنطقة عن باقي دول العالم. وفي كثير من الأحيان تعاني المنطقة فجوة عميقة بين النص والتطبيق خصوصاً في مجالي الشفافية والمساءلة حيث لم تحقق الأغلبية الساحقة من بلدان المنطقة تطوراً مقبولاً بالمقارنة مع إنجازات الدول الأخرى. فاستناداً لمؤشر البنك الدولي للحوكمة (Worldwide Governance Indicators) الذي يعتمد على ستة مؤشرات وهي: المساءلة والمحاسبة، الاستقرار السياسي، فاعلية الحكومة، جودة التشريعات، سيادة القانون، وأخيراً مراقبة الفساد، شهدت الدول العربية بشكل عام ضعف الحكم الراشد (انظر الرسم البياني).

حيث نلاحظ من خلال الرسم البياني استمرار هذا الضعف؛ فما بين عام 2009 وعام 2019 نستطيع أن نلحظ الانخفاض في جميع المؤشرات، الأمر الذي ينعكس بدوره على هشاشة الهيكل الاقتصادي، وما ترتب عنه من ضعف الاستثمار الأجنبي، تقييدات على السوق المحلي، وزيادة نسبة البطالة، وانخفاض الناتج القومي. بالإضافة لذلك، تعاني الدول العربية من ضعف العقد الاجتماعي بينها وبين مواطنيها، ويتضح ذلك من خلال عدم مقدرة حكومات بعض الدول العربية على توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها الأمر الذي يؤثر على رفاهية الشعوب. والأهم من ذلك، غياب الشفافية والمحاسبة، وضعف مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار يلعب دوراً مهماً في تفاقم مشكلة ضعف الحوكمة. بحيث يبذل المواطنون في المنطقة قصارى الجهد لإيجاد بديل للنخب الحاكمة يمكن أن تعالج قضايا قصور الحوكمة والفساد. كما بدأ تضافر عجز الأحزاب السياسية وعدم القدرة على التنبؤ بالتقلبات في موقف الدولة من حرية التعبير، تدريجياً بتغيير طبيعة المشاركة. وأخذ المواطنون بالتحوّل، بصورة متزايدة، إلى الآليات غير الرسمية مثل الاحتجاج والمقاطعة، ويركّزون أكثر من ذي قبل على قضايا محددة تتعلق بالحوكمة، مثل تقديم الخدمة، وبخاصة على المستوى المحلي.

تشكو شعوب المنطقة العربية من أنظمتها الحاكمة بسبب عدم استنادها الى الشرعية الديمقراطية سواء تعلق الأمر بنظام الانتخابات المتبع أو نظام المشاركة واستقلالية السلطات. كما تؤاخذ بلدان المنطقة على عدم استقلالية الجهاز القضائي، بالإضافة الى القيود المفروضة على حرية الإعلام ونشاطات الجمعيات. وكذا النزاعات والاضطرابات الحادة التي تسود العديد من دول المنطقة مثل اليمن وسوريا وليبيا كلها من أهم الأسباب التي تؤدي إلى تراجع في مؤشرات الحوكمة.

بالتالي عند تحليل وضع الحكم الراشد في المنطقة العربية نجد ما يشبه إجماع بين مختلف التقارير الدولية المعنية بمؤشرات الحكم، حيث تبقى دول بعينها باستمرار على رأس قائمة الدول الأكثر نزاهة وشفافية وتمثيلاً سياسياً جيداً ومستقراً. فيما تبقى دول بعينها باستمرار بما فيها المنطقة العربية متمسكة بذيل تلك القائمة، ففي عام 2002 وجد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقرير التنمية البشرية أن إدارة الحكم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أضعف نوعياً مما هي عليه في بقية دول العالم، مشيراً إلى أن الحكومات في هذه المنطقة حاولت باستمرار توفير كم كبير من الخدمات العامة لمواطنيها. لكن الفجوة في إدارة الحكم تعكس فجوة اجتماعية آخذة في الاتساع بين دول المنطقة. ومن ذلك ندرة البيانات المعلومات الإحصائية عن نوعية إدارة الحكم في المنطقة والتعرض لحرية الصحافة مما يضعف النقاش العام.

إذن، يمكن القول إن هذه العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية تلعب دوراً كبيراً في ضعف الحكم الراشد في الدول العربية. لذا فتصميم حوكمة تتكيف مع المطالب المجتمعية يقتضي أولاً التأكد من أن أنظمة السلطة تتكيف مع تحديات الحقيقية للمجتمع ويربط بينهما شبكة متينة من علاقات الضبط والمسائلة الخالية من الفساد. ففي ظل هذا الواقع يتوجب على دول المنطقة تحسين نوعية مؤسساتها للنهوض بالتنمية الشاملة من خلال إصلاح جوهر الحكم وتفعيل مشاركة الشعب وفق توافق ونقاش واسعين بين القوى الفاعلة الثلاثة للحكم: الدولة، المجتمع المدني، والقطاع الخاص.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks