النسق القياسي للنظام السياسي ومدافعة الاستبداد

(المفهوم والمقومات والدور)

  د. فارس العزاوي

باحث في مركز رؤيا للبحوث والدراسات

تحميل pdf

مقدمة

ينطلق البحث من إشكالية عميقة في البنية المجتمعية العربية وهي إشكالية الاستبداد، ولا يخفى أن البعد السياسي له دوره في تعميق هذه الإشكالية؛ لكونه مرتبطاً بظاهرة السلطة التي تعد عند كثير من الباحثين المتخصصين في العلوم السياسية وحدة التحليل الرئيسة في الظاهرة السياسية، وبحكم أن السلطة لها من المقومات والقدرات التي تجعل أربابها يتمتعون بالقدرة الفعلية على فرض الأمر والنهي في نطاق المحكومين وممارسة الإلزام الذي قد يقترن بالقوة المادية تعسفاً وتجنياً في بعض صوره ومظاهره على وفق ما تثيره طبيعة العلاقة السياسية بين الحاكم والمحكوم في المنطقة العربية على وجه الخصوص، قد يكون هذا كله مسوغاً ومبرراً للبعض بأن يقرروا أن هذه الظاهرة الشوهاء تبدو وكأنها متجذرة في البنية المجتمعية العربية لاستطالة الاستبداد. وهذا لا يمنع من التقرير في نظر الباحث أن الاستبداد له ميراث ثقيل ليس فقط في المجتمعات العربية والإسلامية وإنما كذلك في المجتمعات الإنسانية جميعها، ولئن كان للاستبداد جذوره في الاجتماع السياسي في تاريخ هذه الأمة من خلال بلاءاته ومصائبه، فإنها لا تزال تفعل فعلها في الدولة الحديثة بعد أن طورت هذه الدولة أدوات الاستبداد الموروث، وأضافت إليه ما هو أحدث طرازاً وأفدح منه ضرراً[1]، وهذا بدوره أثار إشكالية أخرى مرتبطة بهذه الظاهرة وهي أن النموذج السياسي الحاكم في البنية العربية والإسلامية كان له دوره في جعل الاستبداد يتمدد ويستديم بسبب ما يثيره التطبيق المشوه لنموذج الدولة القومية الحديثة، ما يدفع الباحث باتجاه الوقوف بحثاً ودراسة -أسوة بما قام عليه جمع من الأساتذة والمفكرين الشوامخ في هذا الباب- عند ثلاثية متلازمة جعلها عنواناً لورقته البحثية هذه، وهي (النسق القياسي – النظام السياسي – مدافعة الاستبداد).  ومن هنا تأتي الفرضية الأساس التي يقوم عليها البحث وقوامها أن فكرة النسق القياسي تمثل مجالاً لتصحيح مسار دراسة النظم السياسية في البنية العقلية والمعرفية في سياقها العربي والإسلامي وانعكاسها أثراً وتأثيراً في الظاهرة السياسية وعلائقها بالظواهر الأخرى من خلال جعلها مدخلاً لتفكيك الاستبداد ومحاولة دفعه ورفعه، وتنساق فكرة الأنساق القياسية من حيث بعدها المنهجي إلى إثارة الأطر المرجعية والمعرفية التي تنطوي عليها المنظومة الإسلامية، واستجلاء الخبرة التاريخية المقارنة ببعديها التنظيري والحركي، بالإضافة إلى ما يقتضيه الواقع المعاصر من متطلبات ملجئة تفرض على النخب بمختلف صورها ومظاهرها وخاصة في سياقها الفكري التصدي لظاهرة الاستبداد في الواقع العربي. إنه لم يكن من ترف القول ونافلته أن تأتي دعوات لتأسيس ما يسمى بعلم الاستبداد[2]؛ للأثر الخطير الذي أحدثه ولا يزال يحدثه في واقع الأمة، وبهذه الإلماحة السريعة يمكن إدراك أو مقاربة أن البحث ينساق من حيث مصادره ومراجعه إلى جملة من المساقات المعرفية لا تقف عند حدود النظم السياسية، بل يأخذ بالاعتبار أيضاً مساقات أخرى أهمها الفكر السياسي والنظرية السياسية اللذان يعدان من الروافد الرئيسة للنظم السياسية في غيرها، وفكرة النسق القياسي كان لها حضورها في دراسات سابقة لا يمكن تجاوزها والتغافل عنها؛ لأن العلوم الإنسانية في أصلها علوم تراكمية، والمقام هنا ليس لحصر المراجع التي تعرضت لمفهوم النسق القياسي والمجالات التي دار فيها، وإنما التعرض لبعضها مثالاً ونموذجاً. ومن أهمها دراسات الدكتورة منى أبو الفضل رحمها الله، فقد أكدت على فكرة النسق القياسي في عدة أبحاث، ومنها: (المدخل المنهاجي لدراسة النظم السياسية العربية)، (من جدلية النص والواقع إلى التعامل مع مصادر التنظير الإسلامي تطبيقات في مجال النظرية السياسية)، (مفاهيم محورية في المنهج والمنهجية) بالاشتراك مع الدكتور طه جابر العلواني، وممن تعرض لها أيضاً الدكتور سيف الدين عبدالفتاح في كتابه (النظرية السياسية من منظور حضاري إسلامي منهجية التجديد السياسي وخبرة الواقع العربي المعاصر)، وبحثه (مفهوم الشرعية)، والدكتورة باكينام الشرقاوي في بحثها (المنظور الحضاري الإسلامي ودراسة النظم السياسية)، وهناك دراسات أخرى تعرضت لمفهوم النسق القياسي من حيث مضمونه ومعناه وليس من جهة لفظه في إطار مفهوم آخر وهو الشرعية. وتأسس البحث على ركائز رئيسة ثلاث تضمنت جملة من الرؤى والأفكار ذات العلاقة بالنسق القياسي وارتباطها بمشكلة الدراسة وكيفية تناولها منهجياً، وهذه الركائز على الوجه الآتي:

الأولى: حول النسق القياسي المفهوم والأهمية.

الثانية: النسق القياسي معالمه وأركانه.

الثالثة: دور النسق القياسي في مدافعة الاستبداد.

حول النسق القياسي المفهوم والأهمية

 النسق القياسي بوصفه إطاراً منهاجياً يمكن تسكينه في سياقين، الأول سياق جامع حاضن يتضمن أصول المنهجية المعرفية التي تعد -بالنسبة لهذا البحث وللباحث قبل ذلك- مقولاتٍ رئيسةً وتمثل بحد ذاتها قواعد وأصولاً يُحاكم إليها كل نسق فرعي سواء في سياق بنائه المعرفي أو تجلياته في الواقع الحركي، وهذه المنهجية مقصود بها المنهجية المعرفية الإسلامية وأصول المنظور الحضاري الإسلامي، وهي منظومة على مستوى المفهوم والمضمون والوظيفة يراد بها الرؤية الكلية المتعلقة بالخالق والوجود والإنسان والحياة والمآل، دون أن تقف عند حدود نظرية وصفية انساقت معها رؤى مغايرة ومباينة، بل هي رؤية تأخذ بالاعتبار تصور وإدراك الحياة إدراكاً كلياً في سياق العلاقة بين عالمي الغيب والشهادة، والوقوف على حقيقة الوظيفة الاستخلافية العمرانية للإنسان وانعكاسها في الواقع الإنساني ظواهرَ اجتماعية متنوعة ومختلفة، توقف الناس على حقائق الوجود وتقدم لهم تفسيراً مطابقاً لهذه الحقائق ولهذا الوجود، ثم في بعدها الوظيفي الحركي المتناسق ما بين مقتضيات النظر والفكر والرؤية وما بين حركة الإنسان في هذا الوجود تقدم له هدايات وبصائر تقوِّم حركته وتسددها باتجاه وظيفته في هذا الوجود[3]. والسياق الآخر مرتبط بمجال من مجالات الظواهر الإنسانية والاجتماعية هو الظاهرة السياسية التي نبحث في أحد مساقاتها النظرية والإشكالات التي تلبست بها، وفهم هذا النسق القياسي في ضوء الرؤية الكلية يرجعنا إلى قضية مفاهيمية متعلقة بمفهوم السياسة ذاته، إلى القدر الذي يجعلنا نعيد تعريفه في ضوء هذه المنهجية الكلية والمنظور الحضاري الإسلامي، وعندها فقط نستطيع فهم طبيعة العلاقة بين الظاهرة السياسية والظاهرة الدينية، ولذلك بأكثر التعريفات شيوعاً في التراث السياسي الإسلامي لمفهوم السياسة وهو (القيام على الأمر بما يصلحه) يمكننا فهم طبيعة الوظيفة الإصلاحية والتقويمية للسياسي في مسارات الظاهرة السياسية، وعلى هذا الأساس نقرر أن العلاقة السياسية هي علاقة تابعة تنبع من مفهوم العلاقة الدينية وتتحدد بها، فإن علاقة المسلم بالكتاب وتعاليمه هي التي تحدد خصائص العلاقة السياسية[4]، والطبيعة الاتباعية في هذه العلاقة لا تعني أن الظاهرة السياسية مفتقدة للاستقلال بالكامل، وإنما هي مرتبطة بمنظومة توحيدية مقاصدية إرشادية تؤسس المفاهيم وترشد المسارات، وإلا فإن للتمايز الوظيفي بين المجالات في مستوياتها المختلفة وجودَه وحضورَه بحيث يجعل للمجالات خصوصيتها وتخصصاتها.

وإذا أُدرك المجال والسياق الذي يتحرك فيه النسق القياسي، فإن هناك حاجة للتعرف على ماهيته ومفهومه، وقد أشرنا من قبل إلى أن له بعداً منهاجياً حركياً، والنسق القياسي في بعده المفاهيمي يعد بمثابة تصور تجريدي ونموذج تحليلي تستنبط خصائصه من واقع التقاليد الحضارية والخبرة التاريخية للكيان الاجتماعي الحضاري[5]، وهو بهذا الاعتبار يعكس طبيعة المنظور الحضاري الذي تنتمي إليه البيئات الحضارية المختلفة، ولو تأملت الواقع الحضاري الذي برز فيه نموذج الدولة القومية ونظامه السياسي؛ لظهرت بشكل جلي قسمات التأثر بخصائص البيئة الحضارية الأوربية التي غلبت عليها روافد وتيارات جمعها وعاء الكيان الحضاري الأوربي، وبهذا الاعتبار نرى أن البعد الحضاري لكل بيئة ينعكس بالضرورة في نظمها السياسية، إلى القدر الذي يجعل هذه النظم متناسبة ومتناغمة مع بيئتها الحضارية، فإذا نقلت هذه الأنساق ونظمها إلى بيئات حضارية مغايرة، فإنه سيحدث نموذجاً مشوهاً يثير كثيراً من الإشكالات والمعضلات بقسيميها الفكري والحركي، والمتتبع لنموذج الدولة القومية ونظامه السياسي في شكله العربي مقارنة بشكله الأوربي يجد البون بينهما واسعاً، وبهذا الاعتبار فإن للنسق القياسي في نموذجه الإسلامي قيمته العليا في جعل النظام السياسي منساقاً مع منظوره الحضاري، ومن الباحثين -عند تعرضه للمنظور الحضاري الإسلامي للنظم السياسية- من يؤكد على ضرورة التمايز بين بعدين وإن كانا مرتبطين أساساً، الأول بناء اقتراب نظري علمي لفهم ودراسة النظم، والآخر استجلاء أركان وملامح وآليات النسق القياسي الإسلامي للنظم بهدف فتح الطريق للاقتراب منه والاسترشاد به قدر الإمكان، ويدور البعدان من حيث حركتهما وتفاعلهما في ثلاثة مستويات عامة، وهي قاعدة النظام الفكرية والفلسفية وتمثل مجال هويته، وقاعدة النظام المجتمعية، وسياقات الواقع بأبعاده المختلفة التاريخية والجغرافية والاقتصادية[6]. النسق القياسي من حيث مصادره يُستقى من الشريعة بخطابها المؤسس (القرآن) وخطابها المبين (السنة)، والنموذج التنزيلي (السيرة النبوية)، والخبرة الإسلامية التي مزجت بين النتاج الفقهي والفلسفي، وبين الممارسة السياسية المقترنة بواقعها التاريخي، ولهذا النسق أهميته في رسم معالم نموذج تحليلي ونمط مثالي يرسم غايات ومسارات حركة النظام السياسي، ومن خلاله ينظر إلى أداء النظام السياسي والممارسة إحساناً أو إساءة، ليكون النسق القياسي بهذا الاعتبار معياراً للقرب أو البعد من معالم المنظور الحضاري الإسلامي أولاً وبوصفه كذلك ميزاناً لمعرفة مسار النظام في تحقيق تطلعات الجماعة والأمة ثانياً، فيكون النسق سبيلاً تحليلياً لفهم وتقييم النظم السياسية[7].

وعلى مستوى دواعي ومسوغات هذا النسق فإن هناك جملة من المبررات المنهاجية التي تدفع  باتجاه التأصيل والتأسيس له في سياق دراسة النظم السياسية وأطر تحليلها، والناظر في هذا الحقل المعرفي يقف على قصور ظاهر في المناهج المستخدمة، ففي العقود الخمسين الأخيرة توالت -على دراسة الظاهرة السياسية ومنها دراسة النظم السياسية- مدرستان، المدرسة السلوكية والمدرسة ما بعد السلوكية، وأبرز الانتقادات التي وجهت إلى منهجهما عدم قدرتها على الإحاطة بالظاهرة السياسية في بيئتها الحضارية فضلاً عن غيرها، ولذلك افتقدت القدرة على تعميم أفكارها وجعلها عالمية، ومن الانتقادات أيضاً افتقادها للقدرة التغييرية لمسار النظام، فإن مقولات هذه المناهج تعمل على تكريس النظم والحفاظ عليها؛ لأنها قائمة على التوصيف والتفسير وخاصة على مستوى المنهج النظمي والبنائي الوظيفي[8]، وأما ما بعد السلوكية، فإنها لم تستطع أن تقف على مقولة منهاجية كلية تسود دراسات الظواهر السياسية والنظم السياسية؛ ذلك أن الظاهرة السياسية في واقعها المعاصر سادت فيها حالة من السيولة على مستوى الأحداث والأفكار، فغاب فيها المطلق والثابت، وأضحت في سياقات متغيرة نسبية، وهو ما يحتم النظر في سياقات حضارية مغايرة يمكن من خلالها بناء معرفة سياسية تجمع بين الثابت والمتغير، والكلي والجزئي، وهو ما تنطوي عليه المنظومة الحضارية الإسلامية ونسقها القياسي. وإذا كانت سمة النسق القياسي انعكاساً للمنظور الحضاري الإسلامي هل يمكن أن تتسع دائرتها لتكون مستوعبة لنطاقات حضارية أخرى وإن لم تكن منتمية للنسق الإسلامي؟ استفهام في موضعه يتطلب نظراً وتأملاً، والإجابة عليه تأخذ بالاعتبار طبيعة النسق القياسي من حيث هو كمفهوم، فإن منظري هذا النسق وناحتيه في دائرته النظرية التجريدية قبل تلبسه بنطاقه الحضاري يقررون أن النسق القياسي يمكن توظيفه خارج إطاره التاريخي والحضاري ويتطلب هذا عمليات منهجية إضافية ترتبط بإمكانيات تعدية النسق وغير ذلك من شروط[9]، وهذا يعني أن فكرة  النسق يمكن الانطلاق منها لتكون ذات أبعاد تحليلية تقدم لنا تفسيرات حول مسارات الظاهرة السياسية. ويزداد هذا الافتراض سداداً ومقاربة حين يكون النسق القياسي منطلقاً من بنية منهجية حضارية لا تقف عند حدودها التحيزية فتكون في دائرة الخصوص والتخصيص، وإنما هي بنية متسمة بخصائص تجعلها تستوعب غيرها من البنى الحضارية المباينة لها؛ وبيان ذلك أن النسق القياسي الإسلامي يتبنى ما يمكن تسميته بالنموذج الثقافي الوسطي، وهو نموذج يمتاز بالحيوية الحضارية التي تكون آثارها في الغالب مناسبة لمصلحة الكل المجتمعي، وهذا أثره يتمثل في أن آفاق وحدود المعرفة ذات الدلالة الاجتماعية تنبسط لتشمل الدنيا والآخرة، والمباشر والمحسوس، والمادي والروحي، والغيب والشهادة، وما يتعلق بما بين العالمين، ويعني هذا  أن النسق القياسي الوسطي يكون منفتحاً على الثقافات الأخرى المتباينة في إطار منهجية الاستيعاب والتجاوز بعيداً عن دائرة التوظيف الآيديولوجي[10]، وإنما اتسم هذا النسق بذلك؛ لاستناده على الخصائص المنهاجية ذات البعد الإطلاقي التي تقوم عليها مرجعيته ومصادره العليا، ولو تأملنا القيمة المنهاجية التي يقوم عليها الخطاب المؤسس وهو القرآن، لأدركنا هذه الخاصية المميزة له عن غيره، فإن هذا الخطاب منطوٍ -بالإضافة إلى الإطلاق- على خاصية الهيمنة والتصديق وخاصية العموم والشمول اللتين تعنيان إحاطة الخطاب الإلهي بجوامع الحق التي جعلته متصفاً بالختم الإلهي، وهو ما يعطيه القدرة على استيعاب ما تستدعيه الأزمنة والأمكنة والأشخاص والأحوال مهما تغايرت أشكالها وصورها.

النسق القياسي: معالمه وأركانه

النسق القياسي للنظام السياسي في ضوء المنظور الحضاري الإسلامي يبحث في إطار العلاقة السياسية بين الحاكم والمحكوم من حيث التناول المنهاجي، والحق أن النظر إلى هذه العلاقة لا يقف عند حدود الممارسة السياسية بل يأخذ أبعاداً أوسع وأكبر، وهنا ينساق البحث مع بيان معالم النسق القياسي للنظام السياسي:

أولاً: مركزية البعد العقيدي في النظام السياسي الإسلامي:

  وهذا يأتي على مستوى البناء والوظيفة على حد سواء، فتشكل العقيدة جوهر الوجود المعنوي للأمة، وهي منطلق الحركة والممارسة في اتجاه تحقيق مقاصد هذه العقيدة عبر مجموعة من الأدوار والوظائف، وسيلتها النظم والأبنية المؤسسية، وهذا البعد العقيدي يتضمن جملة من الأسس[11]:

  • العلاقة السياسية في سياق النظام السياسي لا تقتصر على ثنائية الحاكم والمحكوم، بل لها بعد متصل بالغيب، وهذا يمثل دافعاً للفاعلية والإنجاز وتحمل الأمانة والمسؤولية.
  • استحضار المسؤولية السياسية عند الحاكم، فبمقتضى البعد العقيدي يجعلهما متساويين أمام الله تعالى من حيث التكليف وإن تفاوتت طبيعة المسؤولية وحجمها.
  • أن البعد العقيدي يوسع دائرة الرؤية عند الناس حكاماً ومحكومين لتتسع للدنيا والآخرة، فيكون دافعاً إلى التركيز على البعد الإصلاحي، وعبارة ربعي بن عامر رضي الله عنه تعد جملة مفتاحية في هذا الإطار: “إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”.
  • يتجلى البعد العقيدي في تصحيح مسار الإنسان باتجاه وظيفته الاستخلافية.
  • الوظيفة العقيدية للنظام السياسي، وهذا لا يختلف عليه مفكرو الإسلام من المتقدمين والمتأخرين، وإن اختلفت عباراتهم، فالماوردي اعتبر مبدأ الدفاع عن العقيدة محور الحركة السياسية للدولة والمسوغ لوجودها، والمسيطر على أهدافها، ويعلي من مبدأ تحقيق السلام والطمأنينة، بينما يرى الدكتور حامد ربيع أن الدولة وظيفتها الدفاع عن العقيدة وأن أساس شرعية السلطة وأحد أسباب وجودها هو نشر الدعوة، وذلك بوسائل تتنوع بتنوع العصور.

ثانياً: محورية البعد المقاصدي في بنية أهداف النظام السياسي الإسلامي:

 الرؤية الإسلامية تنظر إلى النظام السياسي ومؤسسات الدولة على أنها وسائط لتحقيق مقاصد الشريعة، وبقاء النظام واستقراره ونماؤه يتوقف على إنجاز هذه المقاصد التي تشكل وعاء للمصلحة الشرعية للأمة، وهي بهذا تحسم النزاع في النظر إلى مفهوم السياسة الذي دار في الأوساط العلمية ما بين فن وعلم وأسلوب وصراع .. إلخ، فالسياسة وفقاً للرؤية الإسلامية رعاية متكاملة من قبل الدولة والفرد لكل شأن من شؤون الجماعة، وتأخذ بالاعتبار بمقتضى ذلك المنظومة المقاصدية ذات الأصول الكلية الخمس (الدين، النفس، النسل، العقل، المال)، ولكل أصل قاعدته ومضامينه ونظامه الذي ينبغي أن يراعى، وتجري هذه المنظومة في سياقها الأفقي لتحقيق هذه المقاصد كلها، وفي سياق التزاحم في إطار سلم الأولويات الذي ينبثق منه ترتيب المصالح الشرعية إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات[12].

ثالثاً: ركنية الأمة المسلمة في النظام السياسي الإسلامي:

 الأمة في نسقها الإسلامي تجمع ديني وحضاري يتعدى النطاق الضيق لالتقاء السلطة والجماعة (الحاكم والمحكوم)، فالجميع مقيد بالتعاليم الإسلامية، وتنبع علاقة التضامن والتكافل من وحدة التجمع السياسي وليس من علاقات أضيق مثل الدم أو العنصر، وتمثل الأمة المسلمة وحدة واحدة لا تنسب لمكان أو زمان، ولكنها تنسب إلى عقيدة ربانية ودعوة للإنسانية، والمسلمون مطالبون شرعاً بالتماسك والتعاضد الداخلي، وهذه الوحدة في الأمة لا تنفي الخصائص المميزة لكل شعب من شعوبها، بل هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، ومن حيث ارتباط مفهوم الأمة بالنظام السياسي لا تعد هويتها نتاج كيان سياسي، بل هو منشأة للكيان السياسي، فدورها تكويني ومؤسس للبناء السياسي[13].

رابعاً: نجاعة البنية المؤسسية مرتبط بأداء الوظائف والمهام:

 يظل مدى النجاح في تحقيق الغايات والمقاصد العامة الشرعية هو المعيار لتقييم المؤسسة وتطويرها، ولهذا لا تلازم مطلق بين البناء والوظيفة، فوجود البناء شكلاً لا يحتم القيام بالوظيفة، كما أنه ليس من غاية البناء التكيف أو التوافق مع البيئة المحيطة للنظام السياسي أو واقعه، ولكن تتمثل غايته في تحقيق المقاصد الشرعية الأساسية، ولذلك ترتبط الوظيفة بالبنية على أساس توفير الشروط العامة والخاصة في أصحاب الولايات العامة، وهي إحدى ملامح خصوصية الطرح الإسلامي للوظائف السياسية، وقد يستدرك على البعد المؤسسي من حيث أشكاله في الرؤية الإسلامية من جهة غيابه على وجه الخصوص، وبالرجوع إلى مفهوم المؤسسية نرى أن البعد المؤسسي في كيفية التعاطي معه في أصول المرجعية الإسلامية يقع في نطاق ما عرف بدائرة العفو المتروكة للاجتهاد وفقاً لتغير الأوضاع والظروف، وهو ما يتلاءم مع طبيعة الوحي التشريعية التي تتجه إلى إجمال ما يتغير بتغير المصلحة وتفصيل ما لا يتغير، حينما لا تتغير المصلحة فيه مع تغير الزمان واختلاف المكان، ومن ثم نجد الشرع لم يذكر على وجه البيان والتفصيل أشكالاً نظامية مؤسسية[14].  إذا كانت فكرة النسق القياسي قد وضعت لبحث طبيعة العلاقة السياسية بين الحاكم والمحكوم، فإنها من حيث الأصل والمآل تستهدف التأسيس والتأصيل لمفهوم الشرعية، والشرعية في نسقها الإسلامي لها من الخصوصية في البعد المفاهيمي والدلالي والحركي على حد سواء ما يجعلها متميزة عن أقرانها في أنساق حضارية مغايرة، وبناء الشرعية في سياق نسق قياسي يؤثر في مسار تأسيس الأمة وتنصيب السلطة وطبيعة حركتهما في الواقع بحيث لا تتم أي حركة فردية أو جماعية إلا في ظلال البحث عن تأسيسها وتقويمها من حيث الشرعية أو عدمها[15].

وحتى نتصور مفهوم الشرعية في نسقها الإسلامي، لا بد من معرفة هذا المفهوم في نسقه الغربي في إطار من المقارنة، وطبقاً للتعريفات الشائعة التي يقدمها علم السياسة المعاصر فالشرعية تعني (قبول ورضا الجماعة بحق النخب والمؤسسات السلطوية القائمة في الحكم، وما يترتب على ذلك القبول والرضا من شيوع الطاعة للقواعد والقرارات التي تصدرها تلك النخب والتي تعد لازمة لبقاء تلك المؤسسات وفاعليتها)، وهذا التعريف فيه من جوانب الضعف ما يستوجب نقده بها، وأبرزها أن هذا المفهوم عن الشرعية يركز على نتائج أو مظاهر الشرعية (الرضا العام، الطاعة) ولا يتطرق إلى مقومات وركائز أو الشروط التي يحصل بمقتضاها النظام على الشرعية أو يحققها[16].

هذا النقد الموجه إلى مفهوم الشرعية في نسقه الغربي المباين يدفع باتجاه التعاطي مع هذا المفهوم وفقاً لما تثيره فكرة النسق القياسي للنظام السياسي الإسلامي، فقد تبين من خلال معالم هذا النسق أن هناك منظومة من المفاهيم والقيم والأصول التي تدور معها ما يمكن تسميته بالدولة الشرعية، وأهم الأركان التي تدور معها وفيها الدولة الشرعية: الشريعة وهي الركيزة الأولى للدولة للشرعية، والسلطة التي تجلت في مفهوم (الخلافة) في الرؤية الإسلامية، وثالثها الأمة وهي ترجمة لمفهوم الجماعة في الرؤية ذاتها، ووفقاً لهذه الأركان والمرتكزات يصبح مناط الشرعية السياسية في النسق الإسلامي ممارسة السلطة وفقاً للشريعة ورضا المحكومين، فهي بهذا المعنى التزام وإلزام، التزام من السلطة بالتوافق في بنيتها وخصائصها وقواعدها الداخلية مع أحكام الشريعة وقواعدها ومقاصدها، وإلزام بمعنى أن تسخر سلطتها لتطبيق أحكام الشريعة وقانونها في الجماعة من خلال السياسات العامة وتزاول أسباب القوة من أجل إحقاق الحق وإعمال العدل وإبطال الباطل ودحر الظلم[17]، وهذا المعنى للشرعية في النسق الإسلامي له امتداده التاريخي في الفكر السياسي الإسلامي ذاته؛ بحكم تأسيسها على الشريعة والأمة، فهذا الإمام الماوردي أصل للسلطة وشرعيتها في نص من النصوص السياسية غير المشهورة، فيقول: “إن الله جل اسمه ببليغ حكمته، وعدل قضائه جعل الناس أصنافاً مختلفين، وأطواراً متباينين، ليكونوا بالاختلاف مؤتلفين، وبالتباين متفقين، فيتعاطفون بالإيثار تابعاً ومتبوعاً، ويتساعدون على التعاون آمراً ومأموراً، فوجب التفويض إلى إمرة سلطان مسترعي، ينقاد الناس لطاعته، ويتدبرون بسياسته ليكون بالطاعة قاهراً، وبالسياسة مدبراً،  وكان أولى الناس بالعناية بما سيست به الممالك، ودبرت به الرعايا والمصالح؛ لأنه إمام يقود إلى الحق، ويستقيم به أوَدَ الخلق”[18].

دور النسق القياسي للنظام السياسي في مدافعة الاستبداد

 هذا المبحث هو خلاصة المقال وزبدته بل هو مقصوده الذي وضع من أجله، وما تقدمه من عناوين ومضامين ما هي إلا تأسيس وتأصيل وسائلي يفضي بنا إلى هذا المقام، وقد تبين أن النسق القياسي للنظام السياسي يؤسس لشرعية النظام السياسي بمرتكزات وقواعد وأركان ومعالم تجعل هذا النسق نموذجاً ومعياراً تحاكم به كل الممارسات السياسية في البنية الإسلامية ومنظومتها وبموجبه تتحقق الشرعية على وفق المنظور الإسلامي، ولا يحتاج المرء إلى كبير عمل وجهد لمعرفة نواقض هذا النسق بما يفضي إلى نزع الشرعية عن الممارسات السياسية المخالفة لهذا النسق، والمقام هنا ليس فيه سعة لتفصيل وبيان مفهوم الاستبداد وأشكاله ومجالاته وتاريخه، وإنما تكفي إشارات جامعة توقف على المقصود في سياق معرفي تخصصي وهو النظم السياسية، وإلا فإن إشكالية الاستبداد ضاربة بجذورها في البنية الإسلامية ليس فقط في فئاتها الحاكمة، بل كذلك في مجتمعاتها، وكما يقول أستاذنا الدكتور سيف الدين عبدالفتاح في تقديمه لطبائع الاستبداد للكواكبي: “لكي يستمر الاستبداد  ويستقر لا يكفي أن يكون هناك حاكم مستبد أو حكومة مستبدة، بل لا بد من وجود شعب يقبل هذا الاستبداد، لأن الاستبداد طريق واحد ذو اتجاهين، الاستبداد والقابلية للاستبداد”[19]. ومن خلال فكرة النسق القياسي للنظام السياسي بمعالمها ومرتكزاتها وأركانها،  يمكن الحديث عن مدافعة الاستبداد أو رفعه حال التلبس به بجملة من الرؤى والأفكار والوسائل والمقومات الحافظة:

أولاً: ثقافة النظام السياسي

 بالرغم من أن السياق مرتبط بالاستبداد السياسي، إلا أن له عمقه وبعده الثقافي، وهذا الذي أدركه الكواكبي نفسه حين حذر من أمة لا يشعر أكثرها بآلام الاستبداد، ورأى أن أي أمة يتلبسها هذا الداء فلا تستحق الحرية؛ معللاً ذلك أن الأمة إذا ضربت عليها الذلة والمسكنة، وتوالت على ذلك القرون والبطون، تصير سافلة الطباع، شبيهة بالبهائم بل أضل، فلا تعرف للاستقلال قيمة، أو للنظام مزية، ولا ترى لها في الحياة وظيفة غيير التابعية للغالب عليها[20]، لذلك في معالجة ظاهرة الاستبداد السياسي يكون من الأولى قبل ومع وبعد الإصلاح السياسي العمل على معالجة ظاهرة القابلية للاستبداد والقابلية لصناعة الاستبداد، والقابلية للاستعباد والقابلية للاستضعاف، فذلك من أهم المداخل لمقاومة الاستكبار والاستبداد السياسي، وهذا باب من أبواب  إصلاح نظام الثقافة وثقافة النظام[21].

ثانياً: المسؤولية السياسية عند الحاكم والمحكوم

الأساس العقدي الذي تقوم عليه فكرة النسق القياسي تدفع باتجاه إعادة تفسير العلاقة السياسية بين الحاكم والمحكوم، وهذا الأساس يؤكد على فكرة الالتزام السياسي والمسؤولية السياسية، وهذا الالتزام يرجع بالأساس إلى مفهوم السلطة وإلى الأخذ بمبدأ الحاكمية لله ووحدة قيم الممارسة، ومن هنا فإن فرض الطاعة والولاية أساسه الإقرار بالحاكمية لله وحده، ومن ثم فهو ليس حقاً للحاكم ولا للمحكوم، وإنما فرض الطاعة والولاء منشؤه الالتزام بهذه الحاكمية، وعندها يستوي في ذلك الحاكم والمحكوم، بل يصير الحاكم الأسبق بتحمل التبعة والمسؤولية، ولأن الالتزام السياسي أساسه شرعي في الدولة الشرعية، يترتب على ذلك أن مبدأ المسؤولية السياسية مبدأ أصيل انطلاقاً يتوقف على طبيعة الدولة الشرعية ذاتها بما ينفي أسس الاستبداد السياسي من حيث المصدر والمصب[22].

ثالثاً: هيكلة النظام السياسي

 يرى المستشار طارق البشري أن أهم معضلتين تواجهان أي تنظيم لإدارة المجتمعات هما: ذلك الصراع المحتمل بين الصالح العام والرؤية الذاتية للقائمين على النظام السياسي، وذلك الاحتمال القائم دوماً باستبدادهم لاستحواذهم على مصادر القوة الصلبة والناعمة، ولذلك أشار إلى أهمية فكرة الفصل بين السلطة التشريعية التي تمتلك الشرعية وبين السلطة التنفيذية، وأن الفقهاء مثل الماوردي وأبي يعلى والجويني وإن وسعوا من السلطات التنفيذية في يد الحاكم، فإنهم لم يأتوا على ذكر أي اختصاصات تشريعية له، الأمر الذي ينفي عن الحكم في الإسلام صفة الاستبداد، وخلص إلى أن السلطة التشريعية في النظام الإسلامي هي التي أوجدت السلطة التنفيذية، والقضاء يعينه الإمام لكنه لا يخضع له فيما يقضي، ومن المؤسسات المهمة التي أوجدها النظام الإسلامي مؤسستا الحسبة وديوان المظالم، هذا إلى جانب دور الأوقاف كتنظيمات أهلية ومؤسسات أمة باشرت كثيراً من الخدمات بشكل يضاهي وأحيانا يفوق الدولة، وفي هذا السياق يكون المجتمع قادراً عبر مؤسسات متكاملة على إدارة شؤونه من منطلق الثقافة السائدة (المرجعيات والمبادئ)[23].

رابعاً: مبدأ تداول السلطة وتوقيت الحكم

وهو من المسائل الحادثة في الفكر السياسي الإسلامي، وترجع من حيث هي إلى رتبة التشريعات السياسية التي ترجع من حيث الجملة إلى المرتبة التشريعية الثالثة من حيث قصد الشارع إليها، وجاء عدم التنصيص على هذه الرتبة؛ لكونها من الوسائل والتبعيات والمصالح، ولذلك وكله الشارع إلى الاجتهاد، وفي مثل هذا قال علماء أصول الفقه (السكوت في معرض الحاجة بيان)[24]، ومن هنا مسألة تداول السلطة وتوقيتها بالرغم من كونها من المسائل الحادثة والنازلة إلا أن أصلاً شرعياً من جهة تأويل نصوص الشريعة، وقد قال ابن القيم: “وهذه السياسة التي ساسوا بها الأمة وأضعافها هي من تأويل القرآن والسنة. ولكن: هل هي من الشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة، أم من السياسات الجزئية التابعة للمصالح، فيتقيد بها زماناً ومكاناً؟”[25].

 وهذا الأصل الشرعي التأويلي يأخذ باتجاه تقرير هذه المسألة وتأييدها؛ للمصلحة المترتبة على ذلك ودفع ذرائع الاستبداد والفساد التي يمكن أن يتلبس بها الحاكم، وهناك جملة من الأدلة الداعمة لذلك، ومن أهمها إجمالاً: مفهوم الاستخلاف القرآني الدال على وقتية الوجود الإنساني؛ بحكم كون الاستخلاف مجرد نيابة عن المالك للتصرف في ملكه بمقتضى قصده هو لا قصد الوكيل، ومنها حديث (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) واللفتة هنا أن التأمير راجع إلى السفر الدال على التوقيت؛ لأن السفر لا يدوم، ومنها الاستدلال بعقد الوكالة؛ لأن تصرف الإمام بالرعية على سبيل الوكالة منهم، ومنها القاعدة الفقهية (التصرف على الرعية منوط بالمصلحة)، والمصلحة تقتضي في هذه المرحلة تداول السلطة وتوقيتها؛ دفعاً للاستبداد السياسي.

خامساً: مبدأ مساءلة الحاكم

 وهناك جملة من الأسس[26] تتوافق على صياغة هذا المبدأ، ويأخذ منطلقه من مفهوم السياسة ذاته في المنظور الإسلامي، فإن قيد الإصلاح في القيام على الأمر يعد كالشرط في تنصيب الحاكم وممارسته للسلطة ومراقبته في تحقيق مقومات الصلاح والإصلاح في الأمة، كما أن طبيعة العلاقة السياسية وفق النسق القياسي الإنساني يجعل الأمة هي قاعدة الدولة الشرعية وهي الأصل والحاكم هو الفرع، وتكمن مهمته كما يقول فقهاء السياسة الشرعية في (حراسة الدين وسياسة الدنيا به)، ومنها قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليكون نسقاً بديلاً للمشاركة السياسية وفق نظر الدكتور سيف الدين عبدالفتاح؛ ويمثل التزاماً سياسياً بالحركة داخل الأمة وحركة للمشاركة الفعالة في إرساء شرع الله  تطبيقاً، وليشتمل على مجموعة من الضمانات والشروط والمقتضيات الضابطة للفعل السياسي والعلاقة السياسية[27]، ومنها إلزامية الشورى اختياراً وممارسة تعد من المقيدات لسلطة الحاكم.

خاتمة

 الأبعاد التي تعرض لها البحث لا يمكن الجزم بأنها قد أخذت حقها في الدراسة والتداول والتناول؛ بحكم محدودية البحث وقصره تكويناً وتضميناً، ولكن ما يمكن تقييده في خاتمة البحث ليكون في دائرة النسق الرسالي إن صح التعبير التي يلزم أن ينساق إليها وفيها الباحثون عن الأمة وجوداً وحضوراً وفاعلية وتمكيناً، فيقال إن مجال دراسة النظم السياسية بقصد بناء وتحليل النظم يأخذ بالاعتبار مستوى قاعدة النظام الفكرية والفلسفية، ومستوى القاعدة المجتمعية للنظام السياسي، ومستوى الواقع بأبعاده المختلفة، والعقدة القائمة في بنية النظام السياسي العربي هي تمدد الاستبداد وتلازمه مع الفساد، واقتضى البحث أن يقف عند فكرة النسق القياسي للنظام السياسي من حيث مفهومه ومعالمه وأركانه، ثم بيان دوره في مدافعة الاستبداد.

 ولعل من الجوانب التي تخدم فكرة النسق القياسي بعد تناولها منهجياً في سياق البحث، قضية التفعيل على مستوى التشكيل العقلي والتنزيل الفعلي أسوة بقسيماتها التي تتحقق بها مدافعة الاستبداد، وهذا يقضي جعلها مضمَّنة في مدارات معرفية في مساقات منهجية لا تقف عند حدود الأبحاث والدراسات النخبوية، بل تأخذ بالاعتبار أيضاً مسالك التكوين العلمي في التخصصات العلمية التي لها ارتباطها المباشر بقضايا الفكر والمعرفة بسياقيها الشرعي والإنساني، ومن أهم هذه المساقات مساق التنشئة السياسية في مسارها ببعديه الفكري والسلوكي متلازمين، واحتضان هذا المساق وأمثاله في المؤسسات التعليمية بمختلف صورها ومظاهرها ومراكز البحوث والدراسات، والتأكيد عليها ليس فقط في إطارها الفردي بل كذلك في إطارها التشبيكي الجمعي، مع ضرورة تناولها منهجياً في سياق التكامل المعرفي الذي يجسر بين علوم الشريعة والعلوم الإنسانية.

والبحث في ختامه ينساق مع السؤال المركزي الذي طرحه مركز الحضارة للدراسات والبحوث توافقاً ونقلاً وتبنياً وتشاركاً في بحثه، وهو يتطلب ولا شك جهداً جماعياً من المتخصصين في المساقين السياسي والشرعي، والسؤال هو: كيف يمكن إعادة مأسسة النظام السياسي الإسلامي على أسس: قواعد دستورية الشريعة، قانونية الدولة، تمثيلية الدولة للجماعة، قسمة وظائف الدولة بين مؤسسات الحكم درءاً للاستبداد، وجوبية الشورى وإلزاميتها في كل مستويات صنع القرار، وجوبية الرقابة ومأسسة التقويم والمحاسبة، حماية حقوق التعبير والاختلاف ومأسستها، تقنين مبدأ اختيار الأمة ودورية التغيير درءاً للفساد وتفعيلاً لدور المجتمعات؟

المراجع

1)أسس مساءلة الحاكم في الخبرة الإسلامية، د.مصطفى جابر العلواني، محاضرات النظم السياسية المقارنة، برنامج الماجستير، قسم السياسة الشرعية والشأن العام، أكاديمية بناء العالمية لإعداد العلماء، 2017م.

2)البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي، فريد الأنصاري، ط1، القاهرة: دار السلام، 1430هـ/2009م.

3)تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك وسياسة الملك، أبو الحسن الماوردي، ط2، بيروت: مركز ابن الأزرق لدراسات التراث السياسي، 1432هـ/2012م.

4) الحوار مع الغرب آلياته، أهدافه، دوافعه، د.منى أبو الفضل وآخرون، ط1، دمشق: دار الفكر، 1429ه/2008م.

5)دور أهل الحل والعقد في النموذج الإسلامي لنظام الحكم، د.فوزي خليل، القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1417هـ/1996م.

6)سلوك المالك في تدبير الممالك، ابن أبي الربيع، تحقيق وتعليق وترجمة د.حامد عبدالله ربيع، القاهرة: مطابع دار الشعب، 1400هـ/1980م.

7)الشرعية بين فقه الخلافة وواقعها، د.أماني صالح، ط1، القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1427هـ/2006م.

8)طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، عبدالرحمن الكواكبي، ط3، القاهرة: دار البشير ، 1439هـ/2018م.

9)الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ابن قيم الجوزية، ط1، مكة المكرمة: دار عالم الفوائد، 1428هـ.

10)في نظرية الإصلاح الثقافي مدخل لدراسة عوامل الانحطاط وبواعث النهضة، محمد يتيم، ط1، بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2012م.

11)القرآن الكريم ورؤية العالم مسارات التفكير والتدبير، د.عبدالسلام الطويل (تحرير)، ط1، الرباط: الرابطة المحمدية للعلماء، 1436هـ/2015م).

12)المدخل المنهاجي لدراسة النظم السياسية العربية، د.منى أبو الفضل، ط1، القاهرة: دار السلام، 1434هـ/2013م.

13)مدخل في دراسة التراث السياسي الإسلامي، د.حامد عبدالله ربيع، ط1، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 1428هـ/2007م.

14) مدخل القيم إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، د.سيف الدين عبدالفتاح، ط1، القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1419ه/1999م.

15)مفاهيم محورية في المنهج والمنهجية، د.منى أبو الفضل بالاشتراك، ط1، القاهرة: دار السلام، 1430هـ/2009م.

16)المنظور الحضاري الإسلامي ودراسة النظم السياسية، د.باكينام الشرقاوي، في: نحو دراسة النظم السياسية من منظور حضاري مقارن مداخل منهاجية، تحرير مركز الحضارة للدراسات والبحوث، ط1، القاهرة: مفكرون الدولية للنشر والتوزيع، 1439هـ/2018م. 

17)ميراث الاستبداد، د. إبراهيم البيومي غانم، ط1، القاهرة: نيو بوك، 2018م.

18)نظريات التنمية السياسية المعاصرة دراسة نقدية مقارنة في ضوء المنظور الحضاري الإسلامي، نصر محمد عارف، هيرندن – فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1992م.

19)النظرية السياسية من منظور حضاري إسلامي، د.سيف الدين عبدالفتاح، ط1، عمان – الأردن: المركز العلمي للدراسات السياسية، 2002م.

20)الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية: دراسة منهجية في النظرية السياسية الإسلامية، د.حامد عبدالماجد قويسي، ط1، القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1413هـ/1993م.

                                                                                       

*  فارس عزاوي: باحث في مركز رؤيا للبحوث والدراسات.   faresbeija@gmail.com

[1]  ميراث الاستبداد، د. إبراهيم البيومي غانم، ط1 (القاهرة: نيو بوك، 2018م)، ص7-8.

[2]  هو المستشار طارق البشري.

[3]  القرآن الكريم ورؤية العالم مسارات التفكير والتدبير، د.عبدالسلام الطويل (تحرير)، ط1 (الرباط: الرابطة المحمدية للعلماء، 1436هـ/2015م).

[4]  سلوك المالك في تدبير الممالك، ابن أبي الربيع، تحقيق وتعليق وترجمة د.حامد عبدالله ربيع، (القاهرة: مطابع دار الشعب، 1400هـ/1980م)، ج1ص17.

[5]  المدخل المنهاجي لدراسة النظم السياسية العربية، د.منى أبو الفضل، ط1 (القاهرة: دار السلام، 1434هـ/2013م) ص117.

[6]  المنظور الحضاري الإسلامي ودراسة النظم السياسية، د.باكينام الشرقاوي، في: نحو دراسة النظم السياسية من منظور حضاري مقارن مداخل منهاجية، تحرير مركز الحضارة للدراسات والبحوث، ط1 (القاهرة: مفكرون الدولية للنشر والتوزيع، 1439هـ/2018م)، ص87-89. 

[7]  المرجع نفسه، ص88، مفاهيم محورية في المنهج والمنهجية، د.منى أبو الفضل بالاشتراك، ط1 (القاهرة: دار السلام، 1430هـ/2009م)، ص30.

[8]  نظريات التنمية السياسية المعاصرة دراسة نقدية مقارنة في ضوء المنظور الحضاري الإسلامي، نصر محمد عارف، (هيرندن – فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1992م)، ص79 فما بعدها.

[9] مدخل القيم إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، د.سيف الدين عبدالفتاح، ط1 (القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1419ه/1999م)، ص88.

[10] الحوار مع الغرب آلياته، أهدافه، دوافعه، د.منى أبو الفضل وآخرون، ط1 (دمشق: دار الفكر، 1429ه/2008م)، ص33.

[11]  المنظور الحضاري الإسلامي ودراسة النظم السياسية، ص90 فما بعدها، مدخل في دراسة التراث السياسي الإسلامي، د.حامد عبدالله ربيع، ط1 (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 1428هـ/2007م)، ج1ص198، وللاستزادة في مركزية البعد العقيدي انظر: الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية: دراسة منهجية في النظرية السياسية الإسلامية، د.حامد عبدالماجد قويسي، ط1 (القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1413هـ/1993م).

[12]  دور أهل الحل والعقد في النموذج الإسلامي لنظام الحكم، د.فوزي خليل، (القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1417هـ/1996م)، ص23.

[13]  المنظور الحضاري الإسلامي ودراسة النظم السياسية، ص105.

[14]  المرجع نفسه، ص139-141، دور أهل الحل والعقد في النموذج الإسلامي لنظام الحكم، ص40.

[15]  النظرية السياسية من منظور حضاري إسلامي، د.سيف الدين عبدالفتاح، ط1 (عمان – الأردن: المركز العلمي للدراسات السياسية، 2002م)، ص316.

[16]  الشرعية بين فقه الخلافة وواقعها، د.أماني صالح، ط1 (القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1427هـ/2006م)، ج1ص20.

[17] المدخل المنهاجي لدراسة النظم السياسية العربية، ص128-139، الشرعية بين فقه الخلافة وواقعها، ج2ص749، د.حامد ربيع، مدخل في دراسة التراث السياسي الإسلامي، ج2ص59.

[18]  تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك وسياسة الملك، أبو الحسن الماوردي، ط2 (بيروت: مركز ابن الأزرق لدراسات التراث السياسي، 1432هـ/2012م)، ص126.

[19]  طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، عبدالرحمن الكواكبي، ط3  (القاهرة: دار البشير ، 1439هـ/2018م)، ص8.

[20]  المرجع نفسه، ص168.

[21]  في نظرية الإصلاح الثقافي مدخل لدراسة عوامل الانحطاط وبواعث النهضة، محمد يتيم، ط1 (بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2012م)، ص107-111.

[22]  المدخل المنهاجي لدراسة النظم السياسية العربية، ص131.

[23]  نحو دراسة النظم السياسية من منظور حضاري مقارن: مداخل منهجية، ص16-17.

[24]  البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي، فريد الأنصاري، ط1 (القاهرة: دار السلام، 1430هـ/2009م)، ص61.

[25]  الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ابن قيم الجوزية، ط1 (مكة المكرمة: دار عالم الفوائد، 1428هـ)، ص47.

[26]  أسس مساءلة الحاكم في الخبرة الإسلامية، د.مصطفى جابر العلواني، محاضرات النظم السياسية المقارنة، برنامج الماجستير، قسم السياسة الشرعية والشأن العام، أكاديمية بناء العالمية لإعداد العلماء، 2017م.

[27]  النظرية السياسية من منظور حضاري إسلامي، ص366.

اترك تعليقاً