الجهاد ثورة عند سيد قطب

إعداد: كرم الحفيان

 الوحدة الثقافية- مركز المجدد للبحوث والدراسات

تحميل بصيغة pdf

لاشك أن من أكثر المفاهيم الدينية التي يثار حول حقيقتها وغاياتها وتطبيقاتها (خاصة المعاصرة) لغط كثير هو مفهوم الجهاد. فالجهاد عند البعض هو فقط الحرب الدفاعية ضد غزو الكفار (عسكرياً) لبلاد المسلمين. وعند البعض الآخر فإن الجهاد هو أي حرب بين أي تجمع (رسمي أو غير رسمي) من المسلمين في مواجهة أي تجمع (رسمي أو غير رسمي) من غير المسلمين بغض النظر عن الغاية أو التموضع السياسي لكل طرف في هذا النزاع المعين. وعند بعض الاتجاهات، الجهاد هو حرب من يراهم مشركين أو مرتدين أو منحرفين ككثير من الحروب الطائفية الدائرة اليوم، وعند آخرين هو حرب القوى العظمى مع استهداف مدنييها. وعند آخرين هو الثورة الإسلامية على الأنظمة السياسية الحاكمة. وقد تشارك أو تمزج بعض الأطراف أو الجهات بين الصور السابقة أو بين بعضها بحسب فكرها أو الظروف المحيطة.

بدايةً، فإن سيد قطب يرفض حصر الجهاد في صورته الدفاعية وذلك لأن الجهاد مرتبطٌ بالإسلام والإسلام مرتبطٌ به، ورسالة الإسلام عالمية فهو “إعلان عام لتحرير الإنسان في الأرض من العبودية للعباد” وهو “الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها” وهذا الإعلان لم يكن “إعلاناً نظرياً فلسفياً سلبياً إنما كان إعلاناً حركياً واقعياً إيجابياً”. ولذا فهذه “الحركة لا تكتفي بالبيان في وجه السلطان المادي كما أنها لا تستخدم القهر المادي لضمائر الأفراد وهذه كتلك في منهج هذا الدين” وبوصلة الجهاد هي “تحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة” وجعل “شريعة الله هي الحاكمة” ثم ترك الجماهير تعتقد ما تشاء بعد “رفع الضغط السياسي عنهم”[1].

من النقول السابقة لقطب، يمكننا تصور فلسفته للجهاد كثورة شاملة. فأولاً، غاية الجهاد هي تحرير “الإنسان” من الطغيان السياسي والضغط الاجتماعي الذي يكرهه على عقيدة محددة أو أسلوب معين. ولفظ “الإنسان” هنا شامل لجميع البشر في كل مكان ومن مختلف الهويات الدينية والعرقية والاجتماعية. فهدف الجهاد هو تحطيم الأنظمة السياسية التي تقود المجتمعات بغير الهدي الإلهي والقوانين الربانية. وهنا ملمح هام جداً ركز عليه قطب، وهو أن حرية الدعوة ليست أمراً كافياً لإيقاف الجهاد، حتى ينضم له رفع الإكراهات السياسية والاجتماعية، وذلك لأن الإسلام دين عملي يحمل منهجاً شاملاً للحياة بكافة جوانبها وليس فقط ديناً اعتقادياً نظرياً، ولذا فبوصلة الجهاد هي تحطيم النظم السياسية غير الإسلامية.هذا من حيث التأصيل، أما من حيث التطبيق في الواقع المعاصر، فنصل إلى لب مفهوم الجهاد عند قطب، وإلى أحد أهم إسهاماته في التاريخ الحديث، وبالتحديد في حقبة ما بعد الاستعمار. الجهاد هو مشروع المقاومة الدينية للأنظمة السياسية القومية العلمانية الحاكمة في العالمين العربي والإسلامي. بشكل ملفت هنا، دمج قطب بين مفهومي الثورة الاجتماعية والجهاد الإسلامي، ووفر المسوغات والدوافع الدينية للثورة على البيروقراطية العلمانية الحاكمة (في فترة مبكرة جداً من عمر دول ما بعد الاستعمار)[2]، أو ما بات يعرف لاحقاً بالدولة العميقة.

لا شك أن هذه السردية تختلف كثيراً عن التأصيلات المعاصرة لمعارضة الأنظمة السياسية انطلاقاً من النصح للحاكم أو الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو حتى الخروج على الحاكم الظالم. التكييفات الفقهية المذكورة لم تأخذ في الحسبان تغير النموذج paradigm shift السائد أو النقلة النوعية التي حدثت في مرجعية وهيكلة النظام السياسي الحاكم في عصور الاستعمار وما بعد الاستعمار واختلافه عن الصورة الموجودة في التاريخ الإسلامي. الأمر الذي دفع قطب لاستحداث تفسير جديد للجهاد يواكب الواقع غير المسبوق.

على كل حال، فإن أصحاب التوجه الثوري والمسلح من تيارات وأيديولوجيات إسلامية مختلفة على امتداد العالم الإسلامي تأثروا بتنظيرات قطب كثيراً، وبدأوا بالتحرك ضد الأنظمة العلمانية الاستبدادية الحاكمة انطلاقاً من أدبياته. الأمثلة كثيرة ولكن سنقتصر على أربعة. فمن جبهة تحرير مورو الإسلامية في الفلبين وقائدها ومنظّرها سلامات هاشم، مروراً بالحركة الجهادية في سورية ضد النظام البعثي العلوي والتي حملت اسم الطليعة المقاتلة، والحركة كانت بقيادة مروان حديد ورفاقه وهم من خلفية إخوانية[3](وإن كانوا لا يمثلون التيار العام هناك)، وكان مروان قد التقى قطباً في مصر أثناء دراسته الجامعية في الستينيات وساهم في نقل فكره لسورية[4].

وعلى الصعيد الآخر، ورغم الخلاف المذهبي الكبير، لا يخفى أثر قطب الهائل في التنظير للثورة الإسلامية على الثورة الإيرانية، وقد قامت الجمهورية الإيرانية بطباعة صورته على طابع بريدي عرفاناً بدوره[5]. والمثال الرابع من مصر، فقد مثلت لحظة إعدام قطب شرارة تأسيس المجموعات الجهادية المصرية وهي مجموعات ذات طابع ومنهج سلفي، تلك المجموعات (على تنوعها) استهدفت رؤوس النظام المصري على مدار عقود وتمحورت خطة التغيير عندها على القيام بانقلاب عسكري عبر عناصرها داخل الجيش[6]. وبقطع النظر عن تمسك هذه الحركات والمجموعات وغيرها باستراتيجية وتكتيكات ونهج قطب فمما لا شك فيه أن كتاباته في ما يخص اللاهوت السياسي والثورة الإسلامية ألهمتهم. وخلاصة استراتيجية وتكتيكات قطب التغييرية (فيما يخص العمل الجهادي المسلح) كما نقلها عنه عبد المجيد الشاذلي أحد أهم الشخصيات الفكرية والحركية المنتسبة لاتجاه قطب[7]. قال قطب للشاذلي وغيره وهم في ساحة المحكمة سوياً “لا تستخدموا السلاح أبداً إلا وأنتم متوجهين لإقامة ثورة شعبية.. ولابد من الاستعانة بعسكريين وعدم الاقتصار على المدنيين”[8] وهناك حالة أخرى لاستخدام السلاح نقلها الشاذلي عن قطب وهي حالة مقاومة الاحتلال[9]. وبعد أربعة عقود ونصف تقريباً على إعدام واستشهاد قطب في 29 أغسطس 1966م، انفجرت الثورات العربية بعد انسداد جميع أفق الإصلاح في شتى المجالات. بالتأكيد، فإنه لا يوجد رابط مباشر بين بدايتها وأهدافها وبين تنظيرات قطب. ولكنّ في نفس الوقت، فإن أثر أفكار قطب على الكثير من الحركات الإسلامية الثورية لا يمكن إنكاره والأدلة كثيرة من سورية ومصر وليبيا وغيرها.

هناك نقطة أخرى هامة للغاية. قطب كان منظّراً ولم يكن فقيهاً، وعامةً، الحركات الدينية تحتاج مرجعية فقهية بجوار أيديولوجيتها وبرامجها التنظيمية. وخلال العقود السابقة، أغلب الجماعات الإسلامية المسلحة في العالم العربي تبنت الفقه السلفي المعاصر وركّبته على تصورات وتنظيرات قطب الاجتماعية والسياسية. النتيجة كانت هجيناً أيديولوجياً، نظريات اللاهوت السياسي حول الحاكمية والجاهلية وفلسفة التحرك مقتبسة من كتابات قطب، أما الممارسة الاجتماعية والسياسية فترجع إلى التعاليم السلفية المعاصرة.

على كل حال، فإن التغيرات الاجتماعية السياسية الجذرية المصاحبة للثورات العربية وإظهارها لمدى توحش الطغيان السياسي الداخلي وتناغم أهدافه وأساليبه مع الاحتلالات الخارجية قد يفتح الباب لتزاوج جديد بين أفكار قطب فيما يخص مفهوم الجهاد الثوري وبين طيف واسع من المدارس والتيارات والنخب والحركات الإسلامية الجديدة.

[1]  سيد قطب، “معالم في الطريق”، الطبعة الشرعية السادسة، (بيروت-القاهرة: دار الشروق، 1979م)، ص 57-62.

[2] John Calvert, “Sayyid Qutb and origins of Radical Islamism”, (oxford: oxford university press, 2013). 4.

[3] Ibid, 3-4.

[4] Raphael LeFevre, Ashes of Hama, the Muslim brotherhood in Syria. (New York: oxford university press, 2013). 98-101.

[5] John Calvert, “origins of Islamic radicalism”, 4.

[6] انظر: أحمد مولانا، “الحركات الجهادية المصرية: حدود الدور”، (اسطنبول: المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، 26 يوليو 2017م)، ص 2، 9.

[7]  بل ويعتبره البعض المؤصل الفقهي والشرعي لفكر وأدبيات قطب، للمزيد: التعريف بفضيلة الشيخ بقلم الشيخ رفاعي سرور، 21 مايو 2015م، موقع فضيلة الشيخ عبد المجيد الشاذلي.

[8]  بتصرف من كلمة عبد المجيد الشاذلي، الأصول الشرعية للرؤية السياسية المعاصرة، مقطع مرئي، الدقيقة الثامنة والثلاثون، 22 يوليو 2017م.

[9]  انظر: محمود أبو عجيلة، القتال مرهون بأمرين: حماية ثورة شعبية أو مقاومة محتل، موقع فضيلة الشيخ عبد المجيد الشاذلي، 4 يونيو 2015م.

اترك تعليقاً