إشكالية استدعاء الخلافة في سياق الدولة الراهنة

د. عـــبد الــحق دحمــــان

 الوحدة السياسية مركز المجدد للبحوث والدراسات  

abdelheqdahman@almojaded.com

 

       شكلت الخلافة الراشدة نقطة مرجعية في دراسة نظم الحكم في الإسلام، كما شكلت فكرة إحياءها سبباً وجيهاً لإعادة النظر في المناقشات بشأنها، حيث ارتبط نشأة الحركات الإسلامية الحديثة بشكل كبير بفكرة استدعاء الخلافة، فبعضها جعل من إقامة الخلافة مدخلاً لمشروعه الإسلامي (كحزب التحرير مثلاً)، والبعض الآخر جعل منها غاية لعمله ومساره (الإخوان المسلمين)، كما أن هناك تمثلات لجماعات وتيارات أخرى لا تجعل من الخلافة حلماً من أحلامها أو مطلباً صريحاً ضمن مشروعها وإنما استبدلتها بأهداف سياسية ذات طبيعة مقاصدية كالشرعية والعدالة والمساواة والحكم الراشد، في حين أن الاتجاه المضاد لها يرى أنها محض يوتوبيا أو كما يسميه عبد الله العروي بالطوباويات الإسلامية، والذي تجلى أكثر في أطروحة علي عبد الرزاق بأن الخلافة ليست من الدين في شيء، وملخص هذا الطرح أن الخلافة غير ضرورية دينياً وبالتالي فهي غير مجدية أو حتى غير مرغوب فيها. لكن لو نظرنا إلى صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) حتى وفي شكله المشوه لا يمكن أن يقرأ من فراغ، ذلك أن استعادة الخلافة من حيث المبدأ يملك جذوراً أعمق في المجتمعات الإسلامية. من هنا الحديث عن الحلم الدائم بإقامة الدولة الاسلامية بين المسلمين بما في ذلك هؤلاء الذين رفضوا تنظيم الدولة الإسلامية أو ما يسمى بداعش.

 تجدد الخلافة وكذا المواضيع السياسة الشرعية المرتبطة بها يعتبر ذا أهمية في هذا الصدد. من هذا المنطلق نحن لسنا بصدد مسائل من قبيل كيفية تنصيب الإمام وماهي شروط الأهلية الواجب توفرها، ذلك أن المراجع الفقهية الإسلامية الكلاسيكية تزخر بتراث هائل في هذا الجانب، أهم ذلك ما خلفه حسن الماوردي في الأحكام السلطانية. كما أننا لسنا بصدد إعطاء أحكام من قبيل هل الدولة العثمانية تندرج ضمن مفهوم الخلافة أم لا؟ أو هل الدولة الأموية والعباسية تعتبر استمراراً للخلافة الراشدة أم لا؟ حيث أن طرح مثل هذه الأسئلة تدفعنا للعودة إلى الماضي وإعادة إحياء هذه النقاشات اللامتناهية. وبالتالي يسعى المقال إلى ممارسة نوع من الاستشراف لناحية السعي إلى تناول المسألة من زاوية قابلية إحياء نظام الخلافة الإسلامية على ضوء واقعنا الحالي. والهدف من ذلك كله هو اختبار شرعية نظام الخلافة الإسلامية كبنية وكأداء ضمن سياق الدولة الحديثة.  والسؤال الذي يطرح نفسه هو هل هناك إمكانية لاستعادة الخلافة في واقعنا الحالي وماهي أهم العقبات في استعادتها؟

مع سقوط الدولة العثمانية عام 1924 أصبحت الدولة الوطنية تشهد قبولاً لدى قاعدة واسعة من التيارات السياسية وخاصة الاتجاه الليبرالي، بالتوازي مع ذلك عرفت تأزماً على صعيد الخطاب الإسلامي، ولعل تجدد فكرة إحياء الخلافة وما يستتبعها من موضوعات متعلقة بالسياسة الشرعية طرح  أسئلة حول طبيعة الدولة التي ينبغي أن تحيا في ظلها الأمة الإسلامية بعد أن أصبحت تخترقها توجهات وتصورات مختلفة، فبينما سعى البعض إلى الدعوة لإحياء الخلافة في نموذجه الـتأسيسي الأول، سعى فريق آخر إلى البرهنة على تاريخانية نظام الخلافة وأنها تجربة خاصة وانقضت. في حين تبنى فريق ثالث طروحات توفيقية في سعيه نحو الدمج بين الإسلام والدولة الحديثة ممثلاً في نموذجها الغربي، ففتح بالتالي نقاشات ثنائية غالباً ما كانت تنتهي نحو اللاحسم؛ من قبيل هل الدولة الحديثة هي دولة دينية أم علمانية، وهل هي زمنية أم روحية، والحاكمية فيها هل هي لله أم للمواطن.

ترتكز النظرة الدينية للخلافة على ضرورة وجود وريث شرعي يضطلع بمهام الحفاظ على الدين الإسلامي في وجه تقلبات السياسة الدنيوية لتشكل الخلافة بمثابة رمز للوحدة الدينية. أما سياسياً فيتحتم أن تؤثر الخلافة على مصير المسلمين في حياتهم الدنيوية والأخروية. بالمحصلة فإن الخلافة ليس المقصود منها الدولة وحدها، وليست فقط النظام السياسي أو نظام الحكم؛ بل هي الكل الذي يتعلق بحراسة الدين وسياسة الدنيا ولا يفصل بينهما كما هو الحال بالنسبة للعلمانية.  إلا أن نموذج أهل الحل والعقد ونموذج العالم القادر على مسائلة السلطان وعزله وفقاً للأحكام الشرعية إذا اقتضى الأمر هو نموذج لم يعد ممكناً تحقيقه. مما يستلزم أن الدعوة إلى إحياء الخلافة لا يمكن أن يكون في سياق الدولة الحديثة، لأنه ببساطة ليست استبدال مفاهيمي- وظيفي فحسب، وإنما بديل نظري يعيد صياغة مسألة السياسة والحكم بطريقة جذرية عما استقرت عليه الدولة في وقتنا الراهن. بالتالي فالتأسيس النظري لاستعادة الخلافة كنموذج معياري يطرح إشكالاً حول طريقة الاشتباك مع واقع الدولة في شكلها الاستبدادي، صحيح أن هناك اختلافات حول النقطة المرجعية في النموذج المراد استدعائه بين من يعتبرها  تلك الدولة التي سادت قبل سقوط الدولة العثمانية، أو تلك التي تم إلغاؤها عقب دخول المغول إلى بغداد منتصف القرن الثالث عشر للميلاد، وبين من يختزلها في النموذج المعياري وتحديداً عهد الخلفاء الراشدين (أبو بكر، عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب) والذي كان أقرب إلى النموذج النبوي. فـ ” خلافة الضرورة” حسب رشيد رضا قد تزيل هذا اللبس بشأن اختلاف المواقف[1]. إلا انه ما يعاب على النموذج المعياري لرشيد رضا أنه تجاهل سياق الناتج عن سقوط الدولة العثمانية، الذي لم يترتب عنه بروز خلافة أخرى ومنه تبني فكرة خلافة الضرورة في التعامل معها ومحاولة استجماع شروطها لاحقاً، بل أدى إلغاء الخلافة العثمانية إلى صعود دول قومية ماضية في الترسخ. هذه الأخيرة لم تشتمل على أي قيمة معيارية لفكرة الخلافة، بل هي على النقيض منها تماماً. لذا فالمدخل التأسيسي الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو كيفية إعادة وعي فكرة الخلافة لا بصفتها نموذجاً كلياً، وإنما بكونها مقاربة سياسية واقعية قائمة على الموازنة بين الواجب الديني والنتائج السياسية التي فرضها سقوط الدولة العثمانية.

أمام الوضع المتميز بالضغط السياسي الناتج عن غياب مرجع ديني موحد وكذا إطار سياسي في حده الأدنى، فإن هذا أيقظ الهاجس بمسألة الخلافة ما دفعها نحو نقطة التركيز.  فابن خلدون لم يؤيد فكرة إلغاء الخلافة في القرون الوسطى كون ذلك يؤدي إلى ضعف في الشرعية الدينية للحكومات، وإنما أكد على فكرة إعادة فهم الخلافة وفقاً لقواعد الاجتماع السياسي الجديدة، نتيجة ذلك أيد فكرة تعدد الخلفاء بدلاً من الخليفة الواحد المستند على النسب القريشي. إلا أن محمد إقبال في دعوته لإحياء “عصبة الأمم المسلمة” قد حذر من احتمالية التنافس بين الخلفاء وعدم إمكانية تعايش أكثر من خليفة في نفس الوقت. وهو ما بدأ فعلاً في أعقاب إعلان أتاتورك عن إلغاء الخلافة مقابل بروز اثنين من المطالبين بها وهم الملك حسين في الحجاز، والملك فؤاد في القاهرة. ما يؤكد على فكرة أنه على الرغم من الحاجة إلى خلافة موحدة فإنه من الصعب جداً على الدول والحكومات المنبثقة عن الدولة العثمانية أو الخارجة من الاستعمار أن تتوافق حول خليفة واحد. نظراً لاختلاف شكل الدولة الحديثة من حيث أهدافها وسياستها العليا المتمثلة في حفظ الأمن ورعاية مواطنيها ضمن حدود جغرافيا معينة، بالتالي فالانتماء الديني لم يعد وحده الأساس في تشكيل هاته الدول وإنما هناك عوامل أخرى كالانتماء الجغرافي، ليصبح الإسلام في خضمه ينحصر ضمن المجال الخاص للدولة لجهة تبني المذهب الخاص بها، أي أنه أصبح ضمن الوظائف الخاصة للدولة (الوظيفية الرمزية) في بناء قدراتها إلى جانب الوظائف الأخرى (الاستخراجية، التنظيمية، التوزيعية، الاستجابية)، بالمحصلة أصبحت المؤسسة الدينية تخضع لإعادة المفهمة حسب ما تراه الدولة مناسب لها.  في المقابل، تأسست العديد من الحركات الإسلامية كرد فعل على إلغاء الخلافة، وفي سعيها لإعادة إحيائها أو استعادتها تبنت وجهة النظر الجوهرية The essentialist view  ولكن عبر مقاربتين؛ الأولى عبر  استحضار نموذج الخلافة بالمفهوم التاريخي ومحاولة تبيئته في إحدى الدول لتتم عملية الانتشار لاحقاً إلى باقي الدول الإسلامية، والحديث هنا عن حزب التحرير. أما الثانية فجعلت من الخلافة كغاية لعملها والقصد هنا جماعة الإخوان المسلمين والتي اعتبرت أكثر تدرجاً، واقعية وتكيفاً مع مقتضيات العمل السياسي مقارنة بالأولى، ففي حيث لازالت الأولى تخوض معركة التثقيف لتطرح سؤالاً إلى متى يتم فيها إقامة الدولة الإسلامية. فإن عمل الثانية الذي ناهز قرناً من الزمن انتهى لأن تكون خارج اللعبة السياسية، والباقي منها تبنى وجهة النظر السياقية The Contextualist view، والأخذ بهذا الأخير قد يتقارب إلى حد كبير مع ما ذهب إليه المودودي في حديثه عن الخلافة في كونها مجاز شكلي تعكس إرادة الله بدلا من مؤسسة ملموسة بحد ذاتها، لكنه يثير إشكالاً حول بقاء روح الخلافة ضمن المبادئ المقاصدية التي تبنتها الحركات الإسلامية في الإطار السياقي؛ فمبادئ كالعدل، المساواة، الحرية والمساءلة هي مبادئ إنسانية عامة قد تشترك فيها أحزاب أخرى غير إسلامية وإن كانت مختلفة أيديولوجياً. في حين أن المنهج الإسلامي للممارسة السياسية قائم على مفاهيم العدل والإحسان والتعاون. وعملية التأسيس فيه قائمة على مركزية التوحيد (التشريع الإسلامي)، فبناء الإنسان، ثم يليه بناء العمران. والسياسة هنا يحكمها منطق الحق والعدل، في حين أن المنظور السياقي للممارسة السياسية قائم على علمانية الدولة، فمحورية الإنسان، ثم يأتي بعدها بناء العمران. وثمة فوارق بين من يعتبر السياسة تحكمها الحق والعدل وبين من يعتبرها قائمة على القوة والمصلحة.

لا شك أن سقوط الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية شكل صدمة في جميع أنحاء البلاد العربية والإسلامية، وألهمت فكرة عودتها العديد من الحركات والمشاريع الفكرية. إلا أنه بعد مرور قرن من الزمن وبعد تبني العديد من التكييفات في إطار النقد الذاتي، وجدت الجماعات الإسلامية المؤمنة بفكرة الخلافة أو حتى الهادفة للعمل ضمن حدود السياسة المؤسساتية مرة أخرى عرضة للاستئصال (مصر)، أو أنها واجهت تجاذبات حادة في مواجهة الخصوم (تونس)، أو متفككة داخلياً (الأردن)، أو مغيبة على حساب الجماعات المسلحة (سوريا، ليبيا)، أو فاقدة للشرعية (الجزائر). نتيجة ذلك أصبح يسود أوساط بعض الإسلاميين شعور بالانهزام بسبب ما آلت إليه مسارات الأحداث. في هذا السياق تطرح الأحزاب الإسلامية التي تبنت المنظور السياقي تساؤلات عديدة بشأن الموقف من طموحهما التاريخي والأيديولوجي بإقامة الدولة الإسلامية؟ فكيف يمكن للأحزاب الإسلامية في المغرب أو في تونس على سبيل المثال أن تجمع بين مفردات البيعة والشورى المستمدة من الفقه الإسلامي والمستندة في منطلقاتها السياسية من نظريات الحكم في الإسلام، وبين مقتضيات الفقه الدستوري الناتج عن الحضارة الغربية. وكيف يمكن تبرير ذلك فقهياً وشرعياً؟

إذا اخذنا فرضاً أنه يوجد نظام إسلامي تعيش في ظله مجتمعات مسلمة وأيضاً مجموعات غير مسلمة (أهل الذمة)، وبين نظام علماني تعيش تحته تنوعات مجتمعية، إضافة إلى فئات مسلمة قد تكون في شكل أقليات صغيرة، بالتالي دينامية العمل تفرض نمطاً معيناً من الأفكار والممارسات التي يفرضها نظام الدولة سواء كان إسلامياً أم علمانياً، ففي الحالة الأولى، لا يشكل أهل الذمة (الأقلية) خطراً على غالبية المجتمع المسلم وعلى النظام ككل. أما في الحالة الثانية، فعلى الفئة المسلمة (الأقلية) في ظل النظام العلماني أن تقبل بالعيش وفقاً للحدود المسموح لها به. وعملياً تبني ممارسة سياسية ذات بعد إسلامي في سياق الدولة الحديثة والمعلمنة يجعل الممارسات الإسلامية للأحزاب تتم في إطار جزئي (التخصص) والمرتبط بفترة زمنية معينة (عهدة أو عهدتين) في حال الوصول إلى السلطة. بالإضافة إلى أن تنظيم عملية التداول السياسي لمختلف هذه الأحزاب بما فيهم الأحزاب الإسلامية هي مسؤولية الدولة المحايدة. لذا اعتبار هذه الأخيرة كأداة محايدة للحكم يمكن استخدامها لتنفيذ وظائف محددة طبقاً لاختيارات الحزب الفائز في حال كان إسلامياً، هو في الحقيقة استصغار من القيمة الرمزية لفكرة الخلافة وحصرها ضمن أيدولوجية معينة كغيرها من الأيديولوجيات، وكما أنه اعتراف ضمني بالدولة كطرف محايد بالتالي استحالة الحديث عن بديل عنها. لذا كل ما يمكن أن يفعله الحزب الإسلامي في حال وصوله إلى السلطة هو إجرائه لتغييرات على مستوى نظام الحكم أو أقل من ذلك، بدون المساس بمقتضيات الدولة ومستلزماتها.

الخلافة كفعل اقليمي استطرادي 

إذا كان انتشار الإقليمية يبدأ بالأفكار ثم السياسات وأخيراً ينبثق في شكل مؤسسات من خلال آليات التأثير المباشرة والتي من شأنها أن تعزز نماذج إقليمية معينة. فغالباً ما يتم تجاهل الآلية الأولى (الأفكار) من قبل الباحثين الذين حصروا الانتشار في كونه ردوداً طوعية للحوافر الداخلية (مثل الترابط الاقتصادي) أو الخارجية (مثل العولمة) بدلاً من كونه استطرادات فكرية. لذا غالباً ما يتم تجاهل الانتشار الفكري في عملية التكامل والاندماج على حساب المقاربات الوظيفية التي لا زالت تهيمن على هذا المجال منذ بداية نظرية التكامل في الخمسينات من القرن الماضي. لذا فإن إعادة تفسير الإقليمية كإطار فكري استطرادي، بدلاً من كونه آلية سببية، تدفع بالحجة القائلة بأن الإقليمية يمكن أن تعتمد على المفاهيم والنماذج من حالات معينة كالاتحاد الأوربي والآسيان من دون استيراد افتراضاتها المعرفية والنظرية المتمركزة. وبالاعتماد على نظرية الانتشار، نجادل بأن العامل الفكري كقوة معيارية أكثر أهمية في مجال الإقليمية، بالتالي من الأهمية بمكان تطوير نموذج يتناول الأسس المفاهيمية والنظرية والمنهجية لتصور الإقليمية كانتشار فكري، والذي من شأنه أن يؤدي الى ممارسات ونتائج مؤسسية على المستوى الإقليمي لاحقاً. في هذا الصدد يجب أخذ الاتصال والتفاعل كعمليات خطابية بين الجهات الفاعلة بعين الاعتبار في عملية الانتشار الفكري وذلك لزيادة شرعيتها، بالتالي كلما زاد عدد الجهات الفاعلة الإقليمية، كلما كانت نتائج الانتشار في اتجاه التكيف والتحول المطلوب.

     يكشف الإطار التحليلي الذي تم تطويره في هذه الورقة عن شروط إضفاء الشرعية على فكرة استدعاء الخلافة كمقاربة إقليمية بدلا من كونها مقاربة داخل الدولة وجلبها للنقاش، مما يمكن من اختيار الأساليب والقرارات المؤسسية في العمليات المكانية والزمانية والقطاعية بشكل ملموس كنتائج لذلك. بالتالي  لابد ان يركز الاتجاه البحثي على إعادة استدعاء الخلافة كمقاربة عبر وطنية من خلال الفعل الاستطرادي التواصلي بين الجهات الفاعلة وذلك باستخدام الأفكار والمعايير كأبنية خطابية، من خلال ثلاثة عناصر رئيسية:

أولاً: القواعد والمعايير التي يتم نشرها فيما يتعلق بالخلافة كفعل إقليمي.

ثانياً: الوكلاء الرئيسيون المكلفين بنشر هذه المعايير (محليون، اقليميين)، سواء كانوا ” رواد أعمال أخلاقيين، أفراد أو حركات اجتماعية.

ثالثاً: التبشير الأخلاقي لفكرة الخلافة حتى تكتسب جاذبية واسعة في الأمة المعاصرة.

لذا لا يجدر بنا أن نفهم الخلافة كحزب أو نظام حكم، بل هي الكل الذي يعبر عن هوية الدولة ومسؤوليتها على المجتمع. ويمكن فهم هذا أكثر عند التمييز بين التضامن العضوي القائم على التخصص، الاعتماد المتبادل والتنظيم الدستوري المستند إلى العلمنة، والفرق بينه وبين التضامن الميكانيكي المتميز بالتجانس والتشابه في القيم بين الدولة وغالبية المجتمع. ومنه فنظام الخلافة طوال تاريخه عكس فكرة التضامن الميكانيكي، في حين أن استدعاء الخلافة في ظل المجتمعات التي تتميز بالتضامن العضوي يجعل عمل الحزب الذي يتبنى فكرة الخلافة يتم في إطار وظيفي محدد وثابت وليس في إطار الدولة ككل.

إعادة تصور انتشار الخلافة كحالة معيارية ضمن نظريات التكامل والاندماج، وذلك من خلال معاملتها كعملية استطرادية يقوم بها أصحاب المصلحة الإقليميين كمناهج خطابية، وذلك لزيادة صدى أفكارهم وإضفاء الشرعية عليها مما يساعد على الاستدعاء الضمني والصريح للمبادئ والقواعد الأولية المعبرة عنها. ومن ثم فهي لا تنفي منطق التكامل المؤسسي الوظيفي في النظريات الكلاسيكية، بل يتم تضمينها فكرياً كقوة معيارية حتى تكتسب منطق التكامل الإقليمي عبر الفعل التواصلي الاستطرادي بدلا من كونها مقاربة تحل محل الدولة

 

[1] . على الرغم من ارتكاز نظام الخلافة الإسلامية على قواعد الشريعة الإسلامية، إلا انه عرف العديد من الاختلالات في أسسه البنيوية، والتي واجهت فيه فكرة الخلافة العديد من الصعوبات في الاستقبال والتحقيق . فحسب رشيد رضا لم تكن الدولة العثمانية مستجمعة لكل شروط الخلافة، وإنما اندرجت في حكم الضرورات او ما يسميها بـ “خلافة الضرورة” . وهو بذلك يختلف عن اطروحات الماوردي، الغزالي، وابن تيمية في حديثهم عن “إمامة الأمر الواقع” أكانت في شكل خلافة موحدة كما في حال الماوردي، أم في صورة خلافة منقسمة إلى دول عن بعضها البعض حسب الغزالي وابن تيمية

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks