نظرية التغيير الاجتماعي والسياسي

 عند سيد قطب

إعداد: كرم الحفيان

الوحدة الثقافية – مركز المجدد للبحوث والدراسات

تحميل pdf

1- المقدمة

    عقدٌ كاملٌ مر على بدء أكبر حركة تغييرية في العالم العربي في عصر ما بعد الاستعمار، ويبدو أنه مازال في جعبة الأحداث الكثير. ومع تنوع الرؤى والمناهج التي تناولت منطلقات وآليات التغيير، لعله من الأهمية القصوى بمكان العودة قليلاً إلى الوراء، إلى بداية تأسيس دول ما بعد الاستعمار، والإضاءة على النظريات التي نادت مبكراً بالتغيير الجذري الثوري للواقع الاجتماعي والسياسي المعاصر، وأعني بالتحديد (المنفيستو) الإسلامي الشهير أو معالم الطريق التي خطها سيد قطب.

فعلى الرغم من غزارة الدراسات العربية والعالمية حول سيد قطب وفكره فإن جلها انصب على أثر كتابات سيد قطب على فكر وأداء تنظيمات وجماعات معينة إصلاحية كانت أم جهادية، دون التوغل في عمق نظريته واستكشاف عناصرها الرئيسة ومناقشتها. ما يعنينا في هذه الورقة هو تفكيك نظرية قطب التغييرية، والخروج بتصور واضح ومفصّل لهذه النظرية بكافة أبعادها وجزئياتها الثقافية والتعليمية والاجتماعية والحركية والسياسية وغيرها، وذلك عبر استنطاق المحكم من إرثه المكتوب ومواقفه المسجلة بالإضافة إلى الاستعانة بأبرز ما كتبه المؤرخون والباحثون حول أفكاره، مع الأخذ بعين الاعتبار السياقات التاريخية الشخصية والاجتماعية- السياسية المحيطة بهذه النظرية وتبلورها في صورتها النهائية.

وعليه، فستتناول الدراسة المحاور التالية:

– توصيف الواقع الاجتماعي والسياسي المعاصر وفقاً لقطب (الحاكمية- الجاهلية).

– طريقة تكوين أفراد الحركة التغييرية عند قطب (التربية- التعليم- التثقيف النقي- البناء النفسي).

– منهج الحركة التغييرية عند قطب (الأيديولوجية وخطاب التعبئة- التجمع الحركي العضوي الأممي- الدعوة والثورة الإسلامية).

بادئ ذي بدء، تحسن الإشارة إلى حقائق سريعة حول مسيرة وتوجهات قطب الفكرية والثقافية. سيد قطب (1906-1966م) مر بثلاث مراحل أساسية خلال حياته. في المرحلة الأولى (1925-1945)، كان مشغولاً بالشعر والأدب والنقد الأدبي[1]، وكان قومياً ليبرالياً متشدداً معادياً للإسلام والتقاليد في معظم هذه المرحلة[2].

في المرحلة الثانية عقب الحرب العالمية الثانية وقبل حقبة ما بعد الاستعمار، تحول سيد قطب للتوجه الإسلامي، واتبع المقاربات الاعتذارية العامة في: فهم الإسلام والدعوة إليه، وفي الحلول الإسلامية لمختلف الأزمات والكوارث الاجتماعية والسياسية على الصعيدين المحلي والعالمي. هذه المقاربات دأبت على تقديم الإسلام ديناً علمياً وعقلياً قادراً على مواكبة تطورات وتحديات العالم الحديث[3].

في المرحلة الثالثة والأخيرة “المتطرفة”، مع بداية حقبة ما بعد الاستعمار في مصر والعالم الإسلامي، خصص قطب جهوده لتحليل النظامين الاجتماعي والسياسي السائدين في العالم الإسلامي. وفي نهاية المطاف، صاغ خطة نهوض ودعا لثورة إسلامية كطريق وحيد لتحرير المسلمين والبشرية جمعاء مما أسماه حالة “الجاهلية”[4].

2- توصيف الواقع الاجتماعي والسياسي: الحاكمية- الجاهلية- دار الكفر

بشكلٍ عام عبر التاريخ الإسلامي، كان يُنظر إلى “الجاهلية” على أنها وصف خاص بمرحلة تاريخية مرت بها الجزيرة العربية قبيل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. في هذه المرحلة، كان المجتمع يعبد أصناماً ويمارس أنماطاً سلوكيةً “متطرفة”. ولكن قطب حرر مفهوم “الجاهلية” من الزمان والمكان وعرفه ببساطة كظاهرة اجتماعية- سياسية متكررة كلما وأينما رفض البشر السيادة الإلهية. فالجاهلية عند قطب، هي بالدرجة الأولى وصف اجتماعي وهي انعكاس للرفض القاطع من النظام السياسي لحاكمية الله. اختصاراً، فالحاكمية هي الحق المطلق في التشريع وتحديد القيم وصياغة القوانين. وعليه، فالصياغة الأفضل للعلاقة بين الحاكمية والجاهلية هي كالتالي: “الجاهلية هي حاكمية البشر والإسلام هو حاكمية الله”[5]. على صلةٍ بما سبق وبشكلٍ مثير للاهتمام، يمكننا ربط مصطلح دار الكفر في التراث الإسلامي بمفهوم الجاهلية عند قطب. دار الكفر هو مصطلح صكه الفقهاء الكلاسيكيون واستخدمه غالبهم في وصف المساحة المحكومة بقوانين غير إسلامية وإن كان السكان المحكومون مسلمين[6].

تاريخياً، هذا الأمر، عادةً ما كان يحدث عندما تُغزى أرضٌ إسلامية من غير المسلمين ثم تُحكم بقوانينهم. الجديد الذي أتى به قطب هو أمر ذو شقين، الأول: حركة متزامنة من نقل الوصف من المكان إلى المجتمع، وتخفيض الوصف من الكفر إلى الجاهلية. عموماً، فإن تركيز وحكم قطب كان على النظام الاجتماعي لا الأفراد. الشق الثاني: تعميم وصف الجاهلية على العالم أجمع، وإرجاعه للقرن التاسع عشر الميلادي؛ منذ انقطاع الحكم الإسلامي وهيمنة الاستعمار والنموذج العلماني. وهنا يلفت نظرنا الباحث الأمريكي المتخصص في فكر سيد قطب William E.Shepard إلى أن معايير قطب لإسلامية المجتمع ليست نقائية كما يُظن أحياناً[7].

على أي حال، لعل ما دفع قطب للوصول إلى هذه القناعة هو الفرصة الضائعة لتأسيس دولة إسلامية بعد رحيل المستعمرين، وقيام دول علمانية قومية ما بعد استعمارية في مصر والعالمين العربي والإسلامي.

وعليه، قرر قطب في مقدمة كتابه معالم في الطريق أن البشرية تواجه تهديداً وجودياً خطيراً، فجميع منظومات القيم التي صنعها الإنسان شرقيةً كانت أم غربية أثبتت فشلها المطلق وفقدت بريقها السابق. فعاصمة الشيوعية روسيا تعاني عجزاً غير مسبوق في غلاّتها الرئيسة، وهي التي كانت تتمتع بفائض حتى في زمن القياصرة! بل أصبحت تبيع الذهب لتستورد القمح والمواد الغذائية. وبعد أن كانت الفكرة الشيوعية الماركسية عقيدة ملهمة لأعداد كبيرة شرقاً وغرباً تقلصت على الصعيد المجتمعي، وانحصرت في مؤسسات الدولة. وفي الجهة المقابلة فالغرب “الديمقراطي” يشهد إفلاساً من الناحية القيمية ولم يعد لديه ما يقدمه، وقد بدأ بالاقتباس من الأنظمة الشرقية الاشتراكية وخاصة ًفي الجانب الاقتصادي[8].

ووفقاً لقطب، فهذه الحقائق لا تشير لتدهور مادي أو عسكري، إنما تظهر الانحراف الحتمي لجميع النظم القيمية الجاهلية نتيجة لغياب الهدي الإلهي. ومن ثم، فإن العالم بحاجة للتغيير، والبشر يحتاجون لقيادة أخرى غير الرجل الغربي. وعلى الرغم من إيمانه بأن السعي للتطور المادي واجب إسلامي وقرآني، وأن ما حققه الغرب يجب الحفاظ عليه وتطويره. فإن دور الأمة الإسلامية الأساسي في نظره هو إنقاذ البشرية من الدمار المحقق عبر تقديم النظام القيمي الوحيد المنسجم مع الطبيعة البشرية والموجود حصراً في عقيدة ومنهج الإسلام. هذا لن يحدث من خلال جهود نظرية فحسب، إنما لابد من تجسده في مجتمع مسلم وأمة إسلامية ليست موجودة منذ زمن طويل (القرن التاسع عشر). من هنا ينطلق قطب في أطروحته التغييرية، ويبدأ في رسم معالم الطريق للطليعة والحركة الثورية المؤمنة الساعية للتغيير، معتمداً على فهمه للمصدر الإسلامي الأول: القرآن العظيم وتطبيق الجيل الأول: صحابة النبي عليه الصلاة والسلام[9]. في المحور القادم من الدراسة سنركز على قراءة قطب لطريقة تكوين هذا الجيل معرفياً وتربوياً وروحياً ونفسياً ودعوته لاقتباس هذه الطريقة في الطريق لتأسيس أفراد الحركة التغييرية المنشودة. ثم في المحور الذي يليه سنتطرق لمنهج هذه الحركة.

3 تكوين أفراد الحركة التغييرية

بدايةً، تساءل قطب، لماذا لم يتكرر جيل الصحابة طوال التاريخ الإسلامي؟ ما الأسباب؟ ثم بدأ بالبحث ليخلص إلى أهم العوامل التي شكلت هذا الجيل الاستثنائي.

  1. 3 الجانب التعليمي

أولاً، تحدث قطب بحساسية شديدة عن مصادر التلقي في فترة التكوين الأولى. وذكر حرص النبي على حصرها في القرآن وحده. ثم بين أن هذا الفعل لم يكن بسبب الفقر الثقافي والحضاري للبشرية عصرئذٍ، فقد كان هناك حضارات إنسانية عظيمة محيطة بالجزيرة العربيةكالحضارة الرومانية والحضارة الفارسية وحضارات أخرى بعيدة كحضارتي الصين والهند، إضافةً إلى وجود أهل الكتاب (مع ما يحملونه من علوم) داخل الجزيرة العربية. ومع ذلك منع النبي أصحابه من الأخذ منهم وغضب من عمر لما رآه ممسكاً بشئٍ من التوراة. والمقصد من هذا (في نظر قطب) هو تنقية القلوب والعقول من الموارد المعرفية الخارجية في فترة التكوين الأولى، الأمر الذي لم يسلم منه أي جيل بعد جيل الصحابة إذ دخلت ثقافات أخرى واختلطت بالعلوم الإسلامية التراثية التي نهل منها المسلمون. شمل ذلك التفسير وعلم الكلام كما ضم الأصول والفقه. ولذا لم يتكرر جيل الصحابة وكان هناك فارق كبير بينهم وبين من تلاهم[10].

هنا، تبرز الحاجة لثلاثة تعليقات ضرورية، الأول هو إغفال قطب للتأثير المباشر لوجود النبي صلى الله عليه وسلم على محيطه كعامل إضافي مرجّح لجيل الصحابة، وهذا أمر إشكالي من وجهة نظري. الثاني: يبدو أن تجربة قطب مع التقليديين المحافظين جعلت نقده ينسحب على العلوم التراثية الإسلامية دونما تقديم أي بدائل نماذجية معيارية، ولعل هذه المسألة هي السبب في انحسار أثر قطب في التيارات التقليدية وتمدده (إلى حدٍ ما) في التيارات السلفية والحركية. وهنا نستطيع أن نستنتج أن نقائية قطب كانت أكثر في المصادر المعرفية لا في الحكم على المجتمعات والدول كما مر معنا.

ثالثاً: مسألة الاقتصار على تعلم القرآن في مرحلة التكوين الأولى كانت مطبقة ومشهورة في التراث الإسلامي في بعض الأمصار. وقد ذكر ابن خلدون نموذج المدرسة المغربية في مقدمته الشهيرة. في هذا النموذج،  كان طلاب المرحلة الأولى (صغاراً وكباراً) يدرسون القرآن فقط[11]. في هذا السياق، تحسن الإشارة إلى تموجات العلاقة بين قطب والقرآن خلال مسيرة حياته .في المرحلة الأولى، أثناء طفولته في القرية المحافظة موشا في صعيد مصر، حفظ قطب القرآن كله وهو ابن عشر سنوات، وذلك بالتوازي مع دراسته المدرسية الرسمية[12]. لاحقاً، مع انتقاله للعيش في العاصمة القاهرة عن عمر ناهز أربعة عشر عاماً، تحولت اهتماماته إلى المجال الأدبي. وبشكل ملفت، تأثر قطب بعلاقة طويلة لصيقة عنوانها التتلمذ على يد أحد أهم الأدباء القوميين في مصر في القرن العشرين: عباس محمود العقاد[13]. في هذه الفترة، نهل قطب من مختلف حقول المعرفة الغربية وأهمل المصادر الإسلامية. وعليه، دخل قطب في مرحلة ضياع ووصل شكه في الدين إلى أقصى حد في الفترة بين 1925م-1940م[14]. ثم في المرحلة الثالثة والأخيرة، انكب قطب على القرآن. أولاً من خلال محاولة استكشافه للجوانب الجمالية والفنية في القرآن. ثم عبر تفسيره الاجتماعي والسياسي للقرآن. في النهاية، استخرج قطب مفاهيم مفتاحية جديدة متعلقة بالأثر الحركي المفترض للقرآن على حياة المسلم. والحركية عند قطب هي مصطلح مركب للغاية حامل لدلالات كثيرة منها النشاط والنضال، الثورة والجهاد، المعاناة والصبر، العبودية لله وتحرير الإنسان[15].

بالعودة إلى رؤية قطب لكيفية البناء الفكري والثقافي عند صانعي التغيير. وبعد أن عرضنا نموذجه المقترح في مرحلة التكوين الأولى والتي يمكن أن نسميها المرحلة القرآنية الخالصة، ننتقل إلى المراحل التي تليها. مبدئياً، أكد قطب أن عملية التثقيف والبناء الفكري لا بد أن تكون مرجعيتها التصورات الإسلامية كأي مجال آخر: تشريعي، قانوني أو أخلاقي، فالجميع من صلب العقيدة الإسلامية. ثم شدد على فساد التعميم القائل إن الثقافة “تراث إنساني”، وفرّق بين العلوم والمعارف المرتبطة بالإنسان والكون من جهة والعلوم البحتة من جهة أخرى[16].

الأولى معنية بتفسير نشأة الكون والحياة ونشاط الإنسان (فردياً ومجتمعياً) وأصله وحركته وتاريخه وردود أفعاله، وهي ليست علوماً تجريبية مجردة، بل هي مبنية (في عصرنا الحالي) على فلسفات وقيم وانحيازات معرفية معادية للتصورات الدينية عامة وللإسلامية خاصة. أما الثانية، وبالتحديد الجانب التجريبي منها وليس الجانب التفسيري، فهي علوم بحتة قائمة على الرصد والملاحظة. الأولى (بنموذجها الغربي السائد في العصر الحالي) مسمومة، فلذا لا يجوز دراستها إلا مع معلم مسلم ثقة مطبَقٍ لدينه، هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى فإن قطب كان يرى هزالتها المعرفية مقارنة بما جاء في الوحي الإلهي. أما الثانية فدراستها ممكنة مع أي أحد مع أخذ الحيطة من أي ظلال فلسفية (كالنظرية الداروينية مثلاً). ووفقاً لقطب، فإن الحضارة الغربية الصناعية الحالية قامت على العلوم التجريبية (لا الإنسانية). وجذور هذه العلوم كانت موجودة في الحضارة الإسلامية شرقاً وغرباً قبل أن يبني عليها الغرب حضارته، وواكب ذلك تراجع المسلمين فيها لبعدهم التدريجي عن الدين نتيجة إشكالات داخلية تخص المجتمع المسلم وحملات وحروب خارجية[17].

إذن، فالمنظومة التعليمية التي اقترحها قطب تعتمد على حصرية المصدر القرآني في مرحلة التكوين، ثم الاهتمام لاحقاً بالمصادر الدينية الأصلية والتزهيد في العلوم الإنسانية بشكل عام والتشجيع على العلوم التجريبية مع أخذ الحذر من الحمولات الفلسفية المصاحبة لها.

3.2   الجانب التربوي

أما فيما يخص الجانب التربوي المصاحب للشق التعليمي فله ثلاثة ملامح مميزة عند قطب:

الأول: العلم للعمل

قراءة القرآن بقصد التطبيق الفوري للأوامر الواردة فيه في كافة مناحي ومجالات الحياة الفردية والجماعية “كما يتلقي الجندي في الميدان (الأمر اليومي) ليعمل به فور تلقيه”، لا لمجرد زيادة الحصيلة العلمية والتنمية الثقافية الباردة. وهنا وضح قطب أثر هذه الطريقة: “هذا الشعور، شعور التلقي للتنفيذ كان يفتح لهم من القرآن آفاقاً من المتاع وآفاقاً من المعرفة، لم تكن لتفتح عليهم لو أنهم قصدوا إليه بشعور البحث والدراسة والاطلاع…إن هذا القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن يقبل عليه بهذه الروح: روح المعرفة المنشئة للعمل”[18].

في سياق مشابه، عند تطرقه لحديث “العلماء ورثة الأنبياء” حمل ابن خلدون على الذين “حملوا الشريعة أقوالاً في كيفية الأعمال في العبادات وكيفية القضاء في المعاملات ينصونها على من يحتاج إلى العمل بها؛ هذه غاية أكابرهم؛ ولا يتصفون إلا بالأقل منها” وذكر أن من كانت هذه صفاته فليس مستحقاً لوصف وريث النبي، بل أن من حمل الشريعة “اتصافاً وتحققاً دون نقل فهو من الوارثين..ومن اجتمع له الأمران فهو العالم وهو الوارث على الحقيقة”[19].

لعل هذا الأمر محوري جداً في استشفاف صفات قادة التغيير المرجوة عند قطب وكذلك عند ابن خلدون.

الثاني: المعلم المربّي

من جهةٍ ثانية، فإن قطب ركز على تقوى المعلم وروحانيته (إضافةً إلى معارفه) شرطاً للأخذ عنه والثقة في التتلمذ عليه. وإذا ما استثنينا العلوم المادية البحتة، فإن قطباً يعتقد بعبثية الفصل بين العلم و”صاحب العلم” في المنظومة التعليمية. ويضع خطاً فاصلاً بين العلماء الممدوحين في القرآن وبين العلماء الدنيويين. وهنا يستشهد بالآية التاسعة من سورة الزمر “أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنما يتذكر أولوا الألباب”. ثم عقب قائلاً “هذا هو العلم الذي تشير إليه الآية، العلم الذي يهدي إلى الله وتقواه، لا العلم الذي يفسد الفطر فتلحد في الله”[20].

تحسن الإشارة هنا إلى أهمية الجانب الروحاني في تكوين شخصية قطب وتحولاته الفكرية، وإلى أحد أهم أسباب انفصاله عن أستاذه ومرشده السابق الأديب الكبير عباس محمود العقاد. العقاد كان يقارب الأمور من زاوية عقلية محضة ولا يهتم بالجانب الروحي، أما قطب فللروح وما يتعلق بها مكانة كبيرة عنده منذ الصغر، وهو ما باح به للعالم الهندي الشهير أبي الحسن الندوي عندما قابله عام 1951م في القاهرة، قال قطب “إن نفسي ما زالت متطلعة إلى الروح وما يتصل بها، وكنت في صغري مشغوفاً بأخبار الصالحين وكراماتهم، ولم تزل هذه العاطفة تنمو في نفسي مع الأيام”[21].

إذن، فالجانب الروحي تأسيسي عند قطب منذ الصغر وهو من أسباب عودته للتوجه الإسلامي، وهذا انعكس على رؤية قطب لمنهجية التربية والتعليم التي ينشدها وخاصة لصانعي التغيير في المجتمع.

  3.3 الجانب النفسي 

على صلةٍ بما سبق، نصل إلى منهجية التأهيل والبناء النفسي بأبعادة الثلاثة عند قطب: العزلة الشعورية، والاستعلاء الإيماني، والبعد الثالث يمكن أن نسميه “القابلية للاستشهاد”.

البعد الأول: العزلة الشعورية وهدفها مسح الماضي الشخصي وتجنب آثار الحاضر المجتمعي.   

ذكر قطب من صفات جيل الصحابة: خلع الماضي الجاهلي بكل قيمه وأنماط الحياة فيه ثم بناء حياة جديدة. هنا ركز قطب على مبدأ الشك والريبة في كل الأفكار والعادات والتقاليد السابقة. هذا فيما يخص الماضي. أما فيما يتعلق بالحاضر فأضاف لما سبق الدعوة إلى قطع أي روابط اجتماعية تتضمن الولاء لقيادة جاهلية (غير إسلامية). هذه العزلة لا تشمل العزلة الفيزيائية الجسدية في شؤون الحياة اليومية، إنما تقتصر على العزلة فيما يخص الأفكار والولاء والسلوك. وفي المقابل دعا لتغيير واقع المجتمعات من أساسه عبر إنشاء تجمع إسلامي جديد[22].

وعلى الرغم من أن سياق كلام قطب موجه بالدرجة الأولى للحداثة وقيمها العلمانية، فإن هجومه شمل كذلك التقاليد الإسلامية، قال قطب: “كثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيراً إسلامياً، هو كذلك من صنع الجاهلية”. ولذا فهو يكرر هنا ما ذكره في الشق التعليمي من ضرورة “التجرد في فترة الحضانة والتكوين من كل مؤثرات الجاهلية التي نعيش فيها ونستمد منها، لابد أن نرجع إلى النبع الخالص”[23] والمقصود هنا القرآن.

في الحقيقة، مسألة العزلة الشعورية موجودة في كثير من الاتجاهات الإسلامية ولكن ب (بوصلات) مختلفة. فالتقليديون المحافظون مثلاً، ينتشر بينهم مبدأ العزلة الشعورية فيما يخص الحداثة وقيمها ولكنهم يرتبطون بالتقاليد والمعارف الإسلامية المتوارثة مع تقدير في الجملة للتاريخ الإسلامي. من ناحية ثانية، تمارس الكثير من التيارات السلفية شعور العزلة مع الاتجاهات المذهبية التقليدية والكيانات الصوفية وتمتد هذه العزلة لتشمل مراحل كثيرة في التاريخ وخاصة الحقبتين المملوكية والعثمانية. أيضاً يكثر عند الشيعة شعور العزلة تجاه المحيط السني الواسع ومجمل التاريخ الإسلامي.

لابد من التذكير هنا بالسياق التاريخي الذي كتب فيه قطب هذه الإرشادات النفسية لأعضاء الحركة التغييرية المنتظرة، حينها وصلت برامج الهندسة الاجتماعية (من الدول الشمولية) ذروتها كالناصرية والاشتراكية في مصر وأهم العواصم العربية، والكمالية في تركيا الخ..، وجميعها كانت تهدف لإعادة بناء الإنسان والمجتمع على وفق معايير حداثية لادينية.

البعد الثاني: الاستعلاء الإيماني

على صلةٍ بما سبق، وفي سياق حالة الاستضعاف العامة أثناء مواجهة موجة إعادة بناء المجتمعات العربية على وفق أيديولوجيات قومية واشتراكية غير إسلامية في ستينيات القرن الماضي، شدد قطب على تقوية نفوس المؤمنين يالتغيير عبر مبدأ الاستعلاء بالإيمان. ومفهوم الاستعلاء بالإيمان اقتبسه قطب من الآية “ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين”. وتفسير قطب للاستعلاء أنه ليس “مجرد الصبر والثبات” وليس محصوراً في حالات الجهاد فقط، بل هو استشعار دائم لعلو القيم الإيمانية وحملتها فوق كل التصورات والعقائد والقيم والتقاليد المخالفة للقيم الإيمانية أو التي لم تنبع من الإيمان، مهما كان المؤمنون في حالة ضعف مادي أو هزيمة عسكرية فهذه الحالة مؤقتة وستزول. وهدف الاستعلاء هو الاستقواء بقوة ربانية غير بشرية وغير دنيوية لمقاومة مشاعر الوهن والحزن والغربة الناشئة عن مجابهة الطغاة البغاة والضغوط المجتمعية الهائلة والحشود الجماهيرية الضالة، والاستعلاء له جانبان: جانب الاعتزاز والعلو وجانب حب الهداية والرحمة الإشفاق على الجموع الضالة[24]. الملفت هنا هذا الملمح الثوري في الإسلام الذي أشار إليه ودعا له قطب وهو مضاد لرؤية ماركس للدين كأفيون للشعوب[25].

البعد الثالث: القابلية للاستشهاد

نصل إلى حجر الزاوية في تشكيل روح وشخصية الكثير من الإسلاميين في العقود السابقة. وهو ما ذكره قطب في الفصل الختامي من كتابه معالم في الطريق بعنوان “هذا هو الطريق” أو ما يمكن أن نطلق عليه القابلية للاستشهاد وهو وإن كان أوضح في التيارات الثورية (الجهادية) فإنه وُجد كذلك في الإسلاميين الإصلاحيين الذين ألهمتهم كتابات قطب. حاول قطب تهيئة الدعاة إلى الله والعاملين في سبيله (نفسياً) لجميع النهايات المحتملة في صراعهم مع القوى الجاهلية بما فيها النموذج الأكثر وحشية وهو نموذج أصحاب الأخدود المذكور في القرآن. في هذا النموذج، حُرق جميع المؤمنين أحياءً من جنود الطاغية الذين كانوا يستلذون بتعذيبهم وحرقهم، وبدا وكأنّ المعركة قد حسمت للطغيان. ولكن قطباً اعتبر المؤمنين هم المنتصرين، ليس فقط لأنهم حرروا أرواحهم من الخضوع لإكراهات الطغيان. ولكن أيضاً، حينما نوسع النظر إلى ما وراء المشهد الدنيوي الصغير القصير ونصله بالملأ الأعلى والآخرة الخالدة، سنرى المعادلة قد عُكست. الطاغية وجنوده يحترقون في الجحيم الأبدي، والمؤمنون يتنعمون سرمدياً في الجنة[26].

بيد أن قطب لم يروج نهائياً لهذا السيناريو مصيراً وحيداً محتوماً لمحاولات التغيير أثناء الصراع مع القوى الجاهلية الطاغية، كلا! في الحقيقة، لفت قطب النظر إلى طيف واسع من النهايات الممكنة، وسرد أمثلة تاريخية كثيرة من عهود النبوات وما بعدها. تراوحت النهايات بين مجرد النجاة من الظالمين، وبين الانتصار الجزئي، أو الانتصار الكلي والتمكين الكامل. إلا أن قطب أكّد على ضرورة الاستعداد الروحي والعقلي للنهاية الأشد: أصحاب الأخدود[27].

نقطة أخيرة محورية نبه لها قطب ولأثرها النفسي، وهي عدم الانخداع ببروباغندا وتمويه الأعداء وإدراك حقيقة الصراع والحرب المستمرة على الإيمان مهما تستروا بغايات عنصرية أو سياسية أو اقتصادية أو استعمارية[28].

4– منهج التغيير الاجتماعي والسياسي

بعد أن عرضنا الجوانب التعليمية والتربوية والنفسية المختلفة في تكوين أفراد الحركة التغييرية، حان وقت التطرق لمنهج الحركة، وبإمكاننا تقسيم المنهج إلى: الأيديولوجية وخطاب التعبئة، بناء التجمع الحركي العضوي الأممي، واستراتيجيات وتكتيكات التغيير.

4.1 الأيديولوجيا وخطاب التعبئة

وفقاً لقطب، فإن طريقة التغيير الاجتماعي بغرض إنشاء مجتمع إسلامي ثابتة وأبدية[29]. ولذا فهو يستشهد بتجربة الجيل الأول في الإسلام جيل الصحابة كمثال ينبغي تقليده. في هذا الإطار، سلط قطب الضوء على مفهومين تأسيسيين.

أولاً: تقرير وترسيخ العقيدة كإيمان ديناميكي (حركي)

من هذا المنطلق دعا قطب لتلك العقيدة التي يكون فيها السؤال والركن الأساسي للإسلام واضحاً لكلا الطرفين: المسلمين وغير المسلمين، كما كان في زمن الصحابة مع معاصريهم من الكفار. وأوضح أن الطرفين (مسلمين وغير مسلمين) أدركا أن الإسلام يعني الخضوع لله ولشرائعه وفي نفس الوقت مجابهة جميع الأحوال والأوضاع والقيم والسلطات المعارضة لحاكمية الله، ولذلك اُستقبلت “هذه الدعوة أو هذه الثورة” استقبالاً عنيفاً من أصحاب الرياسة والسلطان والنفوذ الاجتماعي والسياسي[30].  إذن ففي نظرية قطب، عملية التغيير والنهوض ينبغي أن تبدأ بزرع هذا الفهم لديناميكية الإسلام والعقيدة.

ثانياً: خطاب التعبئة العقائدي.

أما فيما يخص خطاب وشعارات الحشد فيرى قطب أن المنهج القرآني (الذي ينطلق منه في نظريته) يقتضي الوضوح في الخطاب التعبوي وفي الشعارات المرفوعة من بداية التحرك (رغم أنه ليس الطريق الأسهل للتغيير). ويرفض بشدة الإبهام والتستر خلف شعارات ضبابية مشتركة مع الكيانات وأصحاب التوجهات غير الإسلامية من دعاة الأيديولوجيات الوطنية والقومية والاشتراكية. ويستشهد بنماذج من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام على هذا المسلك.

قال قطب إنه عند بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، كانت أخصب مناطق العرب (الشام واليمن) محتلتين من الروم والفرس، والجزيرة العربية كانت ترزخ تحت ظلم اجتماعي كبير، والفساد الأخلاقي كان ظاهرة غالبة. رغم ذلك، لم يطلق النبي أي دعوة قومية أو اجتماعية إصلاحية لكسب أنصار وقوة في بداية دعوته. بل أعلن هدفه الغائي بكل وضوح وهو الدعوة إلى جوهر الدين وما يتضمنه من الخضوع لله وحاكميته مع أن هذا النهج جاء بصعوبات وأخطار إلا أنه هو منهج القرآن[31]. بصورة مماثلة، يرى ابن خلدون أن الدعوة الدينية هي العامل الأقوى في الحشد لبناء أنظمة اجتماعية وسياسية جديدة وفي تفكيك النظم السابقة وذلك لأن “جمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه” غير أن ابن خلدون ذكر قبلها عاملاً آخراً هاماً للغاية (لا تجده عند قطب) وجعله شرطاً لنجاح أي عملية تغييرية وهو مبدأ العصبية، “وذلك لأن الملك يحصل بالتغلب، والتغلب إنما يكون بالعصبية واتفاق الأهواء على المطالبة”، و”الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم”[32].

 4.2 التجمع الحركي العضوي الأممي

وبعد الخطاب والشعار نصل إلى البنية الحركية وخصائصها كما رآها قطب. عبر التاريخ، استمر الصراع بين الإسلام والجاهلية. ورسالة الإسلام التي أتى بها جميع الرسل هي دعوة الناس لعبادة الله وحده والخضوع لسلطته وقانونه في جميع نواحي الحياة، والتحرر من جميع القيم والقوانين بشرية الصنع. وفي الاتجاه المعاكس كان عمل الجاهلية، بيد أن الجاهلية لم تعتنق وتثبت على عقيدة أو نظرية محددة. أحياناً، لم يكن لها نظرية أصلاً، إنما عادةً تأخذ الجاهلية شكل التجمع الحركي أو المجتمع والنظام العضوي المشبّك بشدة بين أفراده تحت قيادة وقيم وتقاليد ومشاعر معينة. ولذا، فمن وجهة نظر قطب، القضاء على الجاهلية لا يتم بالتنظير المجرد، إنما بإنشاء تجمع حركي عضوي آخر أشد تماسكاً وأرقى تنظيراً من الأول[33]. وتابع قطب تشريحه لهذا المفهوم الجوهري حول دور وأداء الأفراد ضمن الكيانات والمجتمعات العضوية الجاهلية الحديثة فقال إن “الأفراد (المسلمين نظرياً) سيظلون يقومون (فعلاً) بتقوية المجتمع الجاهلي الذي يعملون (نظرياً) لإزالته وسيظلون خلايا حية في كيانه تمده بعناصر البقاء والامتداد! وسيعطونه كفاياتهم وخبراتهم ونشاطهم يحيا بها ويقوى، وذلك بدلاً من أن تكون حركتهم في اتجاه تقويض هذا المجتمع الجاهلي لإقامة المجتمع الإسلامي”[34]. وفي المقابل، أشار الباحث الأمريكي William E. Shepard إلى انطباق مفهوم المجتمع العضوي على بنية المجتمعات والأنظمة الإسلامية تاريخياً كذلك، فالمجتمع الإسلامي يقبل وجود عناصر غير إسلامية (جاهلية) ضمنه كأهل الكتاب ولكنه من خلال شروط أهل الذمة يضمن عدم نشوء تهديدات مستقبلة من هذه العناصر الجاهلية العاملة ضمن المجتمع الإسلامي العضوي[35].

بيد أن قطب لفت الأنظار لجانب آخر هام جداً وفارق ذي طابع قيمي بين التجمع (المجتمع) الإسلامي العضوي وغيره من النماذج التاريخية والمعاصرة، وهو جعل “آصرة هذا التجمع هي العقيدة” وليس العرق أو اللغة أو اللون أو الطبقة الاجتماعية أو الأرض والإقليم المشترك، وذلك لأن هذا النموذج “كان يستهدف إبراز إنسانية الإنسان وتقويتها وتمكينها وإعلاءها…دون الصفات المشتركة بينه وبين الحيوان” بخلاف سائر النماذج الأخرى التي قامت على أسس عنصرية قومية أو طبقية اجتماعية أو كليهما. فالامبراطوريات البريطانية والفرنسية والإسبانية الحديثة قامت على العنصرية العرقية، والامبراطورية الرومانية القديمة مزجت بين سيادة الجنس الروماني وعبودية سائر الأجناس له من ناحية، وعلى تقسيم المجتمع لطبقتي “الأشراف” والعبيد من ناحية أخرى. والنموذج الشيوعي المعاصر هو الوجه الآخر للحضارة الرومانية من حيث قيامه على طبقة واحدة (العمال) وإشعال نار الحقد على سائر الطبقات الأخرى[36].

من هذا المنطلق الإنساني دعا قطب لإعادة إنشاء التجمع الإسلامي الأممي العابر للعرقيات والطبقات واللغات. ولكن يجدر هنا التعليق على نقطتين. الأولى: مبالغة قطب في التهوين من خصوصية الهويات الفرعية ضمن الهوية الإسلامية الرئيسة. فمثلاً يقول “لم تكن هذه الحضارة الضخمة يوماً ما (عربية) إنما كانت دائماً (إسلامية)”[37]، في حين نجد ابن خلدون يصف أول دولة إسلامية بالدولة الإسلامية العربية تارة وبالدولة العربية تارة أخرى[38].

 الثانية: عدم طرحه لأي رؤية تلعب فيها الهويات الفرعية دوراً رئيسياً مرحلياً في التغيير قبل الانتقال للتغيير الأممي الشامل. ومرة أخرى يُلحظ إغفال قطب لدور العصبية القبلية أو العرقية في مشروع التغيير، وهو دور جوهري في تاريخ الحضارة الإسلامية والحضارات عموماً. ويبدو أن التعويل الأساسي للتغيير عند قطب هو على التجمع الحركي العضوي الأممي.

4.3 استراتيجيات وتكتيكات التغيير (الدعوة والثورة الإسلامية)

نصل إلى استراتيجية وتكتيكات التغيير عند قطب. وفقاً لقطب، فإن دور الجهاد مركزي وأبدي في عملية التغيير الاجتماعي وفي تأسيس المجتمع الإسلامي بصحبة الدعوة، وللجهاد بعد عالمي نابع من عالمية رسالة الإسلام. وعليه، فلا يمكن بحال حصره في الجهاد الدفاعي[39] إلا لأسباب وتكتيكات ظرفية مؤقتة تناسب معطيات كل مرحلة كما حصل في التاريخ الإسلامي في المرحلة الأولى بعد الهجرة للمدينة المنورة[40]. وربما لهذا السبب دعا قطب لرد الاعتداء فقط في المرحلة الأولى من عمل الحركة الإسلامية التغييرية [41].  وعلى أي حال، فمفهوم الجهاد لا علاقة له بالحروب الدائرة في زمانه كما نوه قطب. فهدف الجهاد هو تحطيم السلطات السياسية المادية والجاهلية وذلك لأن الدين الإسلامي هو “اعلان عام لتحرير (الإنسان) في (الأرض) من العبودية للعباد” وهو “الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها” وهذا الإعلان لم يكن “إعلاناً نظرياً فلسفياً سلبياً إنما كان إعلاناً حركياً واقعياً إيجابياً”. ولذا فهذه “الحركة لا تكتفي بالبيان في وجه السلطان المادي كما أنها لا تستخدم القهر المادي لضمائر الأفراد وهذه كتلك في منهج هذا الدين” وبوصلة الجهاد هي “تحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة” وجعل “شريعة الله هي الحاكمة” ثم ترك الجماهير تعتقد ما تشاء بعد “رفع الضغط السياسي عنهم”[42].

وخطة التغيير عند قطب معنية بمواجهة جميع عقبات الواقع الإنساني بوسائل خاصة لكل عقبة. فالانحرافات العقائدية تواجهها وسيلة “البيان” أما “الحركة” فدورها مواجهة العقبات المادية وعلى رأسها السلطة السياسية وما قامت عليه من “العوامل الاعتقادية التصورية والعنصرية والطبقية والاجتماعية والاقتصادية المعقدة المتشابكة، وهما معاً (البيان والحركة) يواجهان الواقع البشري بجملته بوسائل مكافئة لكل مكوناته، وهما معاً لابد منهما لانطلاق حركة تحرير الإنسان في الأرض، (الإنسان) كله في (الأرض) كلها”[43].

في الحقيقة، فإن من أخص خصائص مشروع قطب التغييري، ومن أهم الإضافات التي أتى بها في التاريخ الحديث، دعوته الصريحة إلى المقاومة الدينية لأنظمة ما بعد الاستعمار القومية العلمانية في العالمين العربي والإسلامي. وبشكل ملفت، دمج قطب مفهوم الثورة الاجتماعية مع مفهوم الجهاد المقدس، ووفر الدوافع والمسوغات الدينية للصدام المحتوم مع البيروقراطية العلمانية الحاكمة في العالم الإسلامي[44]، أو ما بات يعرف لاحقاً بالدولة العميقة. ولا شك أن هذه السردية تختلف عن الـتأصيلات المعاصرة له التي عارضت النظم الحاكمة من زاوية النصح للحاكم أو المعارضة السياسية الدستورية أو حتى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والخروج على الحكام.

أيا كان الأمر، فإن أصحاب التوجه الثوري والمسلح من تيارات وأيديولوجيات إسلامية مختلفة على امتداد العالم الإسلامي كانوا الأكثر تأثراً بقطب. وقد بدأوا التحرك ضد الأنظمة العلمانية الاستبدادية الحاكمة انطلاقاً من أدبياته. الأمثلة كثيرة ولكن سنقتصر على أربعة. فمن جبهة تحرير مورو الإسلامية في الفلبين وقائدها ومنظّرها سلامات هاشم، مروراً بالحركة الجهادية في سورية ضد النظام البعثي العلوي والتي حملت اسم الطليعة المقاتلة، والحركة كانت بقيادة مروان حديد ورفاقه وهم من خلفية إخوانية[45](وإن كانوا لا يمثلون التيار العام هناك)، وكان مروان قد التقى قطباً في مصر أثناء دراسته الجامعية في الستينيات وساهم في نقل فكره لسورية[46]. وعلى الصعيد الآخر، ورغم الخلاف المذهبي الكبير، لا يخفى أثر قطب الهائل في التنظير للثورة الإسلامية على الثورة الإيرانية، وقد قامت الجمهورية الإيرانية بطباعة صورته على طابع بريدي عرفاناً بدوره[47]. والمثال الرابع من مصر، فقد مثلت لحظة إعدام قطب شرارة تأسيس المجموعات الجهادية المصرية وهي مجموعات ذات طابع ومنهج سلفي، تلك المجموعات (على تنوعها) استهدفت رؤوس النظام المصري على مدار عقود وتمحورت خطة التغيير عندها على القيام بانقلاب عسكري عبر عناصرها داخل الجيش[48]. وبقطع النظر عن تمسك هذه الحركات والمجموعات وغيرها باستراتيجية وتكتيكات ونهج قطب فمما لا شك فيه أن كتاباته فيما يخص اللاهوت السياسي والثورة الإسلامية ألهمتهم. وخلاصة استراتيجية وتكتيكات قطب التغييرية (فيما يخص العمل المسلح) كما نقلها عنه عبد المجيد الشاذلي أحد أهم الشخصيات الفكرية والحركية المنتسبة لاتجاه قطب[49]. قال قطب للشاذلي وغيره وهم في ساحة المحكمة سوياً “لا تستخدموا السلاح أبداً إلا وأنتم متوجهون لإقامة ثورة شعبية.. ولابد من الاستعانة بعسكريين وعدم الاقتصار على المدنيين”[50] وهناك حالة أخرى لاستخدام السلاح نقلها الشاذلي عن قطب وهي حالة مقاومة الاحتلال[51].

وفي بداية 2011م، أي بعد إعدام قطب بأربعة عقود ونصف[52]، انفجرت الثورات العربية. بالتأكيد، فإنه لا يوجد رابط مباشر بين بدايتها وأهدافها وبين تنظيرات قطب. ولكن في نفس الوقت، فإن أثر أفكار قطب على الكثير من الحركات الإسلامية الثورية لا يمكن إنكاره. هناك نقطة أخرى هامة للغاية. قطب كان منظّراً ولم يكن فقيهاً، وعامةً، الحركات الدينية تحتاج مرجعية فقهية بجوار أيديولوجيتها التنظيمية. وخلال العقود السابقة، أغلب الجماعات الإسلامية المسلحة في العالم العربي تبنت الفقه السلفي المعاصر وركّبته على تصورات وتنظيرات قطب الاجتماعية والسياسية. النتيجة كانت هجيناً أيديولوجياً، نظريات اللاهوت السياسي حول الحاكمية والجاهلية وفلسفة التحرك مقتبسة من كتابات قطب، أما الممارسة الاجتماعية والسياسية فترجع إلى التعاليم السلفية المعاصرة.

على كل حال، فإن التغيرات الاجتماعية الجذرية المصاحبة للثورات العربية، مع ثراء الأفكار الثورية التي قدمها قطب في شتى المجالات الثقافية والحركية والسياسية قد تفتح الباب لتزاوج جديد بين أفكار قطب التغييرية أو بعضها وبين طيف واسع من المدارس والتيارات والنخب والحركات الإسلامية الجديدة.

5 خاتمة

حاولت هذه الدراسة عرض ومناقشة نظرية التغيير الاجتماعي والسياسي عند سيد قطب عبر تفكيك أهم محاورها وجزئياتها المثيرة والاستثنائية، بدءاً من طريقة تكوين أفراد الحركة (التي ستقود التغيير) تعليمياً وتربوياً ونفسياً ووصولاً لمنهج الحركة بما يحويه من أيديولوجيا وخطاب تعبئة وبنية تنظيمية حركية عضوية أممية واستراتيجيات وتكتيكات تغيير دعوية وثورية متعددة.

قدّم قطب نموذجاً تعليمياً وتربوياً نقائياً في فترة التكوين الأولى حيث يكون القرآن هو المصدر الوحيد للتلقي. ثم لخص رؤيته لكيفية البناء المعرفي في المراحل التالية والتي يمكن اختصارها بأنها مضادة للحداثة وقيمها ومعارفها باسثناء الجانب التجريبي منها، وفي نفس الوقت فهي دعوة إحيائية لا تقليدية، ولها انتقادات كثيرة على التقاليد المعرفية الإسلامية.

أما فيما يخص النهج التربوي، فأكد قطب على ضرورة قيامه على التطبيق الفوري للأوامر القرآنية فالعلم للعمل، كما أن وجود عالم مربّ ثقة أمر لا مفر منه لأخذ العلم عنه بثقة، ورفض قطب مسألة الفصل بين العلم وصاحب العلم إلا في حدود العلم التجريبي البحت.

وفيما يتصل بالتهيئة النفسية، فأكد قطب على ثلاثة مفاهيم رئيسة: العزلة الشعورية (لا الفيزيائية)، لمسح آثار الماضي الشخصي (غير الإسلامي) وتجنب آثار الحاضر المجتمعي (غير الإسلامي)، والاستعلاء بالإيمان وهدفه الاستعانة بقوة ربانية غير بشرية لمواجهة شعور الغربة والطغيان السياسي والضغوطات المجتمعية، و”القابلية للاستشهاد” للاستعداد النفسي لجميع السيناريوهات المتوقعة أثناء الصراع مع القوى الجاهلية، بما فيها سيناريو أصحاب الأخدود.

من ناحية أخرى، فإن منهج الحركة يقوم على الأيديولوجيا الممثلة بالعقيدة الديناميكية الحركية المعنية بالدرجة الأولى بالإجابة عن السؤال الأساسي للدين وهو لمن السيادة المطلقة وحق تحديد القيم وسن القوانين؟ لله أم للبشر؟ إجابة هذا السؤال ينبغي أن تصبح واضحة للمسلمين وغير المسلمين كما كانت زمن الصحابة.

 والخطاب التعبوي الذي أكد قطب على ضرورته (من البداية) هو الخطاب العقائدي الخالص، دون التستر خلف دعوات الإصلاح الاجتماعي أو الأخلاقي أو قضايا التحرير العامة المشتركة مع قوى جاهلية، وقد سرد قطب أمثلة كثيرة من سيرة النبي دلل بها على أصالة هذا النهج في الحشد للتغيير.

وبخصوص البنية الحركية فلابد أن تكون عضوية، تخلع ولاءها للسلطات والقادة الجاهليين، وتكون الآصرة الجامعة بين أفرادها هي العقيدة، وتدين بالولاء لقادة التجمع الإسلامي الجديد. بيد أنه يُلحظ في هذا الجانب تهوين قطب من دور الهويات الفرعية الإثنية المنضوية تحت الهوية الإسلامية الجامعة وتصور ذوبانها بالكامل، وعدم استنفاره لفئات مجتمعية معينة أو تعويله على مجموعات وهياكل وعصبيات اجتماعية. أما استراتيجيات وتكتيكات التغيير فترتكز على الدعوة والتربية والإعداد الممهد للجهاد في ثوب ثورة إسلامية شعبية شاملة. وآخر وصايا قطب كانت عدم حمل السلاح إلا عند التوجه لإقامة ثورة شعبية أو قتال محتل خارجي.

[1]   صلاح عبد الفتاح الخالدي، “سيد قطب: من الميلاد إلى الاستشهاد”، الطبعة الخامسة، (دمشق: دار القلم، 2010م)، ص 501.

[2] Ibrahim M. Abu-Rabi, “Intellectual Origins of Islamic Resurgence in the Modern Arab World”, (Albany: State University of New York Press, 1996), 96-99, John Calvert, “Sayyid Qutb and origins of Radical Islamism”, (Oxford: oxford university press, 2013), 115.

[3] John Calvert, “Sayyid Qutb and origins of Radical Islamism”, (oxford: oxford university press, 2013), 127-128- 137.

[4] Ibid, 204-218-219-222.

[5] William E. Shepard, “Sayyid Qutb’s Doctrine of “Jāhiliyya”, (International Journal of Middle East Studies 35, no. 4, 2003), 521-45. Accessed May 26, 2020. www.jstor.org/stable/3879862.

[6] Ali, Shehata Abdou Selim. “The concept coexistence in Islamic primary sources”, an analytical examination. (UK: Cambridge scholars publishing, 2015), 152.

[7] William E. Shepard, “Sayyid Qutb’s Doctrine of “Jāhiliyya”, 529- 530.

[8] سيد قطب، “معالم في الطريق”، الطبعة الشرعية السادسة، (بيروت-القاهرة: دار الشروق، 1979م)، ص 3-10.

[9] نفسه.

[10]نفسه.

[11] عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة بن خلدون، تحقيق: الدكتور علي عبد الوافي، طبعة جديدة مزيدة ومنقحة، (القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، يناير 2004م)، الجزء الثالث، ص 1116.

[12] انظر: سيد قطب: من الميلاد إلى الاستشهاد، ص 60.

[13]  John Calvert, “origins of radical Islam”, 11.

[14]  انظر: سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد، ص 212-216.

[15] Ibrahim M. Abu-Rabi, “Intellectual Origins of Islamic Resurgence in the Modern Arab World”, 105-106, 149.

[16] “معالم في الطريق”، ص 123-135.

[17] نفسه.

[18] نفسه، ص 14- 15.

[19] “مقدمة بن خلدون”، الجزء الثاني، ص 610.

[20]  “معالم في الطريق”، ص 130-135.

[21] أبو الحسن علي الحسني الندوي، “مذكرات سائح في الشرق العربي، الطبعة الثانية، (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1975م)، ص 96.

[22]   “معالم في الطريق”، ص 16-19.

[23] نفسه، ص 17- 18.

[24]  “معالم في الطريق”، 163-172.

[25] Karl Marx, Introduction to a Contribution to a Critique of Hegel’s Philosophy of Right, trans. Joseph O’Malley. (Oxford University Press, 1970).

[26]  “معالم في الطريق”، ص 173-186.

[27]  نفسه، ص 180-181.

[28]  نفسه، 185-186.

[29]  نفسه، ص20-22.

[30] “معالم في الطريق”، ص 23.

[31] نفسه، ص 23-29.

[32] عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة بن خلدون، الجزء الثاني، ص 519-521.

[33]  “معالم في الطريق، ص 48.

[34]  نفسه، 50.

[35]  William E. Shepard, “sayyid Qutb’s doctrine of Jahiliya”, International journal of middle east studies 35, no.4 (Cambridge university press, November 2003), 525-526.

[36]  “معالم في الطريق، ص 51-54.

[37]  “معالم في الطريق، ص 52.

[38]  “مقدمة ابن خلدون”، الجزء الثاني، ص 706.

[39] Ibrahim M. Abu-Rabi, Intellectual Origins of Islamic Resurgence in the Modern Arab World, 193-194.

[40] “معالم في الطريق”، ص 69.

[41]  “سيد قطب، لماذا أعدموني، الشركة السعودية للأبحاث والتسويق، بدون تاريخ نشر، ص 42-45.

[42] “معالم في الطريق”، ص 57-62.

[43]  نفسه.

[44] John Calvert, “origins of Islamic radicalism”, 4.

[45] Ibid, 3-4.

[46] Raphael LeFevre, Ashes of Hama, the Muslim brotherhood in Syria. (New York: oxford university press, 2013). 98-101.

[47] John Calvert, “origins of Islamic radicalism”, 4.

[48] انظر: أحمد مولانا، “الحركات الجهادية المصرية: حدود الدور”، (اسطنبول: المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، 26 يوليو 2017م)، ص 2، 9.

[49]  بل ويعتبره البعض المؤصل الفقهي والشرعي لفكر وأدبيات قطب، للمزيد: التعريف بفضيلة الشيخ بقلم الشيخ رفاعي سرور، 21 مايو 2015م، موقع فضيلة الشيخ عبد المجيد الشاذلي.

[50]  بتصرف من كلمة عبد المجيد الشاذلي، الأصول الشرعية للرؤية السياسية المعاصرة، مقطع مرئي، الدقيقة الثامنة والثلاثون، 22 يوليو 2017م.

[51]  محمود أبو عجيلة، “القتال مرهون بأمرين: حماية ثورة شعبية أو مقاومة محتل”، موقع فضيلة الشيخ عبد المجيد الشاذلي، 4 يونيو 2015م.

[52] قطب أعدم في 29 أغسطس 1966م.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks