التكنولوجيا والاستبداد: وسائل التواصل الاجتماعي ونهاية النظام العالمي الليبرالي

Technology and Tyranny: Social Media and the End of the Liberal World Order

المؤلف: Jean-Marie Chenou

ترجمة: إبـراهيم كرثيـــو

 وحدة المعلومات والتقنية- مركز المجدد للبحوث والدراسات

المقال الأصلي

مقدمة

في سنة 2009 تم صياغة مصطلح “ثورة تويتر” (Twitter revolution) لوصف الطريقة التي استخدم فيها المتظاهرون تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وخاصةً وسائل التواصل الاجتماعي، من أجل التعبير عن قضاياهم ونشرها في سياقات مختلفة مثل الانتخابات البرلمانية في مولدوفا والانتخابات الرئاسية في إيران. في السنوات الأخيرة، قدم الربيع العربي وأحداث يورومايدان [1] في أوكرانيا مزيدًا من الأدلة على أهمية وسائل التواصل الاجتماعي في حشد وتنظيم  الاحتجاجات الاجتماعية. وفي حين كان دور وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التعبئة مبالغًا فيه بعض الشئ في التقارير والكتابات الصحفية والأكاديمية (Mejia، 2010)، إلا انه كان هناك اتجاه عام يعترف بقوة وتأثير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وإسهامها في عملية التحول الديمقراطي. ومع ذلك، وبعد خمس سنوات من احداث الميدان الأوروبي (يورومايدان) بدا وكأن المد قد انحسر. في عام 2016، اختار قاموس أكسفورد كلمة “ما بعد الحقيقة” “post-truth” لتكون كلمة العام. وفي نفس السنة، اتُهمت وسائل التواصل الاجتماعي بالترويج لانتخاب الرئيس دونلاد ترامب في الولايات المتحدة ونجاح حملة إستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي – بريكسيت – وغيرها من الأحداث السياسية الأخرى. لم تكن هذه النتائج تتعارض مع القيم الليبرالية فحسب – التي  من المفترض أن تروّج لها وسائل التواصل الاجتماعي- بل كانت أيضاً تشكك في فكرة الحملة السياسية الديمقراطية. كما كان لنشر الأخبار الكاذبة  وتدخل القوى الأجنبية والاستخدام غير القانوني في بعض الأحيان من أجل الاستهداف السياسي الجزئي دورًا أساسيًا في كلتا الحملتين (الانتخابات الامريكية واستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي) وربما أثر على النتائج القريبة في كلا الحالين.

ماذا حدث في السنوات الخمس الماضية؟ هل كنا جميعاً مخطئين وساذجين بشأن وسائل التواصل الاجتماعي في أوائل سنة 2010، بينما كان يتم تمهيد الطريق نحو الاستبداد؟. إن العلاقة بين تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والديمقراطية والاستبداد هي علاقة معقدة. إن الموجة التشاؤمية الحالية حتمية مثل الموجة السابقة من التفاؤل التقني. يقدم الجزء المتبقي من المقالة تحليلًا أكثر دقة حول هذا الموضوع ومؤكداً على النقاط التالية: أولاً، لا توجد حتمية في العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع. ثانيًا، تساهم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي في ظهور الاستبداد بالمعنى الكلاسيكي للمصطلح. ومع ذلك، فهي أيضًا أدوات للمقاومة. أخيرًا، يجب فهم العلاقة بين التكنولوجيا والاستبداد في سياق تعثر النظام الليبرالي العالمي.

العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع

وسائل التواصل الاجتماعي، مثلها مثل جميع التقنيات الاخرى، لا يمكن إعتبارها جيدة أو سيئة بشكل أساسي للديمقراطية. إن الرؤية التقنية المتفائلة التي سادت منذ تسعينيات القرن العشرين وحتى سنة 2016 رأت في انتشار الإنترنت وظهور الجيل الثاني للويب  ووسائل التواصل الاجتماعي تقدمًا تقنيًا نحو  الديمقراطية لا يمكن إيقافه. وقد استند هذا الخطاب إلى المقارنة الخاطئة بين الطبيعة الموزعة والأفقية للبنية التحتية التكنولوجية للإنترنت والعلاقات الاجتماعية الأفقية التي ستنشأ بالضرورة عند استخدامها. منذ سنة 2016 يسود في النقاشات العامة خطاب متشائم حول العلاقة بين التكنولوجيا والديمقراطية. وعلى غرار الخطاب التقني المتفائل في التسعينات،  فإن الخطاب المتشائم الحالي يفترض رؤية حتمية للتكنولوجيا. توصف الخوارزميات التي تستخدمها وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الإنترنت بأنها “أسلحة الدمار الحسابيّ” (O’Neil, 2016) أو “خوارزميات القمع ” (Noble, 2018). وفي حين أنه من الضروري الاعتراف بفاعلية التكنولوجيا في التحولات الحالية، فمن المهم أيضًا التأكيد على أن هذه الفاعلية لا تعمل على تجريد الهياكل الاجتماعية الموجودة مسبقًا. من الممكن أن تساهم دراسات العلوم والتكنولوجيا في فهم العلاقة بين التكنولوجيا والسياسة العالمية (McCarthy, 2017). يساعد تحليل البناء المشترك بين التكنولوجيا والمجتمع على تجنب الحتميات الاجتماعية والتكنولوجية ويصف مرونة التغيير التكنولوجي. إن التكنولوجيا “تُدمج  وتترسخ في الممارسات الاجتماعية، الهويات، المعايير، الاتفاقيات، الخطابات، الأدوات  والمؤسسات – باختصار  يمكن ان تندمج التكنولوجيا في كل اللبنات الأساسية لما نطلق عليه مصطلح المجتمع ” (Jasanoff, 2004, pp. 3-4). كما هو موضح في الأقسام التالية، يتم استخدام نفس تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي من قبل الأنظمة الاستبدادية وفي صعود الطغاة، وكذلك كأدوات للمقاومة. وفي كلتا الحالتين، يتم المشاركة في إعادة تعريف النظام العالمي.

تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والاستبداد

يوجد تشابه مثير للاهتمام بين الوضع السياسي الحالي في العديد من البلدان حول العالم وبين الطريقة التي وصف بها أفلاطون صعود الاستبداد قبل 24  قرنًا تقريبًا في كتابه الجمهورية (Plato, 2006). أولا، الاستبداد ينبع من الديمقراطية. وكما يقول أفلاطون، “إن الرغبة المفرطة للحرية وإهمال أمور أخرى  من شأنه أن يسبب تغييراً في الديمقراطية، الامر الذي يستدعي المطالبة بالاستبداد ” (Plato, 2006, p. 559). في إعادة تفسيره الحديث لكتاب الجمهورية، يصر باديو (2006 ،Badiou) على أن هذا الإفراط في الحرية هو في الواقع تجاوز لنوع محدود من الحرية، تم اختزاله في “الإشباع الإجباري للرغبات الشخصية من خلال الأشياء المتاحة في السوق” (Badiou, 2006, p. 274). إن تجاهل كل ما لا يخصك يسمى” استقلالية الذات البشرية “. والتخلص من كل مبدأ مرتبط بالحياة الجماعية يسمى “الحرية الشخصية”. و تعتمد الحياة المهنية الأكثر قسوة وشراسة على الاسم المنمق “النجاح الاجتماعي”. بينما يسمى أقل قدر من الاهتمام إزاء العمال، أو العاملين من المستوى الأدنى، أو صغار المزارعين، بالـ “شعبوية”. وتسمى الدعوة إلى عدم اللامساواة الفاحشة، وتناحر الناس فيما بينهم، وقمع الشرطة لأفقر الناس في المجتمع “شجاعة الانطلاق من الواقع”(Badiou, 2006, p. 272).

وعلى ضوء هذا، يظهر الطاغية كحامي للشعب مثلاً ضد “الطائرات بدون طيار”، وضد تجاوزات الحرية. ومع ذلك، فإن الحامي يتحول في نهاية المطاف إلى حاكم استبدادي (أوتوقراطي). وتجدر الإشارة هنا إلى ثلاثة عناصر لأسلوب الطاغية والتي وصفها أفلاطون من أجل تحليل الدور الحالي لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي في ظهور الاستبداد. أولاً، يمتلك الطاغية “عصابة كبيرة تحت تصرفه بالكامل”. ثانيًا، يستخدم “الاتهام الباطل” كأسلوبه المفضل. ثالثًا، “إنه دائمًا ما يثير بعض الحروب أو غيرها، حتى يحتاج الناس إلى قائد” (Plato, 2006, p. 566). تعد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أدوات قوية لجمع حشد من الأتباع، وإلقاء الإتهامات الباطلة والكاذبة، وإثارة الصراعات مع المعارضين، والمنتقدين والقادة الأجانب. إن أول ما يتبادر للذهن فورا عند ذكر هذه الطرق الثلاث هو الرئيس ترامب لتويتر وكتوضيح لهذه الأساليب الثلاثة (انظر التغريدات أدناه)، كما يوجد العديد من الأمثلة الأخرى.

إن العلاقة المباشرة بين القادة الذين يقدمون أنفسهم كحماة للشعب ضد النخب الديمقراطية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الإنترنت تسمح بنشر المعلومات والاتهامات والتهديدات كاذبة. إن غياب الوساطة بين “الحماة” وأتباعهم يسهل تطبيق الأساليب الاستبدادية للحملات والحكم في سياق أزمة ديمقراطية. وهذا هو السبب في أنه يمكن القول أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لها دور أساسي في ظهور الاستبداد في جميع أنحاء العالم.

تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والمقاومة

يزدهر عدد لا يحصى من الممارسات البديلة والمقاومة،  ضد الاستخدامات المهيمنة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. فالتكنولوجيا ذاتها التي تسمح للسيطرة على الغوغاء من قبل القادة المناهضين للديمقراطية تقدم أيضًا أدوات جديدة للنشاط والحركات الاجتماعية والسياسات التحررية. تمكنت الاحتجاجات العابرة للحدود على الإنترنت من التأثير على أجندة السياسية العالمية على مدى السنوات القليلة الماضية. المثال الأكثر لفتا للانتباه من الماضي القريب هو حركة MeToo# ضد التحرش الجنسي، والتي انتشرت بشكل كبير منذ أكتوبر 2017. ولهذه الحركة العالمية ترجمات في أكثر من 85 دولة. وتوضح حركة MeToo#  الأهمية العالمية لما تحلله الصحفية البريطانية كيرا كوكرين كموجة رابعة من النسوية “التي تعرفها بالتكنولوجيا”.

لم يختف تنظيم وتغطية الاحتجاجات عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الخمس الماضية. في عام 2016، على سبيل المثال، بينما ركز المعلقون على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والانتخابات الرئاسية الأمريكية، استخدم طلاب من مختلف الجامعات في كولومبيا وسائل التواصل الاجتماعي لتنظيم مسيرات حاشدة للدفاع عن اتفاقية السلام مع حرب العصابات المسلحة الثورية الكولومبيا  (فارك) بعد فشل المصادقة على الاستفتاء. ولا تزال قنوات الاتصال التي تم إنشاؤها في عام 2016 بين الجامعات مفيدة وفعالة في الاحتجاجات الحالية لدعم التعليم العالي العام في عام 2018. يؤدي استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لأغراض تحررية إلى خلق مساحات سياسية بديلة ومعاني بديلة للثورة الرقمية (Chenou & Castiblanco, 2018). لا تزال إمكانات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مجال التحول الديمقراطي قائمة. كان أحد الأخطاء هو الاعتقاد بأن إمكانات الدمقرطة هذه كانت السمة الرئيسية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات عندما كانت الممارسات والخطابات المهيمنة تهدف إلى رقمنة الرأسمالية وإلغاء ضوابطها وإدامة هياكل السلطة الموجودة مسبقًا (Morozov, 2011).

نهاية النظام الليبرالي

يجب فهم الممارسات التكنولوجية المختلفة المذكورة في هذه المقالة في سياق إعادة التعريف الحالية للنظام العالمي. بتعبير أدق، فإنها تساعد في تحليل الإنتاج المشترك بين الرقمنة ونهاية النظام العالمي الليبرالي. بدأت رقمنة كل شيء في التسعينيات، خلال العصر الذهبي للعولمة والليبرالية. وكانت التكنولوجيا الرقمية وسيلة قوية للعولمة الرأسمالية ونشر الأفكار والممارسات الليبرالية. حوكمة الإنترنت، وفيما بعد تنظيم الأسواق الرقمية، يتوافقان مع توليفة بين الليبرالية الجديدة والليبرالية السيبرانية (Chenou, 2014). ومن خلال اتباع نهج “عدم التدخل” تجاه تنظيمات الدولة والاعتقاد “بالابتكار غير المرخص”، ساهم تطوير الفضاء السيبراني في فك ارتباط الحرية من أغراض سياسية أخرى.

في حين أن الاستخدامات الاقتصادية المهيمنة على  تكنولوجيا الرقمية لا تزال ملتزمة بهذا المنطق، كما ان شركات الإنترنت العملاقة مثل Google و Amazon و Facebook و Apple و Microsoft، لا تزال مترددة في قبول أي نوع من التنظيم، إلا أن أزمة النظام الليبرالي أثارت ردود فعل في الخطابات حول التقنيات الرقمية واستخداماتها. فمن ناحية، يظهر “حماة” الناس المزعومون في سياق أزمة النظام الليبرالي ويستخدمون تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي للفوز بالانتخابات. ومن خلال ذلك، فهم يطبقون ما وصفه أفلاطون بأساليب الطغاة ويشككون في  مبادئ الحكم الديمقراطي. من ناحية أخرى، تُستخدم التقنيات الرقمية أيضًا لصياغة وتعزيز السياسات التحررية. يوضح هذان التفاعلان كيف تستجيب التكنولوجيا لما هو”اجتماعي” (في هذه الحالة، أزمة النظام العالمي الليبرالي)، لكنهما يُظهران  أيضًا على كيف تتنافس الاستخدامات المختلفة للتكنولوجيا من أجل إضفاء اتجاهات جديدة لما هو “اجتماعي”. تشير الأحداث الأخيرة في السياسة العالمية إلى صعود الاستبداد باعتباره النتيجة الأكثر احتمالية لإعادة تعريف النظام العالمي. ومع ذلك، كما رأينا في هذه المقالة، فقد أسفرت الاستخدامات البديلة للتكنولوجيا عن نتائج وأظهرت بعض الإمكانات للتأثير في إعادة تحديد مفهوم النظام العالمي.

:المراجع

  1. Badiou, Alain. 2015. Plato’s Republic: A Dialogue in Sixteen Chapters. New York: Columbia University Press.
  2. Chenou, Jean-Marie. 2014. ‘From Cyber-Libertarianism to Neoliberalism: Internet Exceptionalism, Multi- Stakeholderism, and the Institutionalisation of Internet Governance in the 1990s’. Globalizations 11 (2): 205–23.
  3. Chenou, Jean-Marie, and Rodulfo Armando Castiblanco Carrasco. 2018. ‘#CompartirNoEsDelito: Creating Counter- Hegemonic Spaces Online for Alternative Production and Dissemination of Scientific Knowledge’. In Networks, Movements and Technopolitics in Latin America: Critical Analysis and Current Challenges, edited by Francisco Sierra Caballero and Tommaso Gravante, 177–97. Palgrave Macmillan.
  4. Jasanoff, Sheila. 2004. States of Knowledge: The Co-Production of Science and the Social Order. Routledge.
  5. McCarthy, Daniel R. (ed.) 2017. Technology and World Politics: An Introduction. Routledge.
  6. Mejias, Ulises. 2010. ‘The Twitter Revolution Must Die’. International Journal of Learning and Media 2 (4): 3–5. Morozov, Evgeny. 2011. The Net Delusion. The Dark Side of Internet Freedom. New York, NY: Public Affairs. Noble, Safiya. 2018. Algorithms of Oppression: How Search Engines Reinforce Racism. New York: NYU Press.
  7. O’Neil, Cathy. 2016. Weapons of Math Destruction: How Big Data Increases Inequality and Threatens Democracy . New York: Crown.
  8. 2006. The Republic. San Diego: ICON Group.

 [1] الميدان الأوروبي (بالأنجليزية: Euromaidan) هو اسم يشير إلى الاحتجاجات والاضطراب الأهلي الذي بدأ في ليلة 21 نوفمبر 2013 في أوكرنيا، عندما بدأ مواطنون احتجاجات عفوية في العاصمة كييف بعد أن علقت الحكومة التحضيرات لتوقيع اتفاقية الشراكة واتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي. نتيجة لذلك، طالب المتظاهرون باستقالة الحكومة الحالية، وعزل الرئيس فيكتور يانوكوفيتش، كما طالبوا بانتخابات مبكرة.

اترك تعليقاً